رئيس مجلس الإدارة ابراهيم سعده    رئيس التحرير جمال الغيطاني
المنتدي الحر | دفتر الزوار | الإعلانات | الاشتراكات | الأعداد السابقة
السنة -438ه - العدد 1422رمضانمن17 - م2001ديسمبر من2الأحد
إقرأ في هذا العدد

بتوقيت القاهرة 11:36:40 AM الساعة - 01/12/01 آخر تحديث يوم
      ضواحي الفضفضة
انضباط صارم وجهاد للنفس:
المعجزة التي نسأل كيف حدثت
نعيم صبري
آه يا سالمة يا سلامة
رحنا وجينا بالسلامة
صفر ياوابور واربط عندك
نزلنا في البلد دي
بلا أمريكا بلا أوروبا
مافيش أحسن من بلدي
دي المركب اللي بتجيب
أحسن من اللي بتودي
* * *

تصوروا أن هذه الاغنية هي الوحيدة التي أستطيع تمييز نغماتها الآن، بعد أن شح سمعي.. كل الاغنيات والألحان الأخري، لا أسمعها إلا تشويشا متداخلا مزعجا تعجز أذني عن التقاطها.
جملة عابرة ألقيت بين أخلاط الحديث المتباينة في ندوة الجمعة علي شاطيء النيل، ذلك الحديث المتدفق العفوي الذي يتراوح ما بين برامج ومسلسلات التليفزيون وأعتي معضلات الوضع السياسي.
توقفت عند هذه الجملة في نوبة من نوبات الدهشة الكثيرة التي تنتابني وحملتها الي الصديق عمار الشريعي باعتباره حجة في الموسيقي، فنيا ونظريا. قال لي ببساطة، ليس عندي تفسير. بقي السؤال بلا اجابة، لماذا لا يستطيع الاستاذ تمييز وسماع أي من الألحان والاغنيات، سوي أغنية الشيخ سيد درويش، سالمة يا سلامة؟
في رحلتنا مع الاستاذ، كثير من الاسئلة.
علي مدي ما عرفناه من سيرته الذاتية، كما يجيبنا عنها كلما سألناه بفضول، تثب الي ذهننا تلك الاسئلة علي الدوام. لماذا؟.. وكيف؟... ومنذ البدايات المبكرة.
كيف استطاع أن يتخذ قراره بالتخلي عن موضوع دراسته، الفلسفة، بعد أن انجزها بتفوق؟ وكيف جرؤ علي تكريس حياته لهواية فن مازال في بداياته المبكرة في أدبنا العربي؟
كيف استطاع أن يوازن بهذه البراعة بين اضطراره إلي العمل الحكومي الروتيني، وانطلاقه بدأب غير مسبوق في انتاجه الفني.
وكيف استشرف في طفولته المبكرة مآله المستقبلي، عندما كان ينسخ القصص البوليسية التي يقرؤها في كراسة بخط يده، ثم يكتب علي غلافها بالبنط العريض 'تأليف نجيب محفوظ'، ويتبع ذلك اتماما للحبكة، بذكر اسم الناشر، وهو صبي من احد اقربائه يشترك معه في اللعبة؟
وعندما كتب بحق، كيف اهتدي الي مفتتح رواية 'زقاق المدق' وخاتمة رواية 'بداية ونهاية'؟ كيف كتب الثلاثية؟.. 'واللص والكلاب'؟.. ثم 'الشحاذ'؟ وبعدما ترك حياة التوظف وبدأ مرحلة ما يطلق عليه المعاش أو التقاعد وما يتعارف عليه كبداية النهاية لرحلة الحياة، كيف يكتب عملا مثل 'الحرافيش' أو 'ليالي ألف ليلة؟' ثم كيف يظل قادرا علي استقطار الفن والحكمة في 'أصداء السيرة الذاتية'؟
أما علي مستوي السلوك، فتلك حكاية أخري، انضباط صارم. تقدم لا يحيد نحو ما ارتسمه لنفسه.
جهاد للنفس، وهو أعظم ما انجزه في حياته، ومعذرة اذا قلت، انه يكاد يفوق انجازه الفني الادبي.
وماذا اقصد بجهاد النفس؟
اعتقد أن الاستاذ تعهد علي تدريب نفسه بدأب غير مسبوق علي الاستغناء، لقد استغني تقريبا عن معظم ما هو خارجي عن نفسه مادي الطابع.
استغني عن إغراءات الحياة وغوايات المتعة المستبدة. استغني عن الاحتياجات المادية، الا ما هو ضروري ليقيم الحياة.
هل تعلمون أن ما أصبح يتعامل معه من متع الحياة المادية، انحصر فقط في ثلاث رشفات من فنجان قهوة وحيد، يترك معظمه، وثلاث سجائر. ماذكرت هو بالتحديد ما يحصل عليه الاستاذ من متع الحياة المادية، خلاف المأكل والرداء والدواء.
المال وزعه بالكامل علي أسرته الصغيرة ومجتمعه الاكبر.
لقد قام بتقسيم القيمة المالية لجائزة نوبل الي أربعة أنصبة تقابل عدد أفراد الاسرة الصغيرة. اعطي كل عضو في الاسرة نصيبه، بما فيهم هو نفسه. وماذا فعل بنصيبه؟ حار يومها في كيفية التصرف فيه وسألنا نحن المحيطين به، اقترحنا عليه اقتراحات شتي، فاجأنا بالتبرع بنصيبه لبريد الاهرام، ولم يترك التبرع مفتوحا، لكنه طلب ايداعه وديعة مصرفية وحدد أول ريع لها ليقدم الي جمعية الهلال الاحمر الفلسطيني، علي أن يترك لبريد الاهرام حرية توجيه ريع الوديعة في السنوات التالية.
تأملت كثيرا لماذا الهلال الاحمر الفلسطيني؟
لماذا اختار الاستاذ ابن الحضارتين الفرعونية والاسلامية كما قدم نفسه في خطاب الاحتفال بتسليم جائزة نوبل للآداب، أقول لماذا اختار الهلال الاحمر الفلسطيني؟
في حدود اجتهادي، فانه أراد في الاساس توجيه نصيبه من المقابل المادي للجائزة الي عمل الخير كما هو واضح.
ولكن، تري أي خير ومعاناة الانسان في هذه الدنيا تفوق قدرة الضمير علي الاحتمال؟
اعتقد أن الاستاذ سأل نفسه عنها، من هو بالضبط؟ هو في الاساس ، انسان مهموم بآلام البشرية. عربي مصري.
يريد أن يسهم وأن يلفت الانظار الي مأساة جسيمة، فاتجه حسب ماقادته بصيرته، الي الهلال الاحمر الفلسطيني.
جمعية مدنية لانقاذ ضحايا شعب عربي، عاني فوق طاقة البشر، تحت سمع وبصر المجتمع الدولي في قمة تقدمه المادي، مع نهاية الالفية الثانية بعد ميلاد السيد المسيح الذي بشر قائلا: 'أحبوا أعداءكم'.
هو دائما يريد أن يلفت الانظار، حتي عندما تموج النفس والدنيا جميعا بالافراح.
لقد تساءل بهدوء في خطاب الاحتفال بتسلم جائزة نوبل:
سادتي،
لعلكم تتساءلون: هذا الرجل القادم من العالم الثالث، كيف و جد من فراغ البال ما أتاح له أن يكتب القصص؟
وأجاب:
وهو تساؤل في محله.. فأنا قادم من عالم ينوء تحت أثقال الديون، حتي ليهدد سدادها بالمجاعة أو ما يقاربها. يهلك منه أقوام في آسيا من الفيضانات، ويهلك آخرون في افريقيا من المجاعة. وهناك في جنوب افريقيا ملايين المواطنين قضي عليهم بالنبذ والحرمان من أي من حقوق الانسان في عصر حقوق الانسان، وكأنهم غير معدودين من البشر. وفي الضفة وغزة، أقوام ضائعون، رغم انهم يعيشون فوق أرضهم وأرض آبائهم وأجدادهم، وأجداد اجدادهم، هبوا يطالبون بأول مطلب حققه الانسان البدائي، وهو أن يكون لهم موضع مناسب يعترف لهم به. فكان جزاء هزتهم الباسلة النبيلة ­ رجالا ونساء وأطفالا ­ تكسيرا للعظام وقتلا بالرصاص وهدما للمنازل وتعذيبا في السجون والمعتقلات.
ثم ينهي خطابه صارخا:
أنقذوا المستعبدين في الجنوب الافريقي، انقذوا الجائعين في افريقيا، انقذوا الفلسطينيين من الرصاص والعذاب، بل انقذوا الاسرائيليين من تلويث تراثهم الروحي العظيم، انقذوا المديونيين من قوانين الاقتصاد الجامدة.
وأنهي معتذرا.
سادتي،
معذرة. اشعر بأني كدرت شيئا من صفوكم، ولكن ماذا تتوقعون من قادم من العالم الثالث، أليس كل إناء بما فيه ينضحï؟

واحد من قلائل أعادوا خلق مصر
أحمد الخميسي
أحاول أن أري في خيالي الأستاذ نجيب محفوظ محاطا بأسرته وأصدقائه المقربين وهو يحتفل بعيد ميلاده. أحاول لعلني بذلك أصبح قريبا منه في هذه اللحظة لأقول له مع الكثيرين: كل عام وأنت طيب. أحاول أن أتخيل الكاتب الكبير وهو يلقي نظرة بهذه المناسبة يتأمل بها رحلته الطويلة وعطاءه الضخم، وأملي في خيالي أنه سعيد بكل ما قدمه رغم ما تكبده في سبيل رسالته ورغم ما قاله عنه 'حياة الرهبنة' الصارمة. لقد قدم نجيب محفوظ نموذجا انسانيا نادرا­ وربما وحيدا­ في تاريخ الأدب العربي لما ينبغي أن يكون عليه الكاتب الكبير علي المستوي الأخلاقي، والفلسفي، والانساني، والأدبي. وقد يكون الاحتفال بعيد ميلاد نجيب محفوظ مناسبة لإلقاء بعض الضوء علي الاهتمام الخاص الذي تمتع به أدبينا الكبير من جانب الاستشراق الروسي قبل وبعد فوزه بجائزة نوبل. فقد أعدت رسائل دكتوراة جامعية كثيرة تناولت مختلف جوانب مسيرة محفوظ الأدبية، بعضها أعده باحثون عرب، وبعضها مستشرقون منها 'الثلاثية إبداع الواقعية النقدية' للباحث المعروف روشين، و'الروايات الاجتماعية الأولي لمحفوظ' لطاش محمد وفا، ثم 'قضية البطل عند نجيب محفوظ 'للسيدة أ. ناد' وغيرها. وخصصت فالنتينا تشيرنوفسكايا وهي مستشرقة معروفة فصلا مطولا في كتابها 'الانتلجنسيا المصرية' تحت عنوان 'نموذج المثقف المصري في رواية 'المرايا'، وهي قراءة خاصة وممتعة لذلك العمل. وبشكل عام اعتبر الاستشراق الروسي ان محفوظ أضخم ظاهرة أدبية في الأدب العربي وأنه علي حد قول فاليريا كيربتشنكو: 'يذكرنا بالعمالقة الكبار ديكنز، وبلزاك، وغيرهما'، وكانت كيربتشنكو قد كتبت دراسة طويلة وعميقة تحت عنوان 'البحث عن طريق' تناولت فيها بالتحليل والنقد الروايات الست لنجيب محفوظ، وطابعه التقدمي المستنير، وعدائه للظلم الاجتماعي، قاد المستشرقون الروس إلي اضطراب النظرة إليه مرة باعتباره أفضل ممثل للواقعية النقدية، ومرة أخري باعتباره من أنصار الماركسية تحتشد رواياته بوافد من تيار الواقعية الاشتراكية. وعلي سبيل المثال اعتبر المستشرق 'علي زادة' في رسالة دكتوراة أن: 'جوهر أعمال نجيب محفوظ هو الرفض الكامل للنظام الرأسمالي وتصوير حتمية انهيار المجتمع البرجوازي'. ويضيف علي زادة أن: 'نجيب محفوظ وهو يتنبأ بمستقبل مصر الاشتراكي أثر تأثيرا ايجابيا وعميقا في مجمل الأدب المصري والعربي'.
وربما كانت فاليريا كيربتشنكو المستشرقة الوحيدة التي حاولت وضع يدها علي بعض الركائز الفكرية­ الفلسفية الرئيسية في أدب نجيب محفوظ، وتشير كيربتشنكو إلي أهمية الدعوة الأخلاقية في أدب محفوظ وإن كانت لا تستند إلي برنامج اجتماعي، وإلي أن 'قضية المبادئ الأخلاقية لدي الانسان' تشكل الفلسفة التي تقوم عليها أعمال محفوظ الأدبية. ولعل كتاب الناقد الكبير ابراهيم فتحي 'العالم الروائي عند نجيب محفوظ' هو أعمق ما ظهر في النقد العربي في سياق البحث عن الرؤية الفلسفية لعالم نجيب محفوظ. فقد عثر إبراهيم فتحي علي المفتاح الحقيقي الأساسي لفهم نجيب محفوظ حيث تحدث عن 'الجبرية المثالية' التي تحكم رؤي محفوظ للعالم، وما تشتمل عليه من الايمان بالتقدم: 'كضرورة نابعة من مجرد تعاقب السنين وتحقيقا لمبدأ العدالة المجردة الكامن في طبيعة العالم' إنه إيمان بأن الزمن بطبيعته يمضي بالبشرية نحو التقدم، وهو مفهوم يختلف كل الاختلاف عن الإيمان بالحتمية التاريخية للتقدم علي أساس الصراع الاجتماعي. وبذلك وضع ابراهيم فتحي حجر الزاوية لفهم عالم محفوظ الخصب والثري. ولعل مكتبة الأسرة تعيد لنا طباعة كتاب ابراهيم فتحي الذي يستحيل بدونه فهم عالم الأديب العملاق فهما حقيقيا.
قلت في البداية ان عيد ميلاد نجيب محفوظ قد يكون مناسبة لإلقاء بعض الضوء علي مكانة أديبنا العظيم وبعض الدراسات المهمة التي صدرت عنه في الخارج وفي النقد العربي. ومع ذلك فإن شعورا قويا يستولي عليٌ بأن التحليل والبحث في عيد ميلاد أديبنا العملاق أمر ممجوج، وأن أعياد الميلاد مناسبة للابتهاج بها فحسب، وفرصة للتعبير عن المحبة والتقدير الكبيرين لاسم نجيب محفوظ، وحياته، وإنجازه الاسطوري. وكل عام وأنت طيب وفي أفضل صحة يا أستاذ نجيب. فقد حفرت بنصف قرن من العمل المنهك اسم الرواية العربية جنبا إلي جنب مع شوامخ الأدب العالمي، ومع ذلك اعتبرت علي حد قولك إن كل ما قمت به هو مجرد: 'اجتهاد أديب عربي أخلص لعمله باستحق تقدير المخلصين'.
أحاول أن أري في خيالي الأستاذ نجيب محفوظ محاطا بأسرته وأصدقائه المقربين سعيدا، وراضيا في هذا اليوم، علي الأقل لأنه يدرك أننا جميعا أبناء لمصر، ولكن مصر طفلة عدد قليل من أبنائها الذين أعادوا خلقها وفي مقدمتهم: نجيب محفوظ.
بحث  

العدد الحالي
  الأعداد السابقة

الصفحة الرئيسية | ساحة الأخبار | تحقيقات | رسائل | شرق وغرب | البستان | ساحة الإبداع | كتب | أحداث | جسر الحنين | نقطة عبور
المنتدي الحر | دفتر الزوار | الإعلانات | الاشتراكات | الأعداد السابقة

All site contents copyright ) 2000 Dar Akhbar El Yom.
للأستفسار أو طلب معلومات يرجي مراسلتنا علي العنوان التالي
akhbarelyom@akhbarelyom.org

Best viewed with Internet Explorer 4.0, Netscape 4.0 or above with a resolution of 800 X 600 .

Website Develped By: