|
|
 |
 |
| بتوقيت القاهرة |
 |
11:09:51 AM |
 |
الساعة - |
 |
01/12/01 |
 |
آخر تحديث يوم |
|
| رسائلء |
 |
|
|
كما لو أنه آمن أن التاريخ
ليس إلا خدعة:
نبوءة أولي للخراب المحتمل
 | في روايته زقاق المدق يعبر بقدرة مدهشة عن تحولات الأزمنة التي تعيد خلق مصائر البشر |
|
فيصل دراج
اتكأ الفكر التنويري في العالم العربي وخارجه، أو العكس، علي فكرة التقدم، التي تري في مسار التاريخ ارتقاء لايقاوم. توزعت هذه الفكرة علي جملة من المقولات المرتبطة بها، تعٌين الإنسان كيانا مبدعا، المعرفة سيرورة متراكمة، والسياسة تعبيرا عن الفرد، الذي اكتشف فرديته وأحسن التصرف بها. وبسبب هذه العناصر تكون حركة التاريخ هي حركة تقدمه، وماعلي الإنسان إلا أن يتأمل الحركة الصاعدة، أو أن يدفعها من خارجها لا أكثر.
لم تكن هذه الأفكار غريبة عن نجيب محفوظ، حين بدأ الكتابة في مجلة سلامة موسي ولم يبلغ العشرين بعد. ولعل هذه الأفكار هي التي جعلت منه ديمقراطيا متسقا، لايؤمن بمصادرة حركة التاريخ أو إعاقتها، ولايقبل بالمراجع السياسية التي تعتقل الإرادة الإنسانية، وتحرم الإنسان من حقه في الاقتراح والاختيار. وسواء أعلن محفوظ عن هذه الأفكار أم لم يعلن عنها، فإن في الجنس الأدبي الذي اختار أن يكتب فيه، وغدا فيه مرجعا وبداية حاسمة، ما أعلن عن إيمانه بالتقدم، وعن ثقته بتاريخ إنساني ينزع، لزوما، إلي الحرية والانعتاق والمقصود بذلك، بداهة، هو الجنس الروائي، الذي ينطلق من موضوع الإنسان، ويتأمل الموضوع في فضاء واسع هو: التاريخ.
يفصح التقدم عن ذاته في حركة التاريخ، التي ïتقصي السلبي، وحدوده الظلم والجهل والأستبداد، وتنصر الإيجابي، وآفاقه العدل والحرية وتحرر الإنسان لذا كان علي محفوظ الشاب، الذي درس الفلسفة، أن يذهب مبكرا إلي موضوع التاريخ، وإلي التاريخ الذي يخصه أولا، أي التاريخ المصري القديم. فترجم، قبل أن يكتب الرواية، كتاب 'مصر القديمة'
لجميس بيكي، الذي نشر في عام 1932 وهذا الكتاب المدرسي ترك آثاره في روايات محفوظ التاريخية، وهي مفتتح كتابته الروائية، مثل: عبث الأقدار، كفاح طيبة ورادو بيس.
ومع أن الالتفات إلي التاريخ، وكما بينت د. فاطمة موسي في دراساتها النيرة، يرد إلي وعي رومانسي وإلي تأثر بالرواية التاريخية المترجمة، فإن في هذا الالتفات أسبابا أخري تنفتح، لزوما، علي موضوع التقدم. فالعودة إلي تاريخ قديم تطلب من أجل أحد سببين رئيسيين أو من أجل كلاهما معا: يتعين المطلب الأول في إعلان مقصود لدروس التاريخ، القائلة بنهاية الظلم والظالمين، وبإرادة الشعب المصري القادرة علي محاربة الظلم وإسقاطه ويظهر السبب الثاني في الكشف عن تاريخ مهيب جليل قديم، هو التاريخ الفرعوني، الذي علي تاريخ مصر الجديدة
أن يكون امتدادا له، وأن يكون جديرا بالانتساب إليه كأن محفوظ وهو يقترب، لاحقا، من التاريخ اليومي المعاش أراد، في رواياته الأولي ان يخبر عن معني التاريخ أولا، وهو تحول وتبدل وارتقاء، وأن يحرض المصريين علي وعي معني التاريخ، وعلي خلق تاريخ جديد، يحقق العدل والحرية والاستقلال، ويساوي تاريخا مجيدا مضي.
وبسبب ذلك كان موضوع التغير والتبدل والتحول مسيطرا علي روايته
'القاهرة الجديدة'، حيث السلطة تغير من ينتسب إليها، وحيث الحياة تغير السلطة والناس معا ومع أن الرواية لا تدور، ظاهريا، حول السلطة وتحولاتها، فإن، في منطقها الداخلي، مايدافع عن التقدم وينصره. وآية ذلك السقوط المدوي للفردية اللا أخلاقية، كما لو كانت الحياة تؤازر الأخلاقي وتحميه، لافظة من يسفه الأخلاق ويعبث بها وبهذا المعني، فإن الرواية لم تدخل إلي موضوع التقدم من مدخل الصراع السياسي أو الوطني ولا حتي الصراع الاجتماعي، رغم وجوده، بل من باب القيم، مؤكدة انتصار الصحيح ولوبعد حين، ذلك أن مآل اللا أخلاقي المهزوم نموذج بدئي، أو نموذج نمطي، بلغة ليست من هذا الزمان، لمآل الذين يشبهونه، أو لهؤلاء الذين يمارسون لا أخلاقية مطلقة، ولا يعاقبهم أحد.
* * *
علي مبعدة عن روايبة ذهنية، عرفتها الرواية العربية في الخمسينات والستينات من القرن الماضي، تخترع التاريخ المنتصر وتخترع له بشرا يحققون الانتصار، ذهب نجيب محفوظ بحسه الفني الرهيف، إلي موقع آخر، أو وقع علي وجهة نظر أخري لاتعرف الاختراع لا تلتفت كثيرا إلي تاريخ مخترع منتصر لامس محفوظ التاريخ، مثل كل مبدع روائي جديرباسمه، في تحولات البشر وتقلباتهم وتغيراتهم، مبتعدا عن تلك الرؤية الفقيرة الخاسرة، التي تعقد بين التاريخ والإنسان علاقة تزامل وتكامل وتحالف، ذلك أنه رأي، ومنذ زمن طويل، أن الإنسان، وبالمعني التاريخي، قناع عارض لجملة من الأقنعة العارضة الأخري ومن هذا المنظور، وفيه من الرهافة مايكفي ومايفيض، قارب الإنسان في هشاشته وتداعيه وتقوضه، وأعطي للموت مكانا رحبا، إن لم يكن في رواياته كلها، ففي قسط كبير ووافر منها وبهذا المعني، كان التاريخ يتقدم في الفضاء الروائي المحفوظي، وفي طور منه. غير أن التاريخ كان يتقدم مقتفيا اثار خطواته، كما لو كان التاريخ يتقدم نحو ذاته لا أكثر، معرضا عن الأدعية ورغبات البشر ولهذا يتقدم التاريخ علي طريقته في رواية 'خان الخليلي'، كما روايات أخري، دون أن يلتفت إلي رغبات بشرية، أو إلي ماهو اقل من ذلك بكثير.
يظهر التاريخ في 'خان الخليلي' متوسلا مجازين كبيرين هما: القديم والجديد وهزيمة القديم من ناحية، والتاريخ المحلي المهمش والتاريخ الكوني المسيطر من ناحية أخري. يظهر المستوي الأول في تغير الأمكنة والأزمنة والرغبات، وفي إنسان يعيش في الحاضر وينتمي إلي عقلية في طريق الأفول، مقابل إنسان آخر ينفتح علي المستقبل وينفتح عليه الموت، كما لو كان المستقبل يأتي حين يريد لاحين يطلب منه البشر المجيء ومع أن عبق الموت منتشر في فضاء الرواية، فإن فيها إعلانا عن جديد يولد وعن قديم أفوله محتمل، كما لو كان الموت واقعة روائية ومجازا في آن. فالموت يرسل بإنسان إلي قبره، والموت يشي برحيل زمن قديم، أو بانقلابه من حال إلي حال علي المستوي الآخر، يظهر التاريخ في تلك العلاقة الفاجعة بين التاريخ المحلي المهمش والتاريخ الكوني المسيطر، ذلك أن الحرب، التي لم يقرر المصريون فيها شيئا، تترك آثارها علي المصريين، وتفرض عليهم أن يتأملوا، من جديد، معني الحرية والسيادة الوطنية. بل أن هذه المستوي يكشف عن سطوة الأقوياء وبؤس الخاضعين، لأن بعض الخاضعين، وكما تقول الرواية، ينظر إلي القرن العشرين بعقل ينتمي إلي قرون طويلة خلت.
* * *
في روايته اللاحقة 'زقاق المدق' يعبرمحفوظ، وبقدرة مدهشة، عن تحولات الأزمنة التي تعيد خلق مصائر البشر، معطية لحياة البعض منهم جملة من البدايات، أو الولادات المتلاحقة.
بدءا بالفقر وبطهر مفترض، وصولا إلي التداعي والأنحلال، فالموت الوشيك وظهور ولادة جديدة. غيرأنه هده المرة يمسك بالتاريخ في نقطة موحشة وبائسة منه، تتمثل في دخول الزمن الكوني، أي الزمن الرأسمالي العالمي، إلي حي ضيق ومغلق من أحياء القاهرة، حيث الحرب وتجار الحرب وماعلي المهمشين أن يقدموه للجنود الإنجليز. فعوضا عن أن يكون الأنتعاش الاجتماعي أثرا للاستقلال الوطني ولدولة مستقلة، يأتي الأنتعاش من تقديم الخدمات التابعة لجيش الاحتلال. وهو مايجعل الموت قائما في ذاك الانتعاش الزائف، الذي يمضي تاركا آثاره.
في 'بداية ونهاية' يحاور محفوظ التاريخ متوسلا القيم، مستأنفا حوارا سبق أن أداره في 'القاهرة الجديدة' ومع أن في الرواية مايحيل علي الطبقات الاجتماعية، وعلي البرجوازية الصغيرة، بلغة ليست من هذا الزمان، فإن فيها حوارا لاثقة فيه مع التاريخ، لأن القيم لا تنصر أحدا بالضرورة تظل هناك نقطة عمياء، يراها الروائي بصيرا وتظل عمياء. إنها تلك الهشاشة الأكيدة، التي تتوزع علي الإنسان والتاريخ معا، وإن كان لكل منهما منطق خاص به. ولعل تلك الهشاشة، التي تتناتج في أعمال كثيرة لمحفوظ، هي التعبير الأرقي عن تصوره الفني للعالم، وعن تأمله للتاريخ، ذلك الخادع المراوغ، الذي يذهب إلي جهة لايعرفها أحد.
تأتي 'الثلاثية'، لاحقا، وتكون التركيب الفني الأكثف لما سبقها من التجارب المحفوظية.
تبقي هشاشة الإنسان محصنه بالموت والأرق والقلق، وبأبواب مغلقة تنفتح علي أبواب لاحقة ليست أقل انغلاقا بيد أن محفوظ هذه المرة سيضع أشياء من تاريخ مصر القديم في تاريخها الحديث، ذاهبا إلي حدث تاريخي كبير هو ثورة 1919 الذي ترافد فيه، رغم إجهاضه، نزوع التحرر الاجتماعي والتحرر الوطني في آن. تنزع الأسرة التي ارتج عليها مستبد شرقي إلي التحرر، وتحضر مصر، في الرواية، في أسمائها الوطنية الكبيرة: أحمد عرابي ومصطفي كامل ومحمد فريد وسعد زغلول، وتأتي تلك الجملة التحريضية: 'إن الأمم تستقل بعزائم أبنائها'، ' إذا لم نقابل الإرهاب بالغضب الذي يستحق فلا عاش الوطن بعد اليوم'، و ' أهلا بصباح جديد من الحرية' سواء انتهت الثورة إلي مايجب أن تنتهي إليه، أم أدخلها التاريخ إلي القاطرة التي يشاء، فإن في 'الثلاثية' إيمانا عميقا بكفاحية الشعب المصري، وإيمانا أكبر بمستقبل يلبي طموحات المصريين وآمالهم.
* * *
بدأ محفوظ من التاريخ المصري القديم، أي من تاريخ أصلي يحجب معني التاريخ، لأن التاريخ يصبح تاريخا حين لايري الإنسان له بداية أو نهاية وبسبب ذلك كان محفوظ، في رواياته التاريخية، يخترع التاريخ، كما تشاء له روايته أن يكون، خالطا وينسب متفاوتة بين الحكاية التاريخية والأفكار الحديثة ووصل، بعد ذلك، إلي الواقع المصري الحديث المعاش، حيث الأرواح مغتربة في اتجاهات مختلفة، والمستقبل المجهول والمعلوم في آن يتكون في أقاليم مختلفة كان المستقبل مجهولا لأنه مجهول، وكان معلوما بتراءي في إرادة مصرية تبحث عن الصحيح، مشكلة صوتا جماعيا يستحضر الماضي إلي الحاضر تارة، ويجعل من الحاضر امتدادا كيفيا للماضي حينا آخر.
وإذا كان الزمن في الرواية التاريخية، إن صحت التسمية، مجردا، أو قريبا من التجريد، رغم حوار وأفكار لاتنتمي إليه، فإن زمن الروايات الأخري، وابتداء من 'القاهرة الجديدة'، جاء زمنا اجتماعيا مركبا، يتمازج فيه الزمن الفردي والزمن الجماعي وقد خالطهما، وبشكل إيقاعي، زمن وطني، يتكشف ويحتجب، إلي أن ظهر واضحا وصاخبا ومتراميا في 'الثلاثية' بعد ذلك سيدخل محفوظ إلي زمن روائي جديد هو: زمن الفرد المغترب، حيث بقعة التاريخ العمياء تعطف علي بقعة عمياء أخري هي: السلطة السياسية. قلص محفوظ، ومنذ روايته
* * *
'اللص والكلاب'، نبض التاريخ وضيق من حركته، كما لو أنه آمن أن في التاريخ خدعة وأكثر، وأن التاريخ المشخص الوحيد هو تاريخ السلطة السياسية، التي تختزل الكل الاجتماعي إلي مفرد مغلول، وتختصر الأزمنة الاجتماعية المتعددة إلي زمن سلطوي وحيد. وكان في تصوره مصيبا وصائبا، الأمر الذي جعل من 'اللص والكلاب' معطفا جديدا، جاءت منه، وعلي مستوي المعني، رواية جمال الغيطاني وصنع الله إبراهيم وروايات أخري.
الفرد المغترب هي متكأ 'اللص والكلاب' ماتلاها من روايات. ولهذا الفرد زمانه الخاص به، علي مستوي المعني والرواية، الذي يمايزه من الزمن الاجتماعي. يتضمن الزمن الأول المصير الفردي أساسا، وهو حركة خاوية تدور بين حاضر لا أفق له وماض مسكون بالغبطة والنعيم وإذا كان الزمن الماضي، الذي يسكن الروح ويسيطر عليها، تعبيرا عن وجود سوي في زمن سوي، فإن الزمن الذي يتلوه، وهو زمن الحاضر، هو: زمن السقوط الذي يفضي، بعد بحث ضائع، إلي الموت أو إلي الضياع الأخير. لا مكان للتاريخ بعد أن غدا الفرد مهجورا، ولا معني للتاريخ بعد ذلك الفصل المأساوي بين الوجود والمعني.
يتحلي اغتراب الفرد، في 'اللص والكلاب' وروايات أخري تلتها، في المسافة المتزايدة بين الفرد وغيره، التي تقود الفرد إلي مونولوج طويل موحش، نهايته الموت لذا فإن الشخصيات الأساسية التي تدور حولها: 'اللص والكلاب'، الطريق، السمان والخريف، الشحاذ،
ثرثرة فوق النيل'... شخصيات معطوبة، تفتش عن زمن مفقود، وتذهب في بحث ضائع عن مفقود لن يعود. تبدأ هذه الشخصيات جميعا بالسقوط، دون أن تستسلم أمامه، إلي أن تتداعي في بحث موصد الأبواب وبداهة، فإن هذا الاغتراب، وله ملامح اغتراب وجودي، إذ اليقين مرغوب وإذ رغبة اليقين كابية وخائبة وحسيرة، التعبير الفني الموافق عن اغتراب سياسي، أو عن معاش يومي يضع جوهر الأنسان جانبا، ويكتفي بإنسان لاجوهر له، إنسان مقوض ينتهي إلي المشنقة، أو يتداعي علي أطراف المقبرة، أو تأخذه 'عوامة' إلي لا مكان، بعد أن أخذه الذهول واستحوذ عليه.
يفضي زمن السقوط موضوعة لاحقة توافقه وتلبيه هي: الرغبة المفقودة، أو الرغبة المستحيلة، ذلك أن مابحث، ومايبحث عنه 'سعيد مهران' مستحيل التحقق، لأن المغترب يبحث عن غايات سوية بأدوات لاسواء فيها، أو لنقل إن الحياة لن تقدم له الأدوات السوية من أجل العثور علي الأهداف السوية التي يبحث عنها. ذلك أن الحياة التي يعيش فيها قد فقدت السواء وتحررت من المعني. يبدو الاغتراب، إذن، وجوديا في المستوي الظاهري، ولا يلبث أن يتكشف اغترابا سياسيا، حين يتم عطف النص الروائي علي السياق، وحين يقرأ النص والسياق معا علي ضوء مسار نجيب محفوظ كله.
والواضح في المستويين معا هوالخيبة، وإلا لما كان الاغتراب سقوطا ومع أن السؤال السياسي قائم وشديد الحضور في روايات محفوظ، في
مرحلة مابعد الواقعية بلغة معينة، أو المرحلة الفلسفية بلغة أخري، فقد استطاع محفوظ وبمكر فني حصيف أن يحجب السياسي باغتراب وجودي، منتهيا إلي الشكل الأرقي والأكثر رهافة لما يمكن أن يدعي ب'الرواية السياسية' فاللجوء إلي الفرد المغترب في الرواية يعني التحرر من حلم الجماعة، والانزياح من زمن تاريخي متعدد العناصر إلي زمن آخر أكثر فقرا ومأساوية ويأتي الموت والخيبة والضياع إعلانا عن تداعي المعني، أو عن ذلك الطلاق البين بين الوجود والمعني لذا فإن زمن المعني، وكما تشير روايات محفوظ في أكثر من مكان، هو الزمن الماضي، زمن الوفد والمظاهرات والحركة الشعبية والكفاح ضد الاستعمار والإنجليزي. زمن مضي وانقضي، لأن الزمن الحاضر المعاش، أي زمن الاغتراب، لا يعد بشيء.
* * *
وإذا كان نص محفوظ، في مرحلته مابعد الواقعية، ويبدو عدميا أو متشائما أو نصا يعيش أزمة اليقين، إذ القين هارب ومتأبي ومراوغ وسريع اللواذ، فإن وضع هذا النص في 'السلسلة الروائية المحفوظية'، إن صح القول، لايلبث أن يؤدي إلي نتيجة مغايرة، تفيض كثيرا عن موضوع التفاؤل والتشاؤم عنوانها: جمالية الإنسان الطليق، أو الحرية والدفاع عن حق الإنسان في الحرية شيء قريب من الرواية الساخرة التي تسخر من كل شيء وتكون سخريتها احتجاجا علي الوقاع المعاش وتنديدا به. فرواية الاغتراب لاتبشر بالتشاؤم ولا تسير وراء العدم، بقدر ما تنقد شرطا اجتماعيا ينتج الاغتراب ويعيد إنتاجه، ملقيا علي الأنسان رعبا واسعا، وراميا عليه بألوان من الحرمان محتلفة.
وربما تكون أزمة اليقين، وكل مبدع كبير لايعيش اليقين ولايطمئن إليه، كما التاريخ السلطوي الذي يصادره غيره، هو في أساس ملحمة 'الحرافيش'، التي تردد سطورها ' لاجديد تحت الشمس'، مؤكدة جوهرا إنسانيا أدمن، علي مستوي السلطة، علي ما أدمن عليه، حيث السلطة فساد، والسلطة الفاسدة استبداد، والسلطة المستبدة مهد الفساد وراعيه الأكبر. يلتف التاريخ حول ذاته متناظرة لا جديد ولا مفاجأة، إذ الفاسد يهزم غيره، وإذ من جاء ليحارب الفساد يستأنف فساد غيره ولذلك لن يبدو التاريخ يقظا وحارا بل طارجا إلا في عمل وحيد هو:
'يوم قتل الزعيم'، كما لو كان محفوظ قد رجع إلي ماقبل زمن: 'اللص والكلاب'، حيث الصوت الإنساني جماعي، وحيث الصوت الجماعي يحسن الاختيار، ويرمي حجرا علي ثنائية الاستبداد والفساد المتوالدة.
بدءا من منتصف السبعينات سيذهب محفوظ إلي طور جديد من الكتابة الروائية، تمثل في 'العائش في الحقيقة، أمام العرش، ليالي ألف ليلة وليلة، رحلات ابن فطومة..' والطور الجديد بعيد عن مرحلة مابعد الواقعية، فلا اغتراب والفرد المغترب، بالمعني السابق، لاوجود له كأن الاغتراب تتسلل إلي ذات الروائي، فوضع العالم الخارجي جانبا، وانكفأ وعالمه الداخلي. ولذلك لن يكون الزمن الروائي إلا زمن الكتابة، الذي يحاور أسئلة مجردة عن الحياة والموت والمتناهي اللامتناهي، كما لو كان الروائي قد تحرر من الزمن الاجتماعي كله، واكتفي بزوح الروح الموصدة الأبواب. فضاء بارد دليل الإنسان الوحيد خطوته التائهة، ومآله فناء عابث في فضاء زمني لابداية له ولا نهاية. روايات محفوظ الأخيرة، وباستثناء 'يوم قتل الزعيم'و 'أفراح القبة'، روايات ذهنية مغلقة، مسكونة بسكون بارد، غاب الواقع عنه كما البشر، وغاب ذلك التاريخ المتعدد الأصوات، الذي وعد بأشياء كثيرة وماجاء إلا بالخيبة.
* * *
وواقع الأمر ان محفوظ، في دورته الكتابية الواسعة، رأي إلي التقدم وكتب فيه رواية، ورأي إلي أسطورة التقدم، وانقلب من الرواية إلي الحكاية وما انتقاله من زمن تاريخي متعدد الأصوات إلي زمن ذهني عابق برائحة السكون والفناء إلا تعبير عن فكرة التقدم وانطفائها، تلك الفكرة العزيزة والأثيرة التي لازمت المستنيرين في مصر وغيرها، ولازمها المستنيرون بيقين أكيد. وبداهة، فإن محفوظ، الروائي الحكيم، لايري إلي فكرة التقدم في ذاتها، إنما يقرأ الفكرة في تلك العلاقة الوطيدة بين النص والسياق التارخي، كما لو كانت حكايته التأمليه المتأخرة تعبيرا عن زمن قاحل لا تاريخ فيه فرواية التقدم تكتب المتغير المتحول المتبدل من وجهة نظر الزمن السعيد القادم لا محالة، علي خلاف الحكاية التي هي التعبير الموافق لمجتمع انحسرت تناقضاته، علي مستوي الوعي، ودخل في فقر إنساني شامل قوامه الخير والشر، وقد تجردا من تحديداتهما الاجتماعية تكتب الحكاية عن ثنائية الخير والشر في مجتمع مسكون بالأرواح، وتكتب الرواية عن الإنسان المتعدد، وعن ذاك التعدد الذي تنتجه الحركة الاجتماعية وينتج حركة اجتماعية مفتوحة أيضا. كأن في كتابة محفوظ مايعلن عن انطفاء زمن الرواية بعد أن انطفأ زمن التقدم وأعطي مكانه لزمن راكد وراقد ولا نبض فيه.
مع ذلك، فإن الرواية مستمرة ورواية مابعد محفوظ مزدهرة، ذلك أن الاغتراب الإنساني، ولايعرف الرحيل، هو المآوي النموذجي الذي تقصده الرواية غير أن الرواية، والحالة هذه، تكتب الاغتراب وتكون جنسا كتابيا مغتربا بدوره، لأن القاريء، إن وجد، قد ذهب من الرواية إلي غيرها، إلي كتابة أخري لاتعترف بالرواية ولا بالمجتمع الذي ينتج فردية معينة تحاوره الرواية. بل أن ذلك القاريء، لم يعد قارئا أصلا، بعد أن تحول في مجتمع متجانس إلي متلق، ينكر كلمة النص ويهرب منها، مكتفيا بعمومية لا تحتاج إلي تفريد هي:
الكتاب.
لم يكن محفوظ، وهو يكتب في مجلة سلامة موسي في عشرينات القرن الماضي، يعرف أن كلمة الكتاب، وهي عمومية تكره الأفراد والتفريد، ستصادر النصوص كلها، والنص الروائي منها، لكنه عرف قبل غيره، بزمن طويل، أن رحلة التقدم العربي، ومصر عاصمة العرب، قد شارفت علي الأفول وهذا ماجعل رواية 'اللص والكلاب' نبوءة أولي عن خراب محتمل، أعرب الواقع عن صدقها مرات عديدة.
|
|
|
درس في: نسبية الحقيقة ومعني العدالة
 | | لأطيافك أصغينا |
|
يمني العيد
ما التقيه.. لكني عرفته وكأني كنت ألتقيه، فخولت نفسي تقديم هذه الشهادة.
كأني يوم بادرت إلي اختيارها عنوانا لمشاركتي في هذا الإحتفال كنت أعبرعن رغبة دفينة، صادقة وطبيعية زليس اللقاء بمن نسج عالم مخيلتنا طيلة سنوات هو حلم يراود الروح، فكيف حين يكون
نجيب محفوظ هو كل أطيافه الضاجة، في ماكتب، بالحياة!
نعم.. لقد عرفته.. وكأني بهذه المعرفة كنت ألتقيه.
عرفته يوم قرأته طالبة، شأن الألوف من طلاب أمتنا العربية. كنت أسمعه يقول، في المرايا، عن أستاذه الدكتور إبراهيم عقل: كان ذكيا ولكنه 'لم يفد أحد من ذكائه شيئا' فرسخ نقده في نفسي أستدعيه كي يؤازر همتي علي العطاء.
وعرفته يوم قرأته أستاذة أقدم لطلابي نموذجا رائدا علي حداثة الرواية العربية، وجدته في ميرامار. كنت أقرأ وأكتشف مهارة اللعب الفني بزمن تكرره الحكاية نفسها، حكاية الفشل، لكن هذه الحكاية التي ترويها أكثر من شخصية من شخصيات بنسيون ميرامار كانت تختلف اختلاف مواقع الرواة ومنظوراتهم وكنا، نحن الذين نقرأ الرواية في زمن الحرب الأهلية في لبنان نصغي ونتعلم درسا يخص نسبية الحقيقة، ومعني العدالة علي قاعدة تقول، بصوت طيفه الماثل لنا في الرواي، الشاهد، عامر وجدي، تقول بتوفير الحرية لكل فكر، وباحترام الإختلاف بين الناس.
وكنا نشعر به، معلما في الملمات الكبري وفي قضايا المصير.
ويوم زرت القاهرة وسرت في شوارعها، ولم أكن قد فعلت ذلك من قبل، انتابني إحساس بأني ألتقيه.. فأنا أري أطيافه في وجوه الناس.. إن الفضاء يتنفس لغته، وما أسمعه هنا من مرح الكلام كانت ذاكرتي تردد أصداءه. كأن ما أسمعه هنا في الشوارع وبين الناس قادم إلي من هناك، من ذاكرة ماقرأت، ولا أعود أعرف أين هي الحدود بين الواقع والخيال، بين الأدبي والمرجعي، بين الشخصية والشخص.. وأتساءل: من يوقظ من في مخيلتي وذاكرتي، أهي الكتابة التي تبدع الحياة، أم هي الحياة التي تفرض أن تكون شرطا للكتابة! وفي أجواء هذا الإلتباس، الذي هو لكل فن حقيقي باعتبار علاقته بالحياة، كنت أستعيد معرفتي بما قرأته له فتنتصب هامته الروائية أمامي وأهمس لمن معي، كأني أود أن أبقي علي وهج ما أدركت لمقال أكتبه عن 'موت المؤلف' أهمس:
كيف تصدقون بأن النص يكتب، بشكل
أساسي، من النص؟
نجيب محفوظ هو المؤلف الذي يقول للنقد ومنظريه: إن النص يكتب، أساسا، من الحياة، والمؤلف لم يمت كما أشاعوا.
ياسيد كتابة أقامت صرح متخيلها علي هذه العلاقة، دون مطابقة، إنما علي مفارقة هي، كما نعلم، كل متخيل سردي، لكنها بتأليفك تمثلت إبداعا أمينا للحياة.
إني أراك.. تبني زمن القاهرة، لا مثل ما يبنيه المؤرخون، بل مثل ما تنسجه الحياة في غفلة عنا. كأنك تلتقط اللحظات وتعيد إلي غفلتنا وعينا بالزمن. ونصاب بالدهشة مرتين: مرة بالجمال يغمرنا به نتاجك، ومرة بالواقع نراه، بإحالة أعمالك عليه، نراه مختلفا، ونسأل:
كيف لم نكن نري ما ترينا، وكيف لم نكن ندرك ما حملتنا جمالية إبداعك علي إدراكه؟
وفي الجواب، يكون علينا أن نعرف معني أن يكون الفن كتابة من الحياة، يفارقها لأنه اكتشاف لها، ويكون علينا، نحن الذين خولتنا قراءتنا لك متعة الإكتشاف، أن نضعك، أنت المبدع، الذي بك كانت الرواية العربية حياة.. يكون علينا أن نضعك علي منصة الخلود، وننكب علي معرفة سر أسطورتك التي صاغها الزمن حين كان يحاور النتاج الأدبي، الروائي، ويصفيه عبر ألوف العيون القارئة.
ها أنا أقف اليوم متأملة في معاني أسطورتك وفي دلالاتها الهاربة مني، ربما لأني أبحث عن سرها في ما تأباه حقيقتها التي هي في نسيج إبداعك. نسيج نشط، دؤوب، يراكم زمنه ناهضا به، فيبني هرما آخر من أهرامات مصر، شأنه في ذلك شأن أولئك الذين كانوا يضعون، في غفلة من مدونات التاريخ، حجرا فوق حجر ليبرز الشكل وتكتمل العمارة معجزة في تمامها وروعة في ضخامتها مثل هذه المعجزة لا تكون إلا لكاتب فنان يعرف كيف يمكن لفعل الكتابة البسيط، لكن المنطوي علي إبداع فيه، أن يحول الزمن إلي وجود، وكيف يؤول العمل الدؤوب المشع بثرائه، إلي منح جزئياته هيأتها، وكيف ينطق الصمت بصوت المبدعين، ليكتسب الزمن المتخيل علامات وجوده الخالد، متوهجا بسره وموحيا بأسطورته.
ياسيد الرواية العربية!
ها أنا ألتقيك في لحظة هي من الزمن حياة لنا، نعبرها مطمئنين إلي موجها المستمر بهديره في عوالم من متخيلك، عوالم تنشد، بجمالية تأليفها، العدالة والحب والسلام.
إنها شخصياتك الخيرة، أطياف قلبك الذي تجرأ علي نقد كل ظلم، وأمر نبضات روحه أن تعزف لحن الحياة للجميع.
نسمع صوت أطيافك المتعددة تعدد عوالمك وأنت الحاضر فيها، أنت المؤلف المحمول بأبداعك علي التنوع والثراء. تثري المفرد بالجمع تختزل، تختار، كي تؤلف شخصية تتوافر لها مقومات الحياة تجمع الجزئيات علي قاعدة تكوين الفرد النموذج، مرآة الفئة في ثرثرة فوق النيل، أو الجماعة والطبقة في ميرامار، أو الأجيال في الثلاثية وفي أولاد حارتنا، ويلوح طيفك في منظور الرواية علي خلفية الإراءة والنقد.
لأطيافك أصغيت، أطيافك الثرية، المتناقضة، الحاضرة، الغائبة، المتوارية خلف من يستقلون بحياة تنسجها لهم. أصغيت مثل قارئة مأخوذة بمتعة القراءة، وأصغيت مثل امرأة معنية بعدالة هي منها محرومة وكنت أسمع ظلال صوتك في أصواتهم، ونقدك النابت في حواراتهم، كأني أتعرف عليك في أطياف لك، أو كأني أتوهم أني أراك تقف خلف الراوي في الثلاثية، تأتي ب أمينة إلي الكلام، أمينة المتعبة، الخاضعة لزوجها السيد أحمد عبد الجبار، ومثل خادمة تقول:
'مساء الخير ياسيدي'
تخفي أمينة تعبها لتبدي فقط أدبها وخضوعها المطلوب للسيد الرجل، زوجها، الذي يعادل بين رجولته وسطوته، أو الذي يري أن لا رجولة له محفوظة إلا بسطوته.
نسمعها، نحن النساء القارئات لحكاياتك، فتنفض، ونري ذواتنا في مرآتها، نحن اللواتي ألفنا ظلمنا في عتمة مرايانا، وقبلنا بالخضوع في زمن لم تتغير قواعد عدالته.
وحين يوقظ قاسم، حفيد الجبلاوي، شيئا من عدالة هي، كما يعتقد، لنا، تصاب قمر بالدهشة، الدهشة الدالة علي المفارقة القائمة بين ماترسخ في وعيها وماتصبو إليه، أو بين واقع ألفته ومستقبل تهفو إليه نفسها ولا تجرؤ علي البوح به. وتعدونا دهشتها، ويستيقظ وعينا علي تلك المفارقة.
ننهض، ومن القراءة نعود إلي الحياة بعد أن كانت الحياة منطلقا لنا.
نعود، كما يعود قراؤك الكثر، نحاور عالمنا الذي حاوره عالم رواياتك، كأننا بهما معا نحرك الزمن ونصنع متغيراته الأجمل.
يأسرنا، طيفك الناقد الذي يصوغ لغته، وينطق الشخصيات بإصغائه إلي دواخلها، فتتعدد مستويات الكلام تعدد منطوقاتها.. وحين نصغي إلي طيفك هذا، نحن الذين نقرزك، ونحاور نقدك المضمر، نشعر وكأننا نعبر إلي ضفة أكثر إشراقا في حياتنا.
سنبقي نصغي إليك ونستمع إلي أطيافك التي لها إيقاع الخفة في عالم حكاياتك، ووقع البهجة علينا، نحن القراء الحالمين بعدالة، محظورة، وقد التأمت حروفك علي إيقاظها.
نصغي إليك في حكاية أبدعت روايتها فكانت بها الحياة. حياة.. لنا متعة قراءتها، ولك مجد اكتشافها وخلودها.
|
|
|
|