رئيس مجلس الإدارة ابراهيم سعده    رئيس التحرير جمال الغيطاني
المنتدي الحر | دفتر الزوار | الإعلانات | الاشتراكات | الأعداد السابقة
السنة -438ه - العدد 1422رمضانمن17 - م2001ديسمبر من2الأحد
إقرأ في هذا العدد

بتوقيت القاهرة 11:43:31 AM الساعة - 01/12/01 آخر تحديث يوم
      جسر الحنين
رجل الساعة
محمد عفيفي
حيث انك تتوقع مني أن أنتزع منك ابتسامة من نوع ما، وحيث أن الكلام سيدور عن شخص أحبه وأجله هو صديقي الكاتب الكبير نجيب محفوظ، فأعتقد أن خير موضوع للحديث هو تلك العلاقة الغريبة القائمة بينه وبين الساعة، ساعة يده حاليا وساعة جيبه عند بدء معرفتي به في ذلك العهد البعيد من أواسط الأربعينات.
الأب: محفوظ عبد العزيز.<br>
. الالتزام
 الذي تعلمه الابن
الأب: محفوظ عبد العزيز.
. الالتزام الذي تعلمه الابن
من جيب البنطلون الصغير كان يخرج ساعته الكبيرة وينظر فيها، توطئة لأن يخرج من جيب الجاكتة علبة السجائر ليشعل سيجارة، كنت أظن في البداية أنه لا علاقة بين الأمرين، واحتجت الي عدة أسابيع قبل أن اكتشف انها عملية منظمة وخطة مرسومة، وأنه يرفض أن يدخن السيجارة إلا بعد أن يستوثق من انه قد مرت علي سابقتها ساعة كاملة. أي أنه بينما أكون أنا قد حرقت بغير انتباه نصف علبة السجائر يكون هو قد دخن سيجارتين اثنتين لا غير! فإذا ما قالت له ساعته التي استشارها أن الساعة مازال ينقصها دقيقتان فانه يضع علبة السجائر وينتظر مرور الدقيقتين. ومن وضعه للعلبة علي المائدة يتوخي أن يكون ضلعها منطبقا علي حرف المائدة أو علي الأقل موازيا لها، ويا حبذا لو كان 'بوزها' موضوعا علي بوز للمائدة المربعة في تطابق سعيد بين الزاويتين القائمتين!
وشيئا فشيئا بدأت أكتشف دور الساعة في حياة نجيب محفوظ، وهذا بالطبع اذا جاز لنا أن نتكلم عن نجيب وساعته كشيئين منفصلين! فمثلما كان سكان كونسبرج يضبطون ساعاتهم علي موعد خروج الفيلسوف 'كنت' لنزهته اليومية، كذلك يستطيع جيران نجيب محفوظ أن يضبطوا ساعتهم علي مواعيد نشاطاته المختلفة. يضبطونها مرة في الصباح علي لحظة خروجه من البيت لعمله الوظيفي، ومرة في المساء علي اللحظة التي يضاء فيها النور في حجرة مكتبه. فهو ليس من أولئك الناس الذين يجلسون للكتابة في أية لحظة، وانما للكتابة مثل صلاة الجمعة لحظة معينة محددة لا تجوز إلا فيها.
كذلك يستطيع الجيران وهذا غريب بعض الشيء أن يضبطوا ساعاتهم علي اللحظة التي ينطفيء فيها النور في حجرة مكتبه معلنا عن انتهائه من الكتابة فنجيب يجب أن يكف عن الكتابة في اللحظة المحددة لذلك من قبل، مهما كان عنده من الأفكار الجاهزة التي تلح عليه بأن يدونها! في لحظة الكف يجب أن يكف مهما كان من أمر، تلك اللحظة التي ربما حلت (هكذا حكي لي والله علي ما أقول شهيد) وقد انتهي من السياق الي حرف جر، فيلقي بالقلم وينهض دون أن يكتب المجرور!
تلك أمثلة سريعة لدور الساعة في حياة نجيب محفوظ، حتي بعد أن تحولت من ساعة في جيبه الي أخري تحيط بمعصمه. ولقد حاولت أن أتذكر متي حدث هذا التحول علي وجه التحديد ففشلت، ولابد علي أي حال أنه كان في فترة غير بعيدة من شروعه في 'أولاد حارتنا'. والساعة مهما كان ما هي إلا رمز عام لما تتسم به حياة كاتبنا الكبير من الدقة البالغة ومن العادات الحديدية الصارمة، وخذ مثلا ذلك المشوار اليومي الذي يرهقه كل صباح الي مقر عمله الوظيفي.
أجرة التاكسي في جيبه بالطبع، ومن حقه كموظف كبير أن تخصص له سيارة حكومية، ولكنه لا يميل الي تلك الأمور. طول عمره يسير علي قدميه الي مقر عمله فماذا جري في الدنيا حتي مقر عمله فماذا جري في الدنيا حتي بغير تلك العادة علي آخر زمن؟ والمشوار كما أتخيله يجب أن يكون في نفس خط السير، علي نفس الرصيف في نفس الطريق الذي سار فيه بالأمس وسوف يسير فيه الغد. وتلك الشجرة يجب أن يدور عن يمينها كما يفعل دائما، بعكس ذلك الفانوس الذي يحسن به أن يدور عن يساره. وهنا علي الكوبري يمكنه أن يتمهل بعض الشيء لكي يملأ صدره بالهواء النقي، ولكي يمتع أذنية وهو يتصعب بشيء من ثرثرة النيل. لكنه بالطبع لا يجوز أن يتمهل طويلا، حسبه تلك اللحظات القليلة التي تسمح بها ساعته.
نظام زماني مكاني صارم كان علي الدوام يثير غيظي، وكان في بعض الأحيان يثير رثائي، ولكنه لم يعد في النهاية يثير شيئا سوي حسدي! اذ رأيت مؤلفات الرجل ترتفع وترتفع حتي توشك أن تنطح السقف، فأدركت قيمة النظام والمثابرة بالنسبة للرجل الذي يريد أن يكون كاتبا كبيرا. ورثيت لنفسي وقد ذكرت السنوات الطويلة التي قضيتها أنا 'أتسرمح' في الشوارع وأذهب الي السينما، وأحب وأحلم، وأتزوج وأخلف، الي آخر تلك الأعمال المضيعة للوقت!
فالحمد لله أن صديقي يحتاج الي الراحة مثل كافة الآدميين والا لتعذر علي أن أراه أصلا. لكن للراحة بالطبع وقتها المعلوم مثل سائر النشاطات، وقد اختار لها نجيب يوم الخميس.
ومن ثم صار يوم الخميس يوما مختلفا عن كافة أيامي، بوصفه اليوم الوحيد الذي يشيع فيه شيء من النظام والخطة المرسومة! ساعة نجيب الحديدية تتجاوز في ذلك اليوم حدود حياته وتتسلل الي حياتي أنا، واهبة إياي يوما واحدا يتيما أعرف فيه ماذا سوف أصنع بنفسي!
في تمام الساعة التاسعة من صباح كل خميس أعرف أن شيئا معينا يجب أن يحدث، وذلك هو رنين جرس التليفون. كنت في بعض الأوقات أيام الطيش أتوقع أن يرن قبل ذلك، ثم تبينت علي مر الزمن أن هذا لا يمكن أن يحدث أبدا. التاسعة يعني التاسعة وفي التليفون أسمع صوت صديقي العزيز ضاحكا مرحا كعهده، ومستوثقا من أن شيئا لم يطرأ مما يمكن أن يلغي سهرة 'الحرافيش'
ولقد يحدث في بعض الأحيان أن يتأخر رنين التليفون بضع دقائق بعد التاسعة، ومن تجربتي تعلمت أن هذا لا يمكن أن يعني إلا شيئا واحدا.. أن ساعتي مقدمة! نفسي تحدثني بأن أشياء خطيرة لابد أن تكون قد وقعت، علي مستويات متباينة لا يبعد أن يكون من بينها المستوي الكوني!
وذات يوم حدث ذلك التأخير الكبير وصحت مخاوفي، اذ عرفت فيما بعد أن قريبا عزيزا لصديقي قد مات فانشغل به عن سهرة الخميس.
والسهرة بالطبع يجب أن تبدأ في ساعة معينة، تلك الساعة التي تحددت وفقا لظروف كثيرة متشابكة في الساعة الثامنة والنصف مساء. من ذلك أن نجيب يجب أن يكون قبل ذلك في مقهي معين بالعباسية مع شلة من أصدقائه القدماء. في الساعة السابعة يجب أن يصل الي ذلك المقهي، وفي الساعة الثامنة يجب أن يقوم وبحسية بسيطة للزمن الذي يستغرقه التاكسي في الوصول من العباسية الي شارع الهرم­ حيث اقيم وحيث تدور السهرة­ يمكنك ان تعرف لماذا لا يمكن لتلك السهرة ان تبدأ قبل ذلك..
ولقد أقترحت عليه ذات يوم طمعا مني في أن أقضي الليلة معه من بدايتها ­ أن يحول لقاء العباسية هذا الي يوم آخر من ايام الاسبوع فنظر الي في شيء من الاستغراب ثم ضحك فهي اما نكتة مني هكذا قال لنفسه واما سذاجة عجيبة غير متوقعة، تلك التي هيأت لي انه من الممكن تغيير هذه العادة التي درج عليها منذ عشرين سنة.
فإذا دقت الساعة الثامنة والنصف ولم يصل صديقي فإنني اشرع في القلق مرة أخري صحيح انه يركب تاكسيا يخضع لحركة المرور، ولكنني أجد صعوبة في تصديق ان حركة المرور اقوي من ساعة نجيب محفوظ! فلا أبرح أنا انظر في ساعتي الخاصة واذرع الحجرة، حتي أسمع آخر الامر صوت وقوف التاكسي علي الباب. وعلي صوت التاكسي وفقا لرد فعل بافلوني منعكس اشم رائحة الكفتة والكباب!
ذلك أن نجيب كان قد رأي في وقت لا أذكره، ولظروف لا أذكرها، أن يسهم في سهرة الحرافيش بكيلوجرام من الكباب، وتكرر الامر عدة مرات فتحول الي واحدة من تلك العادات الحديدية الصارمة. ما من خميس طوال السنوات الماضية دخل نجيب علينا بغير ذلك الكيلو من الكباب، ولا دخل علينا 'وهذا عيب العادات الصارمة' بأكثر منه! ولا فكر مرة في أن يستعيض عن الكباب بالفراخ المحمرة، أو بالحمام المحشي، أو بأي شيء آخر علي سبيل التنويع.. كباب يعني كباب! فلعل السبب في هذا هو وجود كبابجي ممتاز بجانب مقهي العباسية سالف الذكر، ذلك الكبابجي الذي لا أشك في أنه ما أن تحين الساعة السابعة من يوم الخميس حتي يصرخ علي غير شعور منه قائلا: كيلو نجيب بيه ياجدع! وعلي أي حال فلربما تكون الان قد فهمت لماذا لم ألح علي صديقي كثيرا في حكاية تحويل لقاء العباسية الي يوم غير الخميس!
وتستطيع ان تثق بالطبع في أن نجيب يقضي السهرة علي مقعد معين لا يتغير أبدا، متصدرا شلة الحرافيش التي ­بوصفها من عادات نجيب محفوظ لم يتح لها أن تتغير كثيرا طوال ما يقرب من ربع قرن هناك 'عادل كامل' الذي بدأ العمل الادبي في نفس الوقت مع نجيب محفوظ، فألف روايتي 'مليم الاكبر' و 'ملك من شعاع' ومسرحية 'ويك عنتر'، والذي لو واصل الكتابة لكان له الان شأن كبير. لكنه ما لبث انز هق وتفرغ لمهنته الاصلية وهي المحاماة وهناك ' احمد مظهر' و 'ثروت أباظة' وهما غنيان عن التعريف، و 'إيهاب الازهري' ممثلا للفن الاذاعي، وفنان بالروح ان لم يكن بالممارسة هو 'صبري شبانة' وغير هؤلاء كان هناك المخرج توفيق صالح قبل أن يهاجر. والدكتور 'مصطفي محمود' قبل أن يتدروش، و 'صلاح جاهين' قبل أن يتزوج!
علي نفس المقعد يجلس نجيب محفوظ وبنفس الضحكة العريضة المجلجلة يسعد حياتنا مساء كل خميس.. فهي احدي متناقضات النفس البشرية التي يحاز الانسان في فهمها، ان كل هذه الجدية والصرامة مركبة في نفس رجل من اشد الناس حبا للمرح وقدرة علي الضحك ومن اسرعهم بديهة وأحضرهم نكتة، سواء علي مستوي النكتة المثقفة العميقة التي تغوص في الاعماق أو القفشة السريعة الماضية بل وعلي مستوي ' القافية' التي اذكر أنني غامرت مرة في بداية معرفتنا بمساجلته فيها فأخذت دشا من النكت التي ما زلت أذكر بعضها إلي اليوم، والتي كنت أحب ان اسوق لك بعض امثلة منها لولا أننا لم نتعارف بعد علي كتابة مقالات للكبار فقط!
لكن الساعة بالطبع جزء صغير من آلة زمنية أكبر وهي النتيجة، ودورها في حياة ' نجيب' لا يقل أهمية عن دور بنتها الساعة. من ذلك ان موسم الكتابة يجب ان يتوقف في تاريخ معين لا يتغير، وهو مساء اليوم الاخير من شهر ابريل.
وذلك لانه ابتداء من أول مايو يجب ان يهييء عينيه لاستقبال الرمد الربيعي، ذلك المرض الدوري الذي يعرف حب صديقي للنظام فيرفض ان يؤخر قدومه يوما واحدا.
ظننت ذات يوم ان انتهاء موسم الكتابة يعني انه قد صار في امكاني ان القاه في غير أيام الخميس، ولكنه كان بالطبع ظنا من الظنون. فيبدو انني قد صرت بالنسبة اليه ظاهرة ذات طابع خميسي محض، وأنني إذا 'طلعت' له في أي يوم آخر فسوف أكون شيئا في غير محله تماما أو لعلني أنا والحرافيش­ من الناس الذين لا يطيقهم الانسان إلا إذا كان يعرف انه سيأخذ بعد لقائهم يوم اجازة فالحمد لله أنه في الوقت نفسه لا يقابل أي حرفوش آخر طوال الاسبوع، وإلا لساورتني غيرة ليست شديدة فحسب وإنما مبررة ايضا.
ماذا يصنع بوقته طوال تلك الاشهر الربيعية لا أدري علي وجه اليقين، اذ سألته فقال انه احيانا يقرأ وأحيانا يتفرج علي التليفزيون غير أنني لا أحب تصديق الامور بهذه السهولة، فلماذا يحول الرمد الربيعي دون الكتابة ولا يحول دون القراءة؟ وبالنسبة للتليفزيون الا يخشي أن تتسبب له الشاشة اللامعة بالاضافة إلي مستوي البرامج في شيء من المضاعفات؟
وتمر اشهر الصيف وهو يتطلع إلي النتيجة ويترقب يوما خاصا من ايام السنة، وهو اليوم الاول من شهر سبتمبر الذي يستطيع ان يسافر فيه إلي الاسكندرية نعم هو يأخذ أجازته
من بداية أغسطس أو من منتصفه، ولكن قدرا ما قد حدد سفره بالأول من سبتمبر. لو عرضوا عليه أن يسافر يوم 31 أغسطس بالمجان لرفض العرض، مفضلا أن يسافر في اليوم التالي علي حسابه الخاص!
في الأول من سبتمبر المبارك ينحشر هو والأسرة في التاكسي وينطلقون الي الاسكندرية، متوقفين في برج المنوفية لا مفر من ذلك للتزود بشيء من الفطير المشلتت. فإذا ما وصلوا من الرحلة الي الحدود الشمالية لمحافظة البحيرة نظر نجيب في ساعته وبدأ يهرش. فكما يحافظ الرمد الربيعي علي موعده معه في مايو، كذلك تحافظ حساسية 'الأورتكاريا' علي موعدها معه بمجرد أن يشم هواء البحر. ولن أدهش بالمرة اذا علمت أن الحساسية تبدأ اكراما للرجل المنظم عند علامة معينة من علامة الكيلو!
وابتداء من ذلك اليوم يمكن لسكان الكورنيش أن يشرعوا بدورهم في ضبط ساعتهم علي الطقوس الصيفية لنجيب محفوظ، وأهمها موعد وصوله اليومي الي كازينو 'بترو'. وله في ذلك الكازينو كما لابد أنك تتصور مقعده الخاص الذي لا يتغير، بجانب نفس المائدة في نفس الركن الذي اصطفاه رجل منظم آخر هو 'توفيق الحكيم' فأنت تستطيع أن تضبط ساعتك أيضا علي اللحظة التي ينظر فيها فيلسوف التعادلية في ساعته ويصفق طلبا لفنجان القهوة الثاني!
وهناك يجلسان يوما بعد يوم وعاما بعد عام، متجاورين شامخين أشبه بتمثالي ممنون! أشعر نحوهما بكل ما يجب أن أشعر به في التقدير والاعجاب والحب، وبالحسد المناسب لتعيس مثلي لم يعرف أن لساعته أية فائدة سوي أن يرهنها!
وفي ساعة معينة من يوم معين من أواخر سبتمبر يصافح نجيب صديقه الحكيم ويعود الي القاهرة بعد الوقفة الحتمية في برج المنوفية. ومرة أخري أستطيع أن أضبط ساعتي في يوم الخميس مرتين، وصوت التاكسي وقد وقف عند باب البيت.. الا كم افتقدت تلك الرائحة الشهية للكفتة والكباب!


محمد عفيفي في
العدد الخاص الذي أصدرته
مجلة الهلال عن نجيب محفوظ
فبراير 1970 .

بحث  

العدد الحالي
  الأعداد السابقة

الصفحة الرئيسية | ساحة الأخبار | تحقيقات | رسائل | شرق وغرب | البستان | ساحة الإبداع | كتب | أحداث | جسر الحنين | نقطة عبور
المنتدي الحر | دفتر الزوار | الإعلانات | الاشتراكات | الأعداد السابقة

All site contents copyright ) 2000 Dar Akhbar El Yom.
للأستفسار أو طلب معلومات يرجي مراسلتنا علي العنوان التالي
akhbarelyom@akhbarelyom.org

Best viewed with Internet Explorer 4.0, Netscape 4.0 or above with a resolution of 800 X 600 .

Website Develped By: