|
|
 | السنة - | 454 | ه - العدد | 1423 | المحرم | من | 10 | - م | 2002 | مارس | من | 24 | الأحد |
|
 |
| بتوقيت القاهرة |
 |
11:00:49 AM |
 |
الساعة - |
 |
23/03/02 |
 |
آخر تحديث يوم |
|
| الصفحة الرئيسية |
 |
|
|
الذين نشأوا في أحضان السلطة ولم يتذكروا غدرها التقليدي:
هل أصبح جيل الستينيات
عقبة أمام الثقافة المصرية ؟
ياسر عبدالحافظ
وصلت الثقافة المصرية الي المرحلة التي يصعب علي افرادها التعايش معها، بل انها أصبحت فوق ذلك خطرا علي المتعاملين مع مفرداتها، مثل بيت آيل للسقوط فإن القابعين تحت ظلها يخاطرون يوميا بأن يكونوا الضحية الأولي لانهيار جدرانها. وبشكل أكثر وضوحا فإن عملية الابداع والتفكير والتغيير لم تعد مطلوبة داخل أروقة مؤسسة الثقافة المصرية نفسها.. ذلك أنه عندما يكون الهدف هو الحفاظ علي الحد الأدني 'البقاء حيا' فإن تغيير شكل الحياة للأفضل يصبح رفاهية.
في الاسبوع الماضي كان محمد البساطي وهو الروائي الذي نعرفه جميعا يتسلم جائزة العويس الادبية في الامارات ، في نفس اليوم كان عمرو دياب المطرب الأكثر شعبية بين الشباب يتسلم جائزة موسيقية في موناكو. كانت المذيعة تلهث وراءه وكل حركة منها تنطق بأنها في حالة نشوة بلقائه والانفراد بحديث معه، حفل تسليم جائزته كان مذاعا علي الهواء مباشرة مع تقديم أحدث أغانيه. لم يحظ البساطي وجائزته بلقطة تمتد لعدة ثوان علي الشاشة، ومع صور عمرو دياب علي أغلفة المجلات وفي يده جائزته لم يكن هناك خبر من عدة سطور عن البساطي أو ماهية الجائزة التي حصل عليها.
ولكي نضيف بعدا جديدا للصورة فقد نال خبر رحيل الكاتب ثروت أباظة بمتابعة إعلامية واسعة حيث تصدرت جنازته التي امتلأت بجمع غفير من الناس عناوين الاخبار متبوعة بلقاءات سابقة معه، وكذلك فعلت الجرائد مع اضافة كلمات لبعض مشاهير الكتاب تعدد مآثر الراحل.
هناك إذن نوعان من الثقافة في هذا البلد، احدهما تعتمده الحكومة والاعلام علي انه ثقافة الدولة الرسمية وهي الثقافة التي يتلقفها الجمهور مصدقا حكومته ومريحا عقله من التفكير. والنوع الآخر: ثقافة مرفوضة يتبادلها من يرون أنها الاصلح في سرية مثل المنشورات، رغم ان مطبوعاتها وندواتها تصدر وتقام غالبا برعاية الدولة ليس لايمانها بالتعددية وإنما لتصبح كل خيوط المجتمع في يدها، لتستطيع وقت الخطر اتخاذ ماتراه مناسبا من اجراءات وهو ما حدث في مرات عدة.
 هذه الثقافة وصلت الي نفق مظلم، وأصحابها يكتبون الآن محاولين انارة شمعة لتلمس طريق الخروج، لكن هذه المحاولات مع جديتها لن تؤدي إلا لمزيد من التخبط لأن أصحابها اما يكتبون وبين السطور يظهر دافعهم الاساسي وهو تبرئة أنفسهم أمام التاريخ دون بحث حقيقي عن الأسباب، أو تتملكهم الرومانتيكية فيظنون أن شروق شمس يوم جديد كاف لتغيير واقع الحال.
***
لن يكتب للمحاولتين تحقيق تقدم ما لانهما تبتعدان عن الاسباب التي يعرفها الجميع غير أن وهذه احدي خيبات الثقافة العربية الحالية النص يظهر في النهاية متخلصا من كل الروابط التي يمكن أن تشده الي الواقع، يسعي الكاتب لأن يقول شيئا مهما دون أن يغضب أحدا، ودون أن يرتكب ما قد يفسد شبكة علاقاته والتي يضبط اداءاته وفقها.
يتطلب مأزق الثقافة الحالي اعلان قائمة اتهام لا تتضمن وزارة الثقافة أو وزيرها، فقد فرغت اتهاماتنا وهي قد تعودت عليها وتآلفت معها تماما بل وربما تفتقدها ان غابت فليس سرا أن هجوم المثقفين علي وزير الثقافة ورفضهم له يزيد السلطة تمسكا به واقتناعا بأنه أصلح الرجال لسوس تلك الفئة الضالة!
***
لم تبدأ مشكلة الثقافة المصرية منذ عصر السادات كما يحلل البعض 'راجع مقال جلال أمين عدد وجهات نظر الحالي' بدأ الانهيار يدق أعمدتها دون أن يكون ملحوظا مع تحرر البلاد من الاحتلال وتولي رجال الثورة المصريين الحكم فارضين قانونهم الذي تعلموه وآمنوا به علي كل شئون العباد. قدموا أنفسهم للشعب بوصفهم آداة الرب التي جاءت أخيرا لتحقق العدل والحق والمساواة بين الجميع بما يعني أن الفترة التي سبقتهم كانت عهد ظلم واستبداد. ولأنه لم يكن بمقدور الرجال الذين اعتادوا الخشونة تقديم هذا المعني في القوالب التي يأخذ منها الناس آراءهم وأفكارهم فقد ظهرت قيمة المثقف، وقد تولي المثقفون علي عاتقهم التنظير لمباديء الثورة ولأفكار 'ناصر' وكان ذلك يعني ببساطة الكفر بالمباديء الليبرالية التي بشر بها المشروع الثقافي المصري في الاربعينات.
***
في هذا المناخ كانت ولادة 'جيل الستينات' الابناء المخلصين والمدللين لثورة يوليو، تعلموا في مدارسها وتربوا علي قيمها، وكان لابد لهم بالطبع أن يتموا رسالة من سبقوهم، كان هذا الجيل وعلي خلاف من سبقه 'الذي ربما دفعته المصالح للتعاون مع الثورة' مؤمنا بتعاليم تلك الحركة تماما، لم يناقشوها، لم يتوقفوا أمام ديكتاتورية ناصر التي اخفاها ماكياج الكاريزما الثقيل احدي ركائز الثقافة الاساسية عدم الايمان بأي مطلق، كل الامور والقضايا والموضوعات قابلة للطرح والنقاش طوال الوقت، والثبات يعني الجمود ايذانا بالموت، لهذا اصابت النكسة هذا الجيل 'تحديدا' بحالة من الذهول لم يغادرها ربما للآن، فعندما وقعت كان افراد جيل الستينيات قد وصلوا الي العقد الثالث من عمرهم.. أي أن مرحلة تكون الافكار قد انتهت وثبتت تماما داخل عقولهم وهم منذ البداية لم يتعلموا قيمة الشك، لهذا كان السؤال المطروح غاية في الصعوبة: أين الخطأ؟!
***
كان طبيعيا مع حالة اللا توازن تلك أن يتلاعب النظام في عهد السادات بالمثقفين المصريين، وأن تشيع ثقافة هي أقرب الي رسوم الكاريكاتير التي لا تقصد معني. كان التمزق والتشتت والانصياع حصادا طبيعيا للايمان بقدرة السلطة علي الفعل والتغيير. لم يستجمع المثقفون أنفسهم من نكسة 67 إلا وواجهوا نكستين لايقلان عنفا وقسوة، الأولي زيارة السادات لاسرائيل، والثانية سياسة الانفتاح. فمن هزيمة محددة ربما يمكن مواجهتها والتغلب عليها وهو ما حدث نسبيا في 73 الي هزائم معنوية وهدم للجدران التي كانت تحمي كل معتقدات المثقفين: القومية العربية، الاشتراكية، النضال حتي تحرير كل أرض العرب، الوقوف في وجه الامبريالية الامريكية. فجأة تم التراجع عن كل المباديء وتم تطبيق المضادة لها تماما، فلم يعد هناك مانع من مصافحة العدو الاسرائيلي والنوم في أحضان الامبريالية، أما النضال والتحرير فقد أصبحت كلمات بائدة لا ترد الا علي لسان مثقف سيكون جزاؤه بالتأكيد السجن أو التهجير أو المنع من الكتابة وهو ما يساوي المنع من التفكير.
ربما كان تمرد جيل الستينيات الأول والاكبر هو ما ظهر وقتها مع ولادة 'جاليري 68 ' تلك الحركة التي كان من الممكن أن تحدث تحولا بارزا في سياق علاقة الثقافة المصرية بالسلطة، وعلاقة جيل الستينيات تحديدا بها خاصة بعد أن تفاعلت مع هذه الحركة ما اسماه جيل السبعينيات وقتها ب 'الماستر' . غير أن هذا التمرد لم يكتمل ربما لأنه لم يكن مؤثرا علي الاطلاق في الشارع الذي امتلكته السلطة ببضائعها المستوردة، وباطلاقها الجماعات الاسلامية لمحاربة الناصريين والقوميين. وربما لم يكتمل التمرد لأن جيل الستينيات الذي اعتاد حضن الدولة الناعم لم يستطع العيش بعيدا عن دعمها.
***
بدأ جيل الستينيات في الاقتراب من تولي زمام الامور في الحياة الثقافية مع وصول الرئيس مبارك الي الحكم معلنا مصالحة تاريخية مع جميع التيارات وفي نفس الوقت حربا ضد الارهاب، وهي الحرب التي وجد المثقفون أنفسهم مجبرين علي خوض غمارها مبكرا، ليضعهم الارهاب في كفة واحدة مع رجال السلطة وكأنهم كانوا يقسمون الرصاص بالتساوي.
واصل المثقفون المصريون خطأهم التاريخي الذي بدأوه زمن عبدالناصر وهو التخلي عن وضع القواعد رغم أنه عملهم وليس عمل الساسة! عندما نادوا بالاشتراكية والقومية العربية كان ذلك خاليا من ملامح مشروع مكتمل الأركان وما قدموه توقف عند كونه صياغة لغوية لافكار السلطة. كذلك كانت مناداتهم بفصل الدين عن السياسة مجرد صياغات متخبطة لافكار غربية قديمة وكتابات مؤثرة عن سماحة الدين وشر الارهاب. الدولة من جانبها رأت بعد انهيار شوكة التطرف انه قد جاء الدور علي المثقفين، وذلك لايجاد نوع من التوازن في المجتمع ، ولنفي تهمة العلمانية عن نفسها، ولإراحة بالها من تنظيرات المثقفين حول الديمقراطية والعدل وغير ذلك. وهي لم تجد في ازاحتهم مشكلة ما بل علي العكس من ذلك، فقد وقع المثقفون أبناء الثورة الاقرب للشعب في فخ العداء مع المجتمع، ذلك أنهم لم يفكروا ولو لحظة في مشروع للتقريب والتوفيق بين الدين والثقافة. لم يعترف احد منهم بأنه توجد مشكلة أصلا، وفي ظل سيطرة نقود ودين وثقافة الخليج الهشة كان لابد أن تندلع الكراهية في قلوب الناس تجاه المثقفين وما يقولون.
***
رغم هذا مازال جيل الستينيات هو المسيطر علي حركة الثقافة المصرية بكل أفكاره ونكساته وخيباته القديمة والحديثة وهو ما يظهر واضحا علي أداءات أفراده في مختلف الهيئات والمؤسسات.
لماذا انهارت الثقافة المصرية؟! اسألوا جابر عصفور في المجلس الاعلي للثقافة، وسمير سرحان في هيئة الكتاب، فوزي فهمي في أكاديمية الفنون، علي أبو شادي وابراهيم أصلان ومحمد البساطي قبلا في هيئة قصور الثقافة، اسألوا جيل الستينيات في مسارح الدولة، والجامعات، ومؤسسات البحث العلمي، بل أيضا في المؤسسات الاقتصادية والسياسية، في المجلات والجرائد حيث يسيطرون علي كل خبر ومقال وموضوع، اسألوا النقاد الذين يرحبون ويهللون بكتابة الجسد والبنات وشعر التفاصيل، اسألوا علاء الديب وصنع الله ابراهيم وابراهيم منصور: هل كل الصمت فضيلة؟ اسألوا أي كاتب عظيم من هذا الجيل: لماذا لا تتعطف علينا بخبرتك وعلمك وتقيم ندوة مثلما كان يفعل نجيب محفوظ.
مئات الاسئلة التي تكفي وتزيد لفتح ملف هذا الجيل الذي لم يفعل سوي أنه أفسد ويفسد الثقافة المصرية والتي لن ينتهي مأزقها الحالي الا برحيله.
إن 'أخبار الأدب' تفتح هذا الملف وتضعه أمام من يريد مناقشته وطرح رأيه، فلم يعد أمامنا الا البحث عن متهمين جدد فربما نجد ضوءا
|
|
|
|