|
|
 | السنة - | 454 | ه - العدد | 1423 | المحرم | من | 10 | - م | 2002 | مارس | من | 24 | الأحد |
|
 |
| بتوقيت القاهرة |
 |
11:15:15 AM |
 |
الساعة - |
 |
23/03/02 |
 |
آخر تحديث يوم |
|
| البستان |
 |
|
|
في مديح
صمت حجازي
'لماذا تكسر القاعدة وتصدر كتابا عني وأنا حي.. عادة تصدر الكتب لتكريم الموتي.. فأجل كتابك الي أن أموت ثم أفعل ما تشاء.. لأني بصراحة مش شايف أني رسام مهم ولا أي حاجة.. الحكاية كلها أني جيت من طنطا الي القاهرة أشوف شغلانة آكل منها عيش وسجاير، وطلعت الشغلانة في الصحافة لأني كنت في ثانوي بعرف شوية.. بس كده'.
هكذا قال الفنان الكبير أحمد حجازي للشاعر محمد بغدادي الذي عاني الأمرين لاعداد الكتاب الوحيد الذي يضم رسوم الفنان ولوحاته التي كان يرسمها ثم تنتهي علاقته تماما بها بمجرد انتهائه من رسمها، فهو الفنان الوحيد الذي لا يحتفظ بأصل واحد منها.
وحجازي هو آخر هذه القبيلة من الصعاليك الكبار الذين تحول الفن لديهم الي جزء من سلوكهم اليومي شأنه شأن الطعام والشراب والكلام دون أي ادعاء أو حذلقة. وظل علي مدي قرابة أربعين عاما يرسم مثلما يعيش بلا حدود مصطنعة وبلا أسوار بينه وبين الحياة، فالفن لديه هو الحياة ذاتها. الفن هو أولئك النسوة بالملايات اللف اللائي تضج أجسامهن الملفوفة بالحياة وتنطق عيونهن بكل ما تعجز عنه الكلمات. الفن هو السخرية من الملوك والسلطات وعساكر البوليس والتنكيل بسارقي المال العام، والوقوف الي جانب الأطفال والمهمشين وأولاد البلد والفقراء والغلابة، ومناصرة الشعب الفلسطيني وادانة الغطرسة الأمريكية والوحشية الاسرائيلية. الفن هو أن ترسم مثلما تتنفس.. هكذا آمن حجازي الفنان والجدع وابن البلد.
لم أر حجازي مطلقا ولم يسعدني زماني بمصافحته مرة واحدة، لكنني ظللت مشدوها مذهولا من تلك الحياة التي يبثها في النساء والأطفال والرجال في رسومه ولوحاته التي أسهمت دون أي مبالغة في صياغة وجد أن أجيال وأجيال. أصدقاؤه لا يملون من الحديث عن عذوبته ورقته كصديق في حياته الشخصية ووقوفه الي جانبهم وسهراته التي كانت تمتد حتي الساعات الأولي من الصباح كل يوم علي مدي سنوات ولا تنتهي إلا بجلوسه علي مكتبه في السادسة صباحا بمجلة صباح الخير ليشرب قهوته وينجز لوحاته التي ينساها تماما بعد أن يفرغ منها.
أخيرا قرر حجازي العودة الي طنطا بلدته التي خرج منها قبل أربعين عاما لا لينسحب من الحياة، بل ليعيش مرة أخري، بعد أ ن تغيرت الدنيا والزمن ولم يعودا صالحين لحجازي وأمثال حجازي من الكائنات العاشقة للحياة كما ينبغي أن تكون الحياة.
في هدوء سلم مفتاح شقته في المنيل الي صاحب البيت وتوجه الي طنطا عائدا دون أي طنطنة أو جعجعة..
صفحات البستان في هذا العدد نستضيف فيها فناننا الكبير الجميل عرفانا بما أضافه لنا ومحبة له واحتراما لصمته وقراره بالعودة، كما نستضيف شهادات عدد محدود من رفاقه ومحبيه الذين عرفوه ولم يملكوا إلا أن يحبوه مثلما نحبه.
محمود الورداني
|
|
|
|