|
|
 | السنة - | 454 | ه - العدد | 1423 | المحرم | من | 10 | - م | 2002 | مارس | من | 24 | الأحد |
|
 |
| بتوقيت القاهرة |
 |
11:37:14 AM |
 |
الساعة - |
 |
23/03/02 |
 |
آخر تحديث يوم |
|
| البستان |
 |
|
|
فنان يمسك الشمس
كيف أستطيع ان أمسك بالكلمات تلك المعاني التي تزدحم بها الذاكرة عن عبقري احترف الصمت وأمسك بأرغول يرسم به غناء فيه من البكاء الكثير وفيه من الضحك مايمزق القلب من فرط تخلي الانسان عن إنسانيته، وفيه من شجن الفن وبساطته مايجعل النفس تفكر:
بأن الحياة تستحق ان نعيشها من أجل ان يتحقق فيها العدل والانسجام بين البشر ، وإن لم يتحقق هذا في يومنا، فعلينا ان نعيش ايضا، لنعمل من أجل أن نهدي ذلك للأبناء.
وفي كل يوم ألتقي فيه بأحفادي فأنا أدعوهم لمشاهدة بعض من كتب الاطفال التي رسمها هذا الموهوب بلا حدود حجازي الرسام كما نسميه في مجلة صباح الخير، وكأن الرسم هو اسم والده، وكأنه لم يخلق إلا له، ولكن حفيدي الأكبر صاحب الخمس سنوات يقول لي هو انت بتعرف كل الناس الحلوين في الدنيا دي ؟ طيب ليه مش بتأخذنا نشوفه؟ انت بتضحك علينا، لا هو صاحبك ولاحاجة.. وهكذا شاء حجازي عبر عزلته التي اختارها لنفسه أن يجعل ولدا مفعوصا أحبه كثيرا يتهمني بأني لا أعرفه وليس صديقي.
وبالفعل اعود فأسال نفسي: هل هناك من يعرف حجازي حقيقة؟ وكيف يمكن ان يصاحب الانسان العادي فنانا يريد ان يمسك الشمس عبر اتقانه الفذ للرسم؟ ويحاول ان يحرق بنيران الشمس كل فساد في الحياة وان ينير الطريق امام كل خير.
ولكني أغيظ حفيدي وأقسم له ان حجازي الرسام صديق لي، فيتمادي الطفل طلبا في لقاء حجازي، فأحكي له حكاية من تأليفي عن حجازي الذي يقوم كل صباح ليصطاد الشمس، وكيف يتعب حجازي كثيرا من اجل تلك المهمة الصعبة التي ينجح فيها دائما، ويحرق بها كل من يكرهون الاطفال، ويحاول ان يهدي الناس جميعا نورا يوضح لهم ماذا تخبيء الايام لهم.
نعم هذا هو حجازي رسام الكاريكاتير كما أراه في اعماقي فهو هذا الفارس الذي يمسك عبر قلمه الرصاص بخيوط الشمس ليهديها عبر رسومه.
***
اتذكر ان الخريف عام 1958 كان ناعما واقل ضراوة عن اي خريف في هذه السنوات التي نعيشها حاليا ، تماما كما كان الصيف في القاهرة في الزمن القديم أقل ضراوة من صيف هذه الايام التي نعيشها، اتذكر ايضا ان رسوم حجازي كانت تضيء مع رسوم بهجت عثمان وصلاح جاهين اغلب صفحات صباح الخير.
كنا ايامها نملك الثقة في ان العالم يمكن ان يتغير بنا، ولم نكن نلتفت الي أن العالم يخبيء لنا سكينا مسنونا سبق ان نبهنا أهل الحكم إلي وجود هذا السكين، ومضينا ندخل في الحوار الجاد مع الدولة المصرية في ان محاولة تغيير الخريطة الاجتماعية لمصر يجب ان تكون محاولة جادة، غير هازلة، ولكن من قال ان هناك حكومة يمكن ان تسمع صوت كتابها الشبان او رساميها؟ ان هؤلاء في نظر كل الحكومات بشر يعكرون صفو الحياة ويقلبون ميزان التفاؤل في استقرار الوزراء والمسئولين علي الكراسي، ولابد من مراقبتهم والعصف بهم بين حين وآخر ليتعلموا الادب.
ولعل واحدا من كبار المفكرين هو استاذنا الراحل فتحي غانم قد ترك لنا مايرويه من ان اكبر رأس في مصر، اتصلت به ذات يوم لتنبه ان نكت حجازي عن الخيانة الزوجية يستخدمها البعض في معايرتنا بان النساء عندنا محترفات خيانة، كما ان طبق الفول الفارغ في رسوم حجازي يعلن ان الدولة لاتعمل من اجل اسعاد الفقراء، وسمع فتحي غانم ذلك وأكد لصاحب القرار ان الخيانة الزوجية موجودة في كل بلدان العالم، وفي اشد المجتمعات تزمتا او تسيبا، كما ان المعاناة التي يعيشها المواطن العادي لاتقلل من جهد الحكومة ولكن تذكر الجميع بضرورة المزيد من العمل الجاد لصيانة المواطن من الفقر
ولم ينقل فتحي غانم هذا الرأي لحجازي الرسام بل تركه يرسم كما يريد.
ومازلت اذكر كيف وقعت كارثة .1967 علي رؤوسنا، ولم نفق منها الا ببداية حرب الاستنزاف ، وما ان جاء قبول جمال عبدالناصر لمبادرة روجرز حتي فوجئت وأنا سكرتير تحرير صباح الخير بحجازي الرسام يسلمني كاريكاتيرا مرسوما فيه جندي يكسر بندقيته.
وكتب تعليقا بسيطا هو مبادرة روجرز وبطبيعة الحال كان الكاريكاتير يجب ان يمر علي الرقيب، وكان عندنا في روز اليوسف رقيب كان يعمل في احد الاجهزة الحساسة وتم نقله الي مكتب الرقابة علي الصحف من ذلك الجهاز الحساس من بعد النكسة، ويريد الرقيب في موقعه الجديد ان يتثبت اننا كلنا نعيش ونتنفس ضد نظام الحكم، وكنت واحدا من الشرسين في التعامل مع الرقباء، ولا اتورع عن تهديد الرقيب بان أتصل بأكبر رأس في بر مصر ان لم يوافق علي ماأقدمه له من مواد تحريرية، ولكن امام هذا الكاريكاتير الذي رسمه حجازي لم أستطع الا ان اقول للرقيب: هل تسمح بأن ننشر ذلك ليعلم الناس كلهم اننا ضد مبادرة روجرز؟
قال لي الرقيب: ومن أنتم حتي تكونوا ضد مبادرة روجرز؟ هل تفهم أنت وحجازي في السياسة العالمية أفضل من جمال عبدالناصر؟
قلت له: فيما يبدو أنك تنسي أن جمال عبدالناصر يعمل عندنا رئيسا للجمهورية.
وقال الرقيب: أنت باين عليك مجنون!!
واتصلت عبر التليفون الموجود بجانب الرقيب بواحد من كبار مسئولي الرئاسة، وقلت له: إن الرقيب الذي عندنا لا يصدق ان جمال عبدالناصر يعمل عندنا رئيسا للجمهورية، إذا كان من حق الرئيس جمال عبدالناصر أن سيقبل مبادرة روجرز فمن حقنا ان ننشر رأيا مخالفا.
وهنا صرخ الرقيب زاعقا: والله العظيم أنا ما قلت حاجة يا بيه، وده الأستاذ منير هو اللي بيقول.
قال من أحدثه وهو واحد من مديري مكتب الرئيس الراحل جمال عبدالناصر: سأبلغ أنك غير موافق علي مبادرة روجرز ، ولكن اسمع تعليمات الرقيب.
قال الرقيب لي وهو مرتجف الصوت أصفر الوجه: هل وافق فلان بك علي الكاريكاتير؟
قلت له: الأمر متروك لك. وهنا كاد الرقيب أن يبكي، فهو لا يعلم حدود ما يمكن أن يوافق عليه وما يرفضه.
ولم أنقل لحجازي موقف الرقيب الخائف: فقد تركني وهو يهدد بأنه لن يرسم مرة أخري إذا لم ينشر هذا الرسم. وكنت متعودا علي تهديداته تلك: وفي انتظار حدث سياسي زاعق، يجعله يعود مرة أخري ليرسم. أليس هو الذي ترك صباح الخير لمدة أسبوع واحد بعد عرض سخي من أخبار اليوم ورسم مكان رخا أسبوعا واحدا، ثم رأيناه يدخل الي مكتبه في صباح الخير بعد ان مر علي مكتب رئيس التحرير ليخبره أنه قد عاد للعمل مرة ثانية في مجلته صباح الخير.
***
وبالفعل لم يمر إلا أسبوع واحد وعاد حجازي ومعه الرسوم التي يسخر فيها من كل ما هو زاعق في حياتنا.
وحين كان يتملكه القلق كنت اجده وهو يرسم للأطفال: وهو واحد من الرسامين الكبار لا علي مستوي مصر ولكن علي مستوي العالم. وكان يستطيع أن يصبح واحدا من كبار المصورين التشكيليين، ولست أدري لماذا ضن بذلك علينا؟
ومن يتأمل رسومه مع رحلة عبدالله الطوخي الشهيرة في نهر النيل علي ظهر مركب من مراكب النقل البدائية، يستطيع أن يكتشف في هذا الرسام طاقة من التصوير المبدع: ولكنه أحب أن يظل مخلصا للرسم الفصيح والبسيط.
ومن يتأمل رسومه التي صاحبت قصائد فؤاد قاعود التي كانت تنشر أسبوعيا في صباح الخير: يمكنه أن يري رساما فائق القدرةعلي الغزارة والتنوع.
***
وما أن بدأ عصر الانفتاح، وبدأت صقور الانفتاح في نهش كل شيء: رأيت في ريشة حجازي رغبة في التمرد علي كل شيء: إلي أن تم تعيين شخص معين في منصب معين من مناصب الصحافة: هنا طلب حجازي أن يحال علي التقاعد، فلم يعد لديه ما يمكن أن يعبر به في ظل وجود مثل هذا الشخص في مقعد صناعة الرأي وقيادته.
واختبأ حجازي عن عيوننا اللهم إلا رسوم الأطفال.
حاولت أكثر من مرة أن أتصل به، وأن أسمع له أو أسمع منه: لكنه فاجأني ذات يوم بمكالمة تليفونية يؤكد فيها بفرح حقيقي أنه يقرأ لي وأن ما أكتبه يسعده.
وأنا واحد من الناس إن قال له شخص في قامة حجازي مثل هذا الرأي: فأنا أغرق لا في الفرح فقط بل أتيه فخرا وكأني حصلت علي أعلي جوائز الأرض. فمن يقول ذلك هو واحد لا تعرف من أين يأتي بالوقت ليتابع كل أحداث العالم وكل جديد يقع في دنيا الفن.
***
يصر حجازي علي أن يحبس نفسه عن العالم ليري العالم بصورة أكثر وضوحا، وكانت العزلة التي اختارها لنفسه هي تليسكوب يكشف له كل عيوبنا وأوجاعنا:
ومازلت أنزل كل صباح وأدخل إلي صباح الخير التي غادرها في عام 1987 لعلي أجده في حجرته، ولعلي أسأله عن أسلوب لعلاجنا نحن المرضي بالحياة المفروضة علينا بكل ما فيها من تدليس وكذب ونهب وعدم قدرة علي إبداء الرأي، ورغم ذلك فنحن ننام ونصحو ونضحك ونأكل ونلعب، ونعيش الحياة المزورة، ونتغني بها. ويقبل البعض منا وضع 'الكلب' الذي يهز ذيله إرضاء لأي سيد في يده عظمة: وينقلب البعض منا بعد ذلك الي أفاعي، ينظر إلي سيده بكل تعال، ويتحين الفرصة ليلدغه. مازلت أنتظر حجازي لعله يقول لي عن آخر رواية قرأها، أو آخر رسام جميل كشف عن إبداعه، ولكني لا أجده في مكتبه. وأكتفي أحيانا بأن اشتري مجلة الأطفال التي يرسم فيها فأضحك مع رسومه، وأقدمها لأحفادي. وأقول لهم: أنا أعرف هذا الرسام. ويصدقني الحفيد الصغير أما الحفيد الكبير فيهم فيقول لي: هو يعني أنت بتعرف كل الناس الحلوين؟ أنت بتضحك علينا؟
حجازي أرجوك أن تقول لحفيدي أنك تعرفني: فهو يعتبرك واحدا من الناس الحلوين وتلك رتبة كبيرة أيها الفنان الجميل.
منير عامر
|
|
|
|