|
|
 | السنة - | 454 | ه - العدد | 1423 | المحرم | من | 10 | - م | 2002 | مارس | من | 24 | الأحد |
|
 |
| بتوقيت القاهرة |
 |
1:15:23 PM |
 |
الساعة - |
 |
23/03/02 |
 |
آخر تحديث يوم |
|
| ساحة الإبداع |
 |
|
|
|
الشرفات
سفيان بن عون
ضاقت السبل وازدادت المسافات تقلصا.
صار الزمن وحشا يبتلع كل الدنيا، الأيام تتهاوي والأوجاع تتجدد والطوفان هل يأتي!؟ أحس أن دمعة واحدة الآن تكفي. انتظر طويلا، الوجع كان حادا وأنفاسه صارت حارة، حارة جدا، كبركان كان من الداخل، هذه الحمم لو تغادر أحشاءه لشعر براحة كبري، لكنها الآن تغلي بالداخل تشتت كل خلاياه، وترفض أن تسبح في الفضاء.. هذه الدمعة لو تأتي..!!
لا تأتي.
في هذه الشوارع الضيقة حيث البيوت القديمة والطرقات المعبدة بحجارة حمراء مشققة تذكر بأزمنة بعيدة وتاريخ غارق في القدم.. وحيث الأطفال ينبتون في كل لحظة من كل مكان، هنا في هذه الشوارع أبصرها تطل من الشرفة، كان ثمة شرك ما ينفتح أمامه أحس بحبل يلف حول قدميه بسرعة غريبة ثم يسحب وفجأة إلي أعلي، عيناها كانتا جارحتين. اختفت بسرعة مذهلة وابتسامة ما كانت بادية علي وجهها أو هكذا هييء له.. جثا علي ركبتيه، لم يفعل ذلك ولكنه شعر بأن الأرض كانت تجره إلي أعماقها وحجارة مدببة هناك كانت تمزق كل جسده.. تنامت في الفضاء أصوات الأطفال المقرفة وصياحهم العبثي ولغط غير مفهوم، وعراك قادم من أعماق الحي وحركة فاسدة نبتت من حوله خربت ذاكرته وشوهت هذا العالم الذي انفتح أمامه.
في الليل كان وحيدا، أغلق الباب دونها، استرجع صورتها الآن يستطيع أن يذكر ملامحها جيدا وكاملة. كانت تناديه الطفل الصغير، كان عنيدا، حين يئست تراجعت إلي الداخل، الآن فقط استطاع أن يفهم ما حدث، وجهها كان غريبا، جسدها كان متعاظما إنه ليذكر خاصة صدرها وذلك البياض الذي أطل عليه من فوق، نزل من السماء كمعجزة ارتأي بياض صدرها وذلك الانتفاخ الجنوني الذي غطي الدنيا في عينيه لما أطلت إلي أسفل تنادي ربما طفلها أو شقيقها.. أو أحد أبناء الجيران.. كم يكره الأطفال! زادت كراهيته لهؤلاء الشياطين لما تخيلها إلي جوار ذلك الصبي، غيرة غير مبررة أحرقت كل خلايا جسده.. ذلك الطفل ربما هو الآن ينام إلي جوارها، ربما هي الآن تحضنه أو تداعبه، اشتعل غيظا، احمرت وجنتاه وكاد ينفجر.. تمني لو يمسكه، يخنقه بيديه هاتين، بيده يفتته يحوله إلي سراب.. أما هي شيء آخر، لو يلقاها.. لو فقط يعرف شيئا عنها لو الدنيا مرة واحدة تمنحه فجوة يمر منها.
هي حين سيلقاها.. سيختلي بها، تصور الغرفة خالية إلا منهما.. سألفها بيدي، سأمسك شعرها، سأشم رائحتها، سأنظر في عينيها ساعات طويلة.. سأقع عند قدميها.. سأتلمس أصابع رجليها.. سأفعل كل ما تطلبه مني..
انفتح باب الغرفة، بدد ضوء قبيح عالمه، أطلت برأسها مستنكرة هذه الظلمة التي هو فيها. لماذا لا ينير المكان!؟ صمت. لم يقل شيئا.. وضعت عشاءه علي المائدة وخرجت. تصاعدت في المنزل حركة ما، ارتفعت بعض الأصوات، سمع صوتها يدوي في عنف وهي تلوم طفليها.. من بعيد نادي أحدهما بصوت يجرٌح الجدران 'بابا'!!
استاء من نفسه ومن هذا العالم لماذا لا يفني.. !؟ كيف عرفها!؟ كيف عاشرها!؟ ومن هؤلاء الصبية في الدار!؟ بقي ينتظر طيلة الليل إشراقة صباح.. لما دبت الحركة في الشارع كان اول الخارجين.. عاد إلي هناك.. مشي فوق ذلك الحجر الأحمر، تلمس الجدران والذي كان يفوح برائحة قادمة من أعماق البحر الجاثم في أفق المدينة.. كانت جاثمة فوق صدره تكاد تقطع أنفاسه، حين وصل إلي الزنقة شرع يبحث عن شرفته العجيبة.
نبتت في الحي شرفات كثيرة، أضناه البحث، دميت قدماه أصيب بإعياء كبير، كان يجب أن ينتبه أنه قد صار الآن عجوزا.. ما كان يجب أن يفكر في هذا الأمر أصلا.
أيها العجوز لماذا لا تريد أن تعترف الآن!؟ لماذا هذا البحث في عالم تجاوزك!؟
توالدت في أعماقه حرقة كبيرة وندم أكبر، ولكن صورتها كانت لا تزال تسحبه إلي أعلي أو إلي أسفل لم يعد يدري!؟
(....) بقيت طيلة ذلك اليوم أحاول أن أحدد الشرفة التي أطلت منها فجأة ثم غابت، لكني لم أفلح. صرت في النهاية ألهث وصار العرق يغطي كل جسدي هزني دوار عنيف واخترقني جفاف كاسح. عميت عيناي وصرت غير قادر حتي علي الوقوف، بعض الأطفال العابثين والذين كان التراب يغطي الكثير من أجسادهم ووجوههم مضيعا بالتالي ملامحهم، بعض هؤلاء والذين أحسوا بضعفي أحاطوا بي وشرعوا باديء الأمر في الصياح من حولي، ثم اقتربوا أكثر وشرعوا يشدون ثيابي بقوة لم أستطع أن أحدد مصدرها.. وقعت أرضا وتعفر وجهي ترابا صار الصبية يتقافزون فوقي، لم أبد أية مقاومة ومن الشرفات أطلت النسوة وشرعن ومع ضحكات هازئة غريبة ينادين أطفالهن.
.. كنت أشعر أن المسافات ازدادت الآن تقلصا وبدت السبل أكثر ضيقا.. تكاثرت الأصوات وأحاط بي جمع من البشر والأيام صارت تتهاوي.. والأوجاع تكاثفت وهي ابتعدت وغابت.. والطوفان لا يأتي ودمعة، دمعة واحدة رفضت هي الأخري رغم كل ذلك أن تأتي.
تونس
|
|
|
|