|
|
 | السنة - | 454 | ه - العدد | 1423 | المحرم | من | 10 | - م | 2002 | مارس | من | 24 | الأحد |
|
 |
| بتوقيت القاهرة |
 |
12:41:19 PM |
 |
الساعة - |
 |
23/03/02 |
 |
آخر تحديث يوم |
|
| جسر الحنين |
 |
|
|
تكية تمتزج فيها الأصوات وأربعون حكيما بعين واحدة:
أهل الكهف يغزون مصر بالطريقة البكتاشية!
بابا سري آخر شيوخهم وشادية أشهر الأتباع
والقصر العيني مقرهم الأول!
عصمت داوستاشي
 | بابا سري مع أسرة داوستاشي في
حدائق حلوان عام 1947 وداوساتشي الطفل أمام أبيه |
|
في صيف عام 1962 توجهت مع اسرتي للقاهرة لأداء امتحان القبول بكلية الفنون الجميلة، كان ذلك بعد حصولي بتفوق علي دبلوم الثانوي الفني تخصص نقش وزخرفة بما يسمح لي بالالتحاق بالدراسة الجامعية وكان هدفي هو كلية الفنون الجميلة بالاسكندرية التي افتتحت منذ خمسة أعوام وسيتخرج فيها في ذلك العام الدفعة الأولي التي تتولي الأن ادارة أقسامها ويعين منها عمداؤها ومعظمهم قد أحيل الي المعاش وأن استمر بشكل أو بآخر في التدريس.
كنت بصحبة والدي الذي أخذني الي المعادي، كانت وجهتنا تكية البكتاشية وشيخها هو احمد سري دده بابا أفندي، لنكون في ضيافته والاقامة بالتكية كعادتنا كلما نزلنا الي القاهرة، منذ أن كانت التكية في جبل المقطم قبل نقلها الي اسطبلات الأمير عمر ابراهيم بالمعادي عام 1952 بعد الثورة حيث أصبح جبل المقطم منطقة عسكرية، أصبحت مغارة الشيخ المغاوري مخزن ذخيرة، بعد ان نقل بابا سري الرفات المدفونة في المقطم الي مقابر البساتين محتفظا بوعد من حكومة الثورة بأن يدفن في المقبرة التي بناها لنفسه في حدائق تكية الدراويش البكتاشية بجبل المقطم، ثم انتقل بكنور التكية الي تلك الاسطبلات التي كانت مخصصة للخيل بعد ان حولها الي جنة جميلة كلها حدائق ونوافير رخام ومعلقات من السجاجيد النادرة والأسلحة القديمة وغيرها من التحف والمفروشات وكأن روح تكية المغاوري عادت واستقرت في مكانها الجديد.
في ذلك الوقت عرض علي بابا سري أن أصبح درويشا في التكية الجديدة بالمعادي لأصبح بابا علي الدراويش بعد رحيله، وكان يعاني من مرض السكر، والذي أدي الي بتر أصابع قدمه أولا ثم القدم كلها ثم مات بعد ذلك بعام في 1963، ودفن بمقبرته بالمقطم، طبعا رفضت اقتراح بابا سري بأن أصبح شيخا للدراويش حيث لم يكن هناك أي دراويش علي الاطلاق بعد سفر آخرهم الشيخ رجب الي امريكا حيث فتح تكية هناك، وكانت رغبة بابا سري هي استمرار وجود التكية بعد رحيله.. كنت مرتبطا بقوة برغبتي في دخول كلية الفنون الجميلة لأن تكيتي الحقيقية هي الفن، والسطور التالية هي تفاصيل هذه الحكاية الجميلة الأشبه بحلم من أحلام ألف ليلة وليلة، وتمثل ذكريات زمن يعود الي قرون ماضية بدأ في التلاشي مع قيام ثورة يوليو.
أسرد هنا ما تبقي في ذاكرتي مع ما جمعته عن البكتاشية وتكيتهم من وثائق وأوراق وموضوعات صحفية.
صورة تذكارية
أصر بابا سري علي ان ارتدي انا وابي وبعض الضيوف الموجودين ملابس الدراويش لنلتقط بعض الصور التذكارية وكانت معي الكاميرا كعادتي دائما، وفعلا ارتدينا الملابس التقليدية لدراويش البكتاشية، وأخذت صورا تذكارية لعلها آخر صور التقطت في تكية المعادي ولبابا سري الذي دخل بعد ذلك في غيبوبة السكر ومات في المستشفي، وقد ذهبنا وقتها لزيارته وكانت هي المرة الأخيرة التي آراه فيها.
كان زي الدراويش مكونا من جلباب يتوسطه حزام عريض كان يوضع فيه فيما مضي بعض الأشياء وربما أسلحة وعصا البكتاشية وفوق هذا الجلباب والحزام القماش الملفوف علي الوسط ارتديت عباءة خفيفة من القطن صيفا وثقيلة من الصوف شتاء ثم ارتديت طربوشا أو عمامة البكتاشية وهي ذات 12 ضلعا بعدد الأئمة الاثني عشر في المذهب الشيعي، ثم وضعت حول رقبتي قلادة من حجر لامع أشبه بحجر التلك علي شكل نجمة اثنتي عشرية هي الآخري علي ما أتذكر، ولعل التفاصيل بالصور أكثر وضوحا، تبدو فيها الملابس كلها فاتحة من اللون الأبيض الي الرمادي، لم تكن الصور الملونة قد ظهرت بعد ولا أعرف الألوان بدقة وعلي أن أعثر علي صور ملونة لبابا سري في تكية المغاوري بملابسه، وأتذكر أن مجلة آخر ساعة كانت قد صورته في حياته اليومية بالتكية وهو يتجول في سوق الخضار أو مع ضيوفه، كان شخصية مشهورة في ذلك الوقت، وكانت التكية ملتقي شخصيات عالمية مختلفة بعضهم ملوك وامراء، وآخرون سياح ومستشرقون، ونجوم السينما والسياسة والمجتمع في مصر.
في ذلك الوقت من عام 1962 كنت أبلغ من العمر تسعة عشر عاما مفعما بالحياة والحركة، لم يكن اهتمامي الديني قد نضج، ولم أكن أصلي الا صلاة الجمعة مع أبي في مسجد أبي العباس، ولم يخطر ببالي أن أصبح درويشا، وإن كنت مبهورا بحياتهم خاصة في تكية المغاوري الأسطورية، وكنت قبل ذلك بثلاث سنوات تقريبا قد حزمت حقيبة الكشافة بمتعلقاتي، واخذت طريق مصر الاسكندرية الزراعي هدفا لي علي قدمي، حيث قررت ان أهجر اسرتي ومدينتي والدنيا كلها وأن أنعزل في التكية البكتاشية بجبل الجيوشي وأن أمشي بملابس الكشافة التي تحميني من فضول الآخرين لأنه لم يكن معي ما يكفي لركوب القطار، أمشي حتي القاهرة متوجها الي التكية في جبل المقطم لأعيش هناك مع الدراويش بعيدا عن مشاكل اسرتي وخناقات أمي المتكررة معي، لأني أرسم في المنزل، فيتسخ الأثاث وهي لاتتحمل مثل هذه الأمور، أتذكر أني مشيت بضعة كيلومترات حتي توقفت سيارة نقل لأستقلها حتي مدخل مدينة دمنهور فأدخلها مع الليل وينتابني الخوف فأقطع تذكرة رجوع للاسكندرية بما معي من نقود قليلة مؤجلا مشروع دروشتي المبكر الي وقت آخر.. لم يأت بعد.
خلعت ملابس الدراويش بعد التقاط الصور وذهبت لامتحان القبول لدخول كلية الفنون الجميلة في منطقة دار السلام بالقاهرة، ثم زرت مجلة روزا اليوسف وكنت من رسامي نادي الرسامين بمجلة صباح الخير، أرسم كاريكاتير ساذجا ورسوما اخري كانت تنشر لي اسبوعيا بتوقيع عصمت منها غلاف خلفي للمجلة ملون، قابلت الفنان الليثي رحمه الله وكنت معجبا بقوة خطوطه وبلاغتها، وجلست معه اسمع نصائحه التي أوجزها في أن أرسم وارسم كل ما يحيط بي وما تراه عيني، واخبرته عن بابا سري وعن تكية المغاوري، وأن الرجل يحتضر ويجب لفت أنظار المسئولين الي الأثار والكنوز والتحف الموجودة بالتكية ويمكن ان يضمها متحف، وأني لا أعرف الي من أتجه.. لا أظن أن الفنان الليثي قد اهتم بما قلت لأننا بعد ان عدنا للاسكندرية بشهور قليلة علمنا بوفاة بابا سري ثم اختفاء كل ما كان بالتكية حتي أنها تلاشت من الوجود نهائيا كأنها لم توجد من قبل، وهكذا اسدل الستار علي هذه الطريقة البكتاشية التي بدأت في مصر من القرن الثالث عشر الهجري وان كانت مازالت مستمرة في تركيا وبعض دول العالم وامريكا، وان كانت تكية الشيخ رجب مازالت موجودة، إلا أنه من المؤكد ان الذي بقي حتي الآن هو الصور التذكارية والذكريات المشوشة التي أحاول استرجاعها بصعوبة خلال هذه السطور.
عاشوراء
في العاشر من شهر محرم سنة 61 هجرية (680م) كان يوم عاشوراء هو اليوم الذي وقعت فيه المذبحة الشهيرة التي قتل فيها الحسين بن علي حفيد رسول الله (ص) علي يد عسكر الأمويين في عهد يزيد بن معاوية. ويحتفل الشيعة بهذا اليوم.. احتفالات تتنوع من مكان لآخر.. وكان احتفال دراويش تكية المغاوري اشبه بحفل اهم ما يقدم فيه هو العاشوراء، وهي أطباق البليلة واللبن وأشياء اخري كالقرفة ترش فوقها وكانت تجهز في أوان نحاسية ضخمة جدا.. كما كانت تذبح الذبائح وتجهز في أوان مشابهة، وكان الجميع ضيوف ودراويش يساعدون في اعداد الطعام، وكنت أري النساء وهن ينظفن القمح من الشوائب، والرجال يقطعون اللحم وغير ذلك من الأعمال، وفي أوقات الصلاة وخاصة في المساء، تقام حفلات دينية لتلاوة آيات من القرآن الكريم أو الأذكار أو التسابيح، كنت أشاهد كل هذا وأنا طفل ولكن لم يكن مسموحا للأطفال بالمشاركة، كان علينا أن نلعب وننتقل هنا وهناك في ارجاء التكية الواسعة سواء الجزء الموجود منها داخل المغارة ومعظمه مقابر علي الجانبين لملوك وامراء ودراويش، أو في نهاية المغارة حيث قبر الشيخ المغاوري الذي يزوره أهل القاهرة للتبرك به، وخاصة النساء طالبات بركة الحمل وكنت أراهن يتمرغن أمام المقام ويظل جسدهن يتدحرج حتي باب المغارة، وذلك حتي يكتب الله لهن الحمل والولادة ولعل في ذلك حكمة فالتدحرج يقلب الرحم فيعتدل حاله وربما يحدث الحمل نتيجة لذلك أو أشياء أخري مما يلجأ اليها الشيوخ والدراويش والمنعزلون لجلب النساء اليهم والله أدري بسر هذه البركات، المهم كنا نتجول في كل أرجاء التكية باستثناء الغرف المحظور علي الأطفال دخولها، وكان أجمل الأمكنة حقا هو الحديقة الواسعة المطلة علي بانوراما كاملة لمدينة القاهرة خاصة حي القلعة وجامعي السلطان حسن والرفاعي وامتداد شارع محمد علي باشا والأزهر وحي السيدة زينب ولم أكن في ذلك الوقت أدرك كل هذه الأشياء ولكن ألعب وأمرح وتختزن ذاكرتي كثيرا من التفاصيل والحكايات.
وهكذا كان يوم عاشوراء يوم احتفال كبير بالتكية كنا نسافر له خصيصا قبله بأيام بسيارة أبي ومعنا أمي وجدتي خديجة شبرا هانم وهي التي تولت تربيتي وجدتي مرتبطة بالطريقة البكتاشية ربما قبل حضورها لمصر في اوائل هذا القرن.. ولا أدري إن كان أبي في الطريقة البكتاشية أم لا ولكنه فيما بعد حين سألته أخبرني أنه كان يساعد بابا سري من حين لآخر ولكنه لم يكن في الطريقة البكتاشية فجدتي خديجة شبرا هي الرابط الوثيق بيننا وبين التكية وبابا سري والدروشة وكنا نذهب معها أبي وأمي وأنا وأحيانا عمي كمال في احتفالات عاشوراء وهذا يؤكد ان الطريقة البكتاشية تتبع المذهب الشيعي وأتذكر أن كل الطقوس والاحتفالات وبعض الأدعية كانت تتبع المذهب الشيعي في منزل جدتي المتدينة جدا ولم يكن جدي ابراهيم الذي ترك هو وأسرته جزيرة كريت بعد انهزام تركيا في الحرب العالمية الأولي وحضروا الي الاسكندرية يهتم بمثل هذه الأمور إطلاقا كان أشبه بزوربا اليوناني الذي جسد شخصيته فيما بعد أنطوني كوين الممثل الأمريكي الشهير، وكانت الشيعة مذهبا منتشرا في مصر وعلي وشك التلاشي، ولكن حين كبرت ووعيت بعض هذه الأمور كان من يسألني 'أنت.. علي أي مذهب؟'، وكانت مثل هذه الاسئلة زمان كثيرة لا أدري لماذا.. كنت أجيب 'علي مذهب رسول الله (ص) أي سني وللأسف فان معلوماتي الدينية حتي الأن لاتستطيع أن تفرق كثيرا بين المذاهب وكنت أقول علي مذهب رسول الله لحبي للرسول (ص) وليقيني أن الاسلام كعقيدة واضحة وجليلة لايقبل التحزب والتشيع.. وكنت أتجنب المذهب الشيعي لما في حكاياته وتراثه من قتل ودماء ومذابح ومكر وخداع يزيد بن معاوية للاستيلاء علي السلطة رغم حبي أيضا لسيدنا علي والحسن والحسين وقد كانت صورهم تعلق في منزلنا مع رسوم شعبية اخري كانت تباع في الموالد والمناسبات الدينية ومازلت محتفظا بها حتي الان، وكانت (الجلوة) وهي مواكب الطرق الصوفية تحتفل أيضا بيوم عاشوراء الذي يحتفل به المصريون حتي الان بعمل العاشوراء أو البليلة كما سبق أن ذكرت وأتذكر أن (الجلوة) كانت تبدأ في الاسكندرية من ساحة مسجد أبي العباس المرسي حيث كنت أسكن في طفولتي وكنا نتبعها بامتداد شارع الميدان الرئيسي بالاسكندرية وهو أصلا شارع الجسر الذي ربط بين ساحل الاسكندرية وجزيرة فاروس التي كان بها فنار الاسكندرية القديم الذي في مكانه الأن قلعة قايتباي، وكنا نمشي حتي ساحة ميدان المنشية حيث تنتهي (الجلوة) وكانت تسير فيها كل الطرق الصوفية، والذي لا أنساه منظر هؤلاء الذين يضربون أنفسهم بالسياط، ويرشقون الأسياخ والسيوف في أجسادهم، ويكبلون أنفسهم بالقيود الحديدية الثقيلة وكانت عمليات تعذيب جسدي كاملة تتم علي هؤلاء الناس بارادتهم، كفدية أو فداء أو خلاص أو ندم وكانت كلها من مظاهر الشيعة في مصر قبل أن تختفي الأن.
كنا نمضي أسبوعا تقريبا في التكية في احتفالات عاشوراء وهو أسبوع لعب وفسحة ومتعة بالنسبة لي كطفل صغير أداعب الغزال الصغير بالحديقة وأسمع أصوات اليمام والكروان وأتمتع بالزهور الجميلة.. كانت جنة مزخرفة مبهجة تلك التكية. ومازلت أحتفظ بنقودهم وهي عبارة عن قشور دائرية من صخور الجبل تشبه النقود.. كما أحتفظ ببعض متعلقات جدتي والتي تخص البكتاشية مع كتيب عن قانون الطريقة البكتاشية وضعه الشيخ احمد سري دده بابا عام 1959 وصور فوتوغرافية وقصاصات ورق وغير ذلك من تذكارات هذه الفترة.
حقل الفول الرومي
مدخل تكية المغاوري من ناحية ضريح السيدة عائشة علي ما أذكر.. زقاق مرتفع طويل في منطقة عشوائية متجه الي جبل المقطم في المنطقة التي بها مسجد ومقام الشيخ الجيوشي ولعله كان قائدا حربيا مات ودفن هناك.. نمشي حتي نصل الي بداية سلالم رخامية مرتفعة نصعدها الي باب التكية.. كان هناك شباك حديدي يمين الباب ربما لتقبل الهدايا من النسوة الراغبات في الحمل أو كسبيل لتقديم الماء البارد للصاعدين من عناء الطريق وكانت هناك ايضا دكة رخام للراحة ولعل ذلك يوضح أن بعض الصاعدين هم الذين يدخلون التكية وليس كل من يصعد اليها يدخل.. ولكل تكية قدس أقداس، ومغارات، وطرق مختلفة لتخفيف معاناة الناس وتحقيق أحلامهم الدنيوية وخاصة حلم الحمل والولادة الذي هو رغبة كل إمرأة ومطلب كل رجل في مصر بالذات، إن لم يكن في الدنيا كلها.
باب التكية من الخشب السميك المزخرف وكانت هناك لافتة محفورة من الرخام أعلا الباب بها اسم التكية وتواريخها. ثم نصعد درجات ودرجات وسنظل نصعد درجات كلما دخلنا من مستوي الي مستوي آخر حتي باب المغارة والتي تتجه الي بطن الجبل والآخري محفورة في جدران المغارة.. وأتذكر أن مكان نومي كان حفرة مرتفعة في أحد جدران المغارة، كانت مفروشة كلها بالسجاجيد والأكلمة حتي جدرانها وكنت رغم الخوف الذي يعتريني من فكرة المغارة وما بها من مقابر وأضرحة إلا أنني كنت أشعر بالاطمئنان والدفء داخل هذه الحفرة التي كنت أنام فيها في حضن جدتي (نينا شبرا) كما كنت أناديها كان المكان كله مفروشا بفرو الخرفان التي ذبحت عبر السنين الماضية والتي قد تكون ممتدة لأكثر من مائتي عام علي الأقل، الفرو معظمه لونه أبيض ويغطي السجاجيد الايرانية الثمينة وكانت السيوف والدروع والحراب تغطي أيضا الجدران مع آيات قرآنية ورسوم مختلفة للحسن والحسين والأنساب والآيات والحكم وصور آخري، كنت صغيرا ولم أكن أملك بعد آلة تصوير فوتوغرافي لأصور كل هذا التراث ولكني أتذكر الشمعدانات المتناثرة في كل مكان، فقد كانت التكية تضاء بالشموع الضخمة والشموع العادية الصغيرة قبل أن تدخلها الكهرباء. كان كل ما يهمني من هذا كله هو حديقة التكية التي كنت ألعب فيها، وأشاهد منها القاهرة في بانوراما ساحرة لميدان الرميلية (القلعة) وكل ما فيه علي امتداد البصر، والذي كان يشدني أيضا هو منظر أراه أسفل الجبل لحفرة كبيرة بها مساجين سجن القلعة يقطعون الأحجار، ولايمكن أن أنسي هذا المشهد الذي كان يضعني في حيرة بالغة حين أري هؤلاء الناس بملابسهم الزرقاء المتربة يكسرون أحجار الجبل بفؤوسهم، ويحملون قففا ممتلئة بالأحجار علي أكتافهم، والجنود حولهم بعضهم علي أحصنة ممسكين بالسياط وآخرين علي الأقدام ممسكين بالأسلحة، وكأنه مشهد سينمائي تقليدي نراه في الأفلام التي تتعرض للسجون والمعتقلات.
كانت الحديقة مزروعة أساسا بالزهور والرياحين، تمرح فيها غزالتان، وبها أعشاش للطيور الداجنة وكان هناك ايضا طاووس جميل وأرانب بيضاء كبيرة وحقول صغيرة بها خضراوات مختلفة ولكني لا أتذكر إن كانت بها أشجار فاكهة أم لا الي أن عثرت في احدي جولاتي وكان معي صديق في مثل عمري يمت بصلة قرابة الي بابا سري، ربما كان ابن شقيقه، وهو الذي كان معي في الصورة التذكارية، ولا أتذكر أسمه ربما كان اسمه احمد المهم عثرنا علي كنز ثمين عبارة عن حقل فول رومي صغير، ربما كانت مساحته ثلاثة أمتار مربعة، به نبات الفول وعليه قرون الفول الرومي الناضجة وسرعان ما هجمنا عليها.. نقطف القرون ونفتحها ونلتهم حبات الفول الحراتي الخضراء حتي أجهزنا علي حقل الفول الرائع من أوله لآخره دون ان نستريح لحظة واحدة أو نفكر في عملتنا هذه أو في عواقبها، وكأن كل شيء كان أمامنا مستباحا نفعل ما نريده دون رقيب أو حسيب، إمتلأت بطوننا الصغيرة وارتمينا علي النجيل الأخضر ونسمات جبل المقطم في هذه الجنة الأرضية الصغيرة تأخذنا الي سبات طفولي جميل وبريء.
لا أتذكر العقاب، كيف كان، هل مجرد عتاب، وهو الغالب ولكن أتذكر اننا وقفنا مذنبين أمام بابا سري في حجرته وقد تكون هذه أول مواجهة مباشرة لي مع شيخ التكية، كنا أطفالا نمرح ونجري ونتأمل كل شيء ونهرب من البابا لأنه الكبير المخيف في هذا المكان.. وإن كان هو في الأصل لا يلتفت لنا كثيرا.. ربما توجيهاته من حين لآخر لو رأي أحدنا.. لاتلمس هذا، لاتجذب الستائر، وهكذا.. ولكن هذه المرة.. وقفت أمام بابا سري في مواجهة أنا فيها مذنب وهو صاحب السلطة والحكم.. كان بملابسه المهيبة الكاملة التي وصفتها من قبل، القفطان والعباية وحزام الوسط العريض الملتف حوله حبل خاص به شعار البكتاشية علي شكل حجر نادر داخل اطار ربما ذهبي، ويرتدي طربوش الطريقة مع ذقنه البيضاء فكان أشبه ببابا نويل الذي عرفته فيما بعد من الأفلام السينمائية.. كانت حجرته متحفا حقيقيا، وهو يجلس عملاقا علي الدكة المحاطة بالمساند المكسوة بريش النعام.
كان المشهد خرافيا مرعبا لطفل صغير خاصة أن البابا لم يبتسم مطلقا.. وعلما بأن حقل الفول الحراتي هذا من أحب الحقول المزروعة لديه، وأن ما حدث كان بالنسبة له كارثة.. ولكنه لم يستطع غير تأنيبنا بحكم صغر عمرنا، وخرجنا الي أماكن نومنا أنا في الحجرة الصغيرة المحفورة في جدران المغارة واحمد زميلي لا أدري أين ينام مع والديه، ولكني في تلك الليلة بكيت كثيرا وأنا في حضن جدتي.. لم أشعر مطلقا أنني ارتكبت أي خطأ.. كل شيء كان مباحا لي في مثل هذا العمر، هكذا كنت أعتقد وأنا في طفولتي بالنسبة لعلاقاتي بكل الأشياء المحيطة بي أنها خلقت من أجلي، لم تكن جدتي التي ربتني تعنفني ابدا.. وكانت مواجهتي مع بابا سري هي مواجهتي الأولي والأخيرة مع السلطة أية سلطة أيا كانت.. ومن هنا بدأت كراهيتي لها.
حين حضر أبي طلبت منه أن يشتري من السوق (فول حراتي) بدل الذي أكلته أنا وصديقي وكان ثمنه ملاليم في ذلك الزمن، ولكني لم أفكر في أنني قد حرمت شيخ البكتاشية من المتعة التي اخذتها منه ولعله كان يفعل مثل ما فعلنا ينزل الي حقل الفول ويقطف ثماره ويأكلها ويقطف قرونه ويأكلها.. ابتسم أبي وهزني بلطف وقال لي: (خلاص بس متعملش حاجة تانية.. البابا مسامحك).. والذي حدث أن تغيرت نظرتي للمكان كله ولم يعد جنة كاملة كما كان، ولم أرجع الي بهجتي السابقة مرة اخري... ربما حتي الآن.
صوت وصورة
للأصوات في تكية جبل المغاوري قاموس خاص ثري وسيمفوني، فعلي سبيل المثال نجد الناس في التكية يتكلمون كل لغات الدنيا تقريبا.. أهم هذه اللغات استعمالا بين الدراويش هي اللغة التركية التي لا أعرفها ثم اللغة الجريتلية نسبة الي أهالي جزيرة كريت وكانت اسرة ابي منهم، وهذه اللغة كنت افهمها لأن جدتي تحدثني بها دائما ولكني لم أكن اتحدث بها الا قليلا.. فأنا عموما لم أتمكن من التحدث بأية لغة علي الاطلاق.. وأحمد الله كثيرا علي ما استطيعه من كلام وكتابة باللغة العربية، ولذلك أسباب طبعا لعل أهمها اعلاء لغة التعبير الفني عندي وهي لغة الرسم أكثر من لغة الكلام.. المهم كانت هناك لغات اخري في التكية كاللغة العربية التي يتحدث بها معظم الضيوف من المصريين ولغات أجنبية أخري ألبانية وفرنسية وانجليزية وايطالية وغيرها، وطبعا لم أكن أدرك في طفولتي هذه الأشياء أنا أتذكرها الأن فقط واستنتجها وربما أضيف إليها من خيالي الشيء الكثير.. لأن ذاكرتي عندما بدأت في التلاشي تداخلت مع خيالاتي وأصبح من الصعب التفريق بينهما ولكني أجتهد في ذكر الحقيقة بقدر الامكان.. الحقيقة الكامنة داخل كل الأشياء، في أكاذيبنا البريئة وغير البريئة.
ومن الأصوات اليومية المهمة في التكية صوت المطبخ فأصواته شديدة الحركة والازعاج ولايتوقف العمل فيه ليلا ولانهارا، وكانت نوافذه تطل علي الحوش الداخلي للتكية، الذي تتوسطه نافورة رخام جميلة نقلها بعد ذلك بابا سري الي تكية المعادي، ولعلها الأن في احدي فيلات احد المسئولين أو الأغنياء الجدد.. وكانت هناك أصوات الصلاة والدعاء وكانت لها حجرة خاصة واسعة تطل نوافذها أيضا علي الحوش وأصوات زوار التكية والأهم أصوات الطيور بكل أنواعها.. ثم أصوات القاهرة التي تصعد الي التكية كعاصفة كبيرة شديدة الحيوية غنية بالابداعات الصوتية المختلفة ولكن رغم كل هذه الأصوات فان ذاكرتي لاتحمل إلا عمق الصمت في هذا المكان الساحر.. وكأني فيه لا أسمع أي صوت.
أما الصورة في تكية البكتاشية بجبل المقطم فهي صورة باهرة شاملة.. ولعل معظم ما أكتسبته بصريا في صغري يعود الي هذه الفترة القاهرية والتي امتزجت بالملامح البصرية للاسكندرية القديمة في اوائل النصف الثاني من القرن الماضي وخاصة ملامح حي بحري والأنفوشي ومنطقة المساجد بأبي العباس وميدان المنشية ومحطة الرمل والحي اللاتيني الذي يسكنه الأجانب بمنطقة الأزاريطة.
فمن تكية البكتاشية تتوالي الصور في بانوراما رائعة للقاهرة مدينة الألف مئذنة التي لم يعد بها الف مأذنة ونشاهد النيل والاهرامات في عمق هذه الصورة الباهرة.. تتناثر بيوت الأموات والأحياء داخلها هنا وهناك وخاصة في الأحياء الفاطمية والأحياء المملوكية ونشاهد المساجين اسفل جبل في حفرتهم العميقة يكسرون الأحجار الصلبة وتري الدراويش علي ندرتهم يعيشون بين العالمين عالم الأحرار وعالم المساجين وانا الطفل الصغير المبهور والمندهش من هذا العالم الواسع الكبير، أجلس بالساعات اتأمل هذه الصورة.. لحياة الانسان وانشاءاته.. وروعة الطبيعة وتناقضاتها.. استظل دائما بتكعيبة العنب الممتدة علي ممر الحديقة المطلة علي حافة المقطم.. ثم ادخل داخل المغارة.. اتأمل شواهد القبور بزخارفها ونقوشها واحاول قراءة ماهو محفور فوقها ثم ادخل الي الحجرات والدورات المسموح لي بالتجول فيها اشاهد المعلقات واتحسسها، بعضها سيوف وآلات حرب واتعجب من سبب وجودها في مكان مخصص اصلا للعبادة والتقرب الي الله ويعمه السلام والهدوء من كل جانب ولم أكن اعرف بعد ان للبكتاشية صلة بالفرق العسكرية المحاربة ضمن جيوش الترك أيام الامبراطورية العثمانية.
اقرأ الآيات المكتوبة بالخط الديواني بصعوبة شديدة ولكني انساب مع الخطوط الفارسية الرشيقة، وأتأمل صور الدراويش من لحق منهم بالتصوير او رسمه احد الهواة من محبي الفن المترددين علي التكية، وما أكثرهم من فنانين وممثلين وكتاب وشعراء، ولكني لم أر لهم اي ابداع حول هذه التجربة الفريدة التي تلاشت الان من الوجود وانمحت هذه الصور التي استرجعها بصعوبة وان بقيت بعض اثارها علي شريط سينمائي مثلته شادية وكانت من اتباع الطريقة البكتاشية وكثيرة التردد علي التكية وبعض الموضوعات الصحفية، واحدي لوحات ادهم وانلي رسمها لدراويش البكتاشية ولعله زارها مع اخيه سيف وانلي في زمن ازدهارها.
حكايات الدراويش
الذي اتذكره مما حكته لي جدتي شبرا هانم.. انه عندما حضر الدراويش من الأناضول الي مصر هاربين من بطش الحكام هناك ملتجئين الي الأمان والخير في ارض المحروسة.. علموا ان حاكم القاهرة مصاب في احدي عينيه ولايري بها. فغطوا احدي عيونهم بقطعة من الجلد وذهبوا اليه للتحية ولالتماس مطلبهم لمكان يؤويهم يقيمون فيه تكية لطريقتهم.. وتأكد حكاية جدتي بأن حاكم القاهرة اعجب بذكائهم وفهم مجاملتهم في تغطية احدي عيونهم تقديرا له وتعاطفهم لحالته فسمح لهم باقامة تكيتهم في مغارة بجبل المقطم ومن هنا بدأت الطريقة البكتاشية في مصر.. ولكن هذه الحكاية اشبه بالحدوتة التي تقال للاطفال قبل النوم.
وفي دراسة قيمة بجريدة الاهرام ويكلي.. نشرت في 7 ديسمبر عام 2000 مكتوبة باللغة الانجليزية.. وطلبت من ابنتي سحر وسامية ترجمتها لي اكتشفت حكاية اخري حول الدراويش الذين اطلقوا عليهم (أهل الكهف) ملخصها: ان اربعين رجلا حكيما من البكتاشية (أنظر الي المفارقة بينهم وبين الاربعين حرامي في حكايات الف ليلة وليلة) يصلون الي مصر في القرن الثالث عشر الهجري من الأناضول لزيارة زعيمهم الروحي السيد (العيني).. كانوا يلبسون غطاء علي احدي عيونهم لان زعيمهم الروحي (العيني) بعين واحدة وليس من الاحترام ان يستخدموا عينيهم الاثنتين في حضرته وقد تأثر (العيني) بذلك فأعطاهم قصرا ليكون مقرا لهم.. وعندما احسن كبيرهم بانه علي وشك الموت طلب منهم ان يدفنوه في المقطم وفعلا تحقق ما اراده وتم دفنه هناك وعندئذ ترك اتباعه (القصر العيني) واقاموا بناء للتكية حول قبره في المقطم وعاشوا هناك وكان لهذا الشيخ البكتاشي اسم تركي صعب، فسماه المصريون الشيخ عبدالله المغاوري (نسبة الي المغارة التي دفن فيها) وهذا هو الاسم الذي يعرف به حتي الان.
وفي الموسوعة العربية الميسرة عثر الباحث والكاتب الكبير جمال بدوي علي تاريخ البكتاشية وانقلها هنا عن دراسته التي نشرها بمجلة المصور الصادرة في 3/8/2001 بعنوان في تكية المغاوري ك (البكتاشية فرقة صوفية تركية تنسب الي السيد محمد بن ابراهيم أتا الشهير بالحاج 'بكتاش' والمتوفي في عام 1336 ميلادية، وانه ولي تركي من اتباع الشيخ احمد اليسوي، قدم الي الأناضول من خراسان في القرن الثالث عشر وشرع في الدعوة لطريقته التي هي خليط من الطرق التي تقدمتها: القلندرية، اليسوية، والحيدرية، وهي الطرق التي سايرت البيئة التركية التي تفشت فيها من قبل العقيدة الشامانية، وللحاج بكتاش كتاب عربي اسمه 'مقالات' يبدو منه تشيعه لفكرة الاثني عشرية، وكثر اتباع البكتاشية في البيئات التي لم تتأثر بالثقافة، وساعد علي انتشارها سهولة الاسلوب الذي يتحدث به شيوخها الي الأتراك السذج، واتصلت البكتاشية بفرقة 'الانكشارية العسكرية' عندما سار السلطان 'اورخان 1326 1389' مع فرقته الانكشارية الي الحاج بكتاش طالبا منه ان يباركهم، فوضع الشيخ يده علي رأس جندي ودعا لهم قائلا: 'فليكن سهم انكشارية.. اللهم اجعل وجوههم بيضاء، وسيوفهم فواصل، ورماحهم قاتلة، واجعلهم منتصرين قاهرين لاعدائهم 'ومن هنا سمي الانكشارية انفسهم بالبكتاشية، وتوثقت العروة بين الطريقة وفرقة الجيش.. وكانت التكايا المبثوثة في ارجاء الدولة ملجأ للانكشارية، وكان لكل تكية انكشارية موثق بكتاشي، كما اقيمت تكية بكتاشية قرب كل معسكر للانكشارية، وتسلطت البكتاشية علي الانكشارية تسلطا تاما، الي ان قضي السلطان محمود الثاني. علي الانكشارية سنة 1826 فانتشرت البكتاشية في صفوف الشعب التركي بسبب ما كان في اشعارها من لذة روحية، ولما امتاز به شيوخها من رقة الحاشية، وحلو الحديث، والبعد عن الجدل العنيف، وكانت تكاياها مثلا للنظافة والأناقة، مع ما اشتهرت به من 'السر البكتاشي' والأشعار الصوفية، وكانت لهم تكية في جبل الجيوشي بالقاهرة يرقد بها 'فايفوسز سلطان' المعروف بعبدالله المغاوري، وهو احد اقطابها وشعرائها، وانتقلت التكية الي المعادي، واخر شيوخها احمد سري بابا).
ومهما كان تاريخ البكتاشية وهو يحتاج الي بحث ودراسة لمن يهمه الأمر. فاني عايشت السنوات الأخيرة لهذا الطريقة الصوفية وهي تحتضر، وكان يمكن ان اصبح درويشا ثم بابا لها وامد في حياتها في زمن لم يعد فيه مكان للتكايا والدروشة والدراويش.
علي كل حال الانسان لايستغني ابدا عن التصوف ولا عن ان تكون له تكية او مغارة او دروة ينعزل فيها حتي لو كانت داخل ذاته.. وعند كل انسان نعثر بداخله علي درويش مجذوب بشكل او بآخر.. كان علي ان احكي هذا كله وان ابحث فيه بقدر الامكان فهو تاريخ علي كل الأحوال تصادف ان مررت به ثم تأثرت به فيما بعد.. وذلك في اعمالي الفنية وفي حياتي.
فصل من كتاب 'ذكريات الأحلام القديمة'
1943 1962
|
|
|
|