|
|
 | السنة - | 454 | ه - العدد | 1423 | المحرم | من | 10 | - م | 2002 | مارس | من | 24 | الأحد |
|
 |
| بتوقيت القاهرة |
 |
11:32:17 AM |
 |
الساعة - |
 |
23/03/02 |
 |
آخر تحديث يوم |
|
| نقطة عبور |
 |
|
|
|
في مقام الصمت
جمال الغيطاني
دخل الفنان حجازي مقام الصمت.
عندما قرأت الخبر الصغير عن عودته الي ريف طنطا بلدته الأصلية بعد أن أخلي شقته في القاهرة وسلم مفتاحها الي مالك العمارة وانسحب بهدوء من حيث جاء أول مرة الي القاهرة أي أنه بتعبير الصوفية قطع العلائق، الحق.. أن الخبر زلزلني زلزالا شديدا، ليس سهلا أن يدخل انسان باختياره مقام الصمت، خاصة إذا كان فنانا مرموقا، موهوبا، أوتي من القدرة علي السخرية طاقة عظمي، ولديه من الاحساس بالحياة قدر أعظم، هذا ما تعكسه لوحاته، سواء الكاريكاتير الذي يعد من أعلامه الكبار، أو في لوحاته التأملية التي رسمها في السنوات الأخيرة، وعند صدور أخبار الأدب أهدانا مجموعة منها، نشرت في السنة الأولي، عندما أحضرها الينا المرحوم جودة خليفة وقال أن حجازي يقدم في هذه اللوحات فنا فريدا، لقد رسم كما لم يرسم من قبل، كان حجازي يختار المكان والمنبر الذي يجب أن تظهر فيه لوحاته، وكان صارما في ذلك ومازال، وكلفه ذلك بمقاييس الواقع المعاصر الكثير، ولعل كثيرين عندما اطلعوا علي الخبر الذي أشرت اليه فكروا في هذا السلوك النادر، فكروا في تسليم مفتاح الشقة والتخلي عنها للمالك ببساطة، ولم ينكروا بنفس القدر في الحال الذي دفع بفنان كبير الي تلك اللحظة، الصمت، ثم الانسحاب! لماذا صمت حجازي؟
سؤال كبير، مؤرق للضمير، تذكرني محاولة الجواب علي هذا السؤال باعرابي ذكره الجاحظ في كتابه البيان والتبيين والذي خصص فيه بابا للصمت، كان الاعرابي يجالس أحد كبار الحفاظ واسمه الشعبي، ولاحظ الشعبي طول صمته فسأله عن السبب، قال الأعرابي 'اسمع فاعلم، واسكت فاسلم'.
عدت الي تأمل لوحات حجازي الجريئة، عميقة المصرية، فلم أجد عنده ذلك الحرص علي السلامة، فلماذا صمت الآن؟، صمته جعلني أتجه الي الأدب الحديث والقديم، وفوجئت أن للصمت مكانة في مصادر الأدب القديم، ما من كتاب للبلاغة إلا ويحتوي علي باب أو حديث في الصمت، وللجاحظ رسالة أخري في تفضيل الكلام علي الصمت، أما الأدب الصوفي فيتوقف كثيرا عند مقام الصمت، الصمت مقام وليس حالا، الحال متغير، المقام ثابت، ولكن هل يلزم الانسان الصامت صمتا حقيقيا، ألا يكون الصمت أحيانا أبلغ من الكلام، يقال في الأمثال 'السكوت علامة الرضا'، لكنه قد يكون علامة علي الغضب أو السخط، أو الخشية من التعبير عن هذا السخط، أو اليأس من واقع تبدو مشاكله مزمنة، بعد ثورة يوليو لزم عباس محمود العقاد الصمت زمنا، وكان ذلك تعبيرا عن واقع وموقف منه، ولزم نجيب محفوظ صمتا استمر لمدة سبع سنوات لم أفهم ولم أقتنع بمبرراته حتي الآن، ولكن صمته هذا انتهي بظهور أولاد حارتنا التي ما تزال تحدث دويا.
مازلت أحاول تفسير صمت حجازي، هل شعر أن ما يبديه من سخرية لاذعة وجرأة في مقاومة الفساد والظلم والتحلل هو جزء من تبرير هذا كله، فليرسم هو، فليكتب ذاك، في النهاية الأمور محسوبة بدقة، ومهمابلغت قسوة الكاريكاتير فهو في النهاية كاريكاتير ليس إلا، ومهما بلغت جرأة مقال ما فليس إلا كلاما، هل شعر أن السقف المتاح للتعبير ينخفض باستمرار، وأن الظروف تحول بينه وبين التواصل مع جمهوره.
كل ما أستطيعه طرح تلك الأسئلة والاستفسارات، للأسف لم أكن قريبا من هذا الفنان الكبير الي الحد الذي يجعلني أقدم الأجوبة، لا أقدر إلا علي السؤال، وقد تعلمت من أبي حيان التوحيدي أن التساؤلات تكون أحيانا أبلغ!
ولأن حجازي فنان مصري ومعبر عن الروح الأصيلة لشعبنا، ولأنه موهبة كبيرة، وصاحب وعي عميق ليس بمشاكل مجتمعه إنما بأوضاع العالم، فلم يكن ممكنا لانسحابه وصمته أن يمر في صمت، فالصمت من جانبنا عن صمت فنان رائع مثل حجازي لا يغتفر، لذلك خصصنا بستان هذا العدد تحية له، فمثل حجازي لا يصمت حتي وأن دخل مقام الصمت طواعية وباختياره.
|
|
|
|