|
|
| السنة - | 469 | ه - العدد | 1423 | ربيع الآخر | من | 26 | - م | 2002 | يوليو | من | 7 | الأحد |
|
 |
| بتوقيت القاهرة |
 |
2:51:06 PM |
 |
الساعة - |
 |
06-Jul-02 |
 |
آخر تحديث يوم |
|
| كتب |
 |
|
|
عودة جديدة إلي 'كل رجال الباشا' لخالدفهمي:
التاريخ هو النقد وليس الماضي!
سعد زغلول وجمال عبدالناصر
وشخصيات متخيلة!
اليوت كولا ترجمة : أحمد حسان
هل انتاب الاحباط أحدا غيري لتأخر مناقشة كتاب خالد فهمي، 'كل رجال الباشا'. كان رائعا أن نري 'بستان' أخبار الأدب '26 مايو 2002' مكرسا لهذا التقديم، بعد عام من نشر ترجمته. لكنني اعترف، أنه بدا غريبا ان هذا الكتاب، الذي يتحدي بكل هذه البراعة الكثير من الافكار التي تظهر بانتظام علي هذه الصفحات، قد بدأ للتو في إثارة النقاش. بهذا المعني كان تقديم 'أخبار الأدب' لكتاب البروفسور فهمي مجرد البداية لنقاش سيأتي بالتأكيد، فور أن يبدأ القراء في قراءة الكتاب. وبهذه الروح، أود أن أسهم ببعض الأفكار حول ضرورة هذا النقاش، وبعض التعليقات لاثارته في اتجاهات معينة.
تلتئم المجموعة الاولي من الافكار حول عرض محمد بدوي للكتاب، الذي يبدو لي أنه قد أفلتت منه بعض أهم التحديات التي تطرحها قراءة خالد فهمي للتاريخ. وفي القسم الثاني أود أن أثير مشكلتين أتوقع مسبقا أن تكونا لدي المثقفين مع الكتاب.
وفي القسم الثالث، أتناول بشكل محدد الاشكاليات الادبية التي قد يثيرها نقاد الادب حول كتاب البروفسور فهمي.
يضع عرض محمد بدوي كتاب خالد فهمي في موقعه ضمن سياقه الخاص لكتابة التاريخ المصرية، واضعا اياه الي جوار اعمال كتبها تيموثي ميتشل، ونيللي حنا، وكين كونو، وبيتر جران 'رغم أن اسم أندريه ريمون غائب بصورة تثير الدهشة'. ويضع البروفسور بدوي الكتاب ضمن سياق فلسفي أوسع، من فوكوه إلي ديريدا إلي هايدجر إلي هيجل إلي بنيديكت أندرسون 'رغم أن بدوي، لسبب ما، يشير إلي هذا الاخير علي أنه 'آندريش'.
هذا التحديد السياقي الثاني هو الذي سيبدو قابلا للاعتراض من جانب معظم قراء نص فهمي. فكتاب خالدفهمي، كما سيجد أي قاريء ليس شديد الاهتمام بتقديم برنامج ايديولوجي تقعيدي ولا بالانخراط في السجالات النظرية المعاصرة حول الدلالة اللغوية كما يري بدوي. وما يفعله فهمي حقا هو تقديم قراءات لمدي من النصوص بعضها مصادر أولية وبعضها مصادر ثانوية.
اقرأ الفصل الاول من كتاب خالدفهمي ولن تجد اشارة واحدة إلي ديريدا أو هايدجر أو هيجل. وهاك ماسوف تجده.
يبدأ فهمي بنص، مصدر أولي: حكاية سيرة ذاتية، شديدة البلاغية، رواها محمد علي للقنصل البريطاني الجديد عام 1826، ثم يقرأها بعناية شديدة. ويجمع فهمي من هذه النصوص أوصافا ثرية لنظام جيش محمد علي، ولخبرات أولئك الذي بلغ من سوء حظهم أن جندوا فيه. وطوال الكتاب، يسير تقديم فهمي وفق هذه الخطوط. فهو يقدم نصوصا وقراءات.
يقدم مصادر أولية تكاد تكون مجهولة حتي لأولئك المؤرخين الذين يطرحون مزاعم تاريخية كاسحة حول، مثلا، كيف كان محمد علي مؤسس مصر الحديثة. وهذا هو منهجه: اختر النصوص، وقدم النصوص، وفسر النصوص، وافعل كل هذا وأنت تحدد سياق هذه القراءات ضمن وضد التقاليد الكولونيالية والقومية المصرية التي ادعت الحق في هذه الشخصية التاريخية وفي هذه الفترة التاريخية من قبل.
وهكذا، فإن منهج فهمي هو إيلاء الاهتمام للنصوص المتاحة ولتقاليد النقل، والترجمة، والتفسير التي من خلالها 'وداخلها' يصل المؤرخ إلي هذه النصوص. وفي حواره مع ياسر عبدالحافظ، يعود مرارا إلي هذه الاسئلة: ما هي المصادر المتاحة للمؤرخ؟
ما هي الآليات التي تحاول بها المصادر انكار صوت الطبقات الاجتماعية التابعة؟ كيف يقرأ المرء بحثا عن أصوات نقيضة، متمردة، داخل أرشيف دولة ملتزم بكبت تلك الشهادة؟ ما هي المؤسسات الاكاديمية والارشيفية التي من خلالها نتمكن من قراءة هذه المصادر، وكيف تشكل قدرتنا علي العمل مع المصادر؟ ماذا كانت لغة مصادرنا، وكيف شكلت عملية الترجمة من التزكية قراءتنا لها؟ باختصار، لا يسع القاريء إلا أن يلاحظ أن التاريخ ليس هو 'الماضي' بالنسبة لفهمي. التاريخ هو فعل قراءة نقدية، اعتمادا علي مصادر يجب أن نرتاب فيها. التاريخ هو فعل كتابة وعمل داخل مؤسسات يجب أن نحاذر منها. وبقراءة التاريخ بهذه الطريقة الانعكاسية الذاتية ، لا يجب أن يخلط المؤرخ بين قدرته المقيدة علي قراءة المصادر وبين فكرة أنه قادر علي الوصول إلي 'الماضي' بطريقة مباشرة.
لاحظ هنا أن المشكلات المنهجية التي يشتبك معها فهمي مرتبطة فعلا بالمشكلات التي شغلت قدرا كبيرا من الفلسفة ونظرية الادب خلال القرن العشرين، لكنها ليست نفس المشكلات بالضرورة.
لكنك لن تعرف هذا من عرض محمد بدوي. فمثلا، لا يشير خالد فهمي كارل ماركس حتي صفحة 216 ولا نصل إلي أول إشارة إلي ميشيل فوكوه إلا في صفحة 30، رغم أنها متصلة بنقطة يشرك فيها فهمي تيموثي ميتشل. وبعبارة أخري، فإن هذه الاشارات المباشرة التي يحيل بها فهمي إلي الفلسفة الاوروبية قليلة، وتأتي في سياق كتابة تاريخ مصر. وفي النص الانجليزي الاصلي، يعود الفصل الثالث إلي هذا النقاش مع فوكوه وميتشل، لكن مرة أخري تكون الاحالة إلي النظرية الغربية نابعة من التحديات التي تطرحها المصادر الأولية. بين يديه وسياق كتابة التاريخ الذي يجد خالد فهمي نفسه مضطرا للكتابة فيه وضده. والخلاصة، أن كتاب خالد فهمي لا يسعي للبرهنة علي نقطة طرحها في الاصل ميشيل فوكوه وفي الحقيقة، فإن حجة فهمي تطور وتتحدي بدل أن تحاول مجرد اثبات بعض افتراضات تقرير فوكوه عن الحداثة. ولا يذكر كتابه ديريدا أو هايدجر، ناهيك عن هيجل. وليس علي المرء أن يعد نفسه بقراءات في ما بعد البنيوية أو في النزعة المضادة للمؤسسية حتي يقدر قيمة ما يجري هنا: فالاسئلة التي يشتبك معها فهمي هي أسئلة تطرحها نصوص وجدت، ليس في أوروبا، بل في القاهرة، في أرشيفات دار الوثائق. وتقديم بدوي للعلاقة بين نص فهمي وبين كتات ميتشل استعمار مصر تقديم صائب، ويمكن التشديد عليه بدرجة أكبر. وفي الحقيقة، فإن كتاب ميتشل هو نص تأسيسي، لا يكتفي باعلان قطيعة مع الاساليب الاقدم للبحث التاريخي، بل يضع الاساس لمجال جديد، وأحد الانقطاعات التي يطرحها ميتشل تدور حول محورية أسئلة التمثيل بالنسبة لعمل السلطة. بهذا المعني، يتناول كتاب ميتشل نقطة تجاهلها تقليديا المؤرخون الماركسيون وغيرهم من المؤرخين التقليديين الذين تميل منهجيتهم الوضعية إلي كبت سؤال التمثيل، أو إلي بحثه بعبارات تأملية، شفافة. وبالنسبة لميتشل، كانت النظم التمثيلية الجديدة في مصر تعبيرية، وليست تأملية، منتجة وليست سلبية.
وثمة سبب آخر لربط التلقي المصري لكتاب ميتشل بتلقي كتاب فهمي: فالغريب أن المرء كان يمكن أن يتوقع جدالا أشد احتداما حول الترجمة العربية لكتاب ميتشل: فالمنهج الذي يطرحه لم يكن جديدا في مصر فحسب، بل كان يتحدي جذريا قدرة المؤرخين علي طرح مزاعم امبريقية بشأن الماضي. ولدي المرء شعور بأن كتاب ميتشل، رغم أنه قريء في مصر، فانه قريء كمجرد مصدر للمعلومات: ولم يتم التعامل بشكل واسع مع الانتقادات التي يطرحها للحكايات السائدة في التاريخ. وكما يشير بدوي، سيكون من الخطأ أن يفلت المثقفون هذه الفرصة دون أن يعاودوا بحث حجة ميتشل وهم يقرأون عمل فهمي.
ورغم وجود ارتباطات قوية، تفترق حجة فهمي بقوة عن منهج مؤرخين مثل بيتر جران أو تيموثي ميتشل، وهذا الافتراق لا يتم التأكيد عليه بدرجة كافية في عرض بدوي. ففي عملهما، غالبا ما يجد المرء حجة تبدأ بأطروحة كانا، والحق يقال، مقتنعين بها فعلا قبل أن يبدآ قراءتهما. وربما يتذكر القراء لحظات محيرة كثيرة في تقرير جران التقعيدي لم تكن فيها الادلة خطاب حسن العطار عن النحو، مثلا تدعم ببساطة مزاعمه الاوسع حول تشكل رأس المال وظهور الرأسمالية.
وقد انتقد القراء ميتشل لاستخدامه دلائل من قري البربر في الجزائر للبرهنة علي النقطة التي يطرحها عن اعادة تنظيم الفضاء المنزلي في مصر.
في تلك الحالات، لم تكن المصادر تؤيد بعض المزاعم التاريخية لهذين الكاتبين: فاما كانت مزاعمهما تعاني ضعفا، أو أنها تجاوزت الحد للعثور علي دلائل. وفضلا عن ذلك، فان من الصعب أن نضع جران وميتشل معا بهذه السهولة: فالأول مؤرخ مزاعمه امبريقية إلي حد كبير 'وتخفق في الوصول إلي هدفها بسبب نقص الدلائل الامبريقية، أما الثاني، الذي ليس مؤرخا لكنه يعمل علي موضوعات تاريخية، فيقارب مادته بعين نظرية. وهذه النقطة الاخيرة حاسمة لقراءة كتاب ميتشل المهم: اذ يحاول وصف تشكل منطق جديد للسلطة بوصفها نسقا ، ولا يجادل أبدا بأن الممارسة الامبريقية تعكس نظرية هذا النظام الجديد.
مثل جران، فإن فهمي مؤرخ. لكن علي خلاف جران، لا يبدأ فهمي بأطروحة ثم يبحث عن المصادر التي تدعمها. علي العكس، يبدأ فهمي بالنصوص ويولي اهتماما بالغ الدقة بما تقوله صراحة، وما تتضمنه، وما تنكره.و بابداء هذه الملاحظة، فانني لا أعني ضمنا أن المؤلف ليست لديه حجة. فلديه واحدة لكنه لا يبدو أنه يخون مصادره بطرحها. كما أنه ليس بحاجة، كما يعتقد محمد بدوي، إلي تقديم قائمة فلاسفة أوروبيين لطرح نقطتيه الجوهريتين: '1' أن المصادر التاريخية عن محمد علي لا تدعم التمثيل التقليدي للرجل و'2' انه داخل هذه المصادر، التي تقدم آراء وقرارات دولة أوتوقراطية، قمعية، يمكن للمرء أن يقرأ بحثا عن الشكوي والمعارضة، خصوصا من جانب اولئك الذين اجبرت اجسادهم علي الخضوع لمؤسسات الدولة الحديثة الظهور، الجيش، بالطبع، لكن ربما أيضا المشروعات الزراعية، والمصانع، والشرطة، وحتي المدارس والمستشفيات.
اعتراضان متوقعان
يضع محمد بدوي اصبعه علي مشكلتين، أو اعتراضين، ستكونان لدي معظم مثقفي المؤسسة بالتأكيد إزاء كتاب فهمي: الاولي هي استخدام فهمي للاستعارات الخطابية للتعامل مع موضوعه، والثانية لها صلة بأسئلة تتعلق بالخطاب القومي في مصر. وليست هاتان المشكلتان منفصلتين، كما يؤكد خالد فهمي في حواره. وفي الحقيقة، فإن اصرار فهمي علي التمييز بين 'مصر' 'باعتبارها تمثيلا أو رمزا' وبين مصر 'باعتبارها مكانا موجودا بالفعل' من المؤكد أنه سيجعل الكثيرين هنا يرتابون، رغم أنه لا يجب أن يفعل. فخلال عمله كله ، يفصل فهمي علي نحو متسق تماما بين التمثيل وبين الموضوعات المادية. ويبدو محمد بدوي في عرضه قلقا إزاء ذلك الفصل، ويحيل الي عبارة، يفترض أنها مأخوذة من فوكوه، تحذرنا من تحويل كل شيء إلي نص. والمشكلة ليست مشكلة 'تحويل الاشياء المادية إلي نصوص'، بل عكسها تماما.
فالنقاد هم الذين يهددون، بتجاهلهم للاختلاف المعرفي بين الاشياء والنصوص، بالخلط بين الشيء وبين النص، وبشكل أكثر تحديدا، فإن تشوشهم، الذي هو تشوش النزعة الوضعية، هو أنهم يحبون تحويل النصوص إلي أشياء. انهم يقرأون النصوص، لكنهم يتحدثون عنها كأن هذه النصوص قد مكنتهم من الوصول دون توسط إلي الواقع أو الماضي التاريخي.
يتعامل كتاب فهمي مع هذه المشكلة بكفاءة. فحجته، كما ستري، لا تتعلق كثيرا بمحمد علي، الكائن البشري الموجود فعلا.
وباعتباره مؤرخا حريصا، يعترف بأن معرفته بالماضي ممكنة من خلال قراءة النصوص. وبالتالي، تواجه قراءاته دائما حدود قدرته علي القراءة وحدود النصوص، تلك التمثيلات التي هي، في نهاية المطاف، طريقتنا الوحيدة للوصول إلي الماضي، سواء فهمنا هذا الماضي علي أنه مادي أو خطابي. ومحمد بدوي، عند بعض النقاط في عرضه، يبدو أنه يعيب علي المؤلف انتباهه المفرط إلي نصية موضوعه محمد علي وجيشه ويعاتبه علي تجاهل الواقع خارج النص. وليست مهمتي هنا أن أثير هذه العاصفة ما بعد البنيوية المنتهكة التي تحيط بامكان الاحالة، بل إن مهمتي أن أؤكد أن خالد فهمي يعمل، كما يفعل المؤرخون، وكما يفعل نقاد الادب: مع النصوص، في وضد النصوص، في وضد تقاليد القراءة والتفسير. وتتعقد المشكلة حين ندرك أن هذه النصوص قد جمعت هي ذاتها في أرشيفات بواسطة نفس المؤسسات التي هي موضوع الدراسة. وخلط مصادر المعرفة التاريخية التي ليست، في نهاية المطاف، سوي نصوص تلقيناها بالاشياء المادية التي تحيل اليها هذه المصادر، هو خلط قد يخبره العديدون من نقاد خالد فهمي، لكنه خلط يطالب المؤرخ بشيء مستحيل : أن ينسي أن عمله يجري في حوار مع النصوص.
والمشكلة الثانية أوسع بكثير، لأن هذا النقاش، علي خلاف السجلات حول امكان الاحالة اللغوية، لم يبدأ بعد في مصر.
وأنا أشير الي فكرة أن الامة هي بناء عقلي متخيل، هذه فكرة لم يتم الاشتباك معها تماما في مصر، رغم أن في متناول القراء الآن أحد أول النصوص التي طرحت القضية، وهو كتاب 'المجتمعات المتخيلة' الذي كتبه بنيديكت آندرسون وترجمه ببراعة محمد الشرقاوي. باستخدام كلمة 'الخيال' Fiction لا يقصد المرء القول بأن هذه المجتمعات زائفة، بل يشير بالاحري إلي أن الامم هي نتاج جهد ذهني، وأن قدرة الناس علي تخيل أنفسهم كجزء من أمة ترتكز بشكل بالغ القوة علي انتاج تمثيلات ورموز تحثهم علي تصديق الواقع الامبريقي لتلك الجماعة. وفي تقرير بنيديكت اندرسون، تنتج التكنولوجيات التمثيلية الجديدة للرأسمالية الطباعية الصحف والروايات خصوصا مثل تلك الصور بالضبط. ويمكننا أن نضيف مؤسسات تمثيل أخري هامة المتاحف، والمدارس، والسينما، والراديو، والتليفزيون
تنتج بدورها تلك الصور. وقد ظلت التيمة المتكررة في نقد الخطاب القومي هي ملاحظة أن أي تمثيل قومي لمجتمع ما لابد له أن يكون استبعاديا وتمييزيا، ولسبب بسيط هو أن الامة لها دائما تخوم 'وبذلك يكون البعض داخلها بينما يكون آخرون خارجها'.
وتزعم دائما أنها تتحدث بصوت موحد 'وبذلك تكبت الاختلافات الاجتماعية الاقتصادية القائمة داخل أي مجتمع'. وفي الولايات المتحدة الامريكية، نجد أن صورة الامة هي صورة بيضاء، ومركزية أوروبية، ونخبوية. نكبر ونحن نتعلم عن 'مؤسسينا' الذين كانوا سادة بيضا 'ويميلون إلي أن يكونوا مالكي عبيد كذلك'. والمقصود بهذه الشخصيات أن تكون نموذجية للمجتمع الامريكي، رغم أن هذه النماذج اشكالية وغير مكتملة، تاريخيا، يقدم الخطاب القومي الأمريكي صورا تخدم في توحيد الامريكيين معا، لكنها تفعل ذلك دائما بطريقة تميز، وتؤبد التمييز، ضد المواطنين من أصول أفريقية، أو آسيوية، أو أمريكية لا تينية، ناهيك عن الامريكيين الفقراء. ومؤخرا تم توجيه الطابع التمييزي للخطاب القومي الامريكي بأعنف ما يكون ضد العرب والمسلمين في البلاد، حتي اولئك الذين يحملون الجنسية. وغني عن الذكر أن هذه التمثيلات مارست التمييز ضد الأمريكيين الاصليين 'الهنود'.
فهؤلاء السكان الاصليون لأمريكا الشمالية ليس لهم ببساطة أي مكان مريح علي الاطلاق داخل الخطاب القومي الامريكي. ولهذه الاسباب بالضبط التمييز، والاستبعاد نظر الكثير من المنظرين في الغرب في السنوات الاخيرة بعين النقد إلي مسألة الخطاب القومي.
وكما أوضح بنيديكت آندرسون وآخرون، ليس ثمة سبب للاعتقاد بأن حالة القومية الامريكية تمثل استثناء، رغم أن الحالات الاخري ستكون لها بالتأكيد خصوصياتها ودينامياتها التاريخية. وفي مصر تكثر الامثلة علي الطابع التمثيلي للخطاب القومي: ليس فحسب في روايات محمد حسين هيكل أو يحيي حقي، بل كذلك في تماثيل وسط البلد لسعد زغلول، وابراهيم باشا، ومصطفي كامل.
وبينما لن يخفق أحد في ادراك الاختلاف بين تلك التمثيلات وبين الناس الفعليين والمواقف الفعلية التي تحيل إليها هذه التمثيلات، شهدت مصر عزوفا عن الاشتباك بشكل كامل مع الاختلاف بين التمثيل 'مصر' وبين البلد والمجتمع الموجود فعليا والذي تحيل إليه كلمة 'مصر'. والأسباب عديدة، فيما أظن، وتتعلق في معظمها بالوضع الكولونيالي الذي وضعت فيه مصر في مواجهة أوروبا والولايات المتحدة: وفي الحقيقة، تكمن قوة التمثيلات القومية في قدرتها علي تعبئة الناس بصور الوحدة والتضامن تلك في وجه المعتدي الاستعماري. ورغم ذلك ما من سبب للاعتقاد بأن الصور والحكايات التي أقام بها الخطاب القومي بناء 'الأمة المصرية' خالية من الملامح التمييزية أو الاستبعادية. وهنا، لابد أن يثير كتاب خالد فهمي عاصفة من السجال. وفي الحقيقة، فإن خالد فهمي، باصراره علي الطابع المبني ذهنيا لمحمد علي أعني مكانته كصورة وكرمز قد فتح الباب لخط أعم من التساؤل: إذا كان 'محمد علي' الذي تعلمناه في المدرسة، أو قرأنا عنه في الدراسات التاريخية، هو تمثيل ظل يخدم عددا من الاحتياجات السياسية، فلابد إذن أن الشخوص التاريخية الاخري متخيلة بدورها. وهذا المسار يفتح امكانات مدوخة لاعادة النظر في الشخصيات القومية من سعد زغلول إلي جمال عبدالناصر التي كان عليها اجماع عام ومجال محدود للنقاش.
ثقة الأرشيف
المسألة الفلسفية التي لدي مع عمل فهمي لا تتصل بالمزاعم المحددة التي يطرحها حول مصادره: فهو يعرف بالتأكيد المصادر والارشيفات والمكتبات التي توجد فيها. لكنني اعتقد أن ثمة عمي في عين المؤرخ الذي أجاد الارشيف، عمي يصبح واضحا فور أن نبدأ في التساؤل عن الاستعارات التي يرتكز عليها عمله. فمثلا، يختلف فهمي مع استعارة 'التأطير' التي يرتكز عليها تحليل ميتشل بقوة. ونقد فهمي هو أن استعارة 'الاطار' لا تتيح نظرية للمقاومة داخل تقريره عن النظم الجديدة للحداثة. ومكان 'الاطار' يطرح فهمي استعارة أخري، هي 'الدفترة' لا تمفصل هذا النظام الجديد فحسب، بل انها كذلك، في عملية المفصلة، تتوقع مقاومة له. وفي الحقيقة، وكما يوضح فهمي بشكل مقنع، فإن 'الدفترة' تعبر بشكل أو في عن كل من مفصلة النظام والآخر بالنسبة له، عن كل من المؤسسات الجديدة ومواقف من يرفضون تطبيقها، عن كل من توكيد نظام جديد وافتقاره إلي النجاح في احتواء المقاومة.
تبدو استعارة فهمي قادرة علي التعبير عن ما هو أكثر بكثير مما تعبر عنه استعارة ميتشل. لكن المرء مدفوع إلي التساؤل عن كل الكتابة داخل تقرير فهمي ذاته: أليس تقريره، مع قدرته علي توقع قدر أكبر مما تفعله التقارير الاخري بطريقة أشد عمومية، أليس هو في ذاته شكلا أقدر من أشكال الدفترة؟
وربما اتضح هذا النقد بأحلي ما يكون بالعودة إلي استعارة ميتشل عن 'التأطير' اذ أن 'الإطار' في نص ميتشل يحاول رسم صورة كلية لمشروع الحداثة، يحاول شرح مجموعة الظواهر الموجودة في مصر. لكن بقدر ما ينظٌِر ميتشل الاطار الذي عمل التحديثيون المصريون فيه، فإنه لا يضع في اعتباره الطرق التي يكون بها تقريره عن الحادثة هو نفسه مؤطرا. في تقرير ميتشل، لم يستطع التحديثيون المصريون الافلات من الأطر التي بنوها.
لكن، كما يلمح فان الدي المؤرخ علي نحو ما منظور خارج هذه الاطر ويمكنه النظر إليها من علي مسافة. هذا هو صوت الثقة الذي يجده المرء لدي ميتشل والذي يجب أن نستريب فيه: الصوت الذي يضفي الكلية، الصوت المقنع الذي يزعم انه يغطي كل شيء، لكنه، كما اتضح بسرعة، لا يأخذ في اعتباره التناقضات داخل النظم الجديدة ولا المقاومة لها. وفضلا عن ذلك، يقدم هذا المنهج الكلي الطابع صورة للتاريخ منفصلة بحدة عن لحظتنا الراهنة.
كأن التاريخ صورة داخل اطار داخل قاعة عرض. هذا النوع من المؤرخ يكتب عن التاريخ وكأنه لا يعمل داخله، كأن منظور المرء عن نصوص التاريخ ليس هو ذاته نصيا، وليس مشروطا تاريخيا.
وبعبارة أخري، اذا أعدنا صياغة نظرية ميتشل وبالغنا فيها: في الماضي اخضع المصريون أنفسهم بشكل خاطيء بنظم الاستعراض، لكننا الآن في الحاضر نعرف أفضل، وأنا، المؤرخ، أتحدث عن التاريخ وكأنني خارجه، أنظر إليه من موقع غير تاريخي اسمه 'الحقيقة'. هذا الاسلوب للتقديم المتباعد الكلي الطابع، كما ستتذكر، هو بالضبط الاسلوب الذي تجده عند فوكوه.
وفي الحقيقة، فإن هذا هو أحد أكثر الملامح تناقضا في منهج فوكوه: فهو من جهة، يصر علي أن 'الحقيقة' هي تأثير السلطة المؤسسية، ومن جهة أخري، يتحدث الصوت الكلي الطابع لنثره وكأنه ليس بلاغيا، كأنه ليس هو ذاته مثالا علي السلطة المؤسسية. وبعبارة أخري، يقدم نثر فوكوه أحكاما أخلاقية قاطعة وكأنه يصف مجرد وصف بمعني سلبي، تأملي.
يحاول الحفاظ علي انفصام مألوف لقراء مذهب الحداثة بين البلاغة وبين العلم، علي انفصال حاد بين 'موضوعات الدراسة' التي هي التبديات البلاغية للسطة المؤسسية' وبين 'المعرفة' 'التي هي موقف يتجاوز البلاغة والموضعة المؤسسية'.
هذا الاسلوب البلاغي لدي فوكوه الذي يظهر لدي ميتشل وبقدر أقل لدي فهمي هو بالضبط ما سيجده معظم القراء إشكاليا: أعني تقديم نقد للحداثة شديد البلاغية، وشديد الاخلاقية، بلغة تتنصل من الاسس البلاغية والاخلاقية لتمثيلاتها.
هذا التنصل البلاغي من البلاغة لغة الوضعية، والاحصاءات ، والوصف هو بالضبط ما سماه رولان بارت باسم 'الاسطورة'.
وأنا في حيرة إزاء تعامل فهمي مع هذه المسائل. فهو عادة، مثلما في الحوار الذي ظهر في البستان، شديد الوضوح بشأن انخراط المؤرخ في التاريخ الذي يكتبه، كيف يصبح المؤرخ مغروسا داخل المنطق والقواعد التي تحكم الارشيف. باختصار، فإن عملية قراءة المصادر التاريخية لا تبعد المؤرخ عن المشكلات التي يراها في الماضي، بل تضع المؤرخ داخلها، انها تلغي المسافة بين الماضي وبين الحاضر، وتجعل الحاضر مشكلة من مشكلات الماضي، وأخيرا يجب أن تجعل المؤرخ متشككا في الاحكام الكلية الطابع وفي مزاعم الموضوعية.
ومن ناحية أخري، بينما كنت اقرأ كل رجال الباشا، دائما ما كانت تصدمني الثقة في صوت المؤلف. بالتأكيد لابد أن تمنحه معرفته بالارشيف الثقة. لكن المسألة هي مسألة موقع. يبدو أن الثقة في صوته تأتي من إجادته للأرشيف. لكن خلال عملية تعلم الارشيف هذه، هل يبدأ المؤرخ في الوقوف خارجه، ناظرا إليه من موقع، إن لم يكن موضوعيا، فهو علي الاقل غير منخدع به؟ كان يمكن أن يتخيل المرء العكس: أن فهمي، بانغراسه في الارشيف، قد أسلم نفسه لقواعده ومنطقه الخاصين، لأجنبية تصريفاته، ونظم فهرسته ومنظومات تعبيره. ما الصوت الذي سيخلقه مثل هذا الادراك؟ بالتأكيد، ليس صوت الثقة الذي يغلب علي كل رجال الباشا. مع كل الحساسية التي يبديها فهمي للمشكلات التي تحيط بالارشيف، فإنه يكتب في الاغلب وكأنه يعمل من خارجه، كأن عمله ليس هو ذاته نوعا من 'الدفترة' يعيد انتاج شيء من الدفترة القديمة.
وقصدي من إثارة هذا السؤال بصدد ميتشل وفهمي ليس أن أنفي مزاعمهما، ولا مجرد أن أبرز أنهما يحتلان موقعين بلاغيين وايديولوجيين خاصين. بل بالاحري أن أبرز انهما يحتلان هذين الموقعين بطريقة خاصة جدا، أعني ببلاغة لا تعترف دائما بما تفعله. مثل فوكوه، يكتب فهمي وميتشل التاريخ بصوت وصفي بقدر ما هو كلي الطابع. وفهمي، مثل فوكوه، يقدم بشكل شديد الاقناع، النصوص وقراءاته وكأنه يقدم مجرد تقرير وصفي لما يوجد بين المصادر.
فماذا يحدث لو كنا نحن، كنقاد أدب، سنقرأه من أجل بلاغته؟ ماذا ستكون اجابة فهمي اذا كنا نصر كما يفعل هو دائما، علي أن كتابة التاريخ مدفوعة بدافع، وليست تأملية فحسب، وعلي أنها متموقعة داخل مؤسسات الحداثة التي كان يصفها وليست خارجها؟ كيف سيبدو الامر لو كتبنا التاريخ بطريقة أقل ثقة، لو كتبناه ليس كأن ما نكتبه يقع خارج 'إطاره' أو 'دفترته' بل بالأحري داخلهما.
جامعة براون أمريكا
|
|
|
|