|
|
| السنة - | 481 | ه - العدد | 1423 | رجب | من | 22 | - م | 2002 | سبتمبر | من | 29 | الأحد |
|
 |
| بتوقيت القاهرة |
 |
12:37:52 PM |
 |
الساعة - |
 |
28/09/01 |
 |
آخر تحديث يوم |
|
| الصفحة الرئيسية |
 |
|
|
يري أن العبث يأتي من وعي عقلاني بالواقع
الفوضوي المنضبط بول شاوول:
أنا شخص بلا هوية!
يسميه أصدقاؤه 'الفوضوي المنضبط'.... فالشاعر والمسرحي والناقد بول شاوول الذي لايستريح علي مقعد غير الذي اعتاد الجلوس عليه في مقهي 'المودكا' ببيروت... يكاد يكون أكثر شعراء العربية ولعا بالعبث والتجريب، لايستقر علي شكل أو لغة واحدة، بل أنه هو الذي قدم بيكيت أشهر كتاب العبث عندما قام بترجمة أعماله إلي العربية. وهكذا بين 'التورط' و 'الاغتراب'يعيش شاوول صاحب دواوين 'أيها الطاعن في الموت، بوصلة الدم، الهواء الشاغر، كشهر طويل من العشق، نفاد الأحوال، موت نرسيس.. وغيرها يعيش موزعا بين الأماكن التي يحبها ولايستطيع الابتعاد عنها: مكتبه في جريدة المستقبل، بيته، ومقعده في 'المودكا'.
'عبثية' شاوول طالعة من الحرب والخراب الذي جعله لايؤمن بشيء... سألته: بماذا تحلم؟!
قال: قبل الحرب كنت حالما كبيرا بأحلام صغيرة، الآن صرت حالما صغيرا بأحلام كبيرة.
لكن هل نحن في حاجة إلي العبث والسوريالية في عالم تحول فيه الواقعي إلي عبث، بل تتضاءل إلي جانبه لوحات سلفادور دالي ونصوص كافكا ومسرحيات بيكت.. كان سؤالي الأول:
|
|
|
الذين نسوا أجدادهم!!
في الحقيقة لقد صدمني مقال الأستاذ أحمد الخميسي (احياء الموسيقي الفرعونية.. خدمة لأي مشروع قومي؟ (أخبار الادب 7/7/2002)، وكان لابد من مناقشة بعض الحقائق بشكل عقلاني وموضوعي من أجل مصلحة هذا الوطن:
يبدو أننا كمصريين شخنا كشعب بدرجة كبيرة (فقد كان اليونانيون يصفون أنفسهم بأنهم أطفال في التاريخ بالنسبة لنا) فنسينا جذورنا، بل ونسينا من نحن، وصرنا نتنصل من أجدادنا (الذين علموا العالم!!) ونتمسح في غزاتنا رافعين شعارات القومية العربية والنضال القومي... الخ. هذا الكلام الذي أكل عليه الزمان وشرب لانه كان الزيف بعينه جر علينا دمارا وخرابا سيلازمنا للأسف فترات طويلة وأدخلنا حروبا لاناقة لنا فيها ولاجمل، أدت الي استنزاف مواردنا وطاقاتنا. وللأسف لم نتعلم من (دروس التاريخ) ومازلنا نتعامل مع الواقع بنفس الذهنية الخيالية القديمة.
ان ما كان يجب أن يكون هو 'دراسة الظاهرة التاريخية (يقصد الفرعونية) للاستفادة من عناصرها الحية لتطوير الحاضر' كما يري الاستاذ الخميسي، فكيف يمكن وصف (تلك الظاهرة) بهوية فرعونية غابرة، ومطاردة الأشباح، وعبادة الموتي؟!!. وان كان اليسار المصري يستفيد فعلا من دروس التاريخ، فلماذا حتي هذه اللحظة يكرر نفس الأفكار التي أدت إلي أخطاء تاريخية فادحة؟!!. وهل يوجد شعب في العالم ممكن أن يصف أجداده بهذه الصفات؟!!
لنتأمل ما قاله العبقري شادي عبدالسلام في أحد حواراته: 'التاريخ هو كل ما خلفناه وراءنا فأصبح ماضيا آخر.. حتي أقرب البلاد لنا ولتكن السودان أو ليبيا مثلا.. لأن التاريخ الذي أحمله ورائي مختلف تماما عنهما ويقول: 'ان مصر هي البلد الوحيد الذي لم تتغير حدوده منذ ستة آلاف سنة.. كما لم يتغير اسمها أبدا.. وعندما تغير اسمها في ظروف قريبة كان هذا شيئا مدهشا جدا.. فنحن قد نحارب الجميع أو نحب الجميع ولكن دون أن نغير أسماءنا مجاملة للآخرين.. وليس ضروريا مثلا أن أغير اسمي من شادي إلي عبدالفتاح.. لكي أرضي ساكنا في الشقة المجاورة اسمه عبدالحليم!.. ومع ذلك فقد عاد اسم مصر كما كان لأنه كان حتميا ان يعود ولأنها كانت غلطة'..
ما علاقة العزف علي وتر الفرعونية المتمثل في المؤتمر وغيره بالقضية الفلسطينية وعزل مصر عن الصراع الاسرائيلي؟!!. وهل عندما أستعيد هويتي الحقيقية يغير ذلك من نظرتي لعدوي، حتي وان كنت عملت معه سلاما؟!!
هل نسي الاستاذ الخميسي أن العرب احتلونا ذات يوم مثل كل المحتلين من فرس ويونان ورومان وفرنسيين وانجليز.... الخ، وكان احتلالهم لنا باسم الدين؟ ان كان هذا جائزا قديما وحديثا فأمريكا أيضا (التي نكرهها) تحارب وتزرع جيوشها في كل بلدان الدنيا وتفرض سيطرتها علي العالم (كما تظن) باسم قيم العدل والعدالة والحرية!!
من المؤكد أن العرب ككل الغزاة، تركوا لنا أشياء جيدة، لكنهم في نفس الوقت خلفوا لنا ميراثا ثقيلا من الاشياء السيئة مثل:
حرق ذاكرة العالم (أقصد مكتبة الاسكندرية)، (حتي وان كان هذا الطرح قد رفضه بتلر وغيره لأن يوحنا النقيوس لم يذكره في تاريخه، الا أن المؤرخين العرب أنفسهم ذكروه)، احتقار المرأة واعتبارها كائنا من الدرجة الثانية، عادة الثأر، القبلية التي لم تكن موجودة في مصر منذ فجر التاريخ، انهيار الفنون المصرية العظمي كالنحت والرسم والموسيقي (والتي يرفض الاستاذ الخميسي احياؤها لانها ضد النضال الثوري وضد القضية الفلسطينية) طوال أكثر من 1300 سنة.
لاشك أن ذهنية الجعجعة الثورية أضاعت فلسطين، وتسببت في انهيار بلد غني بالثروات كالعراق. ودمرتنا اقتصاديا بعد أن كان الجنيه المصري أغلي من الجنيه الذهب أو يعادله. ونفس تلك الذهنية التي رفضت السفر إلي إحد المؤتمرات الثقافية في أمريكا، رغم أنه لاعلاقة بين الخطاب السياسي الرسمي للدول، وبين الخطاب الثقافي الصادر عن المثقفين الاحرار (طبعا نحن هنا لانقصد المكتبة)، وتركت الساحة لليهود ليطرحوا وجهة نظرهم ويقلبوا الحقائق.
لم يكن أجدادنا الفراعنة (عارا) ولم يكونوا همجا أو برابرة كي نتنصل منهم بهذا الشكل المهين من أجل قومية عربية لم تحدث، ولن تحدث، لانها بكل بساطة ضد حقيقة التاريخ والواقع.
يجب أن نعي دائما أن الظرف التاريخي فرض علينا أن نتكلم باللغة العربية، ودول عديدة حدث لها نفس الشيء.. فماركيز مثلا يكتب باللغة الاسبانية لكنه لاينسب نفسه الي اسبانيا، وساسة دولته لايسمون بلدهم (جمهورية كولومبيا الاسبانية)، أو كان جورجي أمادو يقول عن نفسه انه الاديب البرتغالي فلان الفلاني.
أما ما يحدث عندنا فهو العجب بعينه!!
مصر دولة متوسطية افريقية ذات جد فرعوني عظيم، وذات مجتمع مسلم ومسيحي، أتاها الغزاة من كل مكان فمصرتهم أو ذابوا فيها ولم يعد لهم وجود، حتي وان كانت غيرت لغتها وبعض عاداتها في فترة انحدار تمر بها كل الحضارات العظيمة (بحكم قوانين الحياة)، ورغم أن تاريخها زيف كثيرا، الا أنها ظلت محتفظة بهويتها عبر خط طويل ممتد منذ آلاف السنين حتي اليوم، وبامكاننا ملاحظة ذلك بكل بساطة في العادات والتقاليد والملامح واللغة العامية والاديان... الخ. وهل لأن لغتي وأنا شاب اختلفت عن لغتي وأنا كهل نتيجة لبعض الظروف والمؤثرات يصبح ذلك مبررا لأن أنسب نفسي لأب آخر وجد آخر؟!
تحية من القلب لجامعة حلوان ورئيسها الوطني الدكتور عمرو سلامة علي الجهد المبذول لعقد هذا المؤتمر، وكل أبناء مصر في انتظار نشر نتائجه.
شريف الحسيني
|
|
|
|