دليل المواقع الاشتراكات الإعلانات دفتر الزوار United States Mirror Server United Kingdom Mirror Server Egypt Mirror Server
السنة -481ه - العدد1423رجبمن22- م2002سبتمبر من29 الأحد
بتوقيت القاهرة 11:14:20 AM الساعة - 28/09/01 آخر تحديث يوم
      ضواحي الفضفضة
مشهور فواز
رحيل مبكر علي شواطئ الغربة
مشهور فواز
مشهور فواز
كأنما كان الموت يتربص به بعد أن نجا من مخالبه إثر عملية جراحية في القلب منذ بضع سنوات وخلال زيارة سريعة للقاهرة للاغتسال في وطنه من وّحشّة الغربة انقض صقر الموت واختطف روح الشاعر الجميل مشهور فواز مات في الخامس عشر من شهر يوليو 2002 وهو في مطالع رحلة شعرية وأكاديمية ونقدية بعد أن حصل علي درجة الدكتوراه حول ظاهرة التمرد في حركة الشعر الحديث من كلية دار العلوم وبعد أن أصدر أربع مجموعات شعرية هي: تاريخ يؤرقه الظمأ (1987)، وهجمة من الغرام في البلاد (1994)، وقصائد الفرح المتاح 1995)، وذاكرة أسير لها (2002).. ولد مشهور فواز في عام 1957 وتخرج في كلية دار العلوم وانتمي شعريا إلي جيل الثمانينيات. لم يستسلم لغواية الانفلات المطلق من الايقاع وظل موصولا بتيار الحداثة الحقيقية التي لا تنفصل عن سياقها التاريخي والفني معا. اتسم صوته الشعري بهذه الطلاقة النادرة والقدرة علي رسم المشهد العاطفي والإنساني وجاءت قصيدته الطويلة الأخيرة 'ذاكرة أسير لها' بمثابة معزوفة سعيدة تترنم بفرح العشق وديمومته وانسجامه وهي تفارق هذه البكائيات الحزينة التي وسمت الشعر الغزلي العربي في معظمه بطابع الحزن والسوداوية والأنين. إنه يفتتح معزوفته بالوصف الذي يوحي بالبحث عن طبيعة وجوهر النشوة العاطفية فيقول:
هذا كتاب الحب. عشب طازج يلتف حول القلب/ تاريخ اليقين. وردة في عروة الأيام/ مجد خالص كالمجد/ نار الفكرة الأولي/ وشتلات المريدين ابتهال الود/ أبهة تتوج سيرة الضليل/ أزمنة تسير إلي بريق الصحو ممتزجا به/ إذا تأملنا هذا المفتتح وجدناه يوحد بين الوجداني والعقلي الخارجي والباطني الغنائي والسردي ليصنع سياقا قلقا يوحي بالفرح الذي ينقل الشاعر من وصف إلي وصف في محاولة للإمساك بمعني محدد أو تعريف واضح للحالة التي تعتري الشاعر والتكرار ينبئ عن عدم كفاية الصورة المطرحة لشفاء الغليل أو لتجسيد النشوة الفائقة التي تغمر قلبه. إنه يتنقل عبر رياض البهجة ممسكا بزهور الكلمات وكأنه يطرحها جانبا بمجرد أن يقطفها من غصن اللغة الذي تهزه ريح النشوة لأنها تبدو أقل من احساس الشاعر وطموحه. هو يري الحب عشبا طازجا يلتف حول القلب بكل ما توحي به هذه الصورة المركبة من نضارة وانسجام وامتداد وجمال. ثم يحاول أن يعطي هذا الاحساس معني النقاء والديمومة حيث ينتهي الشك والقلق والتوتر فيصفه بأنه تاريخ اليقين رغم أن الشعراء جميعا يرون جوهر الحب منطويا علي الشك والقلق وهو ما يدفعهم إلي الشكوي والخوف. ويتمادي الشاعر في تتويج الحب ورشقه بالأوسمة فهو نار الفكرة الأولي وابتهال الود ثم ينتقل إلي الحديث عن ذاته العاشقة وبينما كان السياق اللغوي في الحالة الأولي يميل إلي التجريد واستخدام الأسماء يميل الشاعر في الحالة الثانية إلي استخدام الفعل المضارع الذي يدفع بالحركة الوجدانية إلي التدفق والسيولة يقول مشهور فواز:
(أصف الحضور/ أصب مائي في حواس الأرض في نهم أهيئ سلطتي للعزف) ثم يقول: آخذ حصتي من حكمة النهر الزلال واستعين بمعصمي امتزجت بأجنحتي ابتكاران البدايات الصباح لنا وهذا العزف ناري وابتهالي ويتوج الشاعر مشهد الحركة العاطفية بهذا التهليل.. ما أشهي الحياة إذا اصطفاها عاشقان فرطبت باحاتها لهما ونادت: كل خطوهما لسان الوجد والأفق احتمال قلت معجزتي الصبابة/ عشبنا وكلامنا/ وسريرنا وبها نسوي عرشنا، فإذا انتقلت المعزوفة لتضم العاشق والمعشوقة في سياق لغوي وايقاعي وجدنا مرحلة أخري من الخيال الشعري حيث يقول الشاعر:
'أنا وهالة نستطيع نسوس أزمنة، ونسطو عنوة ونكون نملك خطونا وطريقنا وحقولنا والفكرة البيضاء/ نبت الغرام علي براعم يقظة فرعته هالة في شهيق الورد، واحتضنته قداسا ففوضها الهوي ونّبّتٌج في الإيقاع. نحن كتابة أخري. تنوع سلطة وتناسل اللقيا. حضور يافع يرث البداية والختام معا. فلا أحد يدل علي مواسمنا سوانا'. يؤكد الشاعر في هذا المقطع استقلال العاشقين وتوحدهما وتنوعهما وبهذا يبدأ الشاعر مرحلة فنية جديدة تتجاوز الوصف الخارجي لتغوص في صميم الحالة الغرامية يرق صوته وتصفو نبرته وهو يهدل كذكر الحمام بأشواقه فيقول:
­ لا عزف بلا نغم وأنت الصوت. هذا الفتح باسمكِ يوقظج التاريخ باسمك يبدأ الإيراق ثم يخاطبها قائلا:
­ لا تتأولي الأشياء/ لا تثقي سوي بدمائك انطلقي إلي زمني أطلقي العشب المقيد تحت شمس الحب يبتكر الحياة أنا لقيتك في افتراضات الندي فتنسمي حرية. إنا علي شطين نفترض البدايات المؤملة. الطريق عناق محبوبين والحب ابتداء ينتهي نشيد العشق بهذا الانسجام الذي يصور المحبوبة هكذا:
'هالة تحتفي بالورد تنهض في غدي وتضيء ينبوعي بفيض من شعير الوصل تلقي كأسها عندي تقول حصدتني في موسم الجرح انطلق بي مثلما أملت حتي موسم الفرح استعدني من حقول الشوك قلتج لنا سطوع الصدق أحلامي كلامي والندي وقتي وأنتِ غنوتي. في نبرتي فرح يشير إليك فاستلقي علي صدري سأطعم شرعتي ثمر الهوي وسنسترد معا دفوف النصر نلبس زيتنا لغة ونرفل في الضياء' يركز الشاعر مشهور فواز معزوفته علي إطلاق أشرعة الحب السعيد التي ترفرف علي هذه القصيدة الجميلة الطويلة 'ذاكرة أسير لها' أما ديوانه 'قصائد الفرح المتاح' فهو مجموعة من القصائد القصيرة التي تكشف عن براعة الشاعر في الصياغة واقتناص الإيقاع. يبدأ الشاعر ديوانه بهذا الزهو الذي يملأ أشرعة الشعراء ويدفعم إلي اعتبار الغناء غاية مطلقة فيقول:
'سيؤثر أن يكون كما اشتهي خلل المدي ولسوف يلقي جمرة في رحلة فيرش فيها زيته ويمرٌج. يلبس غابة ويصير أفقا للندي ويقول إني أهل هذا الكون والكون الصدي' يوحي لنا الشاعر بولعه الأساسي ألا وهو الحرية عبر رحلته التي يريد أن يعيشها كما يشتهي وأن تكون كما يريد. في هذه الرحلة يلقي بجمرة كأنها رسالته في الأرض أو كأنها نبتة أو بذرة لها سحرها الأسطوري أما الزيت الذي يشير إليه الشاعر فهو الزيت الذي يضيء القناديل، هي رسالة وعي إنساني تلك التي يحلم الشاعر بأن ينشرها عبر رحلته جوهرها النور والحكمة رغم انبثاقها من الجمر الذي يشير إلي المعاناة التي تصاحب نشر الرسائل أو الرسالات التي يكلف المبدعون بها أنفسهم من أجل الآخرين، يحاول الشاعر خلق الجمال بأن يرتدي غابة وأن يكون مصدر خير حين يصير أفقا للندي ويأتي­ الزهو في نهاية هذه القصيدة القصيرة ليججسد ولعه بذاته كمصدر لوجوده في قصيدة (فتي) حيث يقول:
­ حين ترون فتي تغمره الأعشاب وتسكنه الموسيقي ويمر فتفتح سيدة نافذة وتهذب هيئتها. تفتح أزرار الوحشة في سيرتها وتصيح لقد مر فاستوصوا خيرا بخطاه لأن الشمس إذا اشتعل الضليل بأطراف الضليل اشتعلت بدماه' يستخدم الشاعر كلمة العشب بإفراط يدل علي هاجس الإيمان بالجمال والنضرة والبراءة كما يشير إلي لقب الضليل الذي أطلق علي امرئ القيس في لفتة شعرية.. توحي بتراسل القيم بين الشاعرين. إن إمرئ القيس شاعر يحلم بالحرية ويؤمن بالمطلق يمضي إلي مصيره الذي يكاد يكون قد اختاره وصنعه لنفسه ثابت الجنان يمضي دائم التمرد والتوحد، إن الغنائية تسري في شرايين قصائد هذا الشاعر بكل ما تعنيه من اهتمام بالألفاظ واحتفاء بالموسيقي وشجن ينبعث من التوحد بالذات وهو في ديوانه 'قصائد الفرح المتاح يقترب' أكثر من أي وقت من آفاق الرمزية بكل ما توحي به من غموض وتكثيف وتعدد في الدلالات كما نري في قصيدة نبوءة:
'كان سندسج انتظارها مباركا وهاجس مباركا ورعشتي أمام باب بيتها بارجة وزلتي نافذة تؤكد التجانس الغريب بين ربطة العنق وبين رعشة العينين في المرآة. وكان حالها صحيفتي وصمتها علامة استفهام. إلي متي يظل طائر مشردا وحلم مطاردا إلي متي تظل تختفي أرجوزة بحالها ولا تعي، إلي متي أنتِ معي، فانوسها كان يشهد انفلات شاطئ وكان عازف أمامها يقول نغمة مكسورة ويختبي في تبغة­ ومثلما تنبأت بتعثر الزمان في علامة استفهام ولملم الغرام طرفه في عالم من الدخان' تؤكد هذه القصيدة ميل الشاعر إلي الانفتاح علي عالم الرمزية الموغل في التجديد والمفارقة والغرابة. القصيدة القصيرة تمثل دائما اختبارا لقدرة الشاعر علي الابتكار والإجادة فهي لا تمنحه فرصة كبيرة لإجراء مناورات لغوية للبحث عن الومضة الشعرية وسط ركام التكرار إنها تضيق علي الشاعر طرقه وتحاصره إلي أن يتفجر النبع قويا رائقا. ولا يستطيع الشاعر أن يراوغها فهي تنتهي فور الفيض بدفقتها. يوحي ديوان قصائد الفرح المناحي بأن الشاعر مشهور فواز قد تجاوز مراحل التجريب الأولي وأنه كان يعكف علي إنضاج لآلئه الشعرية مؤمنا بضرورة التركيز حيث تكفي الومضة لتثير فينا عالما من الإيحاءات التي تدفعه إلي دعوة القاريء لمشاركته في صياغة القصيدة من جديد. يقول في قصيدة ذات مغزي ودلالة هي قصيدة (إشارة).
­ عبر السادة المتعبون . واحدا واحدا. كلهم أجمعوا أن ضوء القناديل أثقل أجفانهم غير أن فتي بينهم كان منشغلا بالجدار السميك الذي حال بين جفنيه والضوء. عمره ضاع في العرق المتصبب تحت الجدار . ولم ينتبه . عشبة نبتت فوق معوله شارة 'للنهار' يقارن الشاعر في هذه القصيدة بين هؤلاء الذين غمرهم الضوء برموزه المتعددة حتي عبروا متعبين وكأنهم لم يخلفوا أثرا وراءهم وبين هذا الفتي المناضل الذي شغل بالجدار الذي يحول دون وصول الضوء إلي الآخرين. هل هي مقارنة بين رجال القول ورجال الفعل بين الغارقين في أوهام مجدهم وبناة الحياة الحقيقيين كل هذه المعاني تحتملها سطور القصيدة هل كان مشهور فواز يخاطب شاعرا يشبهه أو طائرا له صفاته حين قال:
طائجر دس منقاره في السنابل هل فاز بالقمح. لما يزل في السنابل منقاره. فاز بالموت؟ لما يزل مثقلا بالحياة. إذن ألف العيش؟ كلا . لقد أدهشته السنابل فارغة فاختبأ في الفراغ أو تبكي عليه! إنه بعد حين سيطلق منقاره في الفضاء ويمنح حكمته بعدما يستعيد نضارته من فصول العناء' رحل الشاعر الجميل مشهور فواز مخلفا حسرة في قلب كل من عرفه فقد كان مفعما بالشذي والندي والعبير كان ابتسامة أمل سرعان ما عاجلها سيف المنية القاطع. رحم الله مشهور وعزاؤنا في شعره الصادق البديع.
 
العدد الحالي
  الأعداد السابقة
الصفحة الرئيسية
ساحة الأخبار
ضواحي الفضفضة
رسائل
شرق وغرب
البستان
ساحة الإبداع
كتب
أحداث
جسر الحنين
نقطة عبور

أعلي الصفحة إرسل الصفحة إلي صديق إطبع الصفحة إحفظ هذه الصفحة في المفضلة
   دفتر الزوار   |   دليل المواقع   |   الاشتراكات   |   الإعلانات   |   خريطة الموقع   |   البحث   |   الأعداد السابقة   |   إتصل بنا   |   مساعدة   
   الإعلانات المبوبة  |  أكاديمية أخبار اليوم  |  بلبل  |  أخبار السيارات  |  أخبار الحوادث  |  أخبار النجوم  |  أخبار الأدب  |  أخبار الرياضة  |  آخر ساعة  |  الأخبار  |  أخبار اليوم   :شبكة أخبار اليوم   
All site contents copyright © 2000-2002 Dar Akhbar El Yom.
للأستفسار أو طلب معلومات يرجي مراسلتنا علي العنوان التالي
akhbarelyom@akhbarelyom.org

Best viewed with Internet Explorer 4.0, Netscape 4.0 or above with a resolution of 800 X 600 .

Website Developed By: