دليل المواقع الاشتراكات الإعلانات دفتر الزوار United States Mirror Server United Kingdom Mirror Server Egypt Mirror Server
السنة -481ه - العدد1423رجبمن22- م2002سبتمبر من29 الأحد
بتوقيت القاهرة 11:18:34 AM الساعة - 28/09/01 آخر تحديث يوم
      رسائل
مأزق الترجمة الإبداعية العربية بعد الحادي عشر من سبتمبر
ميرال الطحاوي
ننشر فيما يلي نص المحاضرة التي أرسلتها إلينا ميرال الطحاوي في مركز زايد للتنسيق والمتابعة، والتي كانت جريدة القدس العربي التي تصدر في لندن قد نشرت ملخص لنفي المحاضرة والمناقشات التي اعقبتها، وعلي أثرها نشرنا تقريرا حول هذه التغطيات في العدد الماضي كما نشرنا ردا من القاص زكي سالم. من جانب آخر ، نلاحظ أن الأفكار الاساسية كما وردت في تغطية جريدة القدس مثلا ماتزال مطروحة ولم تتناولها الكاتبة ، وكان الأولي أن ترسل ردا للقدس .. وعلي ماكتبة الاديب زكي سالم ،علي أي حال ننشر محاضرتها في السطور التالية.

ترتبط الترجمة الإبداعية­ في تحولاتها علي مدار القرن­ بحركة النهضة الفكرية، ومحاولة بناء الدولة المدنية الحديثة، وترتبط أكثر مع نشأة النوع الروائي علي هيئته الحديثة، وتحتفل كتب الأدب المقارن بالربط بين 'ماجدولين' 'تحت ظلال الزيزفون' التي عربها المنفلوطي، ودور رفاعة الطهطاوي ومحمد حسين هيكل والمدرسة الفرنسية التي امتدت عبر طه حسين وتوفيق الحكيم، بدأ النص الروائي العربي يحاول الخروج من عباءة التأثير الأجنبي وهو يتكئ عليه أيضا فدخلت الرواية العربية هيمنة المدرسة الرومانسية ثم خرجت إلي واقعية 'زولا'. إلي عبثية 'كافكا' ثم حياد 'هيمنجواي' وصولا إلي قميص ماركيز وعجائبية بورخيس ثم عباءة كونديرا، وحركة الإبداع الروائي التي بدأت مرتبطة بالمدارس الغربية وجمالياتها جعلت حركة الترجمة لا تلتفت إلي الأدب العربي معتقدة أن الأدب العربي غير قادر علي صنع حركة الأدب العالمي أو المساهمة فيه، وظل الكاتب العربي­ حسب هذه النظرة­ مجرد ناسخ جيد أو ماهر، وبالتالي سادت نظرة استعلائية علي النصوص العربية الإبداعية التي اعتبرت ضئيلة القيمة الفنية، وهي في أفضل حالاتها مجرد مادة انثربولوجية أو معرفية أو وثيقة سياسية تستخدم لإدانة بعض الأنظمة أو تستخدم كمادة تشاكل الأفلام التسجيلية باعتبارها وثيقة لتحرير المرأة أو لإثارة قضايا بعينها كالختان والطهارة والحجاب وتعدد الزوجات، وظل الكاتب العربي يعامل بوصفه كاتب تقارير أنتربولوجية أو سياحية حتي ساد شك متبادل في قيمة النصوص المترجمة من الناحية الفنية.
فالقارئ العربي يتعامل معها باعتبارها مادة مكتوبة لقارئ آخر، وشكك المثقفون العرب في النصوص العربية التي نالت حظا من الترجمة وبحثوا عن مبررات تآمرية تساهم في اختيارها دون غيرها للترجمة أو الجوائز الأجنبية، في حين تعامل الناشر الأجنبي أيضا مع تلك النصوص العربية باعتبارها مادة غير أدبية فهي مجرد مادة لبعض مراكز البحث أو الجامعات أو أقسام اللغة العربية الصغيرة في جامعات الغرب، اعتبرها الناشرون نصوصا غير قادرة علي المنافسة في سوق الكتابة حتي أ دار (دبل واي) الأمريكية والتي تعاقدت مع الجامعة الأمريكية علي اختيار منتخبات من الأدب العربي بعد فوز نجيب محفوظ بجائزة نوبل، ثم اعتذرت عن العقد أو أرجأته قائلة أن نجيب محفوظ نفسه غير قادر علي تحقيق أعلي المبيعات وبالتالي فالأدب العربي غير قادر علي خلق سوق أو قارئ.
فهل صرنا داخل الواقع الأدبي العالمي، مجموعة من المتطفلين علي تراثهم أو الهواة، ولا نستطيع سوي تقديم مادة تصلح للفضول أو إننا من الناحية الفنية لا نصلح كتراث أدبي انساني، هذا التعالي الأوروبي تخطته دول كثيرة من الدول المشرقية ومن دول العالم الثالث، فالأدب التركي والإيراني والباكستاني والهندي بدأ يظهر بقوة في واجهة المكتبات العامة، هذا فضلا عن الأدب الأفريقي أو الصيني أو الياباني، وأدب أمريكا اللاتينية، كل تلك الآداب بدأت تقتسم الجوائز وتحقق أعلي مبيعات وأنجبت تيارات وأسماء بدأت تهدد السوق الأمريكي باعتباره صاحب أكثر الأسواق ترويجا لنجومه. للأسف ظل الأدب العربي حتي بعد فوز نجيب محفوظ بنوبل محفوفا بالكثير من سوء الظن، فحصول نجيب محفوظ علي نوبل جاء حسب تقرير اللجنة مشيدا ب'أولاد حارتنا' وهي رواية ظلت مرفوضة من الأزهر غير متداولة عربيا­ وليست الأجمل ولا الأعلي قيمة حسب آراء النقاد­ وكان لهذه الإشارة مغزي ديني وظلال سياسية، فقد اعتبرت نوبل وكأنها هبة سياسية لقبول مصر بالكيان الإسرائيلي­ وصار موقف نجيب محفوظ نفسه من التطبيع­ وهو موقف لم يتغير حتي الآن. فهل هذا اشتراط أو دلالة غير معلنة للمرور إلي طاولة الأدب العالمي عبر الإقرار مبدئيا بدولة إسرائيل وإمكانية التعايش السلمي في المنطقة؟ وهل تم استبعاد كل الأسماء التي يبدو خطابها رافضا لهذه المقولات كما يثار دائما؟ كانت الظلال السياسية لتقرير لجنة نوبل تقصد إلي هذا اللبس ينتج بدوره سيلا من مغازلات صريحة للترجمة وكأن انتاج نص عربي لابد أن يكون علي شاكلة ما يود الآخرون قراءته، ولم يكن الأدباء العرب الذين يكتبون بلغات أخري كالطاهر بن جلون، وأمين معلوف بمعزل عن هذه الاتهامات بمغازلة الغرب. علي الرغم من هذه القراءة التآمرية للترجمة لا تعجبني، فإنني ككاتبة متهمة بالترجمة­ أرفض تفسير كل الظواهر الإبداعية علي أساس سياسي، ولكن لا يمكن لواقع ثقافي عربي أيضا أن يقرأ بمعزل عن تراثه الثقافي، وإرثه السياسي وتنازلاتنا الجوهرية كأمم وثقافات، إن القراءة الثقافية وحدها قد تصبح مفرطة في تسطحها، ففي غياب مؤسسات تدعم الأدب العربي تحديدا وتستثمر نجاحاتها وتؤكد مصداقيته الإبداعية وفي غياب فكرة الوكيل الأدبي الذي يقوم بالبيع والترويج للمنتج الإبداعي لدي الناشرين ويقوم بدوره الإعلامي، سيظل الأدب العربي في مأزق التجاهل وحيز عدم القيمة، ويظل متهما بالفلكلورية والأنثربولوجية أو الدوافع السياسية حتي صارت كلمة الترجمة كأنها تهمة مرادفة للعمالة للغرب. فكثيرا ما أسأل لماذا تترجمين؟ علي سبيل الاتهام؟!
ويظل احتمال مغازلة الغرب وكأنها البوابة الوحيدة للمرور وهو إن تم فهو مرور مؤقت واستهلاكي ولا يعني شيئا (نموذج تسليمة نسرين مثلا)، وكان بوسعي التفاخر بالترجمة وليس إدانتها ولكنني أري أن الترجمة أصبحت وكأنها حكم قيمة علي المنتج العربي نفسه وكأن علي الكاتب العربي أن يضيف إلي سيرته الذاتية أن أعماله تجرجمت إلي كذا وكذا حتي تهتم الأوساط الإعلامية العربية به.
أعرف كاتبا فاز بجائزة البلدية في احدي الدول الأوروبية التي يقيم بها وعاد ليجعامل باعتباره من الفاتحين، وأعرف عددا من الكتٌّاب يسألون علي عناوين المترجمين ليعرضوا عليهم الترجمة بمقابل مادي، رغم أن هذه النصوص تظل حبيسة أدراجها للافتحار بها محليا فحسب، بل احدي الشاعرات صعدت إلي المنصة في أحد المهرجانات ومعها ثلاث مترجمات لتقرأ بالعربية والانجليزية والفرنسية والاسبانية لجمهور عربي لتؤكد أنها الشاعرة الأولي في هذا البلد التي ترجمت إلي ثلاث لغات! وتحت وهم العالمية يتصاغر المبدع العربي في استجداء موقع علي خارطة الآخرين، مع أن كبار الكتاب العرب تم نشر أعمالهم في دور نشر صغيرة وبلا دعم إعلامي، والكثير من الدعوات التي تعقدها الجامعات الأوروبية لمناقشة قضايا الأدب العربي هي لقاءات­ في معظمها­ عربية عربية، وربما يعقدها الغرب ليغذي وهم انفتاحه علي الآخر واهتمامه بالثقافات الأخري أو تأكيدا للبراليتها وحيادها مع العرب، أو تقام بجهود أساتذة عرب مقيمين في هذه البلدان في محاولة للتعريف بأبناء جلدتهم. وحتي النصوص العربية القديمة كألف ليلة وليلة أو جلال الدين الرومي وابن عربي، يعتبرونها تراثا مشرقيا فهو فارسي أكثر منه عربي، قالت لي شاعرة ايرلندية افتتحت ديوانها بمقولة لجلال الدين الرومي 'إنه مشرقي' في مقابل 'العربي' الذي يظل في المخيلة الأوروبية مجرد ناقل للتراث المشرقي القديم أو متطفل علي مائدة عصر النهضة أو ناسخا للأدب الحديث في نصوص عديمة القيمة. مشكوك فيما يناله من تقدير مطعون في قدراته الحقيقية وكل مكتسباته مجرد مكافأة لدواع سياسية.
هذا ما صرحت به أوريانافالا تشي في كتابها الأخير عن الحادي عشر من سبتمبر وهذا ما يتم الآن عبر كل وسائل الإعلام الأمريكي محاكمة لتراثنا العربي والديني والسلفي والايديولوجي وسؤالهم المحوري هل قدم العرب ثقافة وهل أقاموا حضارة؟ فحركة الترجمة بعد كارثة سبتمبر اتخذت من الإسلام والمسلمين مادة تجارية استهلاكية لملء فراغ المساحة المرتبكة بالجهل عن منطقتنا العربية وهذا الاهتمام الأخير بالترجمة ينصب علي كتب تغذي سوي سوء الفهم عن الإسلام والعرب، وعلي هذا الأساس ظل الأدب العربي يجترجم حتي بعد نوبل­ علي يد بعض الهواة من المستعربين، وفي طبعات محدودة ظل الكاتب العربي والكتاب العربي يجطبع في عدد ضئيل من النسخ يشتريها طلاب أقسام اللغات أو بعض الأسر العربية التي يقودها الحنين إلي القراءة عن شرق نسوا لغته وأصبحت قراءته بالعربية بالغة الصعوبة للأجيال الجديدة.
المترجمة الاسبانية التي اشتغلت معها في روايتي الأولي قالت لي أن لديها ثلاث ترجمات لنصوص لكبار الكتاب العرب مثل يحيي الطاهر عبدالله، بهاء طاهر وعبدالرحمن منيف.. وانها تعبت من البجث عن ناشر أسباني وفشلت وقيل لها أنه لا سوق للكتاب العربي، قد يفسر هذا التعالي علي النص الأدبي العربي سؤال يدعي البراءة سأله لنا طالب في القسم العربي بجامعة اشبيلية وكان معي عدد من كبار كتٌّاب الرواية العرب، سأل الطالب:'لماذا تكتبون الرواية، ولماذا لا تبحثون عن شكل أدبي يخصكم، والرواية إرث أوروبي؟' هذا التساؤل يسفر عن نظرة استعلائية تسود حتي أوساط الجامعة ودور النشر، فالنص العربي غير قادر علي الوجود حسب متطلبات سوق النشر العالمي وما حدث من استثناء كان ضئيلا للغاية، ففي باريس وبجامعة السوربون سنة 2002 وفي معهد الدراسات العربية الذي أقام ندوة عن الرواية في الشرق واستضافني مع عدد من الكتٌّاب كانت هناك كاتبة من أصل إيراني لاجئة سياسية في باريس منذ قيام الثورة الإسلامية ظلت تتحدث عن بشاعة الحكومة الدينية في عالم ولم تدخله منذ ما يقرب من ثلاثين عاما، هذا ما يريدونه بالضبط أن تملأ الفراغات بما يدعم رؤيتهم السياسية لعوالمنا بما يسمح لضميرهم باستخدام هؤلاء الكتاب ضد بعض الأنظمة بدعوي حقوق الانسان، وفي العام نفسه كنت ضيفة الأكاديمية الأمريكية للفنون والآداب في نيويورك كانت المجلات الأمريكية اليومية فضلا عن الملاحق الصحفية تحتفي بصورة امرأة أفغانية تحت البوركا وسيل من الكتب عن حركة طالبان، الناشرون الذي يتوافدون علي مقر الاقامة كانوا يهدونني أغلفة لكاتبات أفغانيات وإيرانيات لاجئات يتحدثن عن قسوة اضطهاد المرأة تحت نظام طالبان، ويؤكدون أن الوقت مناسبا لعدد من الكاتبات العربيات.
إن تغذية الصور التي يرسمها الغرب هو دور الأدب الذي ارتهن بواقع سياسي أفرط في تقديم تنازلات.
احدي صيغ التنازلات تأخذ صورة أكثر فجاجة.. الناشر الهولندي الذي قابلته في تلك الاقامة­ اشترط أن يتم ترجمة روايتي للهولندية والعبرية في الوقت نفسه.. معظم دور النشر الكبري بل والصحف الأمريكية الكبري رأس مالها يهودي وهذا معروف سلفا.
التنازلات قد تأخذ صيغة أخري أكثر مشروعية، فقد وجه لي معهد جوتة هذا العام دعوة للقيام برحلة تبدأ من مكتبة الإسكندرية وتمر بريا علي كل بلدان المنطقة شرقا حتي كازاخستان ثم إلي أوروبا الشرقية ومنها إلي مدينة فرانكفورت، سموا الرحلة (طريق الحرير) أي طريق تجار الحرير الذين كانوا همزة الوصل بين الحضارة الشرقية والغربية في الماضي، المشروع الثقافي لإحياء العلاقة بين الشرق والغرب كان يشترط المرور ب'رام الله' ثم ب'تل أبيب' في محطاته الكثيرة!!
في حقل الألغام الكبير الذي يسمي الترجمة كتن يلوح لي هذا السؤال، هل الكاتب العربي بحاجة إلي الترجمة أو الجوائز العالمية؟ وعلي الرغم من ضآلة المكاسب في ظل التشكيك الدائم في قيمة الترجمة والجوائز في الحقيقة لم تجلب لي الترجمة سوي العديد من المفاصلات الجوهرية، والأسئلة الأكثر صراحة. ماذا يمكن أن تعطي الترجمة سوي تشكيك ضمني في مصداقية الكاتب­ من المثقفين العرب­ ومساومات غير منتهية في الجانب الآخر ربما لا يهتم الكاتب بالمكاسب التي قد تحققها له الترجمة بالمقارنة بما تثير من مشاكل لكن الحقيقة أن الثقافة العربية ستظل في حيز سوء الفهم والمبدع العربي في موضع الاتهام والتقليل من شأنه إذا لم يعاد تقديم ثقافتنا علي حقيقتها وأتصور أن الآداب كانت الوسيط الثقافي الوحيد الذي استطاع أن يجتاز عوائق كل ثقافة في انعزالها النسبي وكان قادرا علي فتح طرق جديدة للتواصل في حركة المد والجزر بين الشرق والغرب إذا توافرت مؤسسات دعم عربية تقف إلي جوار كبار كتابه بالدعم الإعلامي علي المستوي العالمي واستثمار ما حققه من وجود بل استثمار الظرف السياسي نفسه بعد الحادي عشر من سبتمبر لنفض الافتراءات عن الثقافة العربية.

عفوا سعادة السفير:
لسنا قردة عليا.. ولستم سلالة السوبرمان!
د. حازم أحمد حسني
سعادة السفير ديفيد وولش، سفير الولايات المتحدة الأمريكية بالقاهرة:
تحية طيبة وبعد.
اطلعت علي مقالكم المنشور بأهرام الجمعة الموافق 20/9/2002، الذي وجهتموه إلي جماعة الكتاب والأساتذة المصريين، وجعلتم له عنوانا حاسما هو 'وضع النقاط فوق الحروف'! وقد هالني ياسيدي أن تصف العقول المصرية التي لا توافقكم الرأي بأنها عقول تسيء 'لقيمة إعلاء الحقيقة وتوخي الدقة في الكتابة'، وبأن أصحابها قد اعتمدوا مصادر معلومات 'معيبة ومغلوطة'! وقد هالني أكثر من ذلك أنكم قد افترضتم في مقالكم هذا أن علي العقول المصرية أن 'تقبل الحقيقة' كما تفرضها علينا حملة التضليل الإعلامي التي تصاحب حملتكم علي الشرق، بعد أن قررت الادارة الامريكية تحميل هذا الشرق مسئولية أحداث الحادي عشر من سبتمبر.
واسمحوا لي سيدي أن أبدي لكم بعض ملاحظاتي علي ما كتبتموه في هذا الشأن، واضعا بدوري بعض النقاط فوق الحروف، ولدينا منها في العربية ­ كما تعلمون ­ إحدي وعشرون نقطة لا نقطتان فقط كما هو الحال في حروف الانجليزية!
وأرجو أن تطمئنوا، سيدي السفير، فلن أزعجكم بكل هذه النقاط، وإنما أختار منها فقط خمسا، كي لا أثقل علي وقتكم الثمين وأنتم تتابعون جهود حكومتكم التي تخطط لدفع العالم كله إلي حافة الهاوية! وأولي هذه النقاط الخمس هي أن دعوتكم علي صفحة الأهرام إلي فرض الرقابة علي كل ما ينشر مخالفا لوجهة النظر الأمريكية إنما تتناقض مع مقالات السيد الدكتور/ مأمون فندي ­ وأعتقدكم تعرفونه حق المعرفة، فهو مواطنكم وزميلكم في صفحة الرأي بالأهرام ­ التي أعرب فيها دوما عن اشمئزازه من عجز أساتذة الجامعات المصرية لأنهم لا يملكون ­ علي حد تعبيره ­ ملكة التفكير النقدي: اللهم إلا إذا كانت كلمة 'النقد'. التي وظفها سيادته في مقالاته 'الإصلاحية'، قد أعيد تعريفها في قواميس اللغة، بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، لتصبح هي العمل علي هدم قيم الشرق، بل وقيم الغرب التقليدي كله، والعمل علي إعلاء قيم 'الغرب الأمريكي' وحدها دون شريك، 'حيا كان هذا الشريك أو ميتا'!
وأما ثانية النقاط فهي أن 'آلاف المقالات' التي نشرت لتأييد وجهة نظركم في كل أرجاء العالم ­ ومنها مصر ­ واتخذتموها من جانبكم مرجعية تحتكمون إليها، هي في حقيقتها ­ ومهما بلغت كثرتها ­ مجرد آراء لأصحابها، ولا تلزم أحدا غيرهم، صدقت نواياهم أو لم تصدق، فهي في كل الأحوال لا تثبت أي شيء، ولا هي تؤصل لأية حقيقة، ولو أننا حكمنا علي السيد أسامة بن لادن بعدد المقالات التي كتبها أتباعه مدحا فيه وفي فكره عبر كل أنحاء العالم ­ بما في ذلك الولايات المتحدة الأمريكية نفسها ­ لكان علينا أن ننضم إليه مبايعين سيادته في حملته ضد الحضارة الإنسانية، بل وضد الحضارة الإسلامية نفسها، وهي الحضارة التي قام البعض ­ ممن تعرفونهم جيدا­ بإعداد السيد أسامة بن لادن وصحابته لتقديم المبرر الأخلاقي لاقتلاعها انتزاعا من 'قواعدها'، أم أقول إنه كان مخططا هدمها من 'القاعدة'؟!





ثالثة النقاط تتعلق بتلك الأدلة والبراهين الدامغة التي قلتم إنها لا تترك مجالا للبحث في هوية المسئولين عن أحداث الحادي عشر من سبتمبر، فنحن لا نعرف حتي هذه اللحظة ما هي هذه الأدلة والبراهين؟ فأين حطام طائرة بنسلفانيا؟ وأين هي صور حطام طائرة البنتاجون؟ وما هي حقيقة هذا المسلسل من برامج 'الجزيرة'، الذي انتهي بملهاة القبض علي شخص، قيل لنا إنه رمزي بن الشيبة، بعد أن تمت تغطية وجهه بالكامل كي لا يتبين أحد من المتابعين ملامحه؟ وماذا قدمت شرائط 'الجزيرة' ­ حتي بافتراض حسن النية ­ أكثر من 'مونتاج' ساذج، ظهرت فيه بعض الأيدي ­ مجرد أيد! ­ تتناول كتابا في الطيران، وبعض خرائط تصدر عن طابعة مجهولة المكان والزمان، وصوت كأنه صوت بن لادن، وخطبة عصماء لأحد أتباعه يعلن فيها إنه قد اختار 'طريقه'، دون أن يذكر في عبارة واحدة إنه قد اختار 'برجه'؟! وما هي سعادة السفير، حكاية هذه المصادفة التي جعلت حقيبة أحد المنفذين 'الافتراضيين' للهجمات تتأخر دون غيرها عن الالتحاق بالطائرة، وكأن يد القدر قد تدخلت في مشهد هوليوودي مؤثر لترشد أجهزة التحقيق الأمريكية عن هوية المنفذين؟! ولماذا يصطحب أحد المنفذين للعملية ­ الاستشهادية أو الانتحارية أو الإرهابية، سمها ماشئت ­ حقيبة يحرص علي شحنها معه علي طائرة يعلم يقينا أنها لن تصل؟! والأهم من هذا كله يا سيدي هو السؤال الذي يحيرني، ويحير كل الكتاب والأساتذة الذين اختصمتهم في مقالك، أعني أنه إذا كانت الأدلة والبراهين دامغة كما تدعي الإدارة الأمريكية، وأنها لا تترك مجالا للشك في هوية المنفذين، كما تفضلتم بتوجيه نظرنا إلي ذلك، فلماذا إذن لجأت هذه الإدارة إلي معتقلات جوانتانامو، بعيدا عن سلطة القضاء الأمريكي؟!!
أما النقطة الرابعة فهي تصوركم الضمني أن الكتاب والأساتذة المصريين هم مجرد قردة عليا هبطت لتوها من علي فروع الأشجار، فهي لا تجيد قراءة ولا كتابة، ولا تمتلك قدرات السوبرمان الأمريكي، القادر وحده، بقوة إبصار استثنائية، علي أن يري في أعماق الكون ما لا تراه عيون القردة الهابطة لتوها من علي الأشجار!! من أدخل في روعكم يا سيدي أننا لا نقرأ قبل أن نكتب؟ ومن هذا الذي صور لكم أن مصادر معلوماتنا 'معيبة ومغلوطة' علي حد تعبيركم؟! وما هو العيب في أن نلمح ­ مجرد تلميح ­ إلي مسئولية 'حكومات وجماعات' أزعجكم كثيرا أن يزج باسمها ­ ولو تلميحا ­ في موضوع هجمات الحادي عشر من سبتمبر؟ لماذا لا نعود إذن إلي الحقائق العارية؟ ولماذا لاتترك ­ من جانبنا ومن جانبكم ­ ما استهجنتموه ­ عن حق ­ من آفة 'رد الفعل العاطفي البعيد عن الموضوعية'؟
هل تنكرون يا سيدي محرقة واكو تكساس، التي جرت يوم التاسع عشر من أبريل سنة 1993، وتسببت فيها جماعة 'داووديو الغصن' الأمريكية؟ هل تنكرون يا سيدي الخطر الذي كانت تمثله هذه الجماعة علي بنية مجتمعكم واستقرار دولتكم؟ وهل تنكرون علاقة هذه الجماعة بالدولة العبرية؟ وهل تنكرون أن هذه المحرقة كانت شأنا أمريكيا خالصا، لا علاقة للشرق به، اللهم إلا أن مهووسا من مواطنيكم ­ ومثله عندكم بالملايين ­ قد أخذ يقدم لتراث الشرق القديم من التفسيرات المريضة ما يسأل عنه نظامكم المعرفي، دون أدني مسئولية يتحملها الشرق في هذا الشأن؟ هل تنكرون أن رئيس هذه الجماعة كان يعتقد ­ ومازال أنصاره يعتقدون ­ أنه جاء ليدمر 'المدينة العظيمة'؟ وهل تنكرون يا سيدي أن انفجار أوكلاهوما كان في تمام الذكري الثانية لمحرقة تكساس، وأنه قد حدث انتقاما من المجتمع الأمريكي ومن الدولة الأمريكية لما هو مفترض من مسئوليتهما المشتركة عن ذبح من وصفوا بأنهم أبرياء واكو؟
هل تنكرون يا سيدي أن هذه الجماعات الدينية الأمريكية المريضة تؤمن في أدبياتها بأن تيموثي ماكفي، صاحب انفجار أوكلاهوما، إنما أقدم علي ما أقدم عليه لأنه قد تجسدت فيه روح دافيد كورش، صاحب محرقة تكساس؟ وهل تذكرون يا سيدي أن أدبيات هذه الجماعة ­ وعلي رأسها ما يعرف بكتاب الأختام السبعة ­ إنما تعتبر دافيد كورش وتيموثي ماكفي بمثابة الشاهدين اللذين ورد ذكرهما في نبوءات الكتاب المقدس، وأنهما يجسدان في شخصيهما الزيتونتين أو المنارتين اللتين أسقطتهما ­ في سفر الرؤيا ­ 'العاهرة العظيمة'؟ وهل تنكرون يا سيدي أن كتاب الأختام السبعة هذا إنما يقول نصا أن العاهرة العظيمة كانت في الماضي هي أورشليم القديمة، قاتلة الأنبياء والمسيح، وأن عاهرة نهاية الأيام هي الأمة المسيحية العظيمة التي قتلت 'حمل' آخر الزمان يوم التاسع عشر من أبريل سنة 1993؟!! وهل تنكرون يا سيدي أن أدبيات هذه الجماعة تؤمن بأن 'الحمل' و'حامل رسالته' ­ وهما الزيتونتان أو المنارتان اللتان أسقطتهما 'العاهرة العظيمة' ­ سيقومان من بين الرفات بفضل المؤمنين بهما لينتقما من خلالهم علي مبدأ أن من أخذ بالسيف فبالسيف يؤخذ؟ وهل تنكرون يا سيدي أن كتاب الأختام السبعة هذا ­ بتفسيره المريض لسفر دانيال وسفر الرؤيا ­ إنما يعطي مهلة قدرها 2300 يوم قبل أن تبدأ حرب نهاية الزمان؟ هل تنكرون يا سيدي أن هذه المهلة تبدأ عندهم منذ اليوم الذي 'يؤخذ' فيه الحمل، بشخصه أو بحامل رسالته، علي يد 'العاهرة العظيمة'؟
إذا كنتم ­ سعادة السفير ­ تنكرون كل هذا أو بعضه فإنني أعيد لكم نصيحتكم بألا تكتبوا شيئا قبل أن تتمكنوا من مصادركم، ويمكنكم في هذا الشأن الاستعانة بشبكة الإنترنت التي دعوتم الكتاب والأساتذة المثقفين المصريين لأن يلجأوا إليها، فكل هذه 'الحقائق' عن طبيعة معتقدات جماعات 'الإرهاب' الأمريكية منشورة علي هذه الشبكة لمن يريد أن يتجشم مشقة الإبحار فيها!
ثم هل حاولتم، سعادة السفير، إحصاء عدد الأيام التي مضت بين اليوم الذي ألقت فيه الحكومة الأمريكية القبض علي تيموثي ماكفي وبين يوم الثلاثاء الأسود؟ وهل تعلمون يا سيدي أن نصوص الكتاب المقدس تسقط من حسابها أيام النسيء؟
إن كنتم لا تعلمون هذا فاقرأوا الإصحاح الحادي عشر من سفر الرؤيا! أما إن كنتم تعلمون، فهل تعلمون يا سيدي كم هو عدد أيام النسيء التي مضت بين اليوم الذي 'أجخذ' فيه مفجر أوكلاهوما، وبين اليوم الذي سقطت فيه 'زيتونتا' أو 'منارتا' المدينة العظيمة؟ اطرحوا هذه من تلك يا سيدي لتعرفوا كم من الأيام ­ بخلاف أيام النسيء ­ مضت بين الحدثين! إنها ­ ويا للمصادفة ­ ألفان وثلاثمائة يوم! فما هي علاقة أسامة بن لادن يا سيدي ­ مع إقراري بحماقته، ورعونته، وما ارتكبه من جرائم أخري في حق الإسلام والإنسانية ­ بهذا الرقم 2300 كي يختار يوم الحادي عشر من سبتمبر دون غيره لتنفيذ هجمته؟ ما شأن الشرق بهذا المسلسل الأمريكي الحزين؟ وما هي مسئوليته عما أصاب مجتمعكم من التشوهات والتصدعات؟ كل هذه يا سيدي أسئلة مشروعة، وهي تحتاج منكم جهدا كي نتمكن جميعا، شرقا وغربا، من وضع كل النقاط فوق الحروف.
لسنا إذن يا سيدي هذه القردة العليا التي أعطيتم أنفسكم الحق الأخلاقي في الأخذ بيدها علي سلم النشوء والارتقاء، فنحن ­ كما تري ­ نجيد القراءة والكتابة، والأهم من هذا هو أننا نجيد أيضا التفكير كما نجيد الحساب! أما عنكم، فلا اعتقدني اسيء لكم في شيء إن أنا وضعت مجتمعكم في اطاره الموضوعي، وقلت إنكم لم تكونوا يوما أحفاد السوبرمان، فإنما أنتم فقط أمة فتية كبري، اجتهدت و'جاهدت' فحققت بقدر اجتهادها و'جهادها' إنجازات عظمي لنفسها وللبشرية، وجميعها إنجازات موضوعية لم تنكرها في يوم من الأيام جماعة الكتاب والأساتذة المصريين، الذين تطالبونهم بتجديد العزاء لكم، صباح مساء، في ضحايا أحداث الحادي عشر من سبتمبر!





رغبتكم هذه في استمرار تلقي العزاء هي تحديدا موضوع النقطة الخامسة والأخيرة في خطابي هذا إليكم، أعني ما أصابني من انزعاج شديد بسبب رغبتكم الملحة في أن يقدم لكم الجميع العزاء تلو العزاء، فهي ظاهرة غير صحية، وتكشف لكل صاحب علم أن مجتمعكم يعاني من أزمة لا يسرنا أبدا أن تكون قائمة، فلا يوجد عاقل واحد استوعب دروس التاريخ يمكنه أن يعمل علي إحداث انهيار درامي للولايات المتحدة الامريكية، ولا حتي أن يتمني في نفسه مثل هذا الانهيار، فهو إن وقع سيحدث فراغا هائلا لن تملأه إلا قوي ظلامية، تعيدنا من جديد إلي ما هو أسوأ من العصور الوسطي المسيحية، التي نشأت عن الانهيار المفاجيء للدولة الرومانية.
عدم رغبتنا في زوال الولايات المتحدة الامريكية لا يعني أننا لا نتمني زوال الأسباب التي تقود بلادكم إلي عمق الأزمة الأخلاقية ­ بل وإلي عمق أزمة الهوية ­ التي تعاني منها، فهي أزمة ارتسمت ملامحها بوضوح علي وجوهكم، وعلي مفردات خطابكم، وعلي تحركاتكم الانفعالية التي سيدفع ثمنها الجميع، ولكن ما دمتم تصرون علي تقبل العزاء، فأرجو أن تتقبلوا سعادة السفير، أصدق مشاعر العزاء لكم وللأمة الامريكية في موتاكم الجدد، وهم غير ضحايا البرجين! أعني أنني أقدم لكم وللأمة الامريكية كلها عزائي في قيم ومباديء الدستور الأمريكي التي سقطت في جوانتانامو، كما أقدم لكم التعازي في العقل الامريكي الذي سقط في تكساس وأوكلاهوما ونيويورك، وأخيرا في الحلم الامريكي الذي سقط في مستنقعات فيتنام، ومن بعدها في مستنقعات أفغانستان، ومن قبل هذا وذاك ومن بعدهما في بحار الدم وفي مواكب العار في أرض فلسطين، واسمحوا لي، سعادة السفير، بعدم الاكتفاء بتقديم العزاء، وإنما بأن أقيم أيضا الصلاة علي أرواح الآباء المؤسسين للولايات المتحدة الأمريكية، الذين لم يخطر علي بال أي منهم أن يوصف سفاح كشارون علي لسان رئيس أمريكي بأنه رجل سلام يمارس حق الدفاع عن النفس!
فاتني أن أعرفكم بنفسي يا سيدي، فأنا واحد من هؤلاء الكتاب والأساتذة المصريين المعارضين لحماقات السياسة الأمريكية، لكنني في نفس الوقت أحد هؤلاء الكتاب والأساتذة المصريين الذين يحترمون قيم ومباديء الدستور الأمريكي ، ولم ولن اسمح لنفسي في يوم من الأيام بإحراق الراية الامريكية، فإن وجدتم في اجتماع هذه الصفات تناقضا فليس ذلك لأنني قرد مازال يترنح فكريا علي سلم النشوء والارتقاء، وإنما لأن حماقات السياسة الأمريكية هي التي تتناقض مع مباديء وقيم الدستور الأمريكي، وتسيء للمثل العليا التي كانت ترمز إليها راية الاتحاد!
سعادة السفير،
لقد أخذتم من الشرق ديانته، لكنكم لم تأخذوا عنه تاريخه ولا حكمته، فكانت محرقة تكساس، وكان انفجار أوكلاهوما، وكان ­ إذا أذنتم لي ­ انهيار برجي مركز التجارة العالمية في نيويورك! فإن أقررتم بأنكم تحتاجون الشرق كما يحتاج الشرق إليكم، فتأكدوا أن عقول الكتاب والأساتذة المصريين مفتوحة جسورها معكم، ولا أجد ما أختتم به حديثي هذا خيرا من أن ألقي إليكم من مصر بتحية تحمل كل ما نأمله من سلام الله عليكم ورحمته وبركاته، وفي انتظار أن تقرئونا يوما من وراء المحيط سلامكم!
 
العدد الحالي
  الأعداد السابقة
الصفحة الرئيسية
ساحة الأخبار
ضواحي الفضفضة
رسائل
شرق وغرب
البستان
ساحة الإبداع
كتب
أحداث
جسر الحنين
نقطة عبور

أعلي الصفحة إرسل الصفحة إلي صديق إطبع الصفحة إحفظ هذه الصفحة في المفضلة
   دفتر الزوار   |   دليل المواقع   |   الاشتراكات   |   الإعلانات   |   خريطة الموقع   |   البحث   |   الأعداد السابقة   |   إتصل بنا   |   مساعدة   
   الإعلانات المبوبة  |  أكاديمية أخبار اليوم  |  بلبل  |  أخبار السيارات  |  أخبار الحوادث  |  أخبار النجوم  |  أخبار الأدب  |  أخبار الرياضة  |  آخر ساعة  |  الأخبار  |  أخبار اليوم   :شبكة أخبار اليوم   
All site contents copyright © 2000-2002 Dar Akhbar El Yom.
للأستفسار أو طلب معلومات يرجي مراسلتنا علي العنوان التالي
akhbarelyom@akhbarelyom.org

Best viewed with Internet Explorer 4.0, Netscape 4.0 or above with a resolution of 800 X 600 .

Website Developed By: