دليل المواقع الاشتراكات الإعلانات دفتر الزوار United States Mirror Server United Kingdom Mirror Server Egypt Mirror Server
السنة -481ه - العدد1423رجبمن22- م2002سبتمبر من29 الأحد
بتوقيت القاهرة 12:06:34 PM الساعة - 28/09/01 آخر تحديث يوم
      البستان
فردوس
جزء من أحدث روايات البساطي
محمد البساطي
ينتمي 'محمد البساطي' إلي جيل من الكتاب ظلوا طوال عقود يعيشون في ظل شخصيات أدبية رائدة ومرموقة، ومن هؤلاء في مجال القصة القصيرة 'يوسف إدريس' الذي استأثر بنصيب الأسد من الشهرة طوال سنوات.
لكن بعد ذلك اتسعت الرؤية الثقافية، وأصبح من الواضح أن 'البساطي' من الكتاب الذين قدموا اسهامات مهمة في مجال كتابة القصة القصيرة، خاصة فيما يعرف ب 'الوعي بالذات' عند تناول الموضوعات القصصية ويختار 'البساطي' الرواة في قصصه بعناية فائقة ليكونوا ممثلين وملاحظين للبيئات التي يعيشون فيها. وتدور معظم أحداث قصص 'البساطي' في القرية، خاصة في منطقة الدلتا، بالقرب من الترع والبحيرات.. وسكان هذا العالم الريفي المصغر الذين يتعرف عليهم قراء قصص البساطي، هم من الشباب والعجائز، الذكور والإناث، الصيادين والفلاحين، لكنهم يعيشون جميعا من خلال العمل يعيشون ويموتون في بيئة اجتماعية تكاد لاتتغير.
وفي القرية، العائلات كبيرة وتتكون من واحدات لأجيال متعددة تجمعها معا روابط شديدة الصرامة وأعراف وتقاليد ذكورية.
وفي مثل هذه البنية الاجتماعية يجب أن يكون الرجال رجالا، والصبية صبية طوال الوقت، أما النساء 'وخاصة الفتيات الصغيرات' فيجب أن يتصرفن وفقا للعادات والتقاليد شديدة الصرامة. والرجال هم حماة العادات والتقليد، وأي خروج عليها يكون سببا لأزمات قد تكون خطيرة في تطوراتها. وبالإضافة إلي عالم القرية، تقدم قصص 'البساطي' عوالم أخري، منها 'السجن' بنزلائه وطقوسهم وعاداتهم وكوابيسهم التي عاني منها بعض كتاب جيل 'محمد البساطي'.
ورغم أن كثيرين من الكتاب المصريين قد كتبوا عن عوالم السجن، فإن 'البساطي' يحتفظ بخصوصية في تصوير الأعماق الإنسانية للبؤس الإنساني.
وتكشف قصص 'البساطي' عن كاتب يتمتع بوعي كبير بوظائف وتقنيات النوع الأدبي الذي يكتب من خلاله وللوهلة الأولي تبدو قصص أسلوبه تقليدية من حيث الموضوع والبنية، لكن ذلك ليس سوي جزء من الصورة. ويتسم أسلوبه بخصائص رئيسية تقوم علي الاقتصاد في استخدام اللغة، الاهتمام بوصف الزمن والمكان والطقس وقليلا مايلجأ
إلي استخدام الرمز أو مستويات مختلفة من الشعور.
لكن أكثر مايجعل هذه قصص غير تقليدية إنما هو النهايات التي يختارها 'البساطي' لها وكما هو معروف، فإن نهاية القصة هي المكان الذي تتجلي فيه خصائص النوع الأدبي وتتأكد.
وفي النهايات التي يبتدعها 'محمد البساطي' لقصصه، نجد الوصف المنفصل للشخصية والحدث بما لايؤدي إلي تحقيق فكرة النهاية أو الخاتمة فالراوي يتجول خلال مشهد أو حدث أو موقف، ثم يترك الأشياء كما هي، لأنه إذا كانت القصة لابد تصل إلي نهاية، فإن الحياة مستمرة.
كانت هذه بعض السمات التي رصدها الناقد الأمريكي 'روجر ألن' في العالم الابداعي، والقصصي خاصة، للكاتب 'محمد البساطي' والذي أضافت كتاباته كثيرا إلي مسار الكتابة القصصية والروائية في مصر والعالم العربي وتقدم 'أخبارالأدب' جزءا من أحدث رواياته.

عندما قالت فردوس لزوجها إن ابنه حاول معها نفث دفقة دخان من منخريه وضحك. قال:
­الواد كبر.
هز رأسه خفيفا وضحك مرة أخري.
لم تسترح لهزة رأسه. ولا لضحكته. رمقته بجانب عينها ولمت ساقيها الممدودتين. كان متربعا علي المصطبة أمام دارها. هي قاعدة علي كومة قش جنب المصطبة تعد النار للجوزة وبراد الشاي بين الجمرات. من يعلم بما يدور في رأسه. ربما ظن أنها تسعي للوقيعة بينه وبين ضرتها وأولاده. قالت:
­كنت تكلمه كلمتين.
نفث دخانا كثيفا وابتسم:
­آه كبر. شفت شنبه؟
صبت الشاي في الكوب ورفعته إليه.
أمامهما تمتد الوسعاية، تغطي ظلال العصر منتصفها، وفي الجانب الآخر صف من البيوت الطينية فوقها أكوام قش وحطب وغسيل يرفرف علي الحبال، وخلفها تترامي أحواض الزرع حيث اعتادت أن تلمح زوجها في الصباح علي حمارته لدي ذهابه يتحرك بين ظلال أشجار التوت والكافور علي ضفة مجري الماء. في عودته يمر أحيانا عليها وجلبابه علي كتفه، تصب عليه الماء.ليشطف وجهه وساقيه، ويشرب الشاي ويدخن حجرين ويذهب إلي بيته الثاني. وفيما مضي كان يقضي قيلولته عندها، والليالي أيضا. دارها ملحقة بدار ضرتها. حجرة بحوش صغير. وما حاجتها لحجرة اخري أو حوش أكبر. الدجاجات العشر وأربع بطات. وكتاكيت في قفص. ولا شيء آخر. حجرتها نظيفة. بها دائما نسمة هواء، تكنسها مرتين في اليوم وترش أرضها بالماء. سريرها لايزال محتفظا برونقه ولمعان عمدانه، الملاءة وأكياس المخدات زاهية الألوان، مطرزة الحواف، تغيرها كل يوم جمعة. الناموسية معلقة بأطراف الأعمدة تنساب لتحتوي السرير، ربما كانت الوحيدة في العزبة التي تستخدمها، وعندها بدلا من الواحدة اثنتان. عندما تأتي نسوة إلي بيتها يطلبن رؤيتها.
­نشوف الناموسية يافردوس؟
حجرتها مغلقة والمفتاح في جيبها. لا تستريح للقدم الغريبة داخلها. قعدتها دائما في الحوش أو علي المصطبة، تفتحها لهن. يتحسسن نسيج الناموسية ويدخلن رؤوسهن في فراغها:
­يا اختي عايزة بال رايق
­ آه. والواحدة تشلح علي راحتها.
لاتستجيب لمزاحهن. تكتفي بابتسامة وتخرج، ويخرجن وراءها. يحلو لها في ليالي الصيف ان تفتح شباك الحجرة وتستلقي بقميصها الداخلي وتغلق فتحة الناموسية. وكأنما بعدت عن الدنيا وما فيها. تستعيد أياما بعيدة عندما كانت تلميذة بالمدرسة الإلزامي، ووجوه زميلات لها نسيت أسماءهن، وتحدق للسماء والنجوم خلال الشباك حتي يغلبها النوم. زوجها في أيامهما الأولي كان يتردد قليلا قبل الدخول إلي الناموسية. يغمغم:
­طيب. أشطف نفسي بكوزين ميه.
رغم ذلك تأتيها لحظات تتمني لو أن بيتها كان في فوضي وقذارة بيت ضرتها. نصيب. خمس سنوات عمر زواجها. لم تفقد الأمل بعد. عمتها جاءها الولد بعد ثماني سنوات. تستحم في البكور وتضفر شعرها. تترك الضفيرة مدلاة علي صدرها، وأحيانا تلفها حول رأسها. شعرها الأسود اللامع. تزيح الطرحة قليلا عن مقدمة رأسها لدي خروجها. مشوارها اليومي إلي دكان البقالة في الطرف الآخر من العزبة. تحمل ما تجمع لديها من بيض تستبدله بما تريد. تري أول ما تري عيني ضرتها معصوبتين إلي ما يظهر من شعرها. حتي زوجها الذي لايلتفت أبدا لشيء تجده أحيانا يرمق ضفيرتها متعجبا، ويبدو كأنما سيقول شيئا ولا يقوله. الشبشب في قدميها دائما. عندها ثلاثة بألوان مختلفة. ظلت بحالها من يوم زواجها. لم تتغير ألوانها ولا نالها شيء. تدعك قدميها حتي يحمر كعباها. تمر في طريقها بنسوة يقعدن أمام بيت، تلمحهن ينظرن إليها من فوق لتحت. كن فيما مضي يوقفنها. يسألنها إن كانت تضع شيئا علي شعرها؟
وتقول إنها لاتضع شيئا.
وكعبك الأحمر؟
وتقول أنها لاتعرف. تغسلهما كل يوم.
ويسألن: كم مرة؟
وتقول: في الصباح والعصر.
ويقلن انها لابد أن تغسلهما عشر مرات. وربما أكثر
ويتحسسن جلبابها ويسألن ان كانت اشترت قماشه من التاجر الذي يأتي إلي العزبة؟
وتقول انها قطعة قماش كانت عندها.
ويسألن ان كان عندها غيرها
وتقول. خمس حتت.
وتمر في عودتها بضرتها واقفة أمام دارها حافية ومتربة وشعرها منكوش، وعلي ذراعها ابنة السبعة أشهر التي لم ترها بعد. تخرج ضرتها حبة تمر من جيبها، تدعكها باصبعيها وتدسها في فم الطفلة. تظلل ضرتها عينيها بيدها وتنظر نحوها. هي وقد ابطأت من خطوتها تحس بنظرتها تتوقف علي قدميها، ويندفع صغارها من جوف الدار صائحات، دائما ما يكون في جيبها ملبس ملون تعطيه لهن. تلك الأحداث اليومية، كل ما تراه عيناها، تختزنه حتي تخلو إلي نفسها داخل الناموسية. تستعيده علي مهل. هي لاتكره ضرتها، وضرتها أيضا. يتبادلان كلاما حين تلتقيان أو تجلسان مع أخريات، وتزورها صبيحة الأعياد، وتفطر معهم طوال شهر رمضان، وفيما مضي كانت ترسل ابنتها تستلف طبقين أو كوبين. لاترد ما تأخذه، وأحيانا ترده مكسورا. كفت عن إعطائها. وكانت ابنتها الصغري تأتي كل صباح:
­خالة. سرحي لي شعري.
تغسل لها رأسها، وتضفر شعرها، وتعلق شريطا ملونا في كل ضفيرة. أحيانا تقضي معها البنت فترة الصباح، تعدان طعاما لغذائهما، وتصنعان عروسا من القماش تحشوانها بالقطن، وتخيطان لها الملابس وتتبادلان الحكايات. صنعتا أكثر من عروس. ترصها البنت متجاورة وتغطيها. تقول:
­ أشوف أمي وأرجع.
ولا ترجع. تنتظرها علي الغداء ولا تأتي. وجاء اليوم الذي انقطعت فيه رجلها. أقبلت ذات صباح وحملت عرائسها وخرجت دون كلمة. هي لاتسأل، وكانت تشعر أن هذا اليوم قريب. أمها وهي حرة فيها. لاتريدها أن تأتي عندها فليكن.
جفلت علي صوت الولد. أحكمت الطرحة حول رأسها. زوجها علي المصطبة أخذته غفوة مستندا بظهره للجدار وذراعه مسترخية علي ركبته، لمحت الولد بطرف عينها أمام بيتهم مندفعا وراء جدي، قذف بنفسه فوقه ممسكا بقرنيه الصغيرين والجدي يعافر معه. الولد يضحك صاخبا مشمرا الجلباب عن ساقيه، يتعثر ويتدحرج في التراب وذراعه لاتفلت رقبة الجدي الذي مد بوزه إلي وجهه، تبتسم رغما عنها مخفية جانب وجهها بالطرحة. تتمتم 'ركبه عفريت'. وكانت تقلب الجمرات بعود حطب حين احست به قريبا منها. توتر جسدها وظلت في انحناءتها، ثم التفتت ورأته لايزال هناك أمام بيتهم ينفض جلبابه محدقا إليها. حين تلاقت نظراتهما تحرك قادما إليها. زمجرت ونادت زوجها في خفوت، فتح عينيه، نظر إليها قليلا ثم عاد لغفوته.
قرفص الولد أمامها. راح يحكي ضاحكا عن الجدي الذي قطع نفسه. هي ملمومة علي نفسها لاتنظر إليه ترقب حركته بطرف عينها. صب لنفسه شايا واستراح في قعدته. مال بعد قليل ليسحب الجوزة من جوارها. لمست ذراعه فخذها واسترخت فوقها، ازاحت ذراعه وظلت في جلستها ساكنة. كان يدخن متمهلا مختلسا النظر إليها، ثم سحب نفسا طويلا انفجر علي اثره سعاله، رمي الجوزة جانبا. استيقظ زوجها، نظر حوله ودلي ساقيه.
سأل ابنه ان كان فك البهيمتين من الساقية؟
قال الولد انه فكهما.
­عدت بهما؟
­لم تقل لي.
هي في قعدتها تنكش الرماد وتنصت لكلامهما، تراهما ينهضان وذراع زوجها علي كتف الولد في طريقهما إلي البيت الآخر. ظل بصرها عالقا بهما حتي اختفيا داخله. أفرغت ماء الجوزة علي الجمرات. كانت تغمغم 'الواد كبر'.







دخلت دارها وأغلقت الباب.منذ بدأ محاولاته معها وهي تغلق الباب علي نفسها. فلت عياره ولم يعد له أمان. وفيما مضي وزوجها يبيت الليلة بعد الليلة عندها كان يأتي، تكون خلف البيت ومعها العنزة، اشترتها من نقوط زواجها، ويطلب منها مفتاح البيت ليستحم، وتلمح غياره النظيف تحت ابطه، وتعطيه المفتاح. تدخل البيت بعدها، تسمع صوته في الكنيف يستحم، يقول لها وهو ينفض الماء عن شعر رأسه أنه لم يعد يستطيع أن يختلي بالكنيف في بيتهم، إخواته لاتتركنه خاليا لحظة في أيام البرد كانت تسخن له الماء وتحمل له الوعاء الي الكنيف، يأتيها صياحه حين تلسعه المياه الساخنة، وتضحك. يطلب منها ماء باردا، يوارب الباب مختفيا خلفه ويمد ذراعه إليها، تناوله الكوز ممتلئا، أحيانا بعد الاستحمام يلتفت إلي سريرها. يقف بباب الحجرة وينظر إليها متسائلا، توميء له ضاحكة، يتمدد داخل الناموسية، يتقلب ويرفس بقدميه ثم يأخذه النوم، ومرات يأتي زوجها وهو نائم، هي في قعدتها علي العتبة تنقي الرز أو تقطف ملوخية، يسألها وهو يخطو فوق ساقيها الممدودتين إن كان الولد عندها؟
تشير برأسها إلي الداخل، يشطف نفسه وينادي الولد الذي يخرج من الحجرة مبرطما متجها إلي الباب، يصيح به زوجها ليبقي للغداء، وحين يعلم بوجود الفرخة المحمرة والملوخية يجلس علي الحصيرة جنب أبيه. ويكون خارجا من بيتهم، أو ماشيا في الشارع ويراها علي العتبة، يستدير، يقعد بجوارها، يتناول من حجرها حفنة لب بطيخ، تقليه كلما تجمع عندها، يحكي لها عما فعله ليلة أمس هو وأصحابه، كانوا عند النهر ولمحوا نسوة وبنات قادمات، اختبئوا بين أشجار علي الشاطيء حتي خلعن هدومهن ونزلن إلي الماء، ثم انطلقت أصواتهم وصفيرهم، صراخهن في النهر، وشتائمهن، ويجرين مبتعدين. يضحك. وتضحك هي أيضا.
يسألها ان كانت استحمت يوما في النهر؟
­آه. مرة. زمان.
ويوما كانت بالحوش وجاء. وقف بالباب وقال انه كان مارا وشم الرائحة. ضحك:
­المهلبية.
أطباق المهلبية علي سطح النملية ساخنة يتصاعد منها البخار. قالت:
­اصبر لما تبرد
كان يقف بجوارها، والتفتت إليه، قالت:
­والله وطولت ياسعد.
ألصق كتفه بكتفها وشب بصدره، ضحك وقال:
­أطول منك.
تناول طبق مهلبية، التهمه سريعا، وتناول طبقا آخر ونظر إليها متسائلا، قالت:
­وأبوك؟
­عنده أربعة أطباق. تكفيه.
عندما انتبهت لمحاولاته معها لم تعد تسمح له بالنوم في سريرها أو الاستحمام عندها، يقف مطرقا مستمعا لرفضها ثم يستدير ويمضي، وتكون في وقفتها بالباب وتراه قادما، تدخل وتغلق الباب قبل أن يصل إليه. يحيرها تجرؤه عليها ولاتفهمه، ومتي انتبهت إليه؟ يوم الغسيل؟ وربما حاول قبلها ولم تلتفت إليه. لم يخطر لها أبدا. يتسلل حتي لا تسمع له صوتا. ويقول لها يا خالة، وظل يقولها حتي بعد أن مد يده، ويضحك. يضحك في وجهها كأنه لم يفعل شيئا. وتراجع نفسها. تكون في خلوتها داخل الناموسية وتستعيد الواقعة وتري وجهه الضاحك وتقول ربما لا يقصد. هي في الحوش. أمامها طست الغسيل. ساقها ممدودة، الأخري مثنية انحسر عنها الجلباب. منحنية تدعك الهدوم. تحس به. متي جاء؟. يقف ساكنا محدقا إلي فخذها العارية. مأخوذة تنظر إليه. عيناه الزائغتان. أنفاسه اللاهثة. والصوت. حشرجة تفلت من حلقه. انتبهت أخيرا لفخذها العارية، وسحبت فوقها الجلباب، يرمقها لحظة صامتا ثم يندفع خارجا. بعدها. آه بعدها. حين ينظر إليها. وكأنما يترقب ما يتعري منها في قيامها أو قعودها. ويكثر مجيئه. أي وقت. ما إن يراها أو يري الباب مفتوحا.
وتسأله لم لم يذهب مع أبيه؟
ويقول: لايريدني معه.
لاتصدقه. تري زوجها ساعة الصبح ومعه الحمارة يتلفت باحثا عنه، مناديا، ثم يمضي وحده.
ويقترب منها محاولا ان يلامسها، هي في حيرتها تبتعد وتقول ما يخطر لها من كلام. تتردد في مواجهته. تخشي لو فعلت ان يتجرأ أكثر عليها. ومرات حين تقعد علي المصطبة يأتي ويجلس، لايقترب منها. ساكتا لا يتكلم. يلعب بقطع حجارة. يرصها ويعيد رصها. ونسوة أمام بيوتهن، وعيال تذهب وتأتي. وتنبهه إلي أن هناك من يناديه.
ويقول: آه. سامع
وتختلس النظر إليه وقد كف عن اللعب، تفاجأ بعينيه علي وجهها، ينتابها الضيق، يخجلها مغادرة المكان فجأة، تنفض في عنف نملا يزحف علي جلبابها، هو في جلسته لايغيرها. تقول لنفسها إنها لم تعد تستطيع أن تجلس وحدها في مكان، حتي المصطبة وفي عز النهار والناس تذهب وتأتي، تنحني لتعدل فردة الشبشب المقلوبة، ويخطر لها أن تمضي، حتي كان يوم، وكانت في الحوش وجاء، وقف بجوارها ووضع يده علي كتفها كعادته، رغم ذلك توتر جسدها، ظلت في وقفتها ساكنة مترقبة، يده تنزلق علي ظهرها، تتوقف لحظة ثم تستمر، وكأنه لا يقصد، يتكلم، آه يحكي، لاتدري ما يحكيه، وماذا أسكتها يومها؟ أكانت تتأكد من ظنونها؟ رعشة يده وهي تنحدر. تضغط ظهرها خفيفا، تتلمس طريقها في حذر، ثم يختفي الحذر، حركتها واضحة حتي استقرت علي عجيزتها. زجرته في عنف. ارتد خطوة.
­ايه ياخالة. ايه.
تلوم نفسها في رقدتها داخل الناموسية، مستعيدة رعشة يده علي ظهرها، تحس سخونتها وعرقها، محدقة إلي السماء والنجوم خلال الشباك المفتوح، والسكون يترامي، ونقيق ضفادع، ونعير بهيمة علي بعد، لو أنها تجاهلت الأمر كما فعلت من قبل وابتعدت عن يده وهي علي كتفها؟ الآن وقد وصلت يده إلي عجيزتها وقالت له ما قالت ربما تجرأ أكثر عليها. تغمغم والنعاس يثقل عليها من يدري، ربما راحت ظنونها بعيدا، وجهه حين نظرت إليه، لا يقصد شيئا، ودهشته، وذعره، حتي انها تراجعت سريعا، لايفعل ذلك واحد في عمره يوقظها قبل ان تروح في النوم صوت احتكاك بالجدار اسفل الشباك. تتذكر العنزة التي نسيتها في الخارج، تبحث عن شبشبها، تنتبه وهي بالباب انها بقميصها الداخلي، ذراعاها العاريتان، وابطاها، وساقاها أيضا إلي ما فوق ركبتيها بقليل، القميص القصير، تلبسه عندما كان زوجها يأتي. ولم يعد يأتي. لو رآها أحد؟ يستخفها مرح، تختلس النظر هنا وهناك وتخرج. البيوت مطفأة الأنوار، مستغرقة في نعاسها تخطو في حذر. نشوة هادئة تسري في جسدها. تتنفس في عمق. بيت ضرتها علي مرمي البصر. الباب مغلق، والحصيرة المهترئة علي المصطبة، والكلب مقطوع الأذن يرقد فوقها ساكنا، والجوزة في الركن، تستدير إلي خلف بيتها، العنزة لصق الجدار، قعدت علي حجر بجوارها، أحواض البرسيم مالت أطرافها مع اتجاه الريح الخفيفة، مستندة بكوعيها علي فخذيها، تتحسس ضفيرتها المرتخية علي صدرها، وترمق أشجارا كثيفة علي بعد، تستقبل في شغف نسمات الهواء الباردة، تحس بها داخل قميصها ترطب جسدها، بطنها، فخذيها، تكاد تستسلم لعذوبتها مسبلة عينيها، تفيق فجأة فيما يشبه الذعر، تضم ساقيها المنفرجتين متلفتة حولها، تتحسس رقبة العنزة وفمها، تنهض في تكاسل، تمضي بها الي الدار، الجوع الذي تحسه رغم انها تناولت عشاءها، ترفع شعلة المصباح، تتذكر طبق 'عاشورة' أبقته لزوجها، سيبرطم ويشتم حين يأتي في الصباح ولا يجده، ويظل أياما لايقرب بيتها، الساعة التي يقعدها علي المصطبة يشرب الشاي ويمضي. متربعة علي الحصيرة في الحوش تلتهم الطبق، وتحس أنها مازالت جائعة، وماذا لديها؟ عيش وجبن قديم. لاشيء آخر. بيض؟ لا تحبه. يقلب معدتها. جبن قديم في نص الليل؟ من يتحمله؟ تضحك وقد خطر لها ان تذبح فرخة. يلح الخاطر، تكاد تشعر بمذاق الفرخة في فمها، تندفع في حماس صاخب تتعجب له، تمسح دموعا طفرت من عينيها، تنحني وتشعل الموقد. وزوجها؟ ماذا يقول؟ تذبح فرخة صغيرة، تنظفها وتضعها علي النار، كم مرة رأته يعد البط والفراخ والأرانب، ويحفظ عددها، ترك لها البيض تتصرف فيه، رغم ذلك كانت من حين لآخر تختلس فرخة وتبيعها في الخفاء، وحين يسأل عنها تشككه في العدد الذي يحفظه، حتي كانت مرة قال لها:
­العدد محفور في دماغي. أقوله لنفسي كل صبح وقبل ما أنام.
وتشاجرا يومها وصاحت:
­فراخي وأنا حرة فيها. اشترتها بفلوسي.
­ فلوسك؟
­ آه فلوسي. ابيع الفرختين واشتري كتاكيت أربيها. طلبت منك حاجة؟
­تقولي لي.
آه. أقول له. يمر في الصباح، يطل برأسه، وتكون في الحوش:
­ فيه زفر؟
­ منين.
­ اذبحي بطة. فرخة. الواحد يصلب عوده.
يصلب عوده ويذهب إليها. طيب. سارت إلي الحجرة. مرت بمرآة الدولاب ثم عادت، زمن طويل لم تقف أمامها، وأين راحة البال حتي تنظر لنفسها. تتحسس الضفيرة الممتلئة، تهزها، تنقلها من كتف لآخر، تشد القميص حولها، تتأمل جنبيها، تعطي ظهرها للمرأة، تتحسس استدارة ردفيها، 'ايه يا فردوس اللي جري لك' تضحك، تشمر القميص عن فخذيها، ما من مرة وقفت بجوار زوجها إلا ومد يده يتحسس ساقها، وترتفع يده، تنحني علي نفسها مبتعدة، ويجذبها، الي الحصير في الحوش، حتي والباب مفتوح، وتقول له ان الحصير يوجعها، وتفلت منه، فكت ضفيرتها وجاءت بمشط، فردت شعرها ونثرته علي كتفيها. خمس سنوات عمر زواجها، السنة والنصف الأولي لم يفارقها ليلة. يقول:
­حاتموتيني.
قال لها يوما إن أول ما رآه منها في بيت أهلها كان ساقيها. لم ير مثل حلاوتهما، مخروطتان، إنما ما شاء الله، وسألته:
­وشفت أيه كمان؟
­شفت كتير.
­آيه؟
­ده
ودس يده في صدرها، أبعدتها وقالت:
­الجلابية يومها كنت بياقة مقفولة.
ويحملها علي ظهره ويصعد بها الي السطح. تقول له:
­اطلع وأنا بعدك.
­لأ. أشيلك.
­ولو شافنا حد؟
­الدنيا ليل.
استطاعت ان تسحب ملاءة السرير معها، ووقعت المخدة يومها علي صينية الشاي وربنا ستر كانت الأكواب فارغة. لم يمد يده عليها أبدا. مهما فعلت. وماذا فعلت حتي يمد يده؟ ويوم اكتشف انها تبيع الفراخ من ورائه تقدم نحوها وبدا انه سيضربها، ولم يضربها. توقف قبل أن يصل إليها، ونفخ متلفتا حوله وسكت. وتسمع صراخ ضرتها حين ينهال عليها، حتي صوت الضربات وشتائمه تسمعها. وتراه خارجا مندفعا من الباب هناك يبرطم وصوت ضرتها يلاحقه بالتهديد واللعنات، ويزمجر عائدا إليها. هو يعرف انها بخلاف ضرتها، وبخلافهن في العزبة، تربت في البلدة، وذهبت الي المدرسة في صغرها حتي نهاية المرحلة الأولية. وطول عمرها في ابيت. ابوها تاجر الحبوب. كانوا كلهم في العزبة يعرفونه. ما من واحد فيها الا وباع له واقترض منه. زوجها ايضا. ولولا اخوها ما وصل اليها ولا عرفها. رأته يوم جاء لخطبتها يجلس مقرفصا جنب الحائط، واخوها علي مقعد بجواره، بعد زواجها اجر له اخوها فدانين مزارعة، واشتري سبعة عجول واأعطاها له لتربيتها مناصفة. هي أيضا. من جانبها لم تقصر يوما في حقه. يعود ساعة العصر، يجد الغيار والجلباب النظيف، واللقمة الساخنة، الزفر الذي يحبه، حايلته طويلا حتي يستحم قبل أن يصعد الي السرير، لايتحمس للاستحمام. يقول ساخطا:
­ضروري؟
يخطر لها أحيانا أن تذهب إليه في الغيط، تحمل المقطف علي رأسها وتذهب، تلمحه وسط الزرع مع اخرين، مرات غائصا في طين القنوات، تقف أمام العشة علي جانب الطريق حتي يلتفت. ويراها، ثم تدخل وتنتظره. النسمة الطرية داخل العشة، جوانبها مضفرة بالغاب وأعواد الذرة الجافة، فجوات كثيرة بينها يتسلل منها ضوء النهار. يقول قبل ان يدخل:
­المشوار طويل عليك يافردوس.
­لاطويل ولا حاجة.
عادة يأتي مع واحد من أصحابه، تخرج لهما الأكل من المقطف.
يقول صاحبه: مدي ايدك
ورغم جوعها تقول انها أكلت قبل أن تأتي.
وتمضي إلي خلف العشة حيث مجري الماء لتعد الشاي.
المرة التي كانا فيها وحدهما حملت الحلتين بعد الأكل إلي المجري، غسلت يديها ووضعت براد الشاي في الراكية وعادت. كان راقدا علي جنبه مسح يديه وفمه بعودين قش، نظر إليها ثم أمسك قدمها وسحبها إليه، خلصت قدمها من قبضته وابتعدت، أمسكها مرة آخري من ساقها، عافرت حتي أفلتت منه:
­بطينك وزفارتك ياموافي؟
انطلقت إلي الخارج، نفضت ما علق بجلبابها من قش، شتمها، ردت الشتمة بشتمتين، سارت عائدة والمقطف علي رأسها. ضحكت في سرها، تمايل جسدها خفيفا في مشيتها علي السكة، 'كل حاجة ولها أصول'، ضحكت مرة اخري، ويغضب، المرة الوحيدة التي غضب فيها خلال العام ونصف وذهب الي البيت الآخر، اغلقت علي نفسها الباب وقالت: و'من يسأل فيه'، يومان. وفي الثالث جاء. هي في قعدتها علي العتبة، مر بها ثم عاد، تخطي ساقيها الممدودتين إلي الداخل وسأل أن كل لديها ما يؤكل؟. لم ترد عليه، وقامت لتعد له الغداء.
جمعت شعرها من الخلف بشريط كما كانت تفعل أيام المدرسة، تأملت نفسها قليلا ثم فكت الشريط ونثرت شعرها مرة أخري، وضعت كحلا في عينيها، جاء الكحل ثقيلا، غسلتهما وعادت للمرآة، يدها متمهلة، تخط الكحل في لمسة خفيفة بين جفينها، يكاد وجهها يلتصق بالمرآة، لو أن لديها مرآة صغيرة، تقعد بها وتكون علي راحتها، والحاجبان أيضا، عام ونصف، وكانت تدفعه للذهاب الي البيت الآخر، ويتكاسل. وتلح عليه:
­أولادك ياموافي. تبص عليهم.
ويقول: ما لهم أولادي؟
ثم يذهب إليهم، هي حريصة أن يلبس الجلباب النظيف والشال حول رقبته. ينظر إليها متعجبا، تقول: ­'أيه موش عريس؟'
­عريس؟
وكأنه لم يتزوج من اسبوعين.
توارب الباب قليلا وتنظر إليه، تراه قاعدا علي المصطبة والبنات حوله، وسعد واقفا، لاتري ضرتها، تجلس في الجانب البعيد عن عينيها، تلمحه يكلمها، ابنته الثالثة، نوال، كانت تحبو وقتها، أحب أولاده إليها، والرابعة مازالت في الغيب، تحبو نوال بين ساقيه وتتسلق بطنه، مؤخرتها العارية المتربة، تقول لنفسها 'ستوسخ له الجلباب'، يأخذ جلسته معهم، يشرب الشاي ويدخن الجوزة ويمضي، حتي كانت مرة ذهبت إليهم، لبست جلبابا جديدا والشبشب، كان قد مر شهر وأسبوع علي زواجها ولم تتزاورا، ولا رأت الواحدة منهما الأخري، مشت وكأنما تقصد مكانا آخر، ناداها زوجها، استدارت، ظلت في وقفتها حتي أشار لها أن تأتي إليهم، هي تعرف البنات وسعد، جاءوا مرات إلي بيتها، رغم ذلك وقفت البنتان تنظران إليها في فضول، امرأته في ركن المصطبة ترضع نوال التي أفلتت الثدي واستدارت ترمقها وذراعها مرفوعتان ليحملها أحدهم، اختطفت نظرة أخري إلي ضرتها، تجلس مستندة بظهرها للجدار، ساقاها الممدوتان المنفرجتان قليلا، جلبابها المتسخ، شعرها المنكوش، ثديها الضخم العاري مسترخيا فوق بطنها، تنبثق من حلمته قطرات اللبن وتسيل علي جلبابها، لم تنهض، وبدا أنها لن تمد يدا لتسلم عليها، عيناها فقط كل ما تحرك فيها، نظرات إليها من فوق لتحت، وظل وجهها ساكنا لاينبيء بشيء، أفسح زوجها مكانا فجلست بجواره علي طرف المصطبة محاولة ألا تلتصق به.
سألها زوجها: علي فين؟
وقالت أنها ذاهبة إلي الدكان لتشتري سكر.
ولا كانت ذاهبة إلي دكان ولا غيره، وعندها ما يكفيها من السكر، عادا إلي كلام قطعه مجيئها، تحكي له أخبار ناس يعرفانهم، هي لم تسمع عنهم من قبل، لابد أنهم من خارج العزبة، البنتان أيضا تحكيان، ينصت لهم ويسأل وكأنه كان في غيبة طويلة، تابعت كلامهم قليلا ثم انتبهت للطفلة وكانت تنزلق فوق السيقان الممدودة والمتشابكة لتصل إليها، في كل مرة تقترب تسحبها يد أمها من ظهر الجلباب دون أن تلتفت أو تتوقف عن الكلام وكأنها لاتقصد وتعيدها بين ساقيها، لم يحدث أبدا أن تخاصمتا أو تبادلتا كلاما مسيئا، غير أنها أحست من أول مرة تلتقيان أنهما لن تتصاحبا أبدا.
وذهبت مرة أخري بعد زواجها بخمسة شهور، لم يأت زوجها كعادته ساعة العصر، وقرب المغرب وقفت بالعتبة وألقت بنظرها إلي هناك، لمحت قدميه الممدودتين خارج المصطبة، هذه المرة كانت تريد شراء زيت، حملت الزجاجة الفارغة وخرجت، تسير علي بعد من المصطبة وكادت تتجاوزهم عندما سمعت زوجها يناديها، عادت إليهم، من النظرة الأولي عرفت انهما كانا نائمين معا وقت القيلولة، وجه زوجها الذي حفظت كل تغيراته، شاربه المرتخي، وشفتاه المضمومتان في حركتهما وكأنما يستطعم شيئا في فمه، ويده التي تهرش بين فخذيه، هو لايغتسل بعد المضاجعة، يتركها للصدفة أو لحين موعد الصلاة التي ينسي دائما موعدها، لاتعرف عادات امرأته، غير أن وجهها المغسول، وآثار النوم العميق، وشعرها الممشط، هي التي كانت تعمل ألف حساب لهذه اللحظة لم تحس غضبا ولاغيرة، هادئة تنظر إليهما، وتجلس حيث أشار زوجها، وتجيب علي سؤاله:
آه. زيت.
وينادي علي ابنته لتشتري لها الزيت، وتعطي البنت النقود، والبنت تحمل الطفلة علي جنبها وتمضي، يرقد مسترخيا متكئا علي كوعه وقفاه لامرأته، نفس قعدتها السابقة، ساقاها الممدودتان منفرجتان، تلتصق إحداهما بظهره، لايبدو أن مجيئها غير شيئا عند ضرتها، تجلس علي راحتها، تنفض نملا عن كتف الصديري الذي يلبسه علي فانلة بنية اللون، ولباسه الواسع حتي الركبة، وتنحني تنظر داخل البيت منادية ابنتها لتأتيها بخيط وأبرة، وتنحني مرة أخري وقد تذكرت شيئا وتصيح:
والشاي يابت. بتعملي أيه عندك؟
تأتيها البنت بالأبرة والخيط، وتهرول عائدة إلي الداخل يتبعها صوت أمها:
أبوك له ساعة مستني الشاي.
تخيط مزقا في ظهر الصديري، وتنحني تقضم الخيط بأسنانها، ثم تضربه علي كتفه، يعتدل بعدها في جلسته.
الألم الخفيف بعينيها من أثر الكحل، تدمعان، خيطان رفيعان أسودان يسيلان علي خديها، تحدق في المرآة تتأمل مسارهما، تعصر عينيها لتغذيهما بدمعات جديدة، آه. كانوا يأتون. ويلقاهم، ويأتون في غيابه، يسألون عنه، البنتان وسعد، والثالثة تحبو وراءهم، الرابعة في الغيب، يقفون بمدخل الحوش ويواربون الباب خلفهم كأنما يخشون أن يراهم أحد عندها، البنتان متعجلتان تسألان عنه في وقت واحد، سعد أكبرهم يتحرك في تثاقل ويقف مائلا بكتفه للحائط، ينظر اليها، ولا يسأل، الطفلة تحبو نحوها، تمسك بساقيها وتحاول الوقوف، بيتها لايخلو من الشيء الحلو. أرز بلبن، مهلبية، زلابية، يتناولون أطباقهم جالسين علي الحصير في الحوش، هي تطعم الطفلة التي تشب علي ركبتيها وتصرخ بعد كل ملعقة تطلب المزيد، البنتان تستعدان للخروج، تنتظران في نفاد صبر أن تنتهي الطفلة، سعد هاديء يتناول طبقه متمهلا، ويأتي يوم وينقطع مجيء البنتين، لم تعد تراهما إلا في الشارع أو علي مصطبتهم، وسعد يأتي، الطفلة نوال ما أن تسهو عنها أختها أثناء لعبها حتي تحبو إلي بيتها، تنزلق علي العتبة وتصيح تناديها 'ف. ف'، كانوا قبل أن يبحثوا عنها يأتون إليها، ويجدونها عندها.
مسحت الكحل عن خديها بقماشة مبللة، ثم أزالته عن عينيها وحاجبيها، وراحت تعيد تضفير شعرها، ومن يتحمله سائبا، عام ونصف، ثم بدأ يغيب، يغيب بالأسبوع ويأتي، يقضي ليلة ويمضي، والأسبوع امتد لأسبوعين ويقول 'أم عياله عملت كذا وقالت كذا' هي ساكتة تسمع ولاتتكلم، ولا تلومه لغيابه، والأسبوعان يمدان لشهر، يمر بها ويأخذ قعدته علي المصطبة ويمضي، وما يعجبه فيها؟ خمس بطون حتي تهدل جسمها وشاخ، وابتعاده عنها؟ وكأنها لم تكن كل حاجة عنده. الخلفة، عام ونصف وحين لم تظهر بشائر عاد إليها هناك، كانت يده تتحسس بطنها في ظلمة الليل بعد مضاجعتها، وتستقر عليها ويروح في النوم.
مضت إلي الموقد، رائحة الفرخة المسلوقة، والبخار ينفذ في حفيف ناعم من تحت غطاء الحلة، حملتها إلي النملية وأطفأت النار، ثم ذهبت لتنام.
* * *

وكانت منحنية تكنس الحوش في الصباح حين أحست بمن يحجب الضوء عند الباب، وقالت انه هو. لمحته قاعدا علي العتبة وساقاه للداخل وبينهما فرع شجرة، كان يحدق صامتا إلي صدرها وقد بدا من فتحة الجلباب خلال انحنائها، اعتدلت مزمجرة وأغلقت صدر الجلباب، جسدها الذي توتر وهي تكنس.
قال: ياخالة: لاتطرديني.
لمحت طرف عصاه تروح وتأتي علي أرض الحوش ترسم خطوطا متعرجة، لاتستريح لقعدته هناك وعيناه عليها طول الوقت.
دق بعصاه الأرض بين قدميه، رمت ضفيرتها إلي كتفها، انتبهت إلي جلبابها القصير وانحناءاتها وظهرها له، قرفصت علي عقبيها بدلا من الانحناء وكان ذلك يوجع ركبتيها حين تنهض.
قال انه ذاهب ليصيد وسيأتيها بالقراميط التي تحبها.
أخرج مطواة من جيبه وراح يكشط فرع الشجرة، واقفة تنظر إليه وتقول في سرها 'حايوسخ الحوش بعدما كنسته'.
قال وعيناه علي وجهها: عارف أنك تحبينها.
يضحك: سأعطي أمي السمك وأنت القراميط. وأتعشي عندك.
ملأت حلة بالماء وبدأت رش الأرض من الناحية الأخري.
قال: لم تسأليني من أين أصيدها؟
وقال: عارف أنك لن تسألي. وعارف انك ستطرديني لو قربت منك.
من دهشتها لجرأته في الكلام التفتت إليه، ورأته قادما نحوها، وضعت الحلة علي الأرض، جففت يديها في الجلباب، تلك اللحظة التي لن تنساها أبدا، هي واقفة متأهبة لمجيئه، تنظر إليه وكأنما لم تره من زمن، وكأنه غير سعد الذي عرفته، كبر في غفلة منها، شاربه الخفيف، حاجباه الكثيفان، ملامح رجولة مبكرة تتبدي في قسمات وجهه، عضلات صدره التي ظهرت من ياقة الجلباب المفتوحة علي سعتها، وقف علي بعد خطوتين مستندا إلي عصاه، هل لانت تكشيرة وجهها؟ يضحك متحسسا قفاه.
سأصيدها من مكان لايعرفه غيري في العزبة.
يمد يده يمسك ضفيرتها. تزيح يده بعيدا. يقول:
رأيته صدفة من يومين. مليان سمك وقراميط. سأنزحه. أسده وأنزح منه الماء. أعطني صفيحتك القديمة أنزح بها.
ترددت لحظة ثم استدارت إلي ركن الحوش البعيد حيث تجمع الكراكيب، تمشي في بطء مرهفة أذنها، تخشي أن يفاجئها من الخلف، عادت بالصفيحة، أخذها وخرج.
عاد في الظهيرة، وقف بفتحة الباب، الجلباب مشمور عن ساقيه، وحجره ممتليء، والصفيحة علي كتفه، دلق ما بها من قراميط في الحوش ومضي، كتمت ضحكتها وهي تتبع القراميط التي تتلوي هاربة في أنحاء الحوش.
جاء علي العشاء مع أبيه، وضعت الطبلية علي الحصيرة وفوقها حلة الأرز المطبوخ بالبصل المحمر وطاجن القراميط الكبير، يتناول زوجها رؤوسها التي يحب مصمصتها، يأكل في نهم وصمت منكفئا علي الطبلية، ويخرج من الطاجن القطع الكبيرة ويضعها أمام ابنه، هي متربعة تأكل في مهل، انتبهت للقدم التي تتحسس قدمها تحت الطبلية والأصابع التي تطبق علي أصبع قدمها الكبيرة، ومن أين له بتلك الأفعال؟ ربما التلفزيون الذي يسهر أمامه في المقهي، أو السينما التي يمشي إليها في البلد. لمت قدميها تحت ساقيها، سكوتها علي ما يبدو شجعه، مد يده في سرعة خاطفة وقرصها خفيفا في فخذها، توقفت الملعقة في يدها، التفتت إليه تكاد تنفجر من الغضب، أحني رأسه متحاشيا نظرتها، هدأت بعد لحظة، سحبت ساقيها من تحت الطبلية، قعدت مائلة بجنبها وساقاها ممدودتان بعيدا، نظر إليها زوجها متعجبا:
ماتتربعي؟
وتقول أن ركبتها تؤلمها.
ما أن يسكت جوعه قليلا حتي ينتبه لما حوله ويأخذ في الكلام، سأل ابنه من أين جاء بها؟
وصف ابنه المكان.
قال زوجها انه بعيد، ولايخطر لأحد أن به كل هذا السمك، صمت قليلا ثم سأل:
ونزحتها؟
آه نزحتها.
تصب عليهما الماء والفوطة علي كتفها، حين جاء دوره غسل يديه أكثر من مرة، طول الوقت يرفع عينيه لينظر اليها، تتحاشي نظرته، في النهاية رمت الفوطة علي كتفه ومضت إلي الموقد لتعد الشاي.
استرخيا في قعدتهما علي الحصيرة والكتف في الكتف، وضعت أمامهما صينية الشاي ووعاء به جمرات وناولت غابة الجوزة لزوجها، يتبادلانها ويثرثران، كانت منحنية مرتكزة علي ركبتيها تجمع بكفها ما تناثر من أكل علي الحصيرة، مد زوجها يده يتحسس مؤخرتها، ضحك ابنه، نهضت في ضيق مبتعدة، جلست علي العتبة.
* * *

تصحو في الفجر، اعتادت ذلك منذ كانت في بيت أبيها، تنهي أعمالها سريعا، وتطعم دواجنها التي تسقبلها في صخب ترد عليه بمرح وكلمات تدليل، الديك الذي يصيح ويضرب بجناحيه مهللا لدي مجيئها، رفضت أكثر من مرة أن تذبحه رغم إلحاح زوجها، يقفز ويستكين في حجرها، تقبل عرفه وتطعمه من كفها، تخصه بقطعة خبز مبتلة تمدها إليه بشفتيها فيلتقطها بمنقاره.
تري غبشة ضوء الفجر تتسلل من تحت عقب الباب، تواربه قليلا، تعد فرشتها علي العتبة من الداخل، يحلو لها أن ترقب العزبة في صحوتها الباكرة، من كثرة ما راقبتها تعرف مقدما ما ستراه، تتخيلها دائما مثلها تتمطي وتتثاءب ثم تنفض الغطاء. تلمح أول ما تلمح دخانا يتصاعد من بيت عشماوي الصياد، عيناها علي السطح في انتظاره، منتصفه تماما حيث فتحة منور السلم، يخر سرسوب رفيع من الدخان لونه أزرق، تهتز قدماها خفيفا لدي رؤيته، تهمس في بهجة.
آه.. صحوا
ثم يتدفق الدخان كثيفا بلون السحب القاتمة، بعدها بقليل يتصاعد الدخان من البيوت الأخري، تلمح بطرف عينها الدخان يخرج أخيرا من بيت ضرتها، ولاتلتفت إليه بعد ذلك، تسمع سعلة عشماوي الصياد، وتراه عن بعد قادما يخترق الوسعاية وشبكة الصيد والمقطف علي كتفه، يلبس سترة ميري مازالت علي كتفيها علامات عسكرية، ويلف فخذيه بخرقة، حيث يقترب من بيتها تسمع شخشخة قطع الرصاص بشبكة الصيد، يمضي لايلتفت هنا أو هناك، كان يصيد بعيدا مع امتداد النهر. تظهر أسراب البط والوز، مجموعة بعد الأخري في طريقها إلي مجري الماء، هي أيضا لاتلتفت شمالا أو يمينا، تهز قدميها طربا، تكاد الضحكة تفلت منها، تنتظر أن تسمع صياحه، غير أنه يستمر في مشيته الوقور المتهادية يقوده ذكر من الوز، كان وحده يفرد جناحيه قليلا ثم يطويهما دون صوت، تقول لها النسوة لم لا تطلقين بطك معها، هي لاتتحمس لذلك، تري بعض النسوة بعد المغرب يسألن من بيت لبيت ان كان بطهن قد جاء خطأ إليهم، يعثرن عليه في النهاية بأحد البيوت، وتكون أنفاسهن انقطعت من اللف والدوران، يقلن لها:
وماله يا أختي. المشي حلو. تشوفي الناس. تمسي عليهم، تقولي كلمتين. وتسمعي كلمتين. وتمشي.
تسمع ما يقلنه ولاتفهمه، هي التي عاشت داخل بيت لاتخرج منه حتي بلغت الثلاثين تحس أنه ينقصها الكثير لتتعلمه، تنقشع الظلمة قليلا وتبين معالم الأشياء، وتلمح نسوة يخرجن من الأزقة، أصواتهن خافتة، يحملن الهدوم والمواعين، يتلاقين عند نهاية الوسعاية، يتخذن، طريقهن إلي مجري الماء، ترد ضلفة الباب حين يقتربن حتي تكاد تغلقه، لاترغب أن يرينها ويتهامسن عن صحيانها المبكر، وعندما يبتعدن توارب الباب مرة أخري، ويسألنها لم لاتأتي معهن، وتقول انه ليس لديها ما يحتاج الغسيل، ويقلن علي الأقل تستحمين معنا. الماء في هذا الوقت لم يتعكر بعد، البعض منهن يلبسن الجلباب علي اللحم، يجغطسن أجسادهن وقد شمرن الجلابيب حتي أكتافهن، فرحات بملمس المياه الباردة، ويسألنها ان كانت استحمت في النهر؟ هي لم تر النهر في حياتها غير ثلاث مرات، كانت ترافق أمها فيها إلي المستشفي، تستريح أمها في ظل شجرة علي الشط وتقف بجوارها، تلقي حجرا أو اثنين في النهر. قالت له أنها استحمت مرة. ولم قالت ذلك؟ ربما أرادت أن تبدو مثل غيرها، وربما كانت تسايره في الكلام، كثيرا ما فعلت ذلك معه، تقول له كلاما لمجرد الكلام، وعندما انتبهت لمحاولاته معها أمسكت لسانها، ويوم وجد الباب مفتوحا ودخل، وتمدد علي الحصير في الحوش غير بعيد عنها، تملكها غضب شديد وكادت تشتمه هو وأهله، تقشر بطاطس، استمرت تقشرها، ساقها ممدودة تعرت حتي الركبة، تركتها ممدودة، متكيء علي كوعه يهز قدميه، يقول انه لن يخرج مهما فعلت.
ولاترد عليه.
ويقول انه يعرف أنها لاتطيقه وهو لايهمه.
تهدأ قليلا، يهرش ركبته ويستلقي علي ظهره، يرفع ساقيه ويطلق صفيرا ثم يعيدهما، ترمقه بطرف عينها، تلمح جرحا حديثا تقيح بفخذه، تنظر مرة أخري إلي الجرح، تمسك لسانها عن السؤال، ربما بدا علي وجهها ما يشي بالتساؤل.
يقول ضاحكا: لن أقول لك. مادمت تطردينني لن أقول لك.
يرسم بإصبعه دائرة حول الجرح وينظر إليها ويضحك.
ويقول ان اصحابه كانوا يتكلمون عنها وهم يستحمون في النهر.
ربما لمح يدها عندما توقفت لحظة عن التقشير، تحس بعينيه علي وجهها، السؤال كان علي طرف لسانها.
يقول: لم تسأليني؟
لاترد.
يتحسس فخذه العارية. يقول:
لم تسأليني عما قالوه؟
ويقول ضاحكا: كنا بنعوم وواحد سأل عن الواحدة اللي نفسنا ننام معها. وقربنا من الشط وقعدنا. يضحك مرة أخري، يثني ساقيه ويمدهما:
كلهم اختاروك. وقالوا انهم لم يروا واحدة في حلاوتك.
وقالوا كلاما آخر أيضا.
تلمحه بطرف عينها يرقب وجهها، بقيت حبتا بطاطس في الصينية بقشرهما تبطيء في التقشير.
قالوا انك فرس. وان أبي غلبان وكان الله في عونه.
هي وقد أخذتها المفاجأة مما قاله تسمع صوتها يتساءل:
وتركتهم يقولون هذا الكلام؟
يووه. كلامهم كتير عن النسوان والبنات. ولاسهرة. ولا قعدة. ومن شهرين ثلاثة كانوا في سيرتك.
تكاد تنصرف عنه، تقلب بيدها شرائح البطاطس، تسأل:
وقالوا أيه؟
قالوا اللي قالوه.
وأيه اللي قالوه؟
قالوا ولا واحدة في العزبة عندها ما عندك.
وأيه عندي؟
كانوا يتكلمون عن جسمك.
وشافوا جسمي فين؟
وأنت تمشين. يقولون ان مشيتك. قصدهم جسمك فرع شجرة. يتمايل. وواحد شافك تشطفين ساقيك في المجري. تشمرين الجلباب لوسطك وتشطفين.
وقالت لنفسها أنها لم تشطف ساقيها أبدا خارج البيت، غير أنها تذكرت فجأة الواقعة، عندما انزلقت ذات يوم في الطين وهي عائدة من الغيط، ونظرت حولها قبل أن تشمر الجلباب وتنزل إلي المجري، ولم تر أحدا. وأين كان مختفيا؟
غمغمت: كلام عيال.
عادت تقشر حبة البطاطس الأخيرة، مد اصبعا يتحسس بطن ساقها الممدودة، نظرت إليه ثم إلي أصبعه وتركت ساقها ممدودة، تعرف أنها لو نهرته سيقول انه يزيل عنها نملا أو ترابا، لم تسترح لما أحسته من دغدغة.
يقول: وواحد شافك تقطعين البرسيم من الحوض في الليل والعنزة معك، كنت بقميص قصير، وطرحة علي كتفيك والدنيا أسكت هس، وأمارة ذيل قميصك شبك من الخلف في شوك علي الشط، وأنت التفت لتخليصه، والطرحة وقعت، وبانت ذراعاك وكتفاك كلهم، والقميص اتمزق وأنت تشدينه، ورفعت الذيل لتري المزق، وكله بان.
هي من ذهولها التفتت اليه، يقول كلاما لا يقوله الأكبر منه، تذكرت الواقعة، وأين كان صاحبه مختفيا وربما كان هو نفسه، البرسيم لا يخفي أحدا، ولايوجد شجر خلف البيت ليختفي بين فروعه، والوقت متأخر، ما من أحد غيرها يكون صاحيا.
تنتبه لاصبعه التي وصلت إلي ركبتها، وأصبح الأصبع اصبعين، تتأمل وجهه في حيرة، ورعشة خفيفة أخذت تسري في بدنها.
ويقول: وواحد شافك عند دكان البقالة، كان لابدا جنب المصطبة وأنت ترفعين رجلك لتصعدي، وشاف..
نهرته ليسكت. الخجل الذي أحسته، ولون وجهها؟ ربما اختفي لونه، أو أصفر، فمها الذي انتبهت إلي رعشته، زمت شفتيها، وماذا سيقول أكثر مما قال، يكتم ابتسامته متحاشيا نظرتها وكأن لديه حكايات أخري، من هم؟ وأين؟ وطول الوقت يتخفون ويرونها تسأله:
وأنت؟
أنا؟ تعاركت معه وأشار للجرح في فخذه كان معه كعب كوب، وهنا أيضا وشمر الجلباب إلي وسطه ورأت جرحا آخر متقيحا في جنبه وضربتجه.
عيناها تحدقان في وجهه، وهو صامد لنظرتها، عيناه الواسعتان بصفاتهما وما توحيه نظرته من طفولة وكأنه لايدري ما في كلامه من عيب. تسأله، البحة التي ظهرت في صوتها:
ولم يجدوا غيري يمشون وراءها. البنات والنسوان في المجري والغيطان وشتل الرز، ويشلحن، لم لاتذهبون وتنظرون إليهن علنا بدلا من التخفي.
يتقلب في رقدته ثم يستقر علي جنبه في وضعه السابق، الاصبعان زحفا إلي بطن ركبتها، يقول:
واحدة تفرق عن واحدة ياخالة.
هي مطرقة تتأمل حبة البطاطس في يدها ثم اكملت تقشيرها، أصابعه وقد انثنت تستقر في تجويف ركبتها، مسحت يديها في طرف جلبابها وأزاحت الصينية قليلا لتنهض، يده تتشبث خفيفا بركبتها، تنترها. غسلت البطاطس وعادت، لم تجده.
تعود النسوة من المجري والضوء يبزغ في الأفق، كل شيء مبلل بالندي، الأسطح وأكوام القش فوقها، أبواب البيوت وتراب الوسعاية، ضجة أصواتهن، يثرثرن وقد ذهب عنهن النعاس، وتدب الحركة في البيوت، سعال الرجال وزعيقهم وصياح الأولاد وخروج البهائم ووقوفها أمام العتبات، وتري البنات الشغيلة يتسربن من الحواري ويتجمعن علي رأس الوسعاية، ثم يسرعن الخطي، كل منهن تحمل لفة غذائها والشرشرة، وستراهن بعد قليل حين يخلفن بيوت العزبة، يسرن علي السكة الممتدة مع مجري الماء وسط الغيطان. بعدهن تظهر عائلة زيدان، الرجل في المقدمة يسحب البهيمة، خلفه امرأته تحمل مقطفا علي رأسها والرضيع علي يدها، ووالداها بجوارها يدعكان عيونهم بقبضاتهما ليطردا النعاس، ووراءهم تتعثر العجوز أم زيدان. ويأتيها صياح زوجها، كانت تسمع صوته منذ بدأت الحركة تدب في العزبة وتتغافل عنه. هو يتعجلهم في البيت، طبعه الذي لاتنساه، في أيام الشغل يركبه عفريت، ولايطيق حتي نفسه، ري، بذر، تقليب أرض، وخلع أورمات الرز الذي سلخ يديها، وأيام الراحة أيضا كثيرة، بين الموسم والموسم، وفيما مضي كان يحلو له أن يصحبها ليلقي نظرة علي الزرع، يأخذانها مشيا ساعة العصر إلي الغيط، هي بجواره تلبس جلبابا مشجرا من الحرير احتفظت به للزيارات التي لم تقم بها أبدا. من دون الزرع كله كانت تحب نبتة البرسيم الصغيرة المرتعشة، تقبع علي شط الحوض تتحسس في حذر الأوراق الناعمة، تذكرها بالكتاكيت حين تطلقها من القفص، ترقب في نهم السيقان الرفيعة تنبض دون توقف، لا تحبها حين تكبر وتصبح مثل غيرها من الزرع، ويأتي زوجها، يقرفص بجوارها، ملء كفيه فول أخضر، يتكيء بكوعه علي ركبته ليجعل كفيه بينهما، يسأل مشيرا لنبتة البرسيم:
ما يعجبك فيها؟
شكلها حلو.
كله حلو وهو صغير.
لاتسأله عما يقصد، اعتادت أن تسكت عندما تحس بالكلام يقترب من سيرة الخلفة، تخشي أن تفلت منه كلمة، وكان قد مضي ما يكفي من الوقت وهو لايفارقها ليلة، وتقول لنفسها أن كل شيء نصيب، وكل شيء له أوان، ويخطر لها أنه يريد الولد منها.
المرة التي التقت فيها بضرتها في الغيط، المرة الأولي والأخيرة، لم تذهب بعدها، كان قد مر ما يقرب من العام ونصف علي زواجها، وبدأ زوجها يتردد علي البيت الآخر يومان عندها وباقي الأسبوع عندهم، واستمر علي هذه الحال شهرين قبل أن يستقر هناك. لم تغضب، ولاتشاجرت، ولا عاتبته بكلمة، فقط
كانت حائرة، لاتعرف ماتفعل عندما يأتي اليومين عندها، وتقول انه من الأفضل أن يبقي هناك.
تفاجأ به داخلا، وتلم ساقيها المفرودتين، وتنظر إليه متعجبة، تمر لحظات قبل أن تستوعب وجوده في البيت رغم الضجة التي يثيرها لدي دخوله، يقصد دائما كومة الكراكيب في آخر الحوش يقلب فيها ثم يعود ليقعد جنبها علي الحصير ويقول:
­ اعملي لنا لقمة.
يوم التقت بضرتها في الغيط كان يوم جمع القطن، حملت المقطف علي رأسها ولا علي بالها أي شيء. كان الوقت ضحي، استغربت حين رأت البيت الآخر مغلقا، والكلب ذو الأذن المقطوعة رابض علي العتبة، وقالت أنهم لم يصحوا بعد، يومها ايضا لحق بها سعد علي السكة، لم تكن انتبهت بعد لمحاولاته معها. مسحة عرق علي وجهه، يبدو كأنما صحا مبكرا، وأين كان؟ يعرض عليها أن يحمل المقطف وترفض، صدر جلبابه المفتوح علي سعته، أزراره كلها مخلوعة، لمعة جلده تشي بأنه كان يستحم في النهر، يسير مشدود القامة مبرزا صدره وكأنه يسعي للعراك، يختفي من جنبها ويعود للظهور حاملا في طاقيته حبات من التوت، يمدها إليها . تقول:
­ وسخت الطاقية.
­ حا اغسلها.
الخشونة التي تتبدي في صوته، يكبر بجوارها، وعيناها غافلتان يسألها وكأنه رجلها:
­ وفيم ذهابك إلي هناك؟
تسايره، تقول بلهجة مذعنة:
­ ومن يأخذ لهم الغذاء.
­ بدري علي الغذاء.
­ وأنت. لم تبكر مع أبيك.
­ صحيت. كان عندي مشوار. وأيه في المقطف؟
­ اللي بتحبه. محشي كرنب. وعيش طري. ومخلل.
كما ظهر فجأة اختفي، ظنته بجوارها، كانت تكلمه ولاتسمع ردا، التفتت ولم تجده.
عندما بلغت الغيط فوجئت بضرتها والبنات هناك. كن بالطرف الآخر من الحوض، والرجال والبنات الشغيلة وزوجها. هي وحدها أمام العشة، دخلت، وضعت مقطفها بجوار مقطف آخر لابد ان ضرتها جاءت به، ازاحت الخرقة التي تغطيه، حلتان كبيرتان فوق بعضهما، كشفت غطاء واحدة منهما، اربع فرخات يوم جمع القطن، يوم مفترج. حمدت الله أنها استمعت إلي جارتها التي نصحتها أن تأخذ زفر معها بدلا من العدس الذي كانت تنوي طبخه، فاليوم غير الأيام الأخري، قال زوجها حين تجمعوا خارج العشة:
­ زيادة خير.
متربعة بجانب مقطفها في ناحية، وضرتها في الناحية الاخري مع مقطفها، لم تتبادلا كلمة. مجرد نظرة خاطفة، تخرج كل منهما ما في مقطفها وتناوله لزوجها الذي يتصدر الحلقة، يضعه في الوسط، ويوزع الزفر بنفسه.
عادوا بعدها إلي احواض القطن، وبقيت وحدها مع المواعين لتغسلها في المجري، من بينها مواعين ضرتها، وغسلتها.
كانوا هناك علي الجانب الآخر، أكياس القطن مفتوحة علي السكة أمام الأحواض. الرجال بين الخطوط يسحبون قففا كبيرة، والبنات الشغيلة في حوض آخر معهن ضرتها وابنتاها ، الثالثة تجلس بالصغيرة جنب الأكياس علي السكة، زوجها ومعه سعد الذي ظهر وقت الغذاء يفرغان القفف في الأكياس، تتردد في الذهاب إليهم، تتعثر دائما في سيرها بين الخطوط، ولاتجيد التقاط القطن من اللوزات، يبقي نصفه داخلها، الرجال يألفون ضرتها، يتكلمون معها علي راحتهم ويهزرون، عشرة طويلة، وربما طبعها، هي لاتسعي لذلك، ولاتتحمس له، هم أيضا، لا يزيد كلام الواحد منهم معها عن كلمتين او ثلاثة ويمضي، تعرف أنهم لايكرهونها، كل ماقالوه عنها كما سمعت 'أنها في حالها'. تقف بجوار الصغيرة تداعبها، وتلتقي عيناها بعيني زوجها وكان يرفع قفة إلي فوهة الكيس. يقول لها:
­ اعملي لنا الشاي.
أراحها ذلك. وعادت للعشة.
وتري الرجال قاعدين علي جانب السكة بعد أن انتهوا من جمع القطن، والأكياس اغلقت معدة للتحميل علي العربات، يدخنون الجوزة ويشربون الشاي للمرة الرابعة، ضرتها وبناتها الثلاث وما لحق بهن من البنات الشغيلة ينتشرن وسط الخطوط في الأحواض، يسحبن وراءهن زكائب وشكائر، تبحث عيناها عن الصغيرة وتراها في حجر سعد، كن بين الخطوط يجمعن اللوزات الجافة المغلقة، يفتحنها ويخرجن مابداخلها من قطن، يدعكنه بين اصابعهن حتي ينتفش، ويلتقطن النتف التي تخلفت باللوزات الأخري، سمح لها زوجها أن تجمعها لحسابها، وربطات الحطب أيضا، والقش أيام الرز، ربطة بعد ربطة تصعد الي سطح بيتها، هي ينوبها شيء، ولاطلبت لنفسها، وحين تحتاج الحطب لموقدها تأخذه من جارة لها.
تنفض جلبابها وتتبعهم علي السكة، وتري ضرتها فيما بعد أمام البيت هي وبناتها، فرشن حصيرتين وأفرغن ماجمعنه من قطن في الشكائر والزكائب، ينظفنه مما علق به من قشور وشوائب، لا أحد من التجار الكبار يشتري 'البواقي' التي جمعنها، تنتظر مجيء التجار الصغار الذين يتسكعون بين العزب أثناء الموسم، يقف التاجر منهم أمامها، تساومه ويمضي، لاتبيع إلا لثالثهم، يخرج كيس نقوده القماش، يفرده، تقف بجواره أمام عتبة بيتها، وبناتها ونسوة من الجيران يتحلقن حولهما، تتناول النقود ورقة بعد ورقة، زوجها علي بعد خطوات لايتدخل في المساومة، يعد النقود بعينيه، تبلل طرفي اصبعيها من فمها وتعيد عد النقود ، تلفها وتدسها في صدرها، يتبعها سعد وبناتها إلي داخل البيت. ينحني زوجها يلتقط نتفة قطن رآها بين قدميه، ينظفها بضربات من ظفر اصبعه ويضعها في جيب الصديري.
هم هناك أمام البيت الآخر، تراهم من شق الباب بعد ان ردت الضلفة، زوجها لايتوقف عن الزعيق، تخرج البنتان أخيرا، تحملان مقطفا فيما بينهما، يأخذه منهما ويرفعه إلي ظهر الحمار، تهرع البنتان إلي الداخل، تعودان ببقجة كبيرة يضعها فوق المقطف، ضرتها علي العتبة تقول شيئا، لايرد عليها، يمتطي الحمار ويمضي، تسوي ضرتها الطرحة حول رأسها وتتبعه، خلفها البنات واحدة وراء الاخري، يختفون من الوسعاية، يظهر سعد قادما من خلف البيت، يوسع من خطاه ليلحق بهم، يلتفت وينظر نحوها، تكاد ترد الضلفة لتغلق الباب ولاتردها، لابد أنه لمح الفتحة وعرف أنها وراء الباب، وحتي بعد أن ابتعد كان يلتفت وينظر إليها.
هي في قعدتها حتي تظهر الشمس، تراها علي سعف النخيل العالي خلف بيوت العزبة، وتلمح السعف يتمايل خفيفا وينحني حين تحط الطيور فوقه، وتفتح البيوت أبوابها، تغلق الباب وتمضي الي الحجرة، في كل مرة تنسي أن تتناول فطورها، لا تتذكره إلا وهي تصعد إلي السرير، النوم يثقل عليها، وتقول انها ستتناوله حين تصحو في الضحي.
* * *

غفت وصحت، تكاد تغفو مرة أخري. نص الليل. ربما أكثر. تنصت. لاصوت في الخارج، الكل في نعاس. العنزة تحت النافذة، نسيت أن تدخلها البيت، كالعادة فاجأها النوم، عليها أن تخرج وتأتي بها، تمد أطرافها في تكاسل، الوهج الذي يسري في جسدها، حتي خداها تحسهما مشتعلتين، ربما ضربة شمس، ومتي كانت في الشمس؟ نومها في النهار يأتي خطفا، تدلي ساقيها من السرير، تنظر إلي السماء والنجوم من الشباك المفتوح، تثني ساقيها وتتأملهما، يتبعونها أينما ذهبت، يتلصصون عليها. أصحابه. ومن هم؟ لاتذكر أنها رأته مع أحد. ربما يلتقي بهم بعيدا عن هنا، النهر، السينما في البلد، التليفزيون في المقهي، انحنت تلتقط الطرحة من الأرض، حين تنحني تنسي نفسها ، ما أدراها أن هناك من يختبيء ويختلس النظر، مدت يدها خلفها، ذيل القميص مرفوع أكثر من اللازم، نظرت إلي صدرها في انحناءتها، تقويرة القميص، واسعة، ثدياها بارزان، هزة خفيفة ويفلتان من التقويرة، وربما لو زادت انحنائتها قليلا، تتحسسهما بطرف أصابعها، وطول الوقت ينظرون إليهما وهي لاتدري. ماكانت تلتفت لكل ذلك، حتي الأماكن التي ذهبت إليها، وما لبسته، فردت الطرحة علي كتفيها وصدرها، ترددت أمام الشبشب، يصدر أصواتا أثناء مشيها، ستخرج حافية، تسحب مزلاج الباب في بطء حتي لايزيق، تخرج منحنية علي نفسها، مهما تخفت سيلمحونها، يعرفون أنها ستخرج لتأتي بالعنزة وينتظرون، وربما انتظروا من أول الليل، يلبدون في أماكن لا تراها، تفرد عودها، النسمة طرية، يتلقاها جسدها الساخن في نهم، حافية القدمين، هي التي لم تمش يوما حافية، تسير وقتا علي طرفي قدميها متمايلة بعودها، تحسه خفيفا لدنا وكأنه فرع شجرة كما قالوا تداعبه الريح تكاد الضحكة تفلت منها، تزم شفتيها وقد استخفها المرح، يخفق قميصها ويلتصق بجسدها في مواجهة هبات الهواء، وماذا يرون؟ يكمنون عن قرب أم عن بعد؟ لن تنحني، ولن تسقط الطرحة عن كتفيها وصدرها، قميصها خفيف يشف عن تقاطيع جسدها، لايهم، ستجعلهم يلهثون في مخابئهم ويعضون الأرض، ستأخذ العنز وتسير بها طويلا، لن تسقيها في البيت، ولا من القناة القريبة، ستمشي بها حتي مجري الماء وتقطع أنفاسهم وراءها، نبتة القمح، الخضراء، مساحات كبيرة، تسير علي الشط بين الأحواض ترافقها العنز، الخلاء الواسع، وأين يتخفون، لاصوت لخطوات وراءها، ولاحركة ، ويقول انهم كانوا منبطحين علي طين الشاطيء ويتكلمون عنها، ثلاثة، أربعة، خمسة لم يخبرها بعددهم، تراهم متجاورين، ظهورهم عارية، ينبشون الطين بأصابعهم وأقدامهم تضرب الماء ولايحلو لهم الكلام إلا عنها ، همس ، وضحكات، ظهورهم الملساء الناعمة يتناثر عليها الرذاذ، ومؤخراتهم العارية، وربما أخذت واحدا منهم النشوة والحماس، تفلت منه الصيحة متقلبا في الطين، وربما تبعه الآخرون، الخفقة في صدرها، تنهج وكأنما جرت طويلا، تتعثر في مشيتها ، تتوقف ، مقود العنزة كان بيدها، وأين راح؟ تلتفت، العنزة هناك بعيدا، دست رأسها من داخل الحوض، علقت الطرحة بقرينها وانزلقت علي عينيها، هزت رأسها في عنف وسحبت معها الطرحة، انحنت تخلصها، واين هم الآن؟ فردت الطرحة ونفضتها، الأشجار بعيدة وأسطح البيوت، لامكان آخر حولها يختبئون فيه، وما أدراها، ربما في القنوات الجافة المنتشرة بين الأحواض؟ انحناءتها وراءها، الرعشة التي سرت في جسدها، وعيناها الغائمتان، تري كل ماحولها مهزوزا، سرعان ما اعتدلت في وقفتها حين أحست بعيونهم تلتهمها.
تخلص القمر أخيرا من غمامة ثقيلة كانت تلاحقه، سطع ضوؤه، وبانت المساحات الشاسعة من الزرع الأخضر، مستطيلات متجاورة، تحدها عن بعد أشجار كثيفة الأغصان، السكون حولها، تنتبه فجأة وكأنها كانت في غفوة، ابتعدت كثيرا عن البيوت ومجري الماء، ولو صحا أحد من العزبة لسبب ماورآها؟ ماذا سيقول عنها؟
استدارت عائدة، التعب الذي حل بها فجأة، خطواتها الواهنة، تنقل قدميها في حذر علي الشط الرفيع، لسعة برد اقشعر لها جسدها، تدخل البيت وتغلقه وراءها، تكتفي بغسل قدميها من الطين، غدا تشطف نفسها بماء ساخن، تسترخي في السرير، تغفو.
* * *

شهقت وانتفضت جالسة، ضوء الصباح الباكر ينفذ من فتحات شيش الشباك، عندما وعت انها بحجرتها تنهدت في عمق وعادت للرقاد، تستعيد الحلم الذي أيقظها، جسدها مبلل بالعرق، قطراته تنزلق حول رقبتها، شاطيء النهر، البقعة التي لم ترها أبدا، ولافكرت في الذهاب إليها منذ جاءت إلي العزبة، هي بقميصها القصير، كتفاها عاريتان، القميص مترب عند مقعدتها، شعرها سائب يبعثره الهواء، وطرحتها، أين تحدق في المشهد، وتري العنزة علي النهر، وما رمي بها هناك؟ تخشي ان تتمزق من نتوءات الفرع والهواء يطوحها تختفي الطرحة من المشهد، وتري العنزة علي بطن الشاطيء، هي قلقة، تعود بنظرها إلي الطرحة، المزق في منتصفها بطول الشبر وطرفها يخفق بين الفروع، تهبط الشاطيء لتسحب العنزة ، تغوص قدماها في حفر يملأها الوحل، صوت البقبقة، فقاقيع صغيرة تظهر علي السطح وتختفي، هي عارية علي الشاطيء، يدها خالية، تتأمل أصابعها، الجلد قاتم مكرمش عند مفصل الأصابع، الضوء أغبش، هو الفجر، سحب ثقيلة تغطي الأفق، حزمة من أشعة الشمس تنفذ مائلة وتغمرها، ومن أين جاءت الشمس؟ وأين قميصها؟ جسدها العاري بلون القمح، ساقاها بلون مغاير، تميلان للسمرة، ابطاها الناعمان، ومن أزال عنهما الشعر؟ والعانة أيضا؟ تلمس المياه قدميها وتنساب لتغطي وركيها، فرحة بجسدها ولمعته،، شعرها تجمع مبتلا علي صدرها، نهداها النافران، تزيح ما لصق بهما من شعر، حلمتاهما الداكنتان، رأسه وسط النهر، يعوم في اتجاه بعيد عنها، وتقول لو التفت ورآها، ويلتفت، يستدير إليها، هي مبهورة بعومه دون صوت ولارذاذ، يتحرك جسده كله تحت السطح، يخرج من الماء عند قدميها، يزحف فوق جسدها، يتوقف محدقا إليها، عيناه شديدتا السواد، شعره أكرت، زغب خفيف علي شفته، بقعة عطش بيضاء علي خده، وأين رأته من قبل، يدها تتحسس رأسه المبتل، يدس وجهه في صدرها، تحتويه بذراعها، جسده الأملس، قلق فوقها، يبحث عن وضع يريحه ، لاصوت، لم تسمع له صوتا، تسعي ركبتاه بين ساقيها، يحاول أن يباعد بينهما، لاتستجيب، تفسح له أخيرا، ما كاد يدخلها حتي انتفضت.
تجفف عرقها وتمضي إلي الحوش، جسدها الواهن وكأنها الحمي، توارب الباب قليلا وتنظر ، ضوء الصباح يغمر الوسعاية ولا أحد، تأخرت في نومها، تلمح ضرتها تذهب وتأتي أمام بيتها كالخضير، وتقول إنه لابد لديها مشوار تقضيه ولاتريد ترك البيت مفتوحا بلا أحد فيه، تنتظر عودة واحد من أولادها، وأين ذهبوا؟. تنتظر هي الاخري خلف الباب الموارب، وتراها تقف علي ناصية بينها تتلفت، ثم تعود، مشيتها المتمهلة، مربعة، ممتلئة، منتفخة البطن، صدر جلبابها مفتوح علي سعته، لاتهتم بما يظهر من خلاله، تذهب وتأتي، وماذا بالبيت لتخشي عليه، والكلب مقطوع الأذن رابض علي العتبة. يرفع رأسه عندما تقترب من البيت، ويعيدها حين تبتعد وتلمح البنات عائدات هناك في طرف الوسعاية، تتوقف ضرتها حتي يقتربن، تتبادل معهن كلاما ثم تمضي مبتعدة.
تخلو الوسعاية ، تنتظر قليلا ثم تغلق الباب.
* * *

صوت ما أيقظها، انتظرت والنعاس يغلب عليها أن تسمعه مرة اخري، كانت قد جاءت بالعنزة من مربطها في الخارج وتركت الشباك مفتوحا لنسمة هواء.
صوت احتكاك. انتبهت. كأنه قط أو كلب يحك جلده في الجدار، ضوء القمر يتدفق داخل الحجرة، نومها أصبح خفيفا، والحر أيضا، والشباك الذي نسيته مفتوحا، وربما كان يقلقها أثناء نومها دون أن تدري، مسترخية في رقدتها تنظر خلال الناموسية، وماذا لو تركت الشباك مفتوحا حتي الصباح؟ لا تخشي غير القطط وما تثيره من ضجة داخل البيت. ترمق ضوء القمر علي أرض الحجرة، الأشياء وكأنما تغير شكلها في الضوء الناعم. ولمعة بأسفل تجويف الطشت المائل علي الحائط، لابد أن مياها تخلفت عندما أفرغته بعد استحمامها، فردت جسدها وكادت تتقلب علي الجنب الآخر عندما لمحت الظل علي الأرض يحجب الضوء. سكنت حركتها، وماتت الشهقة في حلقها، تحدق مرتجفة إلي الشباك، كان هناك مقرفصا علي حافته يتأهب للوثوب إلي الداخل ثم غير رأيه ملتفا حول نفسه منزلقا دون صوت. سعد. ويفعلها؟ ازاح الناموسية جانبا وأدخل وجهه وكتفيه، جاءته الرفسة عنيفة فاندلق علي الأرض رافعا ساقيه. يلملم نفسه سريعا، منحنيا يكاد يثبت في اتجاه الشباك، ثم يراها علي حافة السرير، وجهها المشتعل غضبا، ذراعاها وكتفاها العارية، ساقاها المدليتان وقد انحسر عنهما القميص الي أعلي فخذيها، يلهث، يرمي بنفسه عليها دافعا وجهه بين فخذيها، حشرجة بكاء في غمغمته:
­ انا سعد ياخالة . سعد
الفخذان البضتان تطبقان علي وجهه، تشلان حركته ثم تفلتانه، ودفعة قوية تطيح به الي الأرض، صوت زمجرة، زمجرتها، متعثرا يندفع إلي باب الحجرة، يلتفت قبل أن يصل إليه، يستدير إليها، عيناه كأنما لايري غيرها، يرتمي علي فخذيها، تدفعه بعيدا، دائخا يعود إليها، إحدي قدميها لامست الأرض في نزولها من السرير، انحسر القميص إلي وسطها، متلفتة حولها، تري الأشياء خطفا، وتراه مترنحا مقبلا عليها، وقبل ان تدفعه دس وجهه أسفل بطنها، يشهق مدمدما، تزيحه بيديها، استماتت ذراعاه حول عجيزتها، تدور المعركة في لهاث صامت، ارتخت ذراعاه فجأة، وانزلق متأوها، زحف إلي الجدار تحت الشباك، تبحث في انحاء الحجرة، تذهب وتعود، يرمقها ساكنا، تعثر علي يد فأس مكسورة ملقاة خلف الطشت، تستدير إليه، وتراه يتسلق الجدار إلي الشباك ويختفي.
قعدت مستندة بظهرها للدولاب تمسح بيدها أنفها المبلل، ترمق الكراكيب المكومة تحت السرير:
­ وينط من الشباك
جسمها المهدود، والعرق، قطراته تجري علي ظهرها، تتحسس شعرها المنكوش وتنزع منه الدبابيس ، كدمة علي فخذها قرب الركبة، ومن أين جاءت؟ لاتذكر أنها اصطدمت بشيء، لعابه الذي كان يسيل علي فخذيها، وأنفه يخزها أسفل بطنها، وتقول انها ستستحم، وتنظر إلي الطشت، نقيق الضفادع بالخارج ولاصوت آخر، ضوء القمر مازال يتدفق إلي الداخل، تتحامل علي يديها وتقف، تغلق الشباك وترفع شعلة المصباح، تأخذه والطشت إلي الكنيف.
استلقت بعد الحمام، جسدها رغم الماء البارد لايزال ساخنا، مجرد أن تستريح قليلا، وما يبقيها بعدما حصل. اليوم من الشباك وغدا لاتعرف من أين. ومهما أغلقت الأبواب فلن يغمض لها جفن وهو في الخارج يدور حول البيت يبحث عن منفذ، وما أدراها أنه الآن غير قابع في مكان قريب ينتظر ، وماذا ينتظر؟ لن تفتح الشباك ولا الباب إلا في النهار. وهل يمنعه النهار بعد ذلك؟ ساقاه البائستان وهما تلوحان عاريتين عندما هوي علي ظهره، رجفتها وقد ظنته سيموت فيها ، ساعة أو ساعتين ويأتي الفجر، ومايجعلها تنتظر؟ الليل في الخارج مضيء، وهي بعد ماحدث لم يعد يهمها شيء، ظلت في رقدتها ساكنة، جسدها مايزال ساخنا، وصدرها نافر علي غير العادة وخزة خفيفة تحسها في الحلمتين تروح وتأتي ، وماذا فوق الدولاب؟ تحاول أن تتذكر ما رمت به من أشياء هناك. نهضت فجأة، فردت ملاءة قديمة علي الأرض، تشرب الشاي أولا.
شربت الشاي قاعدة علي طرف الملاءة، دلف الدولاب مفتوحة علي سعتها، وماكانت حاجتها إلي دولاب بست أبواب، ملابسها تشغل رفا واحدا، وكانت ملابسه تشغل رفا آخر، سحبها واحدة بعد واحدة إلي البيت الآخر، وكان يظن أنه يغافلها، لم تسأله يوما عنها، يحفظها هناك في سحارة مع ماترمي به امرأته داخلها من كراكيب، في كل مرة تلقاه تحس برائحة عفن السحارة تفوح منه، باقي الرفوف فارغة، اللحاف فقط وملاءة سرير وأكياس مخدات مطوية علي رف، وداير السرير مايزال في لفتة. لم تستخدمه ولاحتي يوم زواجها، تكفي ملابسها، لن تأخذ غيرها، وربما الداير الجديد، لن تترك جلبابا أو قطعة من هدومها لتلبسها أي واحدة، وحتي القديم منها، ما ان تشم ضرتها خبر رحيلها حتي تهرول قادمة، وسيكون الدولاب أول ماتفتش داخله، عينها دائما كانت علي ماتلبسه، وفي غفلة منها كانت أصابعها تتحسس طرف الجلبات أو الطرحة، حتي قميصها الداخلي، ازاحت ذيل الجلباب مرة لتري ما بطرف القميص من تطريز، ولمسته باصبعها، وحين التقت عينها بعينها سحبت يدها، والتفتت إلي زوجها تكلمه، وستخفي ماتأخذه، لن تلبسه عقب رحيلها، ما أن ينسي الجميع الحكاية حتي تظهر به وتقول انها اشترته من هنا أو هناك. أفرغت ما بالرف من ملابس علي الملاءة منها ثلاثة جلابيب لم تلبسها من قبل وقميصان، احتفظت بهم للأعياد القادمة، هي ليست نادمة علي شئ يتساوي الأمر، هنا أو بيت أهلها ، تمنت يوما أن يكون لها بيتا ،والشباشب أيضا لن تترك فردة واحدة، يدخل عليها في أي وقت، من الشباك والباب، ويده دائما ممدودة الي جسمها، ما أن يتعري منها شئ حتي تخرج عيناه ويتدلي فمه ،والصابون؟ وكادت تنساه . سحبت درجا من الدولاب ،اخرجت اربع قطع في ورقها الملون اللامع ، رائحته الحلوة تفوح من الدرج ، من عمر زواجها، في كل مرة تنوي استخدام واحدة تؤجلها لمرة قادمة. والسكر؟ والشاي؟. ستترك الرز والبيض، ينكسر في الطريق ، تأخذه مسلوقا. وضعت البيض في إناء علي النار وعادت للحجرة، حتي لو أغلقت باب البيت سيدخلون، لن يتركوا شيئا، كل مايجدونه سيذهب إلي هناك، حتي الأطباق والأكواب والحلل، ليكن، لو أمكنها فقط أن تأخذ اطباق الصيني، لايهم ، والناموسية؟ ومن يفكها الآن؟ وحتي لو استطاعت أن تحل أربطتها من أطراف الأعمدة فلن تسعها البقجة مع الملابس، ربما تركوها مكانها، سرير ضرتها أعمدته مكسورة، لن يصلح لتعليق الناموسية، ولو جاءا وناما علي سريرها؟ آه تعملها، وتتمناه اليوم قبل باكر، وهو أيضا يعملها. متربعة أمام أشيائها المكومة وسط الملاءة وما تنفثه من ذرات سوداء تلتصق بطرف زجاجة المصباح، ربطت أطراف الملاءة علي شكل بقجة، جلبابها الاسود الطويل معلق خلف الباب، لبسته، ولفت الطرحة حول رأسها ورقبتها ، حملت البقجة علي رأسها وسحبت العنزة، أغلقت باب البيت وراءها،. لمحت تحت شباكها أحجارا متراصة فوق بعضها، لابد أنه سعد وضعها ليصل إلي الشباك، وحين يرونها في الصباح سيقولون ويقولون، رمت الأحجار بعيدا وسارت وسط أحواض الزرع.


تصدر قريبا ضمن سلسلة 'كتابة'
عن دار 'ميريت'

 
العدد الحالي
  الأعداد السابقة
الصفحة الرئيسية
ساحة الأخبار
ضواحي الفضفضة
رسائل
شرق وغرب
البستان
ساحة الإبداع
كتب
أحداث
جسر الحنين
نقطة عبور

أعلي الصفحة إرسل الصفحة إلي صديق إطبع الصفحة إحفظ هذه الصفحة في المفضلة
   دفتر الزوار   |   دليل المواقع   |   الاشتراكات   |   الإعلانات   |   خريطة الموقع   |   البحث   |   الأعداد السابقة   |   إتصل بنا   |   مساعدة   
   الإعلانات المبوبة  |  أكاديمية أخبار اليوم  |  بلبل  |  أخبار السيارات  |  أخبار الحوادث  |  أخبار النجوم  |  أخبار الأدب  |  أخبار الرياضة  |  آخر ساعة  |  الأخبار  |  أخبار اليوم   :شبكة أخبار اليوم   
All site contents copyright © 2000-2002 Dar Akhbar El Yom.
للأستفسار أو طلب معلومات يرجي مراسلتنا علي العنوان التالي
akhbarelyom@akhbarelyom.org

Best viewed with Internet Explorer 4.0, Netscape 4.0 or above with a resolution of 800 X 600 .

Website Developed By: