|
|
| السنة - | 481 | ه - العدد | 1423 | رجب | من | 22 | - م | 2002 | سبتمبر | من | 29 | الأحد |
|
 |
| بتوقيت القاهرة |
 |
01:02:59 PM |
 |
الساعة - |
 |
28/09/01 |
 |
آخر تحديث يوم |
|
| كتب |
 |
|
|
تدعو إلي مراجعة مخلصة لتجربتهم :
اعتراضات غير شعرية علي شعراء السبعينيات!
د. عبير سلامة
 | | للفنان : مارتن كيبنرج |
|
1
'الحقائق نسبية والذي نعلم يتفرع في جسمك جزره الشبكي، ويستأنف عادة النظر الداخلي علي مقربة من القلب ... ويأخذ طابعا تجريديا' استهل الشاعر محمود نسيم بالأبيات السابقة قصيدة 'اعتراض شعري علي شخصية شعبان يوسف'، القصيدة منشورة في العدد الثالث من مجلة إضاءة 77، ومرت في شهر يوليو الماضي ذكري تأسيسها الخامسة والعشرين وصدور العدد الأول منها لتجد شعراء السبعينيات والنقاد منشغلين باعتراض غير شعري علي كتاب 'شعراء السبعينيات: السيرة، الجيل، الحركة' للشاعر شعبان يوسف، الكتاب الذي قدم له د. محمد حافظ دياب في أخبار الأدب 'عدد 25 أغسطس' القراءة الأعماق والأهم حتي الآن، رغم أن انطلاق القراءة من موقع المعترضين قاد د. حافظ إلي نتائجهم نفسها.
يضم الكتاب 'شهادات لشريحة من شعراء الجيل الذي اصطلح علي تسميته بجيل السبعينيات'، هذه الجملة شديدة الأهمية، ليس لورودها في السطر الثاني من المقدمة فحسب، لكن لأن العيون تتجاهلها بجرأة عجيبة، ثم تتعامل مع الكتاب كما لو كان عملا حصريا ونهائيا، أي لا يستطيع أحد أن يكمل نقصه أو يصلح أخطاءه، رغم أن النقص لم يبعد عن المتوقع في أي عمل تجميعي، والأخطاء تختلف من قراءة إلي أخري ما دامت الحقائق أيضا نسبية.
دار أكثر النقد الموجه للكتاب حول خلوه من شهادات شعراء آخرين، تركيزه علي شعراء جماعة إضاءة 77، نشره الشهادات بصيغتها التي قيلت بها منذ ما يقرب من عشر سنوات، مما جعل الأمر يبدو عقابا للكاتب علي التفاته إلي نصوص نوعية مهملة، وبدلا من مناقشة الموضوع في حدود قدراته، وما تيسر له من خلال نشاط طوعي، تقاطر اللوم لتحميل الكاتب نتائج تقصير غيره، مثل أن بعض الشهادات جاءت، بسبب شفاهيتها، ركيكة مفككة!
بعض الشعراء اهتم وبعضهم تعامل مع الفكرة باستخفاف فآثر أن يقول أي شيء، كما أن الشهادة الأدبية تختلف عن الاستبيان العلمي، لذلك يصعب علي الكاتب أن يكون ضابطا لاسترسال الشعراء أو موجها لاستراتيجية انتقائهم. المهم أن هذا كلامهم، وأنه وصف تصوراتهم عن كتابتهم في وقت بعينه، فلو دفع الكاتب الشهادات لأصحابها لتعديلها لما عادت كما هي، إذ إن المرء يميل عادة مع التقدم في العمر إلي فرض نتائج تغير وعيه علي الماضي بأثر رجعي.
يمكن النظر إلي نمط النقد السابق باعتباره شهادة غير مباشرة من خارج الكتاب علي أهميته، وعلي رغبة في أن يكون الكتاب بالفعل عن شعراء السبعينيات، مثلما وعد عنوانه، وهم محقون في الرغبة والحرص، لأن بضعة أسطر أخري، لو أضافها الكاتب للمقدمة المقتضبة جدا مفسرا اختياره، كانت ستغني عن كل الصخب الذي صادر حق الكتاب في قراءة مختلفة، بما أنه يقدم حصيلة مجهود مختلف.
المأخذ الأهم علي الكتاب من وجهة نظري هو استبدال الكاتب الشاعر مقالتين بشهادته، ولا أدري مبرر إخراجه نفسه من فضاء الشعراء الشهود إلي فضاء المراقبة، خصوصا إذا حجبت نديته للشعراء جانبا من صفاء رؤيته، وتورطت تصوراته النقدية في تعميمات انفعالية لا جدوي من ورائها.
2
وجد كثيرون في صدور كتاب 'شعراء السبعينيات' فرصة نادرة لمحاكمة الجيل كله، والخروج بنتائج مفرطة في التسرع والتعميم، مثل أن الخطاب الشعري السبعيني 'لم يسفر عن نصف معضد بحق لما آل إليه منطقه القولي والعملي، والتصقت معظم النصوص بشعرية الريادة احتماء وانزواء وفي بعض الأحيان اجترارا، وظل التأثر بالنماذج الريادية لبعض الشعراء السبعينيين معول هدم وتقليص 'محمود قرني، القدس العربي'.
ولا يختلف هذا القول عن تقرير أن حركة السبعينيات أفرزت مثقفين أكثر مما أفرزت شعراء، وأنه 'مع كل فاعلية السبعينيات وقوة حركتها الدافعة لا نستطيع فعليا الحديث عن إضافات محورية وتحولات شعرية حقيقية ومغايرة عما سبقها من قصائد بل هي في كثير من الأحيان امتداد مباشر لقصائد سابقة بل وأيديولوجيات سابقة أيضا 'عبلة الرويني، الحياة' والقولان ينمان عن عدم توفيق في تقدير طبيعة العلاقات الشعرية بين الشعراء، وقيمة إصرار العقل المبدع علي السبق.
الشعراء يخترعون أسلافهم، حسبما رأي بورخيس، وبقدر ما يسهم صراع الأب الشعري في تشكيل موهبة الابن، يكون في بعض الأحيان مسئولا عن تشويهها، لأن تمركز منجز الأب في الوعي باعتباره حاجزا جماليا قد يحصر نشاط الابن في قفزات تنقيح الذائقة الجمالية، أي في اختراع طرق جديدة للانحراف عن طرق سلفه، مع بقاء الحاجز كما هو علامة علي هجنة الذات الشعرية الوليدة.
لا ينكر أحد وجود ذوات شعرية هجينة بين شعراء السبعينيات، ولا يجب أن يكون هذا سبيلا للانتقاص من قدر موهبتهم، لأن إخلاصهم في التنقيح والانحراف أبدع أنماطا لا حصر لها من العلاقات الشعرية مع السلف، وهذا الإبداع نفسه هو ما أيد صمود الطامحين للفرادة في وجه مرجعيتهم الشعرية ووجه أندادهم المتناظرين، إضافة إلي أن الذات الهجينة لا تبقي هجينة دائما، اطراد الخبرة التقويمية حافز للقفز إلي أبعد مدي، وفي المدي الأبعد تحتوي الذات مرجعيتها إلي حد محوها، لتبدأ تأسيس فرادتها الخالصة.
لم يبعد د. حافظ دياب كثيرا عن موقع التعميم الذي انطلق المعترضون منه حين قرر 'ضرورة النظر إلي شعر السبعينيات بمنطق التجادل لا التلاغي، وبقيمة التواصل لا الفرادة مع صحة الإقرار بمناهضته للمعيارية الناجزة، وقدرته علي ابتعاث شروط جديدة للقصيدة'.
كيف ننظر إلي شعر السبعينيات كله 'بمنطق' التجادل والتواصل ونقر في الوقت نفسه مناهضته كله للمعيارية الناجزة وابتعاثه شروطا جديدة للقصيدة؟!
مناهضة المعيارية وبعث شروط جديدة يعنيان التلاغي والفرادة، وهما ضد التجادل والتواصل، فما الذي يقصده د. حافظ بجمعه بين النقيضين؟!
لا جزاء لخطيئة أن يكون المرء سبعينيا سوي انتزاع قوة ماهيته أو ضعفها ونسبتها إلي مدار كينونة خارجه، كالجيل والجماعة 'إضاءة أصوات' والاستقلال عن الجماعات، إن حضور فرد وأفراد لا يعتد به، لابد من الجماعة، إذ لن تضل جماعة أبدا!
هكذا حظي الغالب من شهادات الشعراء بالعناية وغاب الحاضر عن العين الراضية، بل إن الحرص علي حشد الموم والتعميم جعل د. حافظ يلتفت إلي إغفال شهادة محمد بدوي وفرج مكسيم ونصار عبدالله، الأول ليس له سوي ديوان وحيد أصدره في أفق المنظور الفكري والجمالي لجماعة أصوات.
والشاعران الآخران يثيران التساؤل مجددا عما يقصده د. حافظ بالضبط، خصوصا أنه يقر في فقرة سابقة فكرة التحقيب الجيلي علي أساس المعطي العمري والقواسم الرمزية والهموم الاجتماعية المشتركة، ثم يتخلص من إقراره بقول 'قد تبدو تسميتهم بالجيل مختزلة، وإن صحت نجاحتها 'كذا' النسبية في عدم إدراجها من لا تتوافر لديهم هذه القواسم والهموم، برغم انتمائهم لنفس الطبقة العمرية'.
تسمية الجيل 'وفق العمر والقواسم المشتركة' مختزلة، لكنها تنجح نسبيا بالطبع حين تستبعد أندادا ليست لديهم هذه القواسم، ومع ذلك يطالب د. حافظ بضمهم، فهل تستكمل التسمية بذلك شروطها؟!
بدأ د. حافظ بتأكيد أن عملية تحقيب الأدب بجميع تقسيماتها، الزمنية والأيديولوجية والفنية، تفتقر إلي التنظير والانسجام، ويمكن أن تعد موقعا لاستثمار أيديولوجي، لكنه انتهي إلي قبولها بكل أوجه قصورها، ماذكره منها وما لم يذكره، مما جعل المقالة بأكملها وليسمح لي تحاذر من التحديد والحسم، فتجمع ما لايجتمع، أو يجتمع، أو تثبت في آخرها ما بدأت بنفيه.
بات معهودا الآن في آليات النقد المصري أن يستفتح الناقد بذم مفهوم الجيل ورفضه، ثم يقبل سلوكه النقدي الاستفادة الإجرائية مما يذمه، وهي آلية عجيبة توحي بصعوبة طرح بدائل للمفاهيم التي ثبت قصورها، وأسوأ ما قادت إليه أنها رسخت وجود ما رفضته من حيث أرادت زعزعته. إن قبول مفهوم الجيل الشعري بهذا الأسلوب المتردد يعني ضمنا قبول فكرة أن الشعر مشروع جماعي، وهذا ما ينفيه منجز شعراء السبعينيات حتي في إطار الجماعات الواضحة.
الشعر مشروع فردي، كما يتضح من التأمل المقارن بين وحدات المنجز الشعري نفسه، وكما يبدو من شهادات الشعراء، لذلك يشير نقد كتاب 'شعراء السبعينيات' إلي إشكالية مهمة تتعلق بكيفية قراءة تلك الشهادات الأدبية، إفادات الأدباء عن تجاربهم الإبداعية وعلاقاتهم الثقافية المتبادلة فيما بينهم، إلي أي مدي يمكن اعتبارها وثيقة تاريخية علي حقبة ثقافية عامة؟!
3
تقع الشهادة دينيا في مقابل الغيب، وقانونيا تعني استعادة موقف كان المستعيد شاهدا له، والاستعادة إجابة لسؤال من جهة مهتمة تستعين بالشهادة لإصدار حكم في قضية أو تحقيق. وتشتبك الشهادة مع السيرة الذاتية إذا كان السؤال عن تجربة شخصية طويلة، مثلما حدث في الكتاب، فالسؤال المطورح علي الشعراء كان عن سبب تجربة الكتابة 'لماذا تكتب؟' وهي تجربة شديدة التمازج مع التجربة الكلية للذات.
لا يعول أهل التاريخ علي السير الذاتية والمذكرات وحدها في دراسة التاريخ العلم، وينحصر دورها لديهم في تفسير بعض الوثائق المعتمدة أو إكمال ما تطرحه من تصورات.
فلماذا تعامل النقاد مع شهادات الشعراء تعاملهم مع وثائق تاريخية تصف بأساليب مختلفة واقعة مفردة؟! وهل يوجد تسطيح للأمور أكثر من اعتبار السبعينيين جميعا فريق عمل مجند لإنجاز مشروع واحد؟!
الشهادة وثيقة أدبية نوعية، إنها مقطع من سيرة ذاتية مهما طال حجمها ومهما تشعبت أفكارها، ويظل الفرق بينهما أن السيرة الكاملة تروي من موقع تأمل إنجاز الذات،
أما الشهادة فتقص من موقع تقرير تفاعل الذات مع موضوع بعينه. الموضوع هنا عن العلاقة بالكتابة، لذلك يؤخذ علي الشهادات التي ضمها كتاب 'شعراء السبعينيات' عدم تركيز الشعراء علي تطور هذه العلاقة في اتجاه وجود متفرد للموهبة، وعدم الالتفات إلي أن التوجه لتمجيد الذات يسلبها تفردها، فقائمة الأمجاد محدودة ولا مفر من أن تكون لدي الجميع واحدة. أما أهمية الشهادات فتبدو من كشفها عن طبيعة المعرفة التي راكمتها الذات الشعرية، وتجليات شخصية الشاعر العارف من خلال جملة ردود أفعاله علي فعل الجماعة الأدبية والمجتمع.
التشكيل الأدبي في الشهادة وثيق الصلة بالتكوين الفكري/ النفسي، التكوين الذي ينتج معرفة الذات الشعرية بذاتها ومرجعيتها والنظير، ولا بديل لدراسة هذا التشكيل إذا أردنا فهم العلاقات الشعرية بين الشعراء، باعتبار منجزاتهم مشروعات فردية معقدة التصميم والبناء، مع ملاحظة أن مشروعات السبعينيين متباينة إلي أقصي حد، فبعضها تم تعديله، وبعضها تغير كلية، بعضها مازال قيد التنفيذ، وبعضها لم يبدأ بعد.
لعلي لم أغادر حرصي علي ألا أبدي أية ملاحظات تقييمية علي إنجاز شعراء بعينهم، لأن الإشارات العابرة في تقديري خادعة، توهم بكفاية الاطلاع وهي مقصورة، والشعر المصري منذ منتصف السبعينيات نال أكثر حظه من سوء الفهم، فهل يكون مرور خمسة وعشرين عاما علي تأسيس جماعة إضاءة 77، وصدور كتاب 'شعراء السبعينيات' فرصة مناسبة لمراجعة مخلصة وتقدير غير مضل؟!
أرجو ذلك، وأختم بحث الكاتب/ الشاعر شعبان يوسف علي سرعة إعداد ما لديه من تسجيلات شهادات أخري ومخطوطات للنشر، لأن وجود هذا الكم من نصوص الشهادات دافع قوي لدراسة خصائصها النوعية وشعريتها المستقلة، ثم الاسترشاد بها لدراسة أنماط العلاقات الشعرية، وبالتالي تقييم المشروعات نفسها.
|
|
|
|