دليل المواقع الاشتراكات الإعلانات دفتر الزوار United States Mirror Server United Kingdom Mirror Server Egypt Mirror Server
السنة -481ه - العدد1423رجبمن22- م2002سبتمبر من29 الأحد
بتوقيت القاهرة 12:49:24 PM الساعة - 28/09/01 آخر تحديث يوم
      أحداث
اللغة .. والفساد.. والدراهم الخمسة!
د. حازم أحمد حسني
في الرسالة السادسة والأربعين من رسائل إخوان الصفا، نجد فصلا عن أحكام الناموس، التي هي 'البلوغ إلي الحق وحكم الصواب، وعمل الخير، وتجنب الزور والبهتان': وقد سعي كاتب تلك الرسالة في رسالته إلي تأصيل فكرة أن ألفاظ اللغة حمالة أوجه، وأنها قد تكون طريقا يصل بالإنسان إلي الحق كما قد تكون مطية يركبها المرء لإمالة موازين العدالة، والتمكين للفساد بين الناس في الأرض: فالحق عند كاتب الرسالة هو
'غاية ليس وراءها نهاية' لكنها غاية تقف دونها أمور متشابهات غير محكمات، وألفاظ محتملة للمعاني، وأوهام تذهب كل مذهب في طلب المعني، مما قد يسقط بالإنسان والمجتمع في أوحال الفساد: ومن ثم ينبغي علي المرء إذا هو سمع 'لفظة محتملة للمعاني' ألا يحكم عليها حكما دون أن يتبين بعقله كل المعاني التي تحتملها هذه اللفظة، لعله يفهم إن هو تبينها 'الغرض الأقصي الذدي هو الصواب'، ويبلغ 'الغاية القصوي التي هي الحق' فغرض النواميس بعيد الغور، لايتصوره المرء إن هو أخذه بما فهمه من ظاهر اللفظ أو بما تركه ظاهر اللفظ في نفسه غيرالسوية من معان فاسدة.
إخوان الصفا، وهم يؤصلون لضرورة 'النظر الشافي والبحث الشديد' في علاقة اللفظ بالمعني، وفي علاقة المعني بواقع الحال، وفي علاقة واقع الحال بالبرزخ القائم بين استقامة الناموس وبين فساد الحياة بين الناس علي الأرض، لم يتركونا أمام مباديء نظرية لاتقف علي أرض الواقع الذي يراه كل الناس في حياتهم وإنما دعموا فكرتهم هذه باستدعاء قصة النزاع الذي نشأ بين صاحبي الأرغفة الخمسة، إذ ذكر في المثال عند الأقدمين أنه كان رجلان اصطحبا أحدهما الآخر في طريق سفر، وكان مع أحد الرجلين رغيفان، ومع الآخر ثلاثة أرغفة حتي إذا وصل الرجلان إلي شاطيء نهر جلسا يتناولان غداءهما، ولما كانا رفيقي طريق فقد أخذا يتقاسمان زادهما بأن كسرا الأرغفة الخمسة في موضع واحد بأكلها معا بدلا من أن يأكل كل منهما بعيدا عن صاحب: وإذ هما يهمان بتناول الطعام مر بهما عابر سبيل فدعواه أن يشاركهما الطعام، فكان أن أجاب الدعوة، وجلس معهما ليأكل من الطعام ما أكل كل واحد منهما، فلما فرغ الجميع من الطعام قام عابر السبيل ليمضي في طريقه ولكن بعد أن كافأهما بخمسة دراهم قائلا لهما أن يقتسماها بينهم 'بالسوية'، ثم مضي عنهما تاركا إياهما يتقاسمان فيما بينهما الدراهم الخمسة.
قبل أن تظهر الدراهم الخمسة كان رفيقا الطريق علي استعداد لتقاسم لقمة العيش، ولكن ما أن ظهرت رائحة المال حتي دب الخلاف بينهما! صاحب الرغيفين رأي أن له النصف ولصاحبه النصف لأن صاحب الدراهم قد قال لهما أن يقتسماها 'بالسوية' أما صاحب الأرغفة الثلاثة فقد رأي أن العدل يقضي بأن يكون له هو ثلاثة دراهم، وأن لايكون لصاحب الرغيفين إلا درهمان، لأن صاحب الدراهم حين قال 'بالسوية' فإنما كان يعني 'السوية بحسب الأرغفة' وهكذا تنازعت المعاني، وتخاصمت المصالح، فتنازع الرجلان وتخاصما، ولم يعد أمامهما إلا أن يتحاكما إلي قاض من العارفين بالنواميس الإلهية فحكم هذا بأن يكون لصاحب الرغيفين درهم واحد، ولصاحب الثلاثة أربعة دراهم
'وكان هذا الحكم هو الحق وغاية الصواب' كما يقول لنا إخوان الصفا في رسالتهم!
كيف استقام هذا الحكم مع النواميس الإلهية حتي صار هو 'الحق وغاية الصواب'؟هذا ما لايفصله إخوان الصفا في رسالتهم، وإنما أكتفوا بتوجيه نظر قاريء الرسالة إلي التفكر في هذا الحكم بقولهم' فتفكر ياأخي فيه، فإن فهمت معناه وتوجه لك الصواب، فأنت فقيه بأحكام الناموس: وإن ذهب عليك فيه وجه الصواب وغاية الحقيقة، فأذهب إلي حاكم الناموس ليعرفك وجه الصواب وحقيقة المعني' دعونا نعمل إذن بالنصيحة. فنتفكر في كيف صدر الحكم لصاحب الرغيفين بدرهم واحد، ولصحاب الثلاثة بأربعة دراهم، وفي كيف كان هذا الحكم هو ' الحق وغاية الصواب'!
كانت الوليمة من خمسة أرغفة تقاسمتها ثلاثة أفواه، فكان نصيب الواحد من أصحاب الأفواه الثلاثة رغيفا وثلثي رغيف: وهكذا لم يساهم صاحب الرغيفين إلا بثلث رغيف مما ذهب لجوف عابر السبيل بينما ساهم صاحب الأرغفة الثلاثة برغيف كامل وثلثق رغيف: فكأن صاحب الرغيفين لم يولم عابر السبيل إلا بربع ماأولمه إياه صاحب الثلاثة أرغفة، فلايحق لصاحب الرغيفين من الدراهم الخمسة ­ والحال هذه ­ إلا ربع مايستحق صاحبه!
طمع صاحب الرغيفين إذن فوق الدرهمين في نصف درهم لايستحقه، لكنه اكتشف أنه لم يكن يستحق في الحقيقة إلا درهما واحدا ودافع الأرغفة الثلاثة عن حقه في النصف درهم. فاكتشف أنه لم يدافع في الحقيقة إلا عن ثلث ما اغتصب من حقه!
بقصة هذا النزاع الذي قام بين الصاحبين حول اقتسام الدراهم الخمسة
'بالسوية' خلص إخوان الصفا في رسالتهم إلي 'أن كثيرا من العقلاء الذين يتعاطون الفلسفة والنظر في المعقولات، إذا فكروا بعقولهم في أحكام الناموس، وقاسوها بآرائهم وتمييزهم وفهمهم، يؤدي بهم اجتهادهم وقياساتهم إلي أن يروا ويعتقدوا في كثير من أحكام الناموس أن العدل والحق والصواب خلافه: كل ذلك لقصور فهمهم، وقلة تمييزهم، وعجز معرفتهم عن كنه أسرار أحكام الناموس' فإذا كان هذا هو حال 'كثير من العملاء'، فما تراها تكون حال 'السفهاء' الذين آتيناهم أموالنا، فتصوروا أن لهم فيها حقوقا تجاوز نصف درهم نشهد الله أنهم لم يبخلوا به علينا، وإنما هم يطعموننا منه 'بالسوية'، ويوفرون لنا منه مانحتاجه من مسكن وملبس، ومن بناء 'الكباري' ومد 'المجاري' أما ماتبقي من النصف درهم بعد تغطية كل هذه النفقات فهو مخزون الأمة، وهو ملاذ الأجيال القادمة إذا ما واجهت هذه الأجيال يوما ماهو قادم حتما من مياه الطوفان!!
لم يطمع سفهاء الأمة إذن في النصف درهم الذي تركوه لنا 'بالسوية' من باب الشفقة بأحوالنا، وإنما التفوا تواضعا بالتهام الأرغفة الخمسة، وباغتصاب ماتبقي من الدراهم والدنانير، وبرهن لحم الجالسين في انتظار الطعام علي موائد الرحمن المسماة تأدبا بهياكل الأجور والمرتبات!! أما الحمقي الذين من أجلهم رفعت هذه 'الهياكل' فمازالوا يواظبون علي الصلاة فيها، عسي أن تغفر لهم أرباب الهياكل ذنوبهم، وتبقي عليهم النصف درهم الذي جعل منه الجميع قضية القضايا، والحق المقدس الذي يستميت الكل للذود عنه! وكأن الأرغفة الخمسة التي التهمتها بطون لاتشبع، وكأن الدنانير والدراهم التي ابتلعتها ذمم لاحدود لاتساعها، وكأن لحوم المصلين التي رهنت من أجل ترميم 'الهياكل'، كلها ليست حقوقا يستميت المرء من أجل استعادتها!!
كمثل صاحب الأرغفة الثلاثة الذي دافع عن ثلث ما اغتصب منه، وهو يظن نفسه مدافعا عن كل حقه، هكذا يدافع أصحاب 'الهيكل' عما ظنوه مقدساتهم، وكأنه كل مالهم من مقدسات يتهددها الاغتصاب!
كلمات الصلاة في الهيكل ­ ككلمة 'السوية' في قصة صاحبي الدراهم الخمسة ­ كلها صارت كلمات متشابهات غير محكمات، وألفاظهاباتت تحتما من المعاني كل ما تحتمل أهواء البشر، وتجسد من الأوهام مايذهب بالعقول كل مذهب وتستدعي من المعاني كل ما يأمله المرء وهو يسعي في طلب المعني! وقد يكون هذا تحديدا هو نوع الصلاة الذي يرضي أرباب الهيكل، فمثل هذه الأرباب الزائفة لاتريد للمعني أن يستقيم، ولا هي تريد للفساد أن يرتفع، وإلا لانكشف زيف ألوهيتها أمام العباد، فيكفرون بها، ولكف أصحاب النصف درهم عن الصلاة في محرابها!
'الاقتصاد الحر'، تعبير 'صيفي' جميل يربط الاقتصاد بالحرية، لكن هذا التعبير 'الصيفي' النبيل تحول علي أرض الواقع المر إلي تعبير 'شتوي' عن تصلب شرايين الدولة، وعن ارتخاء 'خريفي' لقبضة الشجرة علي أوراقها! 'جذب الاستثمارات الأجنبية'، تعبير 'جذاب' في ذاته، لكنه صار يعني علي أرض الواقع رهن مقدرات الأمة وإهدار طاقاتها الكامنة!
'تيسير تملك غير المصريين للعقارات'، تعبير متسامح لايجعل للمصري علي غير المصري من فضل إلا بالتقوي، لكنه صار لايعبر علي أرض الواقع إلا عن استعباد أرباب الهيكل لجموع المصلين فيه، وإلا عن انسحاب كل بساط الأرض من تحت أرجل المصريين، الذين لم يعد لهم من فضل علي أرضهم إلا بقدر مايمتلكون من المال، حتي وإن باعوا من أجل هذا المال نصيب الأجيال القادمة في أرض بلادهم، التي كانت في يوم من الأيام وطن أجدادهم!
وهكذا تواتر مسلسل إفساد اللغة، فصارت 'الحكمة' مرادف 'التخاذل' و' السلام' مرادف 'الاستسلام'، و 'الانفتاح علي العالم' مرادف ' تدمير القيمة والوطن والأمة'!! فكل الألفاظ أفقدتها قوي الإفساد معانيها، وصار لايزعجنا امتلاك اليهود ­ بالأصالة أو بالوكالة ­ شبرا وراء شبر من أرض هذا الوطن! فمكن يشتري بضعة من هذا الوطن ­ كما يقول لنا
'الحكماء' ­ لن يحملوا الأرض فوق أكتافهم كما حمل أنبياء 'الإصلاح الاقتصادي' ملايين ومليارات المصارف المصرية هاربين بها من حقد الحاقدين والفاشلين! ولكن، هل حمل اليهود أرض فلسطين التي نجحوا في شراء أشبار منها فوق أكتافهم ورحلوا؟ أم هم رحٌّلوا من فلسطين ( بتشديد الحاء وفتحها) أهل كل الأرض التي اشتروها وتلك التي لم ينجحوا أبدا في شرائها؟! لكنها ليست الأرض هذه المرة مايريده اليهود
وإنما هي الجغرافيا والتاريخ جميعا: فهنيئا لأهل هيكل الأجور والمرتبات نصف درهمهم، وهنيئا لأهل هيكل يهوذا أذنابهم:ولاعزاء لمن لم يفسد بعد منا، وماتراه يكون أصلا معني 'العزاء'؟! فكلنا بعد أن ساد الفساد فينا سواء، وكل المعاني وقد فسدت اللغة في مسامعنا خواء!!
 
العدد الحالي
  الأعداد السابقة
الصفحة الرئيسية
ساحة الأخبار
ضواحي الفضفضة
رسائل
شرق وغرب
البستان
ساحة الإبداع
كتب
أحداث
جسر الحنين
نقطة عبور

أعلي الصفحة إرسل الصفحة إلي صديق إطبع الصفحة إحفظ هذه الصفحة في المفضلة
   دفتر الزوار   |   دليل المواقع   |   الاشتراكات   |   الإعلانات   |   خريطة الموقع   |   البحث   |   الأعداد السابقة   |   إتصل بنا   |   مساعدة   
   الإعلانات المبوبة  |  أكاديمية أخبار اليوم  |  بلبل  |  أخبار السيارات  |  أخبار الحوادث  |  أخبار النجوم  |  أخبار الأدب  |  أخبار الرياضة  |  آخر ساعة  |  الأخبار  |  أخبار اليوم   :شبكة أخبار اليوم   
All site contents copyright © 2000-2002 Dar Akhbar El Yom.
للأستفسار أو طلب معلومات يرجي مراسلتنا علي العنوان التالي
akhbarelyom@akhbarelyom.org

Best viewed with Internet Explorer 4.0, Netscape 4.0 or above with a resolution of 800 X 600 .

Website Developed By: