|
|
| السنة - | 504 | ه - العدد | 1424 | محرم | من | 6 | - م | 2003 | مارس | من | 9 | الأحد |
|
 |
| بتوقيت القاهرة |
 |
11:39:29 AM |
 |
الساعة - |
 |
08/03/03 |
 |
آخر تحديث يوم |
|
| ضواحي الفضفضة |
 |
|
|
الشعر ضد القهر :
الكعكة الحجرية.. التاريخ علي حافة قصيدة
د. أحمد القصير
 | | من هنا أنطلقت القصيدة |
|
أتناول في هذه الذكريات التي ظهرت في ظلها قصيدة 'الكعكة الحجرية' للشاعر أمل دنقل صاحب الرؤية العميقة والمتفردة في التاريخ والذي حمل وجها فرعونيا يذكرنا بإخناتون. كما أنه صاحب قصيدة
'لاتصالح' ويقف أمل دنقل في شموخ بين شعراء مصر العظام في عصرنا الراهن وقد هبط إلي القاهرة من الصعيد في ستينات القرن العشرين وهي نفس الفترة التي هبط فيها عبد الرحمن الأبنودي ويحيي الطاهر عبد الله وينتمي الثلاثة إلي منطقة واحدة في الصعيد.
ومن يقرأ قصيدة الكعكة الحجرية يبرز في ذهنه دور الأدب المصري المعاصر في تشكيل الوجدان والضمير الوطني. وتطرح ظروف كتابة هذه القصيدة في بداية عام 1972 قضية صلة الأديب بالحياة وتطوراتها كما أذكر أن هذه القصيدة انتشرت في البداية عن طريق تداولها مكتوبة بخط اليد دون إعلان عن صاحبها ولم يعرف الكثيرون أنها من إبداع أمل دنقل إلا بعد نشرها فيما بعد في ديوان 'العهد الآتي'.
غير أن الجميع نظر إليها عند ظهورها بوصفها تعبيرا عن المناخ العام الذي ساد في مصر في أوائل سبعينات القرن العشرين وهو5 المناخ الذي ساعدت الحركة الطلابية اليسارية في خلقه كما كانت القصيدة في واقع الأم جزءا مكملا لذلك المناخ وأحد حلقاته وهو مناخ سيطر فيه التوجه إلي ضرورة شن الحرب ضد إسرائيل واستعادة الأراضي المحتلة.
وأتاحت الظروف أن أتواجد في موقع الحدث الذي استمد منه أمل دنقل موضوع قصيدته وعنوانها وقد تواجد أمل دنقل في موقع الحدث وكان ذلك في أحد ليالي شتاء 1972 حيث تجمعنا مع الطلاب المعتصمين حول قاعدة تمثال ضخمة كانت موجودة آنذاك بميدان التحرير بالقاهرة وهو الاعتصام الذي شكل حلقة أساسية في تطورات الحركة الطلابية التي كانت تدعو إلي ضرورة شن الحرب ضد إسرائيل كما احتجت تلك الحركة علي السادات لأنه كان قد أعلن أن عام 1971 سوف يكون عام الحسم مع إسرائيل دون أن يحدث شيء من هذا القبيل وكانت تلك الحركة الطلابية في واقع الأمر تعبيرا عن المناخ الذي أدي فيما بعد إلي شن حرب أكتوبر 1973 وواكب عملية قمع الطلاب قيام سلطات الأمن حسب عادتها باتهام المعتصمين بأنهم يثيرون الشغب بينما قال أمل دنقل أنهم يغنون لأعياد مصر الجديدة.
كان مذياع مقهي يذيع أحاديثه البالية
عن دعاة الشغب
وهم يستديرون:
يشتعلون علي الكعكة الحجرية حول النصب
شمعدان غضب
يتوهج في الليل
والصوت يكتسح العتمة الباقية
يتغني لأعياد مصر الجديدة!
وتحدثت القصيدة عن توقعات خاطئة لبعض المارة بأن البرد سيجعل الطلاب ينصرفون ويفضون اعتصامهم:
دقت الساعة القاسية
'انظروا..' هتفت غانية
تتلوي بسيارة الرقم الجمركي
وتمتمت الثانية
سوف ينصرفون إذا البرد حل.. وران التعب
لكن توقعات الغواني لم تتحقق. واستمر المعتصمون إلي مابعد الفجر حيث هاجمتهم قوات الأمن واعتقلت أعدادا من الطلبة والطالبات.
جاء اعتصام الطلاب بميدان التحرير في أعقاب قرار السادات بفض اعتصامهم بجامعة القاهرة بالقوة واعتقال زعماء تلك الحركة وكان الاعتصام بالجامعة قد استمر لفترة وأخذ يحدث تأثيرات خارجها وقد قطع قرار السادات بفض اعتصام الجامعة بالقوة الطريق علي المفاوضات التي كان يجربها عزيز صدقي رئيس الوزراء آنذاك مع الحركة الطلابية عن طريق بعض التنظيمات اليسارية.
غير أن اقتحام قوات الأمن المركزي جامعة القاهرة وفض الاعتصام بالقوة لم يضع حدا للحركة الطلابية فقد تصاعدت تلك الحركة وقرر الطلاب وقيادتهم البديلة الاعتصام في ميدان التحريروأحاط بالطلاب المعتصمين بالميدان طوال الليل ممثلو التنظيمات الشيوعية السرية وعدد كبير من المثقفين كما اتخذ قادة الطلاب من مقهي إيزافيتش مايشبه المقر لإدارة حركتهم وكانوا يجرون هناك جانبا من مشاوراتهم كما جرت بالمقهي أيضا مشاروات بين قيادات الطلبة وممثلي التنطيمات الشيوعية التي كان يتمتع نشاطها آنذاك بتأثير كبير وسط طلاب الجامعات وقد ارتبط مقهي
إيزافيتش من قبل بتاريخ سياسي وثقافي مؤثر في الحياة القاهرية علي امتداد سنوات عديدة لكن هذا المقهي التاريخي أغلق مع سياسة الأنفتاح التي أدت إلي تنافس شديد في مقاهي القاهرة التاريخية وتقلصت بالتالي أدوارها في الحياة الثقافية.
كان احتلال الطلاب لميدان التحرير واتخاذهم من قاعدة التمثال الضخمة التي كانت في وسطه قاعدة لهم ذروة التطورات التي بلغتها الحركة الطلابية وربما كان احتلال الطلاب لتلك القاعدة أهم حدث شهده ذلك المكان فقد ظلت قاعدة التمثال أو'الكعكة الحجرية' حائرة سنوات طويلة انتظارا لأن يعلوها تمثال لأحد أفراد أسرة محمد علي أو تمثال لجمال عبد الناصر وفي النهاية احتلتها الحركة الطلابية فترة وجيزة رددوا في فجرها هتافا يقول 'اصحي يامصر' وتم بعد ذلك إزالة تلك القاعدة التاريخية من الوجود دون مبالاة بقيمتها الفنية أو التاريخية ويمكننا في هذا السياق أن نفهم دلالة اختيار أمل دنقل اسم 'الكعكة الحجرية' عنوانا لقصيدته التي جاء فيها:
دقت الساعة القاسية
وقفوا في ميادينها الجهمة الخاوية
واستداروا علي درجات النصب
شجرا من لهب
تعصف الريح بين وريقاته الغضة الدانية
فينن: 'بلادي بلادي'
تناولت القصيدة لحظات في حياة الحركة الطلابية بل وحياة مصر في بداية سبعينات القرن العشرين وهي الحركة التي كانت لها أصداء وتأثيرات واسعة النطاق وقد أزعجت السادات إلي درجة كبيرة وجعلته يتخذ قرارات ومواقف كان لها تأثيرات درامية فيما بعد ولم يصر السادات علي قمع تلك الحركة والزج بقادتها في السجون فحسب بل وصل به الأمر أيضا إلي حد تشجيع وجود جماعات إسلامية في الجامعات بل وتسليحها بالسكاكين والجنازير بغرض مواجهة الحركة الطلابية التي كان يسيطر عليها اليساريون عامة والشيوعيون بوجه خاص وكانت تلك الجماعات الإسلامية التي شجعها السادات وأطلق يدها هي التي قامت بعد سنوات باغتياله.
'اصحي يامصر'
في فجر تلك الليلة الشديدة البرودة هاجم الجنود الطلاب المتجمعين حول قاعدة التمثال الضخمة من كافة الجهات وأخذ الطلاب يندفعون في الشوارع المتفرعة من الميدان وهم يهتفون 'اصحي يامصر' وهو هتاف يحمل أكثر من معني وأكثر من دلالة وقدم أمل دنقل في قصيدته تلك اللحظات التاريخية في صور فنية وإبيات كلما قرأتها استعدت الحدث بكل معانيه وتأثيراته اللاحقة:
دقت الساعة الخامسة
ظهر الجند دائرة من دروع وخوذات حرب
هاهم الآن يقتربون رويدا.. رويدا
يجيئون من كل صوب
والمغنون.. في الكعكة الحجرية ينقبضون
وينفرجون
كنبصة قلب!
يشعلون الحناجر
يستدفنون من البرد والظلمة القارسة
يرفعون الأناشيد في أوجه الحرس المقترب
يشبكون أياديهم الغضة البائسة
لتصير سياجا يصد الرصاص!
الرصاص.. الرصاص..
وآه..
يغنون: 'نحن فداؤك يامصر'
لم يكن أمل دنقل مجرد مراقب سجل الدحث بل ساهم في استكماله وتخليده وأصبحت قصيدة الكعكة الحجرية جزءا لاينفصل عن ذلك التاريخ الذي توج بشن حرب أكتوير 1973 وهو مايشكل دليلا ملموسا علي دور الأدب في تشكيل الوجدان والضمير الوطني.
اليمن
|
|
|
|