دليل المواقع الاشتراكات الإعلانات دفتر الزوار United States Mirror Server United Kingdom Mirror Server Egypt Mirror Server
السنة -520ه - العدد1424ربيع الآخرمن29- م2003يونيو من29 الأحد
بتوقيت القاهرة 11:10:36 AM الساعة - 28-Jun-01 آخر تحديث يوم
      ضواحي الفضفضة
حول الإبداع وفلسفة التعليم
د. شريف حتاتة
في ذلك اليوم هبطت في الصباح الباكر من شقتنا في 'سبرتج ستريت' (أي شارع الربيع) بمدينة 'بورتلاند' طبقات الثلج تمتد فوق الأرض مثل القطن الأبيض. والسقيع يخترق الملابس الصوفية السميكة التي لففتها حول جسمي سرت في الشوارع مستعينا بخريطة للمدينة أرسلتها الي ادارة الجامعة مع أوراق أخري الشوارع تكاد تكون خالية من الناس، والسيارات في هذا الوقت المبكر فيما عدا أطفال المدارس ألمح وجوههم الصغيرة الموردة تطل من أغطية الرأس الصوفية الملونة. عند تقاطع الشوارع يقف رجال يحملون في أيديهم لوحات لايقاف السيارات كلما اجتاز طفل او مجموعة من الاطفال أحد الشوارع.
اجتزت غابة صغيرة. الأشجار ترفع غصانها السوداء العارية الي السماء. وطيور النورس تدور حولها صارخة فمدينة 'بورتلاند' تقع علي شاطيء المحيط الاطلسي في أقصي شمال الولايات المتحدة. جئت اليها لأقوم بالتدريس في جامعة 'ساثرن ماين'. ورغم الثلوج والبرد القارس قررت أن أذهب الي مكتبي سيرا علي قدمي حفاظا علي عادة التريض التي لم أتوقف عن ممارستها طوال السنوات.
وصلت الي مبني 'لوثر بوني ' حيث يوجد مكتبي بعد خمسة وأربعين دقيقة. دفعت الباب الخارجي لأجد نفسي في صالة ضخمة مزدحمة بالطلبة، والطالبات يثرثرون في مجموعات، أو يجلسون علي موائد تصطف علي جانب ليقرأوا في كتاب أو يتناولوا قدحا من القهوة، وفطيرة للإفطار.
خرجت من المصعد عند الطابق الثالث لأجد باب مكتبي المرقم 325 أمامي. دخلت ملقيا نظرة سريعة حول الحجرة الفسيحة المريحة باتساعها وأثاثها البسيط، خلعت السترة، والملابس الصوفية بسرعة، وجمعت بعض الأوراق قبل أن أهبط إلي الفصل رقم .208
حول المنضدة المربعة الممتدة قرب الجدران كانوا يجلسون، خمسة عشرة من الطلبة، والطالبات. اخترت مقعدا خاليا الي جوار السبورة، أسفل شاشة العرض السينمائي المعلقة قرب السقف، جلست ثم درت بنظراتي علي الوجوه، تطلعت الي عيونها تفحصني في صمت، قلت: 'صباح الخير' أريد أن نبدأ بالتعرف علي بعض. فأرجو من كل منكم أن يذكر أسمه، وسنه، ومجال الدراسة الذي أختاره لنفسه، والأسباب التي من اجلها قرر أن يلتحق بالمنهج الذي سأقوم بتدريسه تحت إسم 'كسر الحواجز'
هكذا بدأت قصة الأولي التي أجاب فيها كل من الطلبة، والطالبات علي الاسئلة التي طرحتها عليهم، اكتفيت فيها بالاستماع إليهم، والتدخل بالتشجيع كلما لاحظت عند بعضهم قدرا من الخجل دفعهم إلي الصمت. وهكذا بدأت مرحلة جديدة من الاستكشاف في التجربة التي خضتها في جامعة 'ديوك' الأمريكية منذ سنوات ست.
التعليم في حاجة إلي فلسفة جديدة
من 'علمني حرفا صرت له عبدا هذه مقولة كانت شائعة أيام أن كنت تلميذا في المدرسة، ثم طالبا في الجامعة أي منذ أكثر من ستين سنة، ربما لم يعد أحد يرددها الآن. مع ذلك مازالت الفلسفة العبودية هي السائدة في 'جميع نظم البلاد.' فهي في رأيي لاتصنع رجالا، ونساء احرارا، وإنما عقليات لاتملك القدرة علي التفكير المستقل، والابداع ولاتهبهم تلك الثقة في النفس التي تجعل الانسان يؤمن بأنه يستطيع ان يكون، بل هو بالفعل، منبع للمعرفة بحكم تجاربه. أنها تغرس الاعتقاد بأن المعرفة تأتي إلينا من غيرنا، ولانستطيع أن نضيف إليها، أو نطورها، أو نبين الخطأ الذي قد تحمله. إن علينا أن نقبلها ونستوعبها كما هي لنصبح من عداد المتعلمين، أو المثقفين.
فالمجتمع منقسم إلي أقلية حاكمة تملك المال، والسلطة، والسلاح، وإلي أغلبية مطلوب منها الخضوع والطاعة، حتي تستمر هذه الاقلية متربعة علي قمة الهرم وحتي يظل النظام الذي هو في صالحها قائما دون تغيير فإن هذه الأقلية الحاكمة في حاجة إلي تشكيل عقول الناس، وعلي الأخص عقول الشباب من الجنسين بحيث يقبلون الأوضاع كما هي، أو علي الأقل بحيث تنقصهم المعرفة التي لاغني عنها لكي يتمكنوا من تغييرها، وليحققوا حلم الانسان الأيدي في أن يعيش حياة تسودها الحرية، والعدالة.
ففي ظل الأوضاع السائدة في العالم، وفي بلادنا مطلوب منهم أن يظلوا خاضعين للظلم، والقهر، وعدم المساواة، ولمختلف أنواع التفرقة المبنية علي الطبقة، او الجنس، أو الدين، أو العرق.
عندما عملت لمدة ثماني سنوات في منظمة العمل الدولية، ثم كأستاذ زائر في بعض الجامعات، سمحت لي الظروف بأن اطلع علي نظم التعليم في عدد من البلاد في الوقت نفسه بدأت أستعيد تجربتي كتلميذ في المدرسة، وكطالب في الجامعة. فأدركت أن جميع هذه النظم في جوهرها لاتتجه الي تكوين إنسان له عقل مبدع، وناقد، ومستقل. هذا في ظل مجتمعاتنا أمر طبيعي. فالتعليم اذا قام علي فلسفة تؤدي الي تكوين عقول واثقة في قدراتها، تمارس تفكيرا مستقلا، عقول قادرة علي صنع المعرفة، علي النقد وعلي الابداع، فإن سيطرة الأقلية المدججة بالمال والسلاح، والمسيطرة علي التعليم، ووسائل إعلامنا مآلها حتي وأن طال الزمن قليلا هو الزوال.
هذا هو حالنا منذ المجتمع العبودي منذ ان أنقسم المجتمع الي طبقات، الي اقلية تملك، وأغلبية لاتملك وتفني عمرها بحثا عن لقمة العيش. منذ الحضارات الأولي التي نشأت في مصر، واليونان، والهند، والصين، والمكسيك، والعراق. منذ أن سادت الفلسفة العبودية في المجتمعات لذلك كان القطاف من شجرة المعرفة إثما أدي الي طرد آدم وحواء من جنة الإله ليثبت بذلك أن الأساطير القديمة تشير الي حقائق يجب ان ندرك عمق معناها.
وفي عصرنا 'الحديث' أو 'ما بعد الحديث' تمارس الطبقات الحاكمة سيطرتها علي العقول عن طريق التربية في الأسرة، والتعليم، والاعلام والمؤسسات الدينية.
ليس قصدي من هذا الكلام أن هناك مؤامرة مدبرة بواسطة الأقليات التي تحكم في العالم وفي كل البلاد. لكن معناه أن أي نظام لابد أن تكون له فلسفته وآلياته التي تبقي عليه وتضمن استمراره فالمجتمعات، والمؤسسات جميعا بطبيعتها تسعي الي الحفاظ علي نفسها. هذه هي طيبعة الاشياء طبيعة النظام الطبقي الابوي الذي يسود في عالمنا. لابد ان يفرز فلسفة عبودية في كافة المجالات بما فيها التعليم، وهي فلسفة لايمكن ان تؤدي الي صنع مبدعين أحرار، الأحرار المبدعون دائما أقلية خارجة عن القاعدة، ثائرة، ومتمردة، تكسر أطر التعليم الرسمي الذي تلقته في الأسرة، أو المدرسة، أو الجامعة، أو في بيوت العبادة التي يشرف عليها رجال نصبوا أنفسهم مفسرين لكلام الله.
التعليم حتي اليوم وعلي الأخص في البلاد الرأسمالية المتقدمة صناعية تهتم بصنع المهارات، بالتخصصات، بالعلوم بالمعارف التي يحتاج اليها المجتمع. لأن في غيبة هذه المهارات سيعجز عن الاستمرار سيعجز عن تحقيق التطور الذي تريده الاقلية صاحبة السلطة والمال ولكن التعليم لايسعي ابدا الي صنع عقول قادرة علي تغيير الأسس الظالمة، التي مازالت تقوم عليه كل المجتمعات.
كسر الحواجز
عندما دعيت للتدريس في جامعة 'سوثرن ماين' قادني هذا التفكير الي خوض تجربة مختلفة في منهج وأسلوب التعليم لاأدعي أنها الأولي من نوعها، فلاشك أن هناك محاولات تسير في ذات الاتجاه، وأيا كانت مميزات وعيوب هذه التجربة فقد كانت نتاج حوار طويل، دار بيني وبين نوال السعداوي طوال السنوات، ونتاج القراءات وتجارب الحياة.
هذا المنهج سميته 'كسر الحواجز' ونظام التعليم الجامعي في الولايات المتحدة الامريكية يتمتع بميزات. منها الحرية التي تعطي للأستاذ الزائر في تصميم المنهج الذي يريد تدريسه دون أي تدخل من رئيس القسم او غيره من المسئولين القائمين علي التعليم الجامعي فهم يعتقدون أن تعرض الطلبة نخبة من المتعلمين أقدر علي تسيير شئون المجتمع في كافة المجالات وربما ايضا لأن سيطرة الرأسمالية النيوليبرالية في الولايات المتحدة مازالت قوية، فهي حتي الان لاتخشي من أثر الأفكار المختلفة بل علي العكس تبحث عن وسائل لاستيعاب التجارب الجديدة والاستفادة منها.
ورشة فكر جماعي
كانت لي حصتان في الاسبوع كل منهما تمتد لمدة ساعة. كنت أجلس بين الطلبة والطالبات كواحد منهم، أحيانا أقوم، أو يقوم أحدهم الكتابة علي السبورة، وأحيانا يعرض فيلم فيديو يدور بعده نقاش. لكن من لحظة دخولي الي الفصل الي لحظة خروجي منه كان يدور حوار نشارك فيه جميعا دون استثناء في بعض الحصص كنت أترك الحوار ليدور بينهم وأظل صامتا مشغولا بتسجيل بعض النقاط التي أري اهمية لاثارتها فيما بعد . ولكن في كل الاوقات ماعدا في مناسبات نادرة ظل دوري هو المشاركة وليس التدريس. قد أسال ليفكروا فيها او أعرض فكرة تساعد علي تطوير النقاش. لكني كنت أحرص دائما علي ان أتكلم باختصار وان يدفعهم كلامي الي التساؤل، او قدر اكبر الي من التعمق في القضية المثارة. ظل التساؤل دائما هو سيد الموقف.. ابتعد عن إملاء المعلومات أو فرض آرائي كأستاذ.
كنت أسعي الي ان تكون النتائج التي نصل اليهم نابعة من تفكيرهم وحوارهم المشترك.
ادفعهم الي التساؤل حول شيء دون ان يتملكهم الحرج او الخوف مهما كانت حساسية الموضوع. الي تحطيم التحيزات والافكار المسبقة وفحص كل المعلومات والاراء بعقل ناقد. دوري كان مساعدتهم علي تأصيل المعارف وعلي تتبع جذورها، وأسبابها وتاريخها. كيف نشأت وكيف تطورت. أن المعرفة الكلية هي المعرفة الحقيقية تساعد علي ربط الجزء بالكل، والخاص بالعام. فالأنسان في حياته يمارس كل هذه الاشياء والحياة تتعلق بكل هذه المجالات لانستطيع ان نفهمها الا اذا ادركنا هذه الصلات ولانستطيع ان ندفعها الي الامام الا نكسر الحواجز، والقضاء علي التحيزات المبنية علي الطبقة، او الجنس، او الدين، او العرق، او القومية، او التفكير الجزئي الذي يحول الحقائق الجزئية الي حقائق كلية.
كانت القراءات المقررة عليهم أساسا عدد من الروايات العربية المترجمة الي الانجليزية اخترتها ليطلوا علي عوالم غير عالمهم. اخترت ان تكون أغلب قراءاتهم من الادب الروائي بالذات لأن الادب الروائي يعبر عن كلية الحياة، عن الانسان الذي هو كائن اقتصادي، اجتماعي، ثقافي، فلسفي، مكون من جسم، وعقل لاينفصلان عن بعضهما.. الرواية هي الانسان في علاقته بكل مايدور في المجتمع وبالاخرين والرواية هي حاضر وماضي ومحاولة لاستشراف المستقبل.
كل اسبوع كنت اطلب منهم ان يكتبوا ورقة من ثلاث او اربع صفحات حول موضوع معين أثير اثناء الحوار. في هذه الاوراق لم أكن معنيا بأن 'يرصوا' فقرات من كتاب، او يستعرضوا معلومات كنت احثهم علي التعبير عن رؤيتهم للأشياء، عن تجاربهم الخاصة والحميمة، عما اثار انتباهم عما اثر في حياتهم، ما طور تفكيرهم، عن نظرتهم للمجتمع والحياة، عن احلامهم كنت معنيا بأن يكتشفوا هم قدراتهم، ومواهبهم، وأن يثقوا فيها، ان ينتقدوا مايدور في الفصل ان كان لهم انتقاد أن يعبروا عن أنفسهم بجرأة وصراحة، أن ينبع كل مايكتبون من أعماقهم وليس من الكتب، او من الاخرين كنا نستخدم القراءات لاثارة التفكير. والتساؤل والتحليل وليس كمراجع للحفظ.
كانت ورشة جماعية للفكر، والحوار عن طريقها تعلمنا من بعضنا، واقتربنا عن طريقها زادت ثقتهم في أنفسهم، في قدراتهم علي التفكير، والتعبير والابداع وطوال الوقت كنت واحدا منهم أتعلم منهم ويتعلمون مني عن طريق هذه الورشة تفتحت اذهاننا للشمس والهواء، للمساحات للمستقبل والافاق لااريد ان ابالغ فيما فعلناه لكننا علي الاقل خرجنا من هذه التجربة اقوي، وأوعي مما كنا. نشأت بيننا عواطف من الاحترام، والصداقة، كنا كمن أبحروا في سفنية خاضت البحار في رحلة اكتشاف فيها علم وفن شاركنا فيها جميعا، فأصبحت المعرفة نتاج جماعي لاتعتمد علي فرد أعلي هو المعلم او الاستاذ نضجوا وكبروا اثناءها وخرجوا منها أعمق فكرا وأصلب عودا، وأنا كذلك. وعندما ظهرت نذر الحرب تصدروا المظاهرات رافعين أعلامهم حاملين اللافتات التي كتب عليها:
'لاللدم مقابل النفط' لاللحرب ضد شعب العراق
 
العدد الحالي
  الأعداد السابقة
الصفحة الرئيسية
ساحة الأخبار
ضواحي الفضفضة
رسائل
شرق وغرب
البستان
ساحة الإبداع
كتب
أحداث
جسر الحنين
نقطة عبور

أعلي الصفحة إرسل الصفحة إلي صديق إطبع الصفحة إحفظ هذه الصفحة في المفضلة
   دفتر الزوار   |   دليل المواقع   |   الاشتراكات   |   الإعلانات   |   خريطة الموقع   |   البحث   |   الأعداد السابقة   |   إتصل بنا   |   مساعدة   
   الإعلانات المبوبة  |  أكاديمية أخبار اليوم  |  بلبل  |  أخبار السيارات  |  أخبار الحوادث  |  أخبار النجوم  |  أخبار الأدب  |  أخبار الرياضة  |  آخر ساعة  |  الأخبار  |  أخبار اليوم   :شبكة أخبار اليوم   
All site contents copyright © 2000-2002 Dar Akhbar El Yom.
للأستفسار أو طلب معلومات يرجي مراسلتنا علي العنوان التالي
akhbarelyom@akhbarelyom.org

Best viewed with Internet Explorer 4.0, Netscape 4.0 or above with a resolution of 800 X 600 .

Website Developed By: