دليل المواقع الاشتراكات الإعلانات دفتر الزوار United States Mirror Server United Kingdom Mirror Server Egypt Mirror Server
السنة -520ه - العدد1424ربيع الآخرمن29- م2003يونيو من29 الأحد
بتوقيت القاهرة 11:07:12 AM الساعة - 28-Jun-01 آخر تحديث يوم
      أحداث
أغلقها السادات رغم أنه كان صديقا لمؤسسيها:
أحمد عباس صالح الذي يعيش في منفاه الاختياري يروي:
قصة مجلة 'الكاتب' كاملة بعد ثلاثين عاما علي توقفها
افتفاصيف

اختتام معرض عبدلكي في ليون
يختتم اليوم الأحد في مدينة ليون الفرنسية معرض الفنان السوري المقيم في باريس يوسف عبدلكي. تواصل المعرض لمدة شهر في المؤسسة الثقافية الفنية بليون. تجلي في المعرض الأخير اهتمام عبدلكي بمفردات الحياة اليومية والمزاوجة بين الفوتوغرافيا والفن، كما تجلي ولعه الأساسي بالأبيض والأسود.

يطالب بالتوقف عن قراءة النصوص المقدسة علي أنها خريطة أو مخطط
أوجه متعددة للإسلام والغرب من عالم الماضي إلي عالم الغد
ترجمة: برناديت ابوبشارة
السيد الرئيس:
السيدات والسادة أعضاء مجلس الشيوخ،
السيدات والسادة،
إني سعيد للغاية للمشاركة هنا في مجلس الشيوخ في هذا اليوم المخصص للاحتفال بكتاب التاريخ، وإني لسعيد أيضا للمشاركة معكم في هذه النظرة التحليلية حول مفهوم العلاقة بين الاسلام والغرب في الوقت الذي تحمل فيه فرنسا واوروبا مسئولية ذات طبيعة خاصة.
لقد كان الخوف من المواجهة بين الحضارات يشغل الألباب منذ ما قبل اعتداءات الحادي عشر من سبتمبر/ ايلول بكثير. وبالطبع، هناك أشياء وامور كثيرة تفصل بين العالمين: فمن ناحية، هناك مجموعة من الشعوب والبلدان تتقاسم ديانة واحدة غالبا ما يتم اعتبارها غير قابلة للفصل عن السياسة، وهي شعوب وبلدان لم تحصل سوي بشكل متفاوت علي الثروات التي تنعم بها الدول الصناعية. ومن ناحية اخري، هناك نطاق جغرافي تكمن وحدته في مجموعة من المواريث المشتركة، بدءا من بلاد الاغريق القديمة الي عصر النور والمعرفة، مرورا بالديانة المسيحية، وهو قطب يتشكل اليوم من انظمة ديمقراطية متمكسة بتصور ما للعلمانية.
ولقد ولدت الأحداث التاريخية انطباعا بوجود صراع بين هذين العالمين، بما تخللها من مواجهات متعددة امتدت من الغزوات العربية الي الحروب الصليبية، ومن التوسع العثماني الي الاستعمار الأوروبي. وغالبا ما كانت الظروف في القرن العشرين رهن للتوترات والصراعات بين الدول الإسلامية والأمم الغربية، إما من حيث الحروب سعيا للاستقلال أو أزمة السويس أم الثورة الإيرانية. إن وجود أهم الأماكن المقدسة التابعة للإسلام السني والشيعي والديانة اليهودية والمسيحية في ذلك المثلث القائمة اضلاعه بين فلسطين وايران والمملكة السعودية، لايؤدي اليوم إلا إلي تأجيج المشاعر الجياشة.
لقد ظهرت وتجلت أشكال جديدة من الخوف منذ عدة سنوات. وباتت جميع الشعوب تتأثر بالتوترات المتصاعدة والقلق من مستقبل تبدو معالمه مبهمة بالنسبة لهم. إن القلق يدب في العالمين الإسلامي والغربي: فهل حكم عليهما بالتصدي مستقبليا لبعضهما البعض أم أن باستطاعتهما ان يعيشا معا؟ ان المسئولية الملقاه علي عاتقنا جسيمة في هذه المرحلة الفاصلة التي تتزايد فيها، من هذا الجانب وذاك، النزعة للهروب الي الأمام. ففي عالمنا 'الذي ضل الطريق'، يتعين علينا ان نسلك مجددا الدرب الذي يوصلنا للآخر.
في مواجهة هذه المخاوف، علينا واجب استبيان الحقيقة. إن الاسلام هو الديانة التي يعتنقها ما يزيد علي مليار نسمة يمارسون شعائرهم في سلام. كيف يمكن اذن للاسلام والغرب، بعيدا عن المواجهة والتصدي، ان يقوما سويا بالرد علي التساؤلات الحقيقية التي يطرحها عالمنا اليوم؟
فلنستبعد أولا المسلمات الخاطئة، واولها الآفاق الجغرافية والسياسية غير الدقيقة والمغلوطة: فلا الغرب ولا الاسلام يعيشان واقعا متجانسا، ان العالم الغربي عالم قائم علي التنوع، وأحيانا لم تفرض الديمقرقراطية فيه الا في وقت متأخر: فلنفكر فيما حدث في اسبانيا والبرتغال واليونان وهي دول لم تحرر من نير الأنظمة الطاغية الا في منتصف السبعينات ولنفكر ايضا في دول اوروبا الوسطي، التي بات لها اليوم عضويتها في الاتحاد الاوروبي، فلقد كانت بالأمس تعيش تحت وطأة واضطهاد النظام السوفيتي.
يتسم العالم الاسلامي ايضا من ناحيته بالتنوع، إما من حيث تنوع الشعوب والأحداث التاريخية واللغات والثقافات وإما من حيث تنوع القارات الذي ينتشر فيها: من المغرب الي الدول الافريقية الواقعة جنوب الصحراء، ومن الشرق الأوسط الي اوروبا الشرقية وفي اسيا، ولايجب ان ننسي ان الاسلام الاسيوي بات بشكل اغلبية اليوم، واصبحت اندونيسيا تعتبر اكبر دولة اسلامية في العالم نظرا لتعددا سكانها. وهناك ايضا تنوع في التيارات الدينية: فالاسلام هو شجرة لها فرعان رئيسان: السنة والشيعة مع عدد من الاغصان الفرعية كالمذهب، حنفية ومالكية وشافعية وحنبلية، هذا الي جانب الفروق المتعددة داخل المذهب الشيعي.
ان العالميين الاسلامي والغربي يمتزجان مع بعضهما البعض بفضل هذا التنوع الحافل الذي هو مصدر ثراء لكل منهما. فهناك خمسة ملايين مسلم يعيشون في فرنسا يمثلون دلالة لنا علي ذلك: إن البعد الاسلامي في اوروبا هو جزء لا يتجرأ منها. وحرصا منهم علي ما يمليه عليهم انتماؤهم الوطني من مسئولية يضطلعون بها بشكل كامل وعلي المشاركة بفاعلية في مستقبل بلادهم، فإن المسلمين الاوروبين بوصفهم حاملين اصيلين لثقافة نقلوها، يمثلون بالنسبة لمجتمعاتنا فرصة ينبغي انتهازها من اجل استشفاف المستقبل لنفكر كذلك بالعلاقات التي حاكتها علي مر التاريخ الشعوب الاوروبية، وبلادنا بشكل خاص، مع لبنان وسوريا ومصر وطبعا مع بلدان المغرب او بلدان ما دون الصحراء الافريقية.
نعم، إن أوروبا مؤهلة لربط الحضارات بعضها ببعض، وذلك من خلال ما لديها من تجربة، ومن وحي في أفكارها الخلاقة المتعددة، ومن خلال موقعها الجغرافي. نعم، بات للاسلام موقعه الكامل في أوروبا اليوم وسيكون له أيضا المزيد من المستقبل، فما علينا إلا التفكير بتركيا أو أيضا بالبوسنة، التي عرفت، في خضم أقسي المحن التي شهدتها، كيف تحافظ علي تراثها المزدوح الأوروبي والاسلامي بإبقائه حيا.
دعونا أيضا نتفادي الأبعاد التاريخية الخاطئة. فالاسلام قد انبعث عن تشكيلة واسعة من التيارات الفكرية والثقافية تراوحت ما بين الأكثر محافظة والأكثر تقدمية كما ومن الأشد عقائدية الي الأشد انفتاحا. وهناك عهود مكثفة من التبادل والمشاركة قد ميزت تاريخ علاقتنا ومازالت ثقافتنا تحلم بصماتها، كصلاح الدين، بطل روائع أدبية تعود الي القرون الوسطيي، ومسرحية بايازيد لراسين، وإذا ما كان كانديد قد لجيء الي درويش تركي زاهد في الدنيا، فإن سلطان 'الخطف في سرايا'، رائعة موزار، يقدم نموذجا مثاليا للملك الشهم المتسامح.
دعونا نتفادي أخيرا الأبعاد السياسية الخاطئة. فالأزمات والنزاعات الحديثة ليست حروب دينية. أما فيما يتعلق بإرهاب 'القاعدة'، فإنه يخص مجموعات أصولية اسلامية، عقيدتها ليست سوي شكل منحرف عن الاسلام.
* * *

لقد حان الوقت اليوم لفك خيوط التاريخ. فمنذ القرن الثامن، حين كان الشرق العربي مسيطرا، بدأت تظهر في أوروبا الغربية حضارة تستند الي المسيحية والرومانية. وبعدها جاءت نهاية القرن الخامس عشر لتسجل تحولا كبيرا: حيث أن الحضارة الغربية احتلت مكان العالم الشرقي. ومع اكتشاف أمريكا والتوسع الاسباني والبرتغالي، فإن الغرب شهد امتدادا الي ما وراء المحيط الأطلسي ووسع من دائرة نفوذه، منفتحا بذلك علي ادراك جديد للآخر والمكان الآخر.
إن الحركة التي بدأت قد توسعت مع الفترحات وبفعل الاكتشافات المتتالية. وقد انتشرت العقيدة والقيم الغربية في كل مكان من العالم، حيث واكبت المبشرين وموظفي الدولة والبحارة والشعراء في أسفارهم، وهم الذين قد رحلوا بحثا عن المغامرة والمعرفة. ويشكل الفكر الغربي اطارا مرجعيا جديدا، غالبا ما يكون مهيمنا.
لقد تفتت هذا النموذج مع الحربين العالميتين، وبعدها كتب التاريخ علي ايقاع المواجهة ما بين الشرق والغرب. وبدا أن المنافسة السياسية والاجتماعية والاقتصادية قد أبعدت الي الخطوط الخلفية كافة المسائل الثقافية والدينية. إلا أن هذه الفترة انتهت بدورها بحيث أن الغرب مفعما بمشاعر النصر شهد سقوط جدار برلين، وأخذ يدرك شيئا فشيئا التغيير العميق القائم. فقد توحدت ألمانيا في حين أن تكتلات قديمة تفسخت تحت ضغط الهويات الثقافية والدينية، وذلك اعتبارا من الاتحاد السوفييت السابق ولغاية يوغسلافيا. فالأبعاد الروحية والثقافية سجلت في نهاية القرن الماضي عودتها الكبري في مواجهة حدود الدول وعقائد الكتل.
ومن أجل اعادة بناء الثقة بين الشعوب، يتوجب علينا اليوم اجتياز متاهة الجراح والحقد اللذين تراكما علي مر الزمن. وهناك عقبة عظمي ينبغي تفاديها ألا وهي الجهل الذي قاد الناس الي الادعاء بأنهم فهموا من خلال بضع كلمات جوهر الدين. ففيما يتعلق بالاسلام، لنبتعد عن الأفكار المسبقة التي تغذي الأوهام، فقد يقال بأنه لا يميز بين ما هو زمني وما هو روحي، وبأنه قد لا ينسجم مع أي فكر ناقد. لنتجنب الدخول في لعبة الاستشهاد بالنصوص المأخوذة عن الكتب المقدسة الخاصة بكل ديانة: فانطلاقا من جمل تتعلق بالمحاربة مقتبسة عن التوراة والانجيل والقرآن، يتم طمس رسالة السلام التي تحملها كل الأديان. واليوم، أكثر ما نخشاه هو صدام من جراء الجهل يفوق ما نخشي من صدام الثقافات.
وأحيانا يجد الجهل ملجأ له لدي المؤمنين أنفسهم. فالتمسك بالحرفية التي تدعو الي قراءة جامدة الي الأبد للنصوص المقدسة، هو بذاته منشأ لكل التمزقات وكل الحروب. ويكمن الخطر في الواقع في جعل المؤمن يلجأ الي موقف متصلب بالنسبة لمنابع روحانيته بحيث أن روح النص قد تعتم عليها أحيانا حرفية النص ذاته.
إن البحث عن الكمال الداخلي لا ينبغي أن ينحرف باتجاه الشعور بالتفوق والريبة. فما هو موقفنا من هؤلاء الذين يقرأون نصا مقدسا كما لو أنهم يقرأون خريطة أو مخططا؟ ومن أولئك الذين يحرضون علي الكراهية والموت متجاوزين كل التعاليم وسائر واجبات المرء الأساسية والأكثر بدائية؟
نسمع أحيانا أن الاسلام يخضع أكثر من الديانات الأخري الي قراءة حازمة للنصوص. وإنما بهذا، ينسي بأن تقليد الاجتهاد، وهو مجهود شخصي للتفسير في مجال القانون، يعتبر تقليدا عريقا بعراقة القرآن الكريم. وبهذا أيضا، ينسي أن كل الانحرافات نحو القراءة الحرفية قد مست ومازالت تمس كافة الممارسات الدينية، بما فيه المسيحية: دعونا لا ننسي أن الاصلاح قد ولد، في جزء منه، من معركة في سبيل حق تأويل النصوص.
وبالنسبة للصوفي ابن عربي، ان كل عقيدة هي بمثابة مرآة تعكس صورة إله واحد أوحد وغير مرئي. ووفقا لهذا العلامة العظيم الذي عاش في القرون الوسطي، إذا كان الله واحدا، فإن 'إله المعتقدات' بالمقابل هو مختلف باختلاف عالم البشر: بحيث أن كل ديانات الكتاب تستحق نفس الاحترام. إن هذه القراءة للقرآن الكريم تفضي الي مبدأ التسامح والانفتاح ذاك الذي ينمي البحث عن سر خفي يترتب علينا أن نعيشه معا. هناك سر من وحي الله وجهل من الناس، فهذا ما تطرق اليه بشكل رائع الأمير عبدالقادر عندما كتب يقول: 'إذا كنت تعتقد وتؤمن بما تؤمن به مختلف الطوائف المسلمون والمسيحيون واليهود والمازديون ومتعددوا الآلهة وغيرهم فاعلم بأن الله هو كل ذلك وغير ذلك'.
إن مبدأ الفصل بين الدين والسياسة موجود في قلب كتابات المفكر المصري علي عبدالرازق منذ مطلع القرن العشرين. واليوم، أصبحت هذه الضرورة في المضي قدما بالتفسيرات الدينية، دون ألمس بأسسها، وتكييفها مع عالم يتغير باستمرار، مطلب العديد من المفكرين، من محمد طالبي إلي برهان غليون أو رياد بن عاشور. إن قيام هذا الجدل في قلب العالم الإسلامي يشهد بوجود حوار نوعي بعيدا كل البعد عن الشكل الكاريكاتوري الذي غالبا ما يشوه به الإسلام.
إن العالمين الإسلامي والغربي، ا للذان تأثرا علي الدوام الواحد بالآخر، لم يفصل بينهما في يوم من الأيام حاجز يستحيل تجاوزه، وإذا أردنا أن نجدد هذا الحوار، ينبغي علينا أن نكون قادرين أن نطرح التساؤلات عن أنفسنا وأن نضع أنفسنا في مكان الآخر.
* * *

ونظرا للتوتر السائد في العالم، فإن الشعود تواجه اليوم في مسألة انتمائها إلي هوية نوع معين من العنف. إن العالم الإسلامي ينبغي عليه مواجهة العديد من التحديات.

أولا، هناك مسألة التنمية الاقتصادية والاجتماعية. إذ أن نسبة 0.5 % فقط من الاستثمارات العالمية توجه اليوم نحو العالم العربي. إن التطور السريع للمدن وغياب الطبقات الاجتماعية الوسطي القوية وحالات الإحجاف، لاسيما في مجال التربية، تشجع علي رفض نظام اقتصادي يبدو وكأنه يفيد بشكل أساسي مناطق أخري من العالم.
وثانيا، هناك مشاكل ذو طبيعة ساسية: إذ أن التردد في السير نحو الديمقراطية والشعور بسوء إدارة الحكم وصعوبة مكافحة الفساد تنمي الحرمان واليأس. إننا نعرف الخلل الذي يؤثر علي بعض دول العالم الإسلامي كما يؤثر علي مناطق أخري من العالم، إن هذه الانحرافات ينبغي أن تشجعنا كل يوم علي المطالبة بحزم وإلحاح بالتغييرات اللازمة، سواء ضمن إطار ثنائي أو متعدد الأطراف.
وأخيرا، يجب الأخذ بعين الاعتبار الإحساس بالهمينة الثقافية التي يمارسها العالم الغربي من خلال نهضة العولمة. ألا يعطي الغرب غالبا الشعور بالرغبة في فرض نمط حياة واحد في كل مكان، معرضا بذلك الثقافات والهويات للخطر؟
إن هذا الخطر هو بدون شك مرتبط بكل علاقة تقام مابين عالمين. ففي معرض سرده للأحداث التي جرت عام 1213 هجري، كتب المؤرخ المصري الجبرتي يقول: 'وبهذا، تكون السنة بلغت نهايتها. ومن بين كل الأحداث غير المسبوقة التي تضمنتها، فإن الحدث الأكثر مأساوية كان إيقاف عمليات الحج من مصر'. والملاحظ أن تلك السنة، أي سنة 1798، كانت سنة دخول بونابرت إلي مصر. إن هذا يدل أن لب حضارة مالا يمكنه أن يقتصر علي جانب فني، وإنما يجب أن يعطي مكانة كبري للحياة الثقافية والروحية. ويتحدث الجبرتي من جانب آخر عن وجود الفرنسيين في مصر، ولكنه متأثرا بتقلبات التاريخ العميقة يعرب، قبل أي شيء، عن قلقه من جراء الانقطاع عن الحج الذي يربط المؤمن بالإسلام وبأقرانه.
إن المقاومة في العالم الإسلامي تتثبت وتتضح من خلال ذلك الرهان المتعلق بالهوية:فلنحرص علي ألا نخلق تصدعا حقيقيا وأن نتفادي إعطاء الانطباع بأن الحداثة والدين يمكن أن يتعارضا في المستقبل. وإذا ما تشبث الغرب بتفوقه التكنولوجي ، فهو سيجازف بأمرين معا إثارة أشكال جديدة من التناقض وإعطاء صورة قاتمة عن الحداثة التي هي علي خلاف ذلك رمزا للتعليم والتقدم والتسامح والانفتاح. وفي عالم تشكل فيه الهوية مفتاح العلاقات بين الشعوب، علينا أن نحرص، دون أن تتواري الحداثة، بألا نجعلها تبدو كمنافس للتقاليد والديانات.
علينا أن نتحلي بمزيد من اليقظة حيث إن الأصولية الدينية تسعي لكي تكون علاجا مغريا في مواجهة خطر تشنج المجتمعات. إن الأصولية ليست حكرا علي الإسلام وهي شكل من أشكال الهوية المتقوقعة الأكثر تطرفا وبلورة هي الأكثر حدة لها. إن الإسلام والمسيحية اليوم ديانتان لا عنف فيهما: ويمكن للمتعصب أينما وجد أن يستقي من الدين حجة للانحراف نحو عدم التسامح.
ويجب إبراز عدد من التطورات التي حصلت مؤخرا والتي كانت منبعا لحركات إرهابية . إن تحرير أفغانستان بأيدي المقاتلين المسلمين في مواجهة الاتحاد السوفيتي السابق قد فتح الطريق أمام متطلبات متشددة دينيا عرفت بعد ذلك، في أعقاب حرب الخليج الأولي، كيف تستغل الوجود العسكري الغربي في المملكة العربية السعودية وكيف تتحول أيضا إلي معارضة للنظام السعودي ولمسانديه الغربيين، وجاءت سريعا أولي الترجمات العنيفة لهذا الوضع من خلال الاعتداءات التي استهدفت منشآت أمريكية في عامي 1995 و 1996 في الرياض وخبر.
ليس هناك بالطبع أي عذر يمكن تقديمه لهذه الحركات الإرهابية أيا كان مصدرها . ولا يمكن أن يكون هناك إرهابيون صالحون وآخرون أشرار. فالإرهابيون جميعهم يشكلون في العالم الغربي وكذلك في العالم الإسلامي خطرا يهدد بنشر أسوأ شكل من أشكال الهمجية. ولكن يجب أخذ الحيطة والحذر إذ أن كل ما يؤجج الشعور بالذل والمهانة يسهل الترويج للأصولية.
واليوم، في مواجهة المصاعب الاجتماعية التي تظهر في العالم الإسلامي، يتكفل المتشددون باقتراح نمط بديل: كالتعليم الديني الصرف المقصور علي المدارس بدلا من المدارس العلمانية، وقروض قائمة علي الأمانة بدلا من الائتمان المصرفي، والأعمال الخيرية للاستعانة عن مفهوم الدولة الراعية، التي تغدق الأموال علي رعاياها. ويعتمد أسلوب الترويج هذا أيضا علي عاملين في السياق الجغرافي والسياسي:
أولهما الصراعات الاقليمية التي تؤدي إلي خلق أماكن هي بؤر للفوضي وغياب القانون، صالحة لتجنيد وتدريب الإرهابيين، وفقا لما كانت عليه أفغانستان في الماضي، إن هذه الأزمات تسمم العالم وتفسده. فالصراع الإسرائيلي الفلسطيني يمزق شعبين يسعيان إلي العيش في كرامة وأمان، إسرائيليون كانوا أم فلسطينيون، يهود أم مسلمون أم مسيحيون، يجب أن يجدوا الطريق إلي المصالحة . وفي مواجهة غلو جديد في العنف يكتسح هذه المنطقة، يجب علي المجتمع الدولي أن يبدي مزيدا من الالتحام والتصميم، أكثر من أي وقت مضي. يجب وقف دوامة العنف التي تهدد بتبديد الآمال الناشئة عن إقرار 'خريطة الطريق' من قبل كافة الأطراف لايمكننا أن نرضخ للأمر الواقع ولكننا نعلم ايضا بأن هذا الصراع لايمكن حله الا في اطار احترام الحق والعدل: ان التزام المجتمع الدولي ووقوفه بجانب الأطراف هو الأمر الوحيد الذي يمكن ان يضفي طابع الشرعية الذي لاغني عنه علي أي تسوية دائمة.
­ تشكل المواجهات المفتوحة مع العالم الغربي التحدي الكبير الآخر ففي الازمة العراقية، أبرزت المواقف التي اتخذتها فرنسا وألمانيا وروسيا وبشكل جلي بأن النزاع لايمكن ان يختزل في مواجهة مابين كتلتين­ إسلام وغرب. علينا اليوم ان نتابع باهتمام بالغ الوضع في العراق والذي يأمل شعبه بأن يسترد سيادته الكاملة، ان واجب المجتمع الدولي هو الدفع باتجاه إقامة عراق حر ومستقل وديمقراطي وقادر علي المساهمة في استقرار المنطقة.
إن كل محاولة لحل الأزمات من خلال تصورات أمنية أو عسكرية محضة سيؤدي لامحالة إلي بروز أعمال مقاومة غير متناسقة ومضخمة بفعل التغييرات المتسارعة الحاصلة في العالم وتفاقم التوترات. إذن ينبغي علينا اليوم أن نرسم معا طريقا آخر. لايمكننا ان نترك الفوضي تكتسح المزيد من المساحة في عالم يشهد استقراره تراجعا يوما بعد يوم.
* * *

كيف الخروج من هذا الطريق المسدود؟ كيف يمكن إعادة الاستقرار الي عالم اليوم الذي تعصف به الشكوك والمخاوف؟ نحن اليوم أمام واقع وحقائق فظة تفرض نفسها علي كل واحد منا.
دعونا نلاحظ بداية بأنه ليس هناك من حلول سحرية، كما وبالقدر نفسه، ليس هناك وجود لحتمية من شأنها أن تقودنا مرغمين إلي تحرك أحادي الجانب أم الي حالة عجز ان كل عمل يستدعي وحدةالمجتمع الدولي كي يصبح فعالا، وهو الأمر الذي دفعنا لأن نصوت بالاجماع علي القرار 1441 في مواجهة خطر انتشار أسلحة الدمار الشامل في العراق، وهو مادفعنا أيضا لان نصوت بالاجماع علي القرار 1483 للبدء في إعارة إعمار هذا البلد لقد بات المجتمع الدولي جاهزا الآن للتحرك وربما أكثر من أي وقت مضي، وهذا شأن فيه ورقة رابحة يجب معرفة كيفية استغلالها.
ينبغي لكل تحرك ان يتحكم في تعقيدات العالم تحقيقا لثلاثة اهداف: الحرية التي لايمكن بالطبع ان تتحقق الا عبر الديمقراطية، والتنمية، اذ لايمكن ان يكون هناك سلام دائم دون رخاء موزع بشكل اكثر انصافا يبقي احترام الهويات وهو الذي يجب ان يقوم علي التبادل والحوار مابين الثقافات واذا ماتغاضي العالم الغربي عن واحد من هذه الاهداف الثلاثة، قد يعمق بذلك حذر أو شكوك العالم الاسلامي كما الهيئات الأخري المكونة للمجتمع الدولي، وهذا من شأنه أيضا أن يعزز نظريات هؤلاء الذين يحاولون فرض العنف الأعمي في كل مكان.
وأخيرا دعونا نعي ماتستدعيه الحالة طارئة من الحاح ولنجعل من التحرك خيارا لنا للتصدي لجمود الوضع وذلك عبر تجديد النظام العالمي من أجل إعطاء المباديء القائمة علي الاحترام والحوار المكانة التي تعود لها في قلب العلاقات الدولية إن خيارا كهذا يفترض منه التأكيد علي نظام تعدد الاطراف وتثبيته.
نحن جاهزون للسير في اتجاه اقامة اصلاحات بالعمق في الأمم المتحدة، يكون من شأنها أن توجه العزائم نحو الأفضل. لنخترع أدوات عمل من شأنها أن تسمح لنا بالتصرف: فلماذا لاننشأ جهاز لنزع الأسلحة وآخرا لحقوق الانسان علي سبيل المثال؟ إن اختيار تعددية الأطراف يجب أن ينم بالفعل عن خيار قائم علي المسئولية والفعالية.
وفي ظل تركيبة هندسية دولية جديدة، تضطلع المجموعات الاقليمية اليوم بدور أساسي لمحكافحة التوترات الناتجة عن الانتماء والهوية. فأوروبا تشكل مثالا متميزا في هذا الشأن وتفتح بذلك الباب لآمال جديدة، اولا لأنه بإمكانها أن تمنح استقرارا متزايدا حول حوض البحر المتوسط. هذا هو في الواقع هدف الحوار الاوروبي­ المتوسطي الذي يأخذ بعين الاعتبار الجوانب الاساسية الثلاثة التي تقوم عليها شراكة واقعية: أي السياسية والاقتصادية والثقافية إضافة الي ان النقاشات الدائرة حاليا بشأن انضمام تركيا الي الاتحاد الاوروبي توفر اطارا لتفكير متعمق وتحليلي لم يسبق إجراؤه من قبل من خلال تساؤلات حول: حقيقة الاسلام وما هي عليه، وماهية العلاقة التي يجب أن تقيمها أوروبا مع الشأن الديني وتحديدا مع العالم الاسلامي. هنالك ضرورة طارئة اليوم لاعطاء أجوبة مستحدثة وذات أبعاد مستقبلية فهذا تحد كبير قائم اليوم يواجهه كل واحد منا.
* * *

هل نستطيع التحدث عن الاسلام والغرب دون أن نعطي الدين اليهودي الفسحة التي يستحقها كاملة؟ سأذكر في هذه المناسبة بكلمات قالها السيد مارت بوبر، وهو واحد من أكبر فلاسفة اليهود في موضوع الحداثة. فهو يشير الي أي مدي يتعين علي هؤلاء الذين يعيشون جنبا إلي جنب أن يتعلموا كيفية العيش معا، وإلا سينتهي بهم الأمر لامحالة الي التصدي لبعضهم البعض وإلي الانغماس في عالم الحرب. يجب علينا أن نكافح هذا الضلال وأن نربط بكل صبر خيوط حوار يقوم علي الاحترام وعلي التعرف علي الاخر.
لدينا جميعا مراجعنا ومدننا المثلي وأزمنتنا الذهبية، كما ولدي كل منا ثوراته ومخاوفه وفتوحاته المضطربة وآماله المدفونة. الا أنه قد حان الوقت اليوم، في عالم وريث لأشكال قديمة، ولكنه جديد من خلال تقريبه للمسافات، لان نثري ما في الصدور بنظرة الآخر.
وفي قلب هذا الحوار، تضطلع فرنسا وأوروبا بدور خاص يحتمه موقعهما الجغرافي ويكمن في الالتفات الي كافة المناطق وكل الشعوب، وعبر ثقافة كل منهما المطعمة بقرون من المبادلات والاكتشافات، وتاريخهما المفعم بالأمجاد وبتجارب مأساوية أحيانا بدءا من الحروب الدينية وحتي نزاعات القرن العشرين، ولكن أيضا عبر ما يتملكهما من رغبة رائعة، نابعة عن حقبة النور والمعرفة، في تقاسم مثلهم الكبري مع الآخرين.
نعم، لقد اتخذت فرنسا خيارا تنوي أن تظل مخلصة له. فإنها، أمام الانقسامات والشكوك، ترفض بتصميم شديد المواجهة مابين الحضارات وتود أن تنتهز الفرصة لقيام عالم لايتراجع أمام الفخ الذي تمثله القوة والعظمة مثلما لايتراجع أمام ذاك الذي يمثله الجمود. والفكرة التي لدينا عن أنفسنا هي تلك التي تكمن في عالم غربي متعدد الأصوات، وقوامه التنوع والحوار والديمقراطية. علينا ان نحييا معا هذا المطلب الملزم المتأصل في لب تاريخنا لبناء عالم أكثر أمانا وأكثر إنصافا. أشكركم.
 
العدد الحالي
  الأعداد السابقة
الصفحة الرئيسية
ساحة الأخبار
ضواحي الفضفضة
رسائل
شرق وغرب
البستان
ساحة الإبداع
كتب
أحداث
جسر الحنين
نقطة عبور

أعلي الصفحة إرسل الصفحة إلي صديق إطبع الصفحة إحفظ هذه الصفحة في المفضلة
   دفتر الزوار   |   دليل المواقع   |   الاشتراكات   |   الإعلانات   |   خريطة الموقع   |   البحث   |   الأعداد السابقة   |   إتصل بنا   |   مساعدة   
   الإعلانات المبوبة  |  أكاديمية أخبار اليوم  |  بلبل  |  أخبار السيارات  |  أخبار الحوادث  |  أخبار النجوم  |  أخبار الأدب  |  أخبار الرياضة  |  آخر ساعة  |  الأخبار  |  أخبار اليوم   :شبكة أخبار اليوم   
All site contents copyright © 2000-2002 Dar Akhbar El Yom.
للأستفسار أو طلب معلومات يرجي مراسلتنا علي العنوان التالي
akhbarelyom@akhbarelyom.org

Best viewed with Internet Explorer 4.0, Netscape 4.0 or above with a resolution of 800 X 600 .

Website Developed By: