|
|
| السنة - | 520 | ه - العدد | 1424 | ربيع الآخر | من | 29 | - م | 2003 | يونيو | من | 29 | الأحد |
|
 |
| بتوقيت القاهرة |
 |
11:10:24 AM |
 |
الساعة - |
 |
28-Jun-01 |
 |
آخر تحديث يوم |
|
| جسر الحنين |
 |
|
|
بعد أن تحولت لمجرد آلية دفاعية '12':
أسئلة الثقافة العربية
 | | فوتوغرافيا فوجت |
|
د. محمد حافظ دياب
مقاربة المسألة الثقافية في وطننا العربي تكتسب قابليتها للاستقصاء، في الوعي بأسئلتها، ما دام السؤال هو مفتتح الفهم، وعلامة المداومة لسجال يورط القناعة، ويخاصم دوائر الانصات والاذعان.
وهكذا، فلعل ما يسود الثقافة العربية راهنا، يبرر أسئلة من قبيل: ما هي الاوليات الاساسية التي تحدد الخطوط العامة لهذه الثقافة؟ كيف عن مشهدها وانماطها الملتبسة؟ لماذا لم تمارس تأسيسا فعليا لمقومات مادية ومعنوية، تسمح بتفتح حامليها، وتوفر لهم شروط التعبير والابداع؟ أين يكمن مأزقها: في بنية الداخل الاجتماعية، أم في تعالق هذه البنية مع المتروبول، أو المراكز الرأسمالية؟ وأخيرا ما السبيل الي الخروج من هذا المأزق؟
الرؤية:
وقبل ولوج عالم الثقافة العربية، نبدأ بسؤال محكوم بالسجال والتفاوض: هل من الممكن أن يقابل مفهوم 'الثقافة' معني ناجز، متواطيء، قابل تماما للضبط والنقل، ومن ثم للتبليغ؟
يعقد الجواب علي هذا السؤال، إن محاولة بناء رؤية تركيبية ترصد هذا المفهوم ليس شأنا يسيرا، ولا يبدو رغم الاهتمام الفائض به، أن الخوض فيه قد استقر علي حصيلة تدعو الي المصداقية.
فالملاحظ أن غالب المنظورات التي سلكتها مقاربة الثقافة، أخطأت صوغ هذه الرؤية، وخلفت تصورات تجزيئية، هي: إما نخبوية، تعلقها فيما يطلق عليه 'الثقافة الرفيعة' التي تحتكرها الصفوة، ويعبر عنها بأنماط بعينها من الأدب والموسيقي والرسم والرقص، وإما تجريدية، تختزلها الي قوام منعزل ونظام مغلق من معارف علمية وتقنية، وآراء فلسفية وجمالية وسياسية، وتمثلات جمعية تملي علي الناس نمط وجودهم وسلوكهم، معزولة عن حركة الاحداث والافراد، وأما تقنية، تتعامل معها، بمثل ما اسماه ادجار موران E.Morin كصناعة ومنتجات عبر مدخلات ومردودات ووسائط، تقوم علي ضبط القوي والاجساد واخضاعها للمؤسسة وقوانين العرض والطلب.
علي أن الاقتراب من تحقيق رؤية تركيبية لمسألة الثقافة، يستدعي الطرح السوسيولوجي أكثر من سواه، فيما حاولت عديد التخصصات معالجة هذه المسألة، سواء في الانثروبولوجيا 'رهن الثقافات غير الغربية لمقتضيات التمركز الاوروبي' أو في علم النفس 'ما يحكم الثقافة من قيم ومعايير التنشئة والتشريط وأنماط التربية والعلاقات'، أو في اللسانيات 'اللغة كمتغير في طريقة رؤية أهلها للعالم، وفي كيفية مفصلتهم له، وبالتالي في أسلوب تفكيرهم، أو حتي في الابستمولوجيا 'البحث المجرد في أساسيات الثقافة، أي في نظامها وآليات انتاجها'.
وفي مسعي لتحقيق هذه الرؤية، علينا أن ننطلق من الأولويات التالية:
(1) أن الحديث عن الثقافة هو حديث عن 'آداب الناس وأحوالهم في المعاش' بتعبير ابن خلدون، أي عن وعي انتاج الذات المادية لمجتمعها والسيطرة عليها وتوجيهه، أو بعبارة أخري، حديث حول منظومة رمزية من معارف وآراء وتمثلات، تتخلق وتقع باستمرار وامتياز حول هذا الانتاج، باعتباره النظام الفعلي لآلياتها.
ذلك انه مهما يكن من تواتر الثقافة في المتصل القومي لجماعتها كتراث، فليست تبلغ درجة الاستقلال المطلق عن معطيات علاقتها التاريخية ونسيجها الاجتماعي الذي أفرزها.
(2) إنه برغم هذا التواتر، فانها لا تقف علي هيئة ناجزة، بل تخضع في كل مرحلة تاريخية لعمليات تأويل 'أدلجة، توفيق، تحوير، اعادة صوغ......' تنطوي ضمنيا علي رؤية ما للعالم، بموضعتها في صيغة دلالة ومعني لما هو أسطوري وزمني ومعاش في حياة جماعتها.
وهو ما يعني أننا عبر كل من هذه المراحل، بازاء: 'تعاقب الصور والاضداد علي الهيولي' علي حد قول الفارابي، أو بازاء اسنادات وتبعيات من داخل هذه المنظومة ، لا يمكن تصور مقاصدها الا مرتبطة بخيار المرحلة السياسي، الذي ينسج شبكة علاقاته السلطوية ومؤسساته الضبطية وانتماءاته الطبقية، امتياحا من تكريس أو أدلجة هذه المنظومة، تحقيقا لوظيفة المشروعية المحضة، ومساندة لهذا الخيار السياسي وتثبيت وضعه والاجماع عليه، انطلاقا من مبدأ رئيسي في سوسيولوجيا المعرفة، يذهب إلي أن كل نفوذ يتمكن من أن يفرض معاني معينة بصفتها معاني مشروعة، عن طريق اخفاء علاقات النفوذ التي هي أساس قوته، يكون بذلك قد جمع قوته الرمزية الخاصة الي علاقات نفوذه.
(3) إن الثقافة ليست محايدة في الصراع الاجتماعي، بل نتاجا له من جهة ودافعا علي التغيير والتطوير من جهة أخري. ومن ثم فان عزلها من التكوين الاجتماعي الذي افرزها، وعن الوظيفة المحددة لها في اطار اعادة انتاج علاقات نوعية علي المستوي الايديولوجي، يوقع في مثالية مفرطة.
ذلك أن الخيار الثقافي هو تجل معقٌّد لشرطه الاجتماعي، بما يحويه من تناقضات بنيته التحتية وصراع فئاته الاجتماعية، ومن ثم بما تضطلع به الجماعة المسيطرة، التي تفرض اصطفاء دلالات تداولية بعينها للثقافة، وتعطيها قوة رمزية أكبر، علي أنها الثقافة 'المشروعة' وأن تحدث لدي بقية التشكيل الاجتماعي نزوعا لتقبلها، عن طريق فرض نظام 'تربوي' يجسد المرتكز الذي تستند اليه هذه الجماعة المسيطرة.
(4) استتباعا فان فاعلية الثقافة تتحدد في مدي امتلاكها القدرة علي مقاومة القصور الذاتي والاجترار والاستهلاك، وما يقترن بالاعتماد علي النفس والتحرر من التبعية، عن طريق تحرير اقتصادي يقوم علي تنمية مستقلة منتجة وعادلة التوزيع، واسهام في ترقية خصائص حامليها، وتأسيس لنسق قيمي ايجابي، وتجاوز لنقائض تراث الأنا وحاضر الآخر. اذ عندما يتوقف المجتمع عن امتلاكه هذه القدرة، تنحسر ثقافته، ولا يبقي له سوي استهلاك 'المعلبات' الثقافية الجاهزة التي : إما تستدعي من ماض 'تليد' بما يحمله من سلفية الرجوع الي المطلق، أو من حاضر لم تشارك فيه، قادم مع النموذج العولمي الجديد.
عبر هذه الاوليات، فان مساءلة الثقافة العربية تظل محفوفة بالمحاذير، لامتداد والتغام حوارية التراث والتاريخ والاجتماع فيها، واكتناز حمولتها، وسعة مدارها وتمفصله داخل فضاءات يتشابك فيها: الطريف بالتالد، الشعبي بالرسمي، الشرعي بالمدني، القطري بالقومي، العقلي بالنقلي، الشفاهي بالكتابي، الثابت بالمتحول، والاثيل بالدخيل، علي اختلاف المرجعية والرمز وأسلوب التداول.
علي أن التسليم بهذه الثنائية قد يوقع في فرط ادمان نظري ومنزلق منهجي، يصل ربما، الي تقييد هذه الثقافة ومصادرة التطور لديها، وسجنها في أطر ثابتة ومتقاطبة تعيش ديمومة مستقلة، اسقطت من مجالها التاريخي وسياقها الاجتماعي، فيما الواقع اننا بازاء تأويلات تحتاج من هذه المرجعية، وتتكيء علي خيارات سياسية، تعبر عن مصالح اجتماعية.
المشهد:
ولعله من المجدي هنا، التصويب نحو مساءلة مشهد الثقافة العربية، عبر امكانية الاستشهاد بالمنحني التاريخي العربي المعاصر، منذ فترة ما بعد استقلال الاقطار العربية حتي اليوم.
وتحديد حيز المساءلة بهذه الفترة، قد يسمح باستبصار الظروف التاريخية والاجتماعية المؤطرة لهذه الثقافة، ويكشف العلاقة المعقدة بين شروطها المادية وتعبيراتها ورموزها، وبتبيان الوحدة الجدلية لتاريخها الاجتماعي الاقتصادي السياسي الرمزي، بما يمكن أن يؤدي الي فهم حيثياتها، واستجلاء مأزمها، وتوجهاتها المستقبلية.
ولقد يشي تعقد هذا المشهد، ومدي التداخل الذي ينطوي عليه، عن عجز أي تصنيف في استيضاح لوحته:
فمن جهة، وارتباطا بالتطور المتفاوت الحالي للوطن العربي وتفاقمه، تكرست قسمة أمصاره، بتعبير الماوردي، الي مصر الفرصة والتجارة ومصر المزارع والسواد، وهو ما يتضح في التمايز البادي بين أقطار نفطية تعتمد في اقتصادها علي نمط تصدير واحد من السلع الاولية 'النفط' وأخري تعتمد علي نمط احلال الواردات وأثر ذلك في تشظي انماط متباينة من الاوضاع الثقافية القطرية، وصيغ ثقافية متعددة، تتراوح بين السلفي والحداثي، جنبا مع ثقافة الظل، بما تحويه من ظواهر فنية وأنماط سلوك وطرق تفكير، تعكس صورا بدائية، يعكس معالمها رواج الاغاني المبتذلة واللغة الهابطة والتلوث البيئي والسلوكيات الجانفة.
ومن جهة أخري واتساقا مع علاقة التبعية التي ربطت الوطن العربي بالمتروبول، هناك محاولاته الدائبة في تخليف فعاليات هذا الوطن، والتخطيط للهيمنة عليه، لا بواسطة التحكم في مده بالغذاء والتجارة والمديونية والسلاح فحسب، بل بالنفاذ أيضا الي عقل الامة ذاته، في ظروف عولمة تتقدم بشهية، لتضخ اندفاعاتها نحو مجالات أوسع للاستئثار، بما تحمله نذرها من تهديد للخصوصيات الثقافية وتلويحها الاطاحة بالعديد من المرجعيات التي تعين للجماعة العربية وجودها الحضاري.
يمكن هنا، علي اية حال، أن نسجل كرونولوجيا هذا التراسل بين التطور المتفاوت والتبعية ، كما يتعين في خارطة المشهد الثقافي العربي المعاصر، من خلال لحظ أنماط أربعة أثرت في التباس هذا المشهد: ثقافة النفط، خطاب الاسلام الراديكالي، الثقافة الجماهيرية، والمتروبول الثقافي، ينوه عنها تفصيلا كالتالي:
(1) ثقافة النفط:
اذ مع ظهور النفط في منطقة الخليج مطلع ثلاثينات القرن العشرين، بدأت تتنامي في اطاره ما يجوز تسميته ب 'ثقافة النفط' علي قلة مصداقية هذا المصطلح وقصر عمره، وان جاز رسم معالم هذه الثقافة في تنمية اتخذت طابع الانتقال 'من خشونة البداوة الي رقة الحضارة' بتعبير ابن خلدون، وتحديث متأخر بوتيرة متسارعة تحت وطأة النموذج المغربي، وتركيبة قبلية مدعمة بصيغة اسلامية، وسلطة دينية تجمع بين مقاصد السياسة وشرعية العقيدة ومنطق ريعي يري الي امكان شراء أي شيء حتي الامن والمعرفة والمكانة، وضيق في مساحة الممارسة السياسية، ونمط نفعي ربحي من القيم، منوط بتوجه استهلاكي ترفي وازدواجية أخلاقية، مع نبرة شعوبية بدأت تتصاعد عقب حرب الخليج الثانية.
والبادي أن فجائية الظاهرة النفطية وعمقها، وسمت هذه الثقافة بملامح لا مبالغة في وصف بعضها بأنها تعود الي عصر ما قبل التدوين، توزعت بين تراث أهل الملة وتكنولوجيا أهل الذمة وبين صعوبة الانسلاخ عن الأطر القديمة وعسر الولوج في منظومة الحداثة، وعبرت عن نفسها في ممارسات متشظية، منها:
أ السعي الي فرض نموذج ثقافي خليجي، بقيمة المصاحبة لثراء النفط وأنماطه الاستهلاكية، والعمل علي تغيير علاقات الثقافة العربية المعاصرة، وأدوات انتاجها، بما يوجه هذه العلاقات والأدوات إلي ما يشبع المستهلكين 'الجدد' ولا يناقض مطامعهم أو يهددها.
ب رعاية وتمويل شكل مشوٌه للثقافة الدينية، ينبني علي مقولات النقل والاتباع والتقليد، ويختزل غني وتنوع الثقافة العربية الإسلامية، وتستخدم عبره آليات التعصب المذهبي والديني، واستنفار المخزون الطقوسي لدي الجماهير، ويركز علي مظاهر شكلية للتدين (مضاعفة عدد المساجد، تشجيع النساء علي ارتداء الحجاب، اللحية، تقصير الثوب...).
ج الدفع بمحاولات تستهدف 'أسلحة' المعرفة بواسطة وضع تصورات لها من منظور ديني، مما تمخض عن ترسيمات 'نيٌئة' تندرج إما في مجري نظريات غربية تحت لافتات إسلامية، وإما تدور حول مضامين أخلاقية معممة، في حدود الانكفاء علي الموروث، وفهمه بطريقة واحدية وقطعية، لا التعامل معه ككينونة حيٌة، تستمد قدرتها علي التواصل، عبر فهم الماضي وتآخذه الجدلي مع الحاضر.
د العمل بدأب وتخف علي تكريس عروبة 'متميزة' عن عروبة المركز 'القديم' تقوم علي الانطلاق من الخليجية كمرجع، بعد تجريب القطرية (العمننة، السعودة، التكويت، البحرنة، القطرنة، والأمرتة)، وعلي إعادة تركيب وصوغ المعطيات التاريخية بما يخدم هذه النعرة الكيانية، عبر مقولات: الخصوصية والفرادة، الفاعلية والواقعية، التنوع والتعدد الثقافي، والظروف الاستثنائية.
وقد أفادت هذه المقولات من أخطاء الطروحات القومية التقليدية، بمفاهميها الطوباوية، وممارساتها الشعارية الفوقية، وتصوراتها الذهنية القائمة علي إزاحة التراكم والتعدد، لتباشر توظيف الثقافة كعنصر دعم لهذه النزعة الكيانية، في محاولة للانتقال بها من صيغتها الثقافية إلي المصطلح القانوني فالمشروع السياسي.
ويمكن في هذا الصدد ملاحظة محاولات تحوير الشبكة المفاهيمية لثقافة الجماعة العربية لمقتضيات هذه النزعة، وهو ما يقوم به علي نحو موارب مركز التراث الشعبي بقطر، دارة الملك عبدالعزيز ومهرجان الجنادرية السنوي بالسعودية، وزارة التراث بعمان، جامعة الخليج بالبحرين، ومؤخرا مشروع مؤسسة الفكر العربي.
ه الإنشاء المتعجل لبني ثقافية شكلية (جامعات، مراكز بحوث، دور نشر، مكتبات، معارض..)، تفتقد الشروط الأساسية لمردوديتها، بالنظر إلي قيامها كأدوات تكييف وتدجين واستكمال للأبهة، وتحييد لممارسة التفكير النقدي، بهدف منافسة مثيلاتها في أقطار عربية أخري، مع تسطيح الإبداعية في مجالات الأدب والفن، وإصدار دوريات تعمل أغلبها علي ترويج التخلف.
و التعامل مع المفكرين والكتٌاب والأدباء والأكاديميين العرب، إما بإغرائهم للعمل في أجهزة الثقافة الخليجية ووسائل إعلامها وجامعاتها، متسقة في ذلك مع ذهنية الريع الملازمة لها، والتي تعتبر 'العطاء' أقرب السبل لكسب الاتباع، وإما بتشويه ممثلي التحديث واليسار والعلمانية والقومية منهم، ممن أطلقت عليهم 'أصنام الحداثة والفكر والزندقة'، و'أهل التشكيك والنفاق'، وأدرجتهم في 'فسطاط' الكفر والإلحاد.
(2) خطاب الإسلام الراديكالي:
وهو الخطاب الذي تبنته جماعات الاحتجاج والعنف في الوطن العربي، مع مواجهتها لأزمة المعاش ومعضلات التحديث وإشكاليات العصرنة، لتطرح نفسها كبديل ثوري، له صفة الشمول والمنحي العالمي، حتي يقف سدا في وجه ما تتصوره هيمنة حضارية للغرب بماديته وعلمانيته ودهرانيته، والتأكيد علي ضرورة العودة إلي الأصول الإسلامية في التفكير، وقواعد السلوك والتنظيم الحقوقي والاجتماعي.
وينطلق هذا الخطاب من اعتبار أن التخلف اللاحق بالمجتمع العربي، هو نتيجة لتقليد الغرب، ومن ثم فالحل لديه هو الارتداد عن كل ما هو غربي والعودة إلي وسائل تحقيق ذلك موجودة في أصل الإسلام، وهو الجهاد بنوعيه: الأصغر كإصلاح للذات، والأكبر كحماية للمجتمع من عدوي الجاهلية.
والمتتبع لهذا الخطاب، لا يملك إلا أن يسجل تشدده في عزل جسد المرأة وتطويعه وتحقيره وقمعه، بدعوي منع الغواية حماية المجتمع من الانحلال الأخلاقي، وذلك بادعاء امتلاكه المبالغة في الخوف عليه ومنه، وحجبه داخل المسكن حجرمة للخلوة، وإخضاعه، واعتباره موضوعا للرغبة، ويتم ذلك بواسطة زرع شبكة قارة من القيود لحركته، وضرب خاص من التحريم الذي يضمن وظيفته، بدءا من الملبس، مرورا بطريقة السلوك وأسلوب التكلم والتعبير الجسدي حتي حياتها الجنسية.
والخطاب بعامة يتسم بغيابه عن إدارة الصراع علي أرضيات الحياة الاقتصادية والاجتماعية الحقيقية، ورحيله إلي فضاءات الحلول المجردة، اعتمادا علي مقولة 'الإسلام هو الحل' وصولا إلي رفض الديمقراطية واحتكار الحكم باسم الإسلام، وتحول السلطة إلي نوع من الكنسية، وفض التناقضات بالعنف والفتن الطائفية، وغيام الحس الوطني والقومي، وتنزيه الذات ونفي الآخر، عبر أخلاقية تسود عن دونها في تفسير الظواهر. وربما لهذا يتضخم هذا الخطاب في السياسة، ويشحب أثره في التاريخ، يقوي بالاحتجاج علي أزمة السياسة، وينتهي بالاندراج في أزمة التاريخ، وليس السبب نقصا في حيوية الإسلام، بل في أحادية خطاب ينطق باسمه ويتزين برسمه.
إن هدفه اختراق المستوي الأنثروبولوجي للدين 'الطقوسي والثقافي' إلي المستوي السياسي الكامن في استعادة دفة القيادة، وتجسيم المفهوم الشمولي للإسلام بوصفه دينا ودولة، ورسم جغرافيا وتاريخ مقدسين، مما جعله يستشعر دورا رساليا، ويشكل دافعا لتقويم السلوك المنحرف، ومقاومة مظاهر الفساد والانحلال، وهو ما حدا باطلاقية قناعاته، ونزعته للوصاية أن تكون حاضرة باستمرار.
من هنا راوح خطاب الإسلام الراديكالي بين الاحتقان السياسي، والنشاز المعرفي، والتقوقع، والمفاصلة، وكلها عملت في معيٌة علي صوغ تشوهات فكرية في مشهد الثقافة العربية المعاصر.
(3) الثقافة الجماهيرية:
وفي وطننا العربي، تماثل مع احتدام الأزمة المجتمعية، ورسملة العلاقات، وتزايد نشاط وسائل الاتصال، والتوجه نحو تعبئة الموارد والأشخاص والمعلومات، وتقسيم العمل، سيطرة ثقافة جماهيرية، تقوم علي تعديل لحمة التراث، كي تتفق مع أوجه استخدامات الذرائعية وتوظيفه الجماهيري، اعتبارا من أن الثقافة الجماهيرية تجنح، بخلاف الثقافة الشعبية، إلي فصل صنٌاع الثقافة عن مستهلكيها، مما يؤدي إلي تحويل أعضاء الجماعة العربية لمجرد متفرجين.
وهذه الثقافة الجماهيرية تكرٌِس قيما، تعمل الدول العربية علي نشرها وترويجها وإقناع الجماهير بها، كأداة مباشرة من أدوات انجاز التغييرات الناتجة عن طبيعة نمط الانتاج الرأسمالي التبعي، الذي يجري العمل علي تحقيقه من خلال هذه الثقافة، تلك التي تخضع عادة لمتطلبات اقتصاديات السوق وبيروقراطية الهياكل، ولمقتضيات التوظيف.
ويتم هذا التوظيف، حيث يكون التراث عنصرا يندمج في إطار سياسات تستهدف تبرير شرعية السلطة السياسية، وتحديد الخيارات التي تقوم بها في الميدان الاقتصادي والاجتماعي، بما يفرض تصورا خاصا للتراث وأهدافه وأدواره، بأن يضحي عمليا وتماثليا، من أجل توجيه قيمه إلي حالة من التوحد الثقافي، والمعلوماتية الأكثر ابتذالا ويومية، تطمح في النهاية أن تجسد في منظومة سياسية مسيطرة، عبر توليد احساس القناعة والاكتفاء، وتطبيع وتمويه تاريخية جماعته.
وهكذا قامت الأنظمة العربية، بموازاة التغيرات التي تبنتها في الاقتصاد والسياسة، بإعادة ترتيب الأمور في المجال الثقافي، فأنشأت مؤسسات
وأجهزة جديدة (هيئة قصور الثقافة في مصر، التنشيط الثقافي في تونس، رعاية الشباب في السعودية...)، تستهدف في مجملها تحويل مواطنيها إلي جماعة نمطية، بتوجيه قيمها التراثية، وتشجيع ثقافة الاطارات، والتي من شأنها أن تسرٌع استيعاب تطبيع الواحدية، علي حساب الأشكال المحلية والشعبية المتنوعة.
ويبدو تثمير الثقافة الجماهيرية ملحوظا في هذا الصدد، عبر أسلوبين أساسيين: التقنيع، والتسليع:
يقوم الاول علي استبدال تجلٌيات التراث المعاشة بأخري تصورية، يتم اسقاطها عليه، بشكل يشوٌه حمولته المأثورة، ويضفي عليها أقنعة تحول دون التعرف عليها، بواسطة تزويقها، واعطائها ترميزات حداثية وعناصر دخيلة علي مقوماتها، اتٌساقا مع العلاقات الاجتماعية القائمة آنيا.
ومن الأمثلة الدالة هنا، ما حدث لمركٌب الأزياء النسائية في منطقة الخليج من تزويق وتقنيع، لدرجة دعت أحد الباحثين هناك إلي التساؤل عن مدي أصالة هذه الأزياء، التي رآها لم تستعمل قبلا، بل وفدت إلي المنطقة بعد أن أنعم الله عليها بخير البترول.
أما الأسلوب الثاني 'التسليع'، فيتم عن طريق تسويق المادة التراثية، وبالذات ما يتصل منها بالمفردات التشكيلية والحركية والايقاعية (المصنوعات اليدوية، الألعاب، الموسيقي، الغناء، الرقص...)، واستثمارها للغنْم السياحي، كما يبدو في تحويل 'ساحة الغنا' بمدينة مراكش في المغرب، من ساحة لانتاج واعادة انتاج مفردات من التراث الشعبي المغربي، إلي ساحة مصطنعة لترفيه السائح الأجنبي، وملء جيوب المستثمر المغربي.
هناك كذلك، النظر إلي مجال الثقافة المادية التراثي، كمجموعة من التقاليد الحرفية المتوارثة، لا كحلقات من التواصل الابداعي والتفاعل الانساني والتناسق التاريخي والبيئي، بمثل ما يقوم به 'بيت السدْو' في الكويت، و 'مشروع بني حميدة للنسيج' في الأردن، و'قرية التراث' بدبي، و'معهد الشرابية للتنمية' في مصر.
علي أن تثمير الثقافة الجماهيرية في الأقطار العربية يبدو بالأوضح، عبر تضخيمها جهاز التليفزيون كوسيط ثقافي أوٌل، والذي كان من نتائج انتشاره تقليص الاجتماعات العامة التي مثلت مناسبات لاحتفالات ثقافية، واخْراس الحوار فيها، حين أضحي هذا الجهاز هو المتحدث البديل الذي يتم الاستماع اليه، بما أربك المشاهد، حين غصب تواصله مع تقنيات قلٌصت تلقٌيه إلي مجرد استقبال، لايسمح حتي من ناحية الحواس، سوي باستهلاك الصور والمعلومات.
(4) المتروبول الثقافي:
ويمثٌل هذا المتروبول نمطا آخر ملتبسا في خارطة المشهد الثقافي العربي المعاصر، ظهر مع نهاية الحرب العالمية الثانية، حين تكرٌس المشروع الاستيطاني الصهيوني في المشرق العربي علي ركائز ثقافية لاسند لها، وبدأت الولايات المتحدة تتسلٌل إلي المنطقة العربية، وتركز علي مجال العمل الثقافي، انطلاقا مما أطلق عليه بعض المنٌظرين الأمريكيين 'البعد الرابع'، وعنوْا به احكام الالحاق من خلال الثقافة، كبعد جديد يضاف لأبعاد السيطرة الاقتصادية والسياسية والعسكرية، بواسطة انشاء الجمعيات والارساليات ومعاهد التعليم والدوريات والمؤسسات البحثية ودور النشر، جنبا مع تصدير 'الصٌرعات'، أو ما اصطلح علي تسميته ب 'الأمريكانية' Amricanismo (أفلام هوليوود، موسيقي الجاز، الأطعمة المجمدة، مشروب الكوكاكولا، بطاقات الائتمان، الموتيلات، دور سينما السيارات...).
وفي هذا الاطار، ظهرت في مصر مجلة (المختار)، ذات الحجم الصغير والثمن الرخيص والطباعة الجيدة، ولعبت دورا ملحوظا في تهميش وعي القاريء العربي، ومثلت الترجمة العربية للمجلة الأمريكية الشهرية المعروفة Reader's Digest 'الأكل المهضوم للقاريء'، وورد اسمها ضمن المجلات التي ساعدت المخابرات المركزية الأمريكية علي نشرها.
ويجلفت النظر في القيم التي روٌجت لها هذه المجلة أمران: أن النجاح مرهون بلعبة الحظ والمصادفة، وأن العدل الاجتماعي معلٌق علي أريحٌية السادة وكرم المستعدين للتبرع والاحسان.
كذلك باشرت (مؤسسة فرانكلين) نشاطها علي النطاق العربي بدءا من عام 1953، وفي مرحلة احتدام اليقظة القومية، ومواجهة المنطقة لمحاولات الاحتواء وضمٌها إلي مناطق النفوذ.
وشهدت الستينات ذروة نشاط الترجمة في هذه المؤسسة، وبرْمجة أعمال هذا النشاط وتوزيعه علي مجالات متخصصة ومواقع معرفية مدروسة، وبالذات مجال التربية، أو ما أطلقت عليه 'فن صناعة البشر'، وتضمنت ترجماتها مناصرة مكشوفة للسياسة الاستعمارية، وتبريرا لشرعية الوجود الصهيوني، بتصوير اسرائيل كحضارة مؤثرة في المنطقة، وتقديم 'زاد' ثقافي أمريكي يعالج كافة القضايا التي تواجه المجتمع العربي، كي لايجد المواطن أمامه سوي هذا الزاد، وتشويه التراث الحضاري العربي، قصد خلق حالة من عدم الاقتناع بقدرته علي التواصل، والتبشير بالنمط الأمريكي في الحياة اليومية، ووضع موسوعات وأعمال معجمية للهجات ولجماعات اثنية عربية.
ومع بدء السبعينات، طوٌرت 'وكالة المعلومات الأمريكية' التي أصبح اسمها 'وكالة الاتصال الدولي الأمريكية 'USICA' من نشاطها، وذلك باستئناف برنامج ترجمة الكتب الأمريكية الي العربية، بعد توقفه عقب حرب 1967، وأضافت اليه انشاء مكتبات ومراكز بحثية، وتقديم بعثات دراسية ومنح وبرامج تدريبية للعاملين في قطاع التعليم والجهاز الاداري والأمني والعسكري والجمعيات الأهلية، وامدادها بالمعدات والتجهيزات والمطبوعات والخبراء والفنيين، تصاحبها شروط جانبية تبعدها عن أهدافها.
أما في الراهن، فانه، ورغم عدم اتضاح مقاصد العولمة برمٌتها بعد، وحجٌب جموحها الاقتصادي النظر عن أبعادها الأخري، فان الثقافة بدورها لاتفلت من شباكها، اعتبارا من أن المفاهيم والقيم التي أخذت تطفو علي سطح الحياة الاقتصادية نتيجة لعمليات العولمة، لابد أن تقوم بتشكيل قيمها الثقافية بما يخدم عمليا هذه المقاصد، مادامت هذه العمليات تمتلك تأثيراتها في نشر اقتصاديات السوق، وتضخم نشاط وسائل الاتصال والمعلومات، بما يدعو إلي تكريس عولمة ثقافية، تهدد روح الانتماء إلي الثقافة القومية.
عبر هذه الممارسات، وفي اهابها، يمكن تلمس مقاصد المتروبول الثقافي، التي تؤكد سيطرة النزعة التلقينية، الدٌالة علي أن قيم الفكر خارجية، وتعمق من تكريس الاستهواء والاذعان، اللذين يقومان علي تشريب الافكار دون تمييز أو تمحيص، ناهينا عن تجاهلها لاسهامات الثقافة القومية، وكلها يؤكد فكر ومنطق التبعية، أو ما يطلق عليه 'العقل الأسير'، الناتج عن متيافيزيقا الاستشراق.
|
|
|
|