دليل المواقع الاشتراكات الإعلانات دفتر الزوار United States Mirror Server United Kingdom Mirror Server Egypt Mirror Server
السنة -568ه - العدد1425ربيع الآخرمن11- م2004مايو من30 الأحد
بتوقيت القاهرة 12:16:10 PM الساعة - 5/29/02 آخر تحديث يوم
      البستان
جلادون ومثقفون
سعد زهران
وصمة عار تظل عالقة بأي حاكم او جلاد اونظام، ولايبرأ منها ابد الدهر..
التعذيب وانتهاك واذلال المعتقل السياسي لمجرد انه معارض هو أقسي درجة من درجات الانحطاط الانساني والاخلاقي، ولايمكن قبول اي مبرر او عذر في هذا الصدد.
وماجري لسعد زهران وعشرات المعتقلين اليساريين في 'أوردي ابوزعبل'، حيث قتل ثلاثة من التعذيب، قتلوا فعلا لامجازا، فالدالي مات بعد ايام قليلة من خروجه، والزبانية اخرجوه فقط بعد ان أصبح علي شفا الموت وحتي لايتحملوا مسئولية قتله، بينما تم قتل طبيب شبرا د. فريد حداد والمناضل اليساري والمفكر شهدي عطية الشافعي في ساحة السجن وامام زملائهما من المعتقلين.. ماجري لهؤلاء الذين كانت كل تهمتهم معارضة الحاكم والنظام لايمكن نسيانه، وليس مطلوبا نسيانه بل فضحه علي نحو مستمر وادانته ليل نهار، وسواء كان من تعرض للتعذيب شيوعيا أو اخوانيا او ينتمي لاي تيار.. لذلك انتبه المشرٌع المصري وخص المتهمين في قضايا التعذيب تحديدا بالنص علي عدم سقوط تهمة التعذيب بالتقادم ويظل الجلاد ملاحقا طوال حياته، ويبقي مطلوبا محاكمته مهما طال الأمد.
هذه الصفحات من كتاب المناضل والمفكر اليساري المعروف سعد زهران 'الاوردي.. مذكرات سجين .. الذي صدر اخيرا عن المركز الثقافي العربي ­ بيروت ­ لاتكشف فقط عن الجحيم الذي تعرض له مثقفون وعمال وطلاب من خيرة ابناء هذا الوطن، بل تكشف ايضا أن جريمة تعذيب المعتقل السياسي ستجد في نهاية الامر من احد الضمائر الوطنية اليقظة، سليمة الجوهر وماتزال يفضحها ويسجلها حتي لاننسي!


المعتقل تأديب وتهذيب واصلاح
لمن هم خارج المعتقل وليس داخله!
حوار : محمود الورداني
قبل رحيل الروائي عبدالرحمن منيف بأيام قليلة جري اتصال تليفوني بينه وبين سعد زهران بشأن مخطوط 'مذكرات سجين' الذي كان لدي الناشر اللبناني آنذاك، واتفقا في نهاية هذا الاتصال الذي استمر نحو نصف ساعة علي أن يكتب منيف مقدمة لكتاب حول أدب السجون، فقد لفت ما كتبه سعد زهران أنظار منيف ليس فقط بسبب صدقه الجارح، بل بسبب ما اعتبره اضافة جديدة لأدب السجون، لكن منيف لم يلبث أن رحل بعد أيام..
أما سعد زهران فعرف كأحد أقطاب تنظيم الراية منذ تأسيسه في الاربعينات، وانخرط في الصفوف الأولي لانتفاضة 1946 ولعب دورا أساسيا في اندلاعها وتنظيمها، كما كان المحرك الاساسي لإضراب المعلمين في أوائل الخمسينات لهذه الأسباب قضي عددا لابأس به من سنوات عمره ضيفا علي المعتقلات والسجون، لعل أطولها تلك السنوات المتصلة التي بين أواخر الخمسينات وأوائل الستينات، وفي غضونها قدر له أن يزور واحدا من أبشع قلاع التعذيب الذي يعود تاريخ بنائه إلي العصور التركية، بل احتفظ بالاسم التركي له (أوردي تعني معسكر) خلال العصور الملكية والجمهورية.
ومنذ عودته من الجزائر حيث عمل أستاذا للعلوم السياسية ستة عشر عاما منذ عام 1968 وحتي يونيو 1984، توالت كتبه 'في أصول السياسة المصرية' الذي يعد أحد أكبر الاسهامات السياسية في تحليله لقوي المجتمع والعلاقات بينها منذ العصور المصرية القديمة وانتهاء بحادث المنصة الشهير في عام .1981 و'الحرب الايديولوجية وسقوط الشيوعية السوفيتية' الذي حلل من خلاله ذلك الحدث الأعظم في التاريخ الحديث، ثم 'مدخل لفهم الأحزاب السياسية في مصر' الذي نشر منه مقالتين مطولتين.. أما ترجماته فلعل أشهرها رواية 'عناقيد الغضب' لجون شتانيبك، و'الانسان بين الجوهر والمظهر' لعالم النفس الشهير اريك فروم، و 'مصر الفرعونية' لجان يويوت، و'التجربة الروسية في القرن العشرين' لكاجارنتسكي.. وغيرها من الكتب مثل 'الرأسمالية العالمية علي حافة الهاوية'.
الآن وقد بلغ سعد زهران 78 عاما أعتاد أن يقضي عدة ساعات كل صباح في أحد مقاهي وسط القاهرة، حيث التقينا زميلي المصور يوسف ناروز وأنا معه لاجراء هذا الحوار.
والحقيقة أن سعد زهران أحد كبار معلمي ومناضلي اليسار، وأحد كبار مفكريه أيضا بسبب امتلاكه لمنهج أمكنه من خلاله ان يعيد قراءة التاريخ الاجتماعي والسياسي المصري من داخله متمثلا لقوانينه ذاتها وليس من خلال التطبيق الميكانيكي الأعمي لمقولات نشأت استجابة لواقع مختلف.. أي أنه يضيف ويشيد ويبني تحليلا جديدا تماما، وبقدر ما استجاب لمنهجه، أخضع مقولات هذا المنهج للواقع المصري علي النحو الذي يمكن أن نراه في أصول في السياسة المصرية' مثلا.
ومازال سعد زهران الذي لم يتورط مطلقا في خدمة هذا النظام أو ذاك، واحتفظ باستقلالية نادرة، مازال ربما بسبب استقلاله بالذات متمتعا بأقصي قدر من الحيوية الفكرية والذهنية.. وقبل آن نبدأ تقدم منا رجل عجوز سلم علي سعد زهران بحرارة شديدة قائلا: 'أنت تذكرني بالأيام المجيدة'.. وعرفت ان الرجل كان السائق الخاص للنحاس باشا!
كان مذهلا لي أن يؤكد سعد زهران تفاؤله الآن أكثر من أي وقت مضي، فهو يري مثلا أن دم الشعوب العربية يسيل علي مرأي ومسمع من العالم كله في الفلوجة ورفح، ومع هذا هناك حالة تصاعد شديد، فللمرة الاولي يخادع الامريكيون ويخفون عدد قتلاهم.. واذا كنا في حرب 1967 فقدنا عشرات الآلاف من جنودنا، فإن اسرائيل لم يمت لها سوي جندي واحد. أما الآن فهناك مئات وربما آلاف القتلي الامريكيين والاسرائيليين.. والامريكيون الذين صدعونا بتشدقهم بالديمقراطية وحقوق الانسان يحملون الكرابيج ويقتلون الاسري العراقيين في السجون.
أما كتابه 'مذكرات سجين' فيتميز بابتعاده تماما عن الغنائية والعاطفية الرخيصة، هل لأن اللغة العارية والجارحة لوقائع التعذيب الوحشي أكثر تعبيرا عن هذا الانحطاط الذي أصاب الجلادين وحاكمي هؤلاء الجلادين؟!


سألت سعد زهران الذي كان قد تلقي النسخة الوحيدة من كتابه الذي تأخر نشره ستة وثلاثين عاما كاملة.. ما هي ظروف كتابته؟
في اكتوبر 1968 غادرت مصر حيث كنت أعمل صحفيا بمجلة الطليعة.. وكان هذا نوعا من المنفي الاختياري والمنفي المباشر معا، فلم أكن قادرا علي تحمل الهموم اليومية من ناحية، وكنت راغبا في الابتعاد عن مضايقات الأمن أيضا.
في الجزائر جمعتني الظروف مع عدد من الصحفيين المصريين واساتذة الجامعة الذين سافروا مثلي للعمل هناك، وسكنا سكنا مؤقتا مشتركا في شاليهات.. من بينهم أتذكر عبدالغني أبوالعينين وحسين عبدالرازق وفريدة النقاش والطاهر مكي.. قضينا معا كثيرا من الأمسيات، وكانت حكاياتي عن السجن أحد الموضوعات المطروحة ويعود الفضل للطاهر مكي الذي اقترح علي أن أكتب ما أحكيه.. وكانت حيرتي تنبع من الشكل الذي ستكون عليه المذكرات، وكان رأيه أن أكتب وبعد أن أنتهي يمكنني أن اكتشف الشكل من خلال الكتابة ذاتها.
استجبت لاقتراحه، وبعد كل ليلة قبل أن أنام اقضي الوقت الذي تسمح به لي طاقتي في الكتابة، ومن هنا كانت الفصول إل 19 الواردة في المذكرات، وتوزعت الليالي التي كتبت فيها بين شهرين أو ثلاثة شهور..


أفرج عنك من الاعتقال في مايو ..1964 ولم تبدأ الكتابة إلا عام ..1968 لماذا تأجل الكتاب هذه السنوات الاربع؟
لم يكن في ذهني الكتابة مطلقا، فأنا سياسي وكل كتاباتي سياسية، لذلك لم يرد علي خاطري أن أكتب مذكرات، والفضل يعود للطاهر مكي، وان كان يبدو ان استجابتي لاقتراحه كانت التقاء ارادة شخصية مع تشجيعه.


ألم يكن ابتعادك عن مصر في هذا المنفي الذي اخترته أحد العوامل في الكتابة؟
لعله العامل الحاسم.. وقد كتبت كل صفحات المذكرات مرة واحدة من نوفمبر 1968 إلي فبراير ..1969 أي بضعة أسابيع، ولم أعدل أو أغير حرفا واحدا بعد ذلك.. أكرر أن العامل الحاسم كان هو الابتعاد عن مصر، سواء من ناحية الهموم السياسية أو الابتعاد عن عيون الأمن..


وتأخرت أيضا في النشر.. 36 سنة مرت علي انتهائك من المذكرات قبل ان تنشرها.. لماذا؟
كل ما كتبته في المرة الاولي اعتبرته نوعا من المسودة، ولذلك أجلت كثيرا اعداده للنشر، وعندما بدأت في ذلك لم أغير أو أعدل حرفا فيه.. هذا اعتبار، والاعتبار الثاني انني كنت مترددا في ذكر الأشخاص الواردين في المذكرات بأسمائهم الحقيقية حتي لايساء فهم ما أكتبه، أضف إلي ذلك أن هناك كثيرين في الفترة الماضية كتبوا عن التجربة مما دفعني للتأجيل أكثر..


يبدو لي أن هذه الاسباب ليست كافية لتأجيل استمر 36 عاما؟
هناك تفاصيل كثيرة منها مثلا أن عبدالعظيم رمضان نشر سلسلة مقالات في أواخر الثمانينات أو أوائل التسعينات في جريدة الوفد عن تعذيب السياسيين، ووجدت في هذه المقالات نصا منشورا من مذكراتي، ودهشت لأنه كتب ان هذا النص جزءا من مذكرات محمود شندي، وهو يساري نوبي راحل وشخصيتة درامية وشاعر.. المهم انني زرت عبدالعظيم رمضان الذي كنت قد عرفته في الجزائر من خلال صديقي الراحل محمد انيس، وسألته عما كتبه، وانتهي الامر إلي أنه بعد رحيل شندي وجد اصدقاؤه أوراقا عديدة وصلت لعبدالعظيم رمضان باعتبارها كتابات شندي، وتذكرت انني كنت قد صورت نسخة من الكتاب وأعطيتها لشندي ليقرأها..
هذه الواقعة تحديدا هي التي دفعتني للتحرك سريعا وبدأت في اعداده للنشر فورا..


لوحات الكتاب انت رسمتها علي الرغم من أنك لاتشتغل بالرسم!!.. متي رسمتها؟
رسمتها في نفس الفترة التي كنت أكتب فيها واستحضرتها من الذاكرة، ولذلك أنا مندهش من أن عددا كبيرا من أهم الفنانين المرموقين مثل حسن فؤاد وزهدي العدوي وغيرهما.. لكن أحدا منهم لم يرسم ويسجل هذه الفترة..


لا.. انجي افلاطون مثلا رسمت..
علي العموم هي ليست غريبة.. انها من الراية ايضا!


هل ننتقل للحديث عن مصائر جزاري الأوردي؟
بعض من كتبوا عن الاوردي تعرضوا لهذا الموضوع، وكتابي عبارة عن مذكرات ميدانية ولاتعنيني مصائر الجزارين.. إلي جانب هذا أتذكر أيضا ان المحادثة التليفونية التي دارت بيني وبين منيف قبل رحيله بأيام قليلة ناقشنا فيها في أم يتصل بهذا، وهو المقولة البلهاء التي تؤكد ان خريجي السجون أبطال والسجن مدرسة الثوار..
بعبارة أخري أنا حريص علي ألا اكتب كتابة الندابات فهذا لايصح لأنني أعتبر نفسي مناضلا..
أنا ضد الادب الانفعالي.. والحقيقة أن أدب السجون لم يدرس بعد، لكنني تأثرت جدا عندما قرأت 'الفراشة' لهنري شاريير و'عالم السجون والقيود' للعقاد، و 'ذكريات من منزل الاموات' لديستويفسكي، وكتابان لسولجنتسين، و 'القلب البصير لبرونو بتلكهايم و'عريان بين ذئاب' لكاتب ألماني لا أذكر اسمه، وكتابان لعبدالرحمن منيف: 'شرق المتوسط' و 'هنا والآن'.


وماذا لفت نظرك في أدب السجون المصري؟
انه خارج الموضوع!


لماذا؟
لأنه مزيج من جعل الذات بطلا والمتاجرة بالتضحيات والآلام وغناء الندابات.. السجن لعنة من لعنات المجتمع الطبقي وليس مجرد تأديب وتهذيب واصلاح لمن داخل السجن، بالأحري هو تأديب وتهذيب واصلاح لمن لم يدخل السجن أصلا!! ومن هنا اعتبر نفسي خارج الكتلة الاساسية للكتابة عن السجون.

مذكرات سجين
طلوع الفجر






تساءل أحدهم بصوت مسموع:
­ ماذا تظنون أنه أسوأ ما في الأوردي؟
فردٌ زميل قريب منه:
­ الجبل.
وقال آخر:
­ بل التفتيش.. الجبل عمل ومشقة وضرب، وربما هو الموت، ولكن التفتيش هو المهانة بكل معانيها. ليس أسوأ من التفتيش. وامتدت المناقشة لتشمل عددا متزايدا من سكان العنبر. فقال خليل الآسي:
­ بل هو طابور الرياضة..
وضحك ضحكته المضحكة التي أعطت فرصة لبعض التعليقات الساخرة من هنا وهناك. فالتقط خليل أنفاسه سريعا وقال:
­ نعم، أنا أستطيع احتمال أي شيء. آه. آه. أي شيء، وآهو في الجبل الواحد بيقدر يزوٌغ شوية، أمال إيه. والانفلات من شومة الشاويش عبدالحليم فن.. أمال إيه فن. فن. لكن يوم طابور الرياضة ده بيبقي يومه اسود. الواحد يجري ساعة كاملة من غير ما يأخد نفسه، ويزحف.. كل ده ولا فرصة للانفلات. إزاي الواحد يفلت؟ إزاي تفلت يا استاذ وكل قوة السجن واقفة محاصراك ونازلين كلهم ضرب. وان كان ع المهانة، آهو طابور الرياضة كله مهانة ومهزأة.
وتصاعدت أصوات عديدة من أكثر من واحد في نفس الوقت:
­ لا. ليس أبشع من المهانة أثناء التفتيش. هذا أبشع شيء. وطابور الرياضة مرة في الأسبوع. ولكن التفتيش. التفتيش مرتين كل يوم.
وقال أحدهم:
­ وربما كانت أفظع لحظات التفتيش هي تلك التي يكونون فيها في العنابر الأخري، ونحن في انتظار دورنا. إن الصوت الكئيب لدبيب الأقدام الحافية ولوقع العصي والقوايش علي ظهور زملائنا في العنابر الاخري.. إن هذه الموسيقي الفظيعة التي تتكرر كل يوم خمس مرات قبل أن تصلنا في الصباح، وخمس مرات أخري في المساء.. ربما هذه أفظع من الوقت الذي يجري فيه تفتيش عنبرنا.
ومرت لحظة صمت، والكل يجتر المشاعر المرهقة. ثم صوت أحدهم:
­ العمل في الجبل ليس سيئا في الأيام العادية.. الجهد والضرب محتمل لحد ما.. ولكن المصيبة في الأيام العادية.. الجهد والضرب محتمل لحد ما.. ولكن المصيبة في الأيام اللي فيها تكديرة. وكان في الأول.. إنما الآن المسألة أصبحنا معتادين عليها..
­ فعلا.. العمل في الزلط أسهل، المصيبة لما بيحولونا للعمل في التراب. عندئذ يكون الجبل أسوأ نسبيا. لا يمكن نقول الجبل أسوأ في الأوردي بشكل مطلق، دي مسائل نسبية..
وارتفع صوت محمد عباس، غليظا متثاقلا:
­ تعرفوا إيه أسوأ من الأوردي؟
كان يتمدد علي بجرشه، مسندا رأسه إلي الحائط كالعادة، ويداه مندستان في حلق بنطلونه، وفوق رأسه لايخطيء من يراه ملاحظة أن خلف هذا الشحوب البادي حمزة زائلة، كانت في يوم من الأيام زاهية متألقة. عيناه الملونتان شاخصتان ساهمتان كعادة في تلك الأيام، وأنفه الكبير ناتيء، أرنبته قرمزية قانية، يتدرج لونه كلما هبطنا إلي قاعدته التي يذوب شحوبها في شحوب وجنتيه. وذقنه ممدوة إلي الأمام، وهو يشخص ببصره إلي شيء مجهول في سقف العنبر.. كان كل ما يحيط به يدعو إلي السخرية والرثاء.. ولمٌا كان قليل الكلام في تلك الأيام، فإن اقتحامه ميدان المباراة الكلامية حول أسوأ شيء في الأوردي لفت النظر، وبخاصة­ أن الجميع يتوقعون أن يتدخل برأي سيثير عاصفة من التعليقات، الساخرة بحكم العادة..
ارتفعت صيحات عديدة متسائلة، كان أعلاها صيحة إسماعيل صبري:
­ إيه ؟. يارستم؟
(ورستم اسم تركي خلعه الضابط يونس مرعي علي محمد عباس،. وكان يونس مرعي مغرما، في معرض السخرية التي لاتنتهي بالمعتقلين، باختيار هذا الأسلوب الذي ينفرد به من بين بقية الضباط­ ألا وهو ابتداع أسماء وأوصاف ومهن غريبة ينادي بهاپالمعتقلين . وكان اسم رستم من الأسماء التي لصقت بمحمد عباس، حيث وجدت صدي لدي الجميع طيلة فترة الاعتقال التي أعقبت دخولنا الأوردي).
ظل محمد عباس ساهما لحظات، وبصوت أكثر غلظة وبنبرات أشد اختناقا وأشد تعبيرا عن القنوط، أعاد سؤاله مرة أخري:
­ تعرفوا إيه أسوأ من الأوردي؟
وتعالت الصيحات من كل أرجاء العنبر:
­ إيه يارستم؟ ماتقول.. قول يا أخي وخلصنا..
قال محمد عباس، ونظرته التائهة أشد ما تكون شخوصا:
­ الفجر.. طلوع الصباح .. إن بشائر يوم جديد تعني تجدد هذا الجحيم كله.. وأشد اللحظات قسوة هي تلك التي تصافح فيها عيوننا الشاخصة القضبان لنتبين أن الخيوط الأولي لنور يوم جديد بدأت تشق طريقها وسط الظلام المريح.. هذه هي اللحظة التي تتكثف فيها كل التعاسة والعذاب...
... صمت الجميع.. وتصلبت نظراتهم علي قضبان الشبابيك السبعة عشر، وسري الجزع والخوف والقنوط باردا في أوصالهم وهم يتبينون أن يوما جديدا قد بدأت تشرق شمسه..


قال أحمد خضر، بعد أن تكاثرت عليه الأسئلة:
­ سألخص لكم الأوردي في منظر صغير.. من المستحيل أن يحيط وصف تفصيلي بما يجري في الأوردي. فاقنعوا مؤقتا بالقصة الآتية:
كان آخر عهدي بالدكتور فؤاد مرسي في معتقل القلعة 'بيه'.. في عصر كل يوم يخرج يتمشي في حوش المعتقل، وهو يلبس بذلته الأنيقة. وأحيانا­ وعلي سبيل التبسط­ كان يرتدي فوق البنطلون والقميص روب دي شامبر أنيقا من الصوف. وأحيانا ­ إمعانا في التبسط­ كان يلبس قبقابا 'يطرقع' به زهوا علي الأرضية الحجرية لفناء المعتقل. كان وجهه دائما متألقا تظهر عليه النعمة، ذقنه حليقة، نظاراته لامعة. يحف به الدكتور إسماعيل صبري من يمين، وسعد زهران من يسار، وهو يتبادل الحديث معهما موزعا الإبتسامات والتحيات الوقورة الباشة علي جمهور الرفاق..
كان هذا آخر عهدي بالدكتور فؤاد في معتقل القلعة حتي مارس ..1959
ثم تفرقت بنا السبل إلي أن ذهبنا إلي الأوردي في منتصف يونيو .1960 لن أصف لكم يوم الوصول، فتلك قصة أخري.. ووضعوا دفعة الوافدين التي كنت واحدا منها في عنبر .2
وفي اليوم التالي لوصولنا كان بعض زملائنا يتعلقون بقضبان شباك العنبر ترقبا لظهور احد من زملائنا الذين سبقونا إلي الأوردي. ولاحظت أن نشاطا بدأ يدب بينهم، وأنهم أخذوا يتبادلون حديثا هامسا مع أحدهم بالخارج. وقال أحدهم : هذا هو الدكتور فؤاد..
دفعني الفضول إلي الإسراع والتعلق بقضبان الشباك لأري الدكتور فؤاد أو غيره، لأتبادل معه كلمة أو كلمتين حول الوضع القائم في هذا السجن العجيب. كان يفصل عنبرنا عن 'عنبر1' مايشبه حارة بطول العنبرين، عرضها حوالي خمسة أو ستة أمتار. وحين أطللت بنظري رأيت اثنين من المساجين يلبسان ملابس مغبرة مصفرة وممزقة ، الأرجح أن لونها كان أبيض، كان أحدهما يتطلع يمينا ويسارا، يرقب الطريق ليحذر الآخر إن ظهر أحد من السجانين. وكان الآخر يتلفت أيضا، لا لهدف واضح، ولكن بمجرد دافع القلق والذعر، ثم يندفع ناحية ا لحائط المقابل، حيث توجد كومة من القمامة التي أخرجناها من عندنا في الصباح، فينبش كومة القمامة ليخرج كسرات من الخبز، ينفض عنها التراب ثم يدسها في حلق بنطلونه. كان قصير القامة، يهرول إلي موقع المسجون الآخر، ويتلفت يمنة ويسرة، ويقضم في نهم قضمة من كسرة في يده، ثم يستدير مهرولا ناحية كومة القمامة مرة أخري..
كان المنظر غريبا، شغلني لحظات عن التنبه للهدف الذي من أجله تعلقت بقضبان الشباك.. لم ألبث أن تنبهت، وسألت زميلي الذي يتعلق جانبي بقضبان الشباك: ولكن، أين الدكتور فؤاد؟
فأجاب: ها هو ..
نظرت إلي حيث يشير زميلي، فرأيته يشير إلي المسجون القصير الممزق الثياب الذي ينبش في كومة القمامة.. لم أصدق في البداية ، وكررت سؤالي، فأكد أن هذا لم يكن إلا الدكتور فؤاد.
والحكاية أن الوافدين الجدد إلي الأوردي كانوا­ في أيامهم الأولي­ لايجدون أية شهية للأكل، ومن ثم كانوا يرمون جزءا كبيرا من خبزهم في صفائح القمامة. وتلك كانت حال الساكنين الجدد لعنبر .2 أما بعد مرور أسبوع أو اثنين، كان الوافدون الجدد يساقون للعمل لكسر الزلط في الجبل تحت الشوم الذي لا يرحم ولايهدأ كل يوم لمدة 4 ساعات علي الأقل، علاوة علي كل برامج التعذيب البدني الأخري. وهذه الحياة سرعان ماتدفع أصحابها إلي التهام كل مايجصرف لهم من خبز السجن بكمه الذي كانت تعافه نفوسهم في أيامهم الأولي. وهكذا تبدأ حياة مجاعة لاتنتهي أبدا.. وكان مجيء وافدين جدد (أو إيراد جديد بلغة السجن)­ كان في ذلك الوقت رزق للمسجونين القدامي، الذين يسارعون إلي النبش في القمامة التي يرميها المسجونون الجدد بحثا عن كسرات من الخبز. وكان هذا النبش امتيازا لا يختص به إلا النخبة..
أمعنت النظر مدققا في المسجون المهلهل الثياب، القصير القامة، الذي يقضم كسرة من خبز القمامة بنهم ويمسح مايسيل من لعابه بكمه الواسع الممزق.. وأخيرا تبينت ان الرجل يلبس نظارة بنية سميكة. وكان هذا هو الأثر الوحيد الباقي من الدكتور فؤاد الذي كنت أعرفه.







أثناء الحديث فوجئت بوالدتي تحمل كوب الشاي وتقذف بمحتوياته من الشباك..
وطبعا، كان هذا التصرف صدمة قاسية لي. فالشاي ترف لم نتمتع برؤياه منذ حوالي عام. وكان هذا أول كوب شاي سجمح لوالدتي بإحضاره معها أثناء إحدي الزيارات التي سمحوا بها بعد انتهاء شهور التعذيب..
­ إيه ده؟! بترمي الشاي؟
أخفت أمي دهشتها من الفزع الذي لاحظته علي وجهي، وردت:
­ لقد سقطت فيه ذبابة، وعلي أي حال، هناك كوب آخر في الترموس.
قلت:
­ ذبابة؟ هل ترمين كوبا من الشاي لأن ذبابة وقعت فيه؟
فوجئت أمي بي أضحك بشدة وأنا أقول:
­ ذبابة؟ ذبابة واحدة؟... آه لو تعرفي...
سألت : أعرف ماذا؟
­ آه، ولكن هذه حكاية طويلة، ربما أحكيها لك يوما.
والحكاية هي أن حساء السجن، (وهو يسمي في لغتهم 'يّمّكْ'، كان يجغرف لنا في أوعية من الألمنيوم تجسمي 'قروانات'، بالقرب من باب الأوردي، إلي يمين الداخل، وأسفل السور الذي يرتفع حوالي ثمانية أمتار، توضع القروانات مرصوصة في صفوف متوازية ومتلاصقة، كل صف به عشر قروانات، وتفصل قروانات كل عنبر (نيف وستين) عن قروانات العنبر الذي يليه مسافة صغيرة. ويأتي حساء السجن ساخنا في جرادل ذات تصميم خاص، مستطيلة القاعدة، مستديرة الحواف، لاتختلف في شكلها عن جرادل البول، إلا في أن لها يدا لحملها، وأنها عمودية الحواف وليست مائلة إلي الداخل قليلا كزميلتها، ويجسمي الجردل 'كانتين'. ويقوم أحد المساجين (العاديين) بغرف اليمك في القروانات. ثم يجساق المعتقلون في طابور طويل، وهم يجرون تحت ضربات الشوم، ليختطفوا قرواناتهم ، ويعودوا إلي عنابرهم عدوا مثلما جاءوا عدوا وهم يّربون أيضا..
واليمّك في السجن نوعان: أخضر وأبيض.
واليّمّك الأخضر هو حساء الخضراوات الخضراء، مثل الملوخية والخبيزة والرجلة والسبانخ. غير أنه من الصعب أن يتبين الإنسان أي نوع من الخضراوات الخضراء هو. فالعادة أن تجترك الخضراوات في مزرعة السجن حتي تشيخ، أو تصير شجرا علي حد التعبير الدارج بين المعتقلين، ثم يقطع هذا الشجر ليلقي كما هو ­ دون أي تنظيف من أي نوع ­ في مراجل هائلة الحجم، يجدفع البخار المحمٌص من أسفلها لتغلي بعد أقل من ربع ساعة. (والبخر المحمص هون الذي يجسخن في المراجل حتي تتجاوز درجة حرارته 400 مئوية ويتحول إلي الحالة الغازية.) وعلي الجانب الآخر من المرجل، توجد صنابير هائلة الحجم، يتدفق منها الحساء المغلي في الكانتين، ليحمله المسجونون من نوبتجية المطبخ إلي العنابر. وغالبا ما كان يستحيل تبيٌجن أصل الخضار الذي صجنع منه هذا اليّمّك، ولذلك اعتاد المسجونون أن يسموه 'اليّمّك الأخضر'.
أما اليّمّك الأبيض، فهو ، عادة، حساء الكرنب.
ولما كان غالبية ما يصيبنا معظم أيام السنة هو اليّمّك الأخضر، ولما كانت الخضراوات الخضراء غالبا ما تكون شائخة، ليس لها طعم وأحيانا يستحيل مضغها، لذلك كان اليّمّك الأبيض بالنسبة لنا شيئا نادرا ومحببا..
غير أن اليّمّك الأخضر، علي الرغم من كل عيوبه، لم يكن يخلو من مزايا.. والسبب هو الذباب..
فالمكان المخصص لرص القروانات كان مهبطا لأسراب لا حدود لها من ذباب أبي زعبل الجبلي، الثقيل الوزن والطبع، الذي يجد في بقايا اليّمّك وليمة دائمة. وكان الذباب يدفع ثمن هذه الوليمة عصر كل يوم، حيث يضحي آلاف منه بأرواحهم، حين تحوم أسرابه فوق القروانات التي تحتوي علي اليّمّك الملتهب. وهنا تظهر ميزة اليّمّك الأخضر. فهذا اليّمّك الأصيل، بفضل لونه الداكن، كان يخفي ماتساقط فيه من جثث الذباب الميت. أما اليّمّك الابيض، فكان لونه يفضح ماتساقط فيه من ذباب.
كانت وجبة اليّمّك المسائية هي الوجبة الرئيسية. ولم يكن أحد ليفكر في الاستغناء عن قطرة واحدة من هذا السائل الساخن بكل مايحويه، سواء كان قابلا للمضغ أو للبلع، وسواء ظهرت فيه الجثث الداكنة للذباب المتساقط­ كما في اليّمّك الأبيض­ أو لم تظهر بفضل اللون الأغبر الذي يمتزج بالظلال الداكنة لليمك الأخضر.
ولكن هذا لم يمنع، بين الحين والحين، من لحظات تمرد قصيرة، خاصة في شهري مارس وإبريل، في وقت تغيير الفصول. ففي ذلك الموسم يشتد هجوم أسراب الذباب اشتدادا عنيفا، ويصبح حال اليّمّك الأبيض بصفة خاصة لا يحتمل. أذكر أني وإلهام سيف النصر كنا نتناول وجبة المساء معا، وكان اليّمّك في تلك الأمسية الكثيفة الذباب يمكا أبيض. وكان لإلهام عذره في ظل التمرد الذي كان يصيبه تجاه اليمك أحيانا. فلم يكن إلهام يعرف­ قبل المعتقل­ من المشروبات ما هو أقل من الويسكي، فما بالنا بأنواع المأكولات التي تناسب المقام. وكنت أنا أيضا لي بعض العذر في مثل هذا السلوك عير المناسب تجاه اليّمّك العتيد. ذلك أني لم أكن ممن يعملون في كسر الزلط في الجبل، وإنما كان لي عمل أقل مشقة (وإن يكن أكثر تعذيبا وإذلالا) في الأوردي. وأذكر أنا وضعنا قروانتينا أمامنا وبدأنا نأكل.، وكانت أحجام الذباب ولونه الداكن صارخا في اليّمّك الابيض، وأخذ كل منا يخرجة مايستطيع إخراجه من الذباب ويرميه بعيدا.
انقطع حبل الحديث الذي كان متصلا في أول الأكل، وقد بدأ التمرد (ولا أقول التقزز) يتملكنا..
قلت ، بعد فترة صمت ونحن منهمكان في إخراج الذباب:
­ مارأيك؟
قال:
­ رأيي أن القروانة التي يزداد فيها عدد الذباب (أو عدد ما نستطيع إخراجه من ذبابها) عن عشرين لا تعد في حالة صالحة للأكل، ولابدٌ من رميها مهما كانت النتائج، ولو متنا جوعا. ورمينا اليّمّك في تلك الليلة.. ولكنها كانت آخر مرة.







كان محمد عباس مسكينا بين المساكين.
صحيح أننا كنٌا جميعا حفاة وأشباه عراة، ولكن محمد عباس كان يبدو وكأنه أشدنا حفاء وعريا.
كانت قدمه اليسري دائما معطوبة. إن لم تكن مجروحة تسيل دما، فإن باطنها يكون منتفخا طريا مليئا بالصديد. وإن جفت من الدم الأحمر والصديد الأبيض. فغالبا ماتجده يقشر طبقات من الجلد الأصفر الليٌن أو البني الجاف عن باطنها المحتقن، وكثيرا مايعود من الجبل وينهمك في إخراج الحصي البازلتي الأسود الصغير الذي لايكف عن التسرب ابدا في ثنايا شقوق باطن القدم وجروحها..
لذلك كان محمد عباس يظلع دائما ، ضاغطا بثقله علي كعب قدمه المعطوبة وحافتها الخارجية، ويمشي­ أو يعدو­ وساقه كلها شبه متصلبة، قدرتها علي الانثاء والحركة محدودة، وكان محمد عباس في البداية يقف في الطابور اليومي للجرحي أمام الشاويش أمين، تمورجي الأوردي وجزاره الذي لايباري، ويتحمل إهانات الشاويش أمين وشتمائه المقذعة ولكماته وصفعاته التي يوزعها علي من يصادفون هوي في نفسه، وهو يمر بقطنه مبتلة بالميكروكروم (ملفوفة علي طرف شظية خشبية) علي جروح المعتقلين. وكان محمد عباس يتحمل كل ذلك رجاء أن تخفف قطنة المكيروكروم شيئا من آلام جروح قدمه التي لاتلتئم، ولكنه خرج ­بعد قليل­ بنظرية تتلخص في أن قطنة الشاويش أمين ربما تكون هي المسؤولة عن عدم التئام جرحه، لانه ينتقل بها من جريح إلي جريح، ومن عنبر إلي عنبر، دون تغيير. لذلك فضل محمد عباس بعد قليل مقاطعة علاج الشاويش أمين، ولجأ إلي العلاج الطبيعي، من محاولة تنظيف الجرح بعد العودة­ من الجبل، وقضم الجلد الذي يتقشر بين الحين والحين، والاقتصاد في طريقة المشي حتي لايرهق القدم المعتلٌ.. وغير ذلك مما كان يظهره وكأنه أشد حفاء من الآخرين..
كذلك كان محمد عباس يبدو أشد عريا من الآخرين. صحيح أن بدل السجن بدأت في التمزق السريع بعد بدء العمل في الجبل، ولم تمض بضعة اسابيع إلا وقد أخذت تتهرأ، ولكن الضمور السريع الذي أصاب المعتقلين في نفس الفترة كان كفيلا بجعل ملابس السجن تبدو مترهلة علي الكثيرين، وكان هذا يخفي كثيرا من عيوب التمزق. ولكن الضعف الذي اصاب محمد عباس أصابه في بشرته وعينيه أكثر مما نال من وزنه. كانت بشرته ­ قبل الأوردي ­ بيضاء مشربة بحمرة تكاد تكون قرمزية. في بعض أجزاء رقبته وأذنيه، فإذا بها تتحول إلي لون أبيض مشرب بصفرة باهتة مخيفة. وأصبحت عيناه زجاجيتين زائغتين تائهتين، أسفلهما انتفاخان هلاليان، لونهما بنفسجي مغبر، تتخللهما شعيرات نافرة منهكة داكنة ممزقة. وباستثناء ذلك، لم يبدج أن حجم اللحم والشحم قد نقص علي عظام محمد عباس، بل لقد كان يخيل للكثيرين أنه ربما تزايد وزنا. وكان هذا يعطي لعري محمد عباس بجعدا أكبر من عري الآخرين. فقد كان عجزه المنتفخ نسبيا يوحي بأنه ربما لايلبس شيئا أسفل البنطلون، وذلك علي الرغم من أنه كان يتمتع بلبس أسمال لباس داخلي كالآخرين.
وكان الشاويش كامل ­ من الناحية الأخري­ رحيما بين زبانية الأوردي، إن صحٌ التعبير.
صحيح أن الشاويش كامل كان يمارس الضرب المنتظم للمعتقلين من الصباح حتي المساء شأن جميع السجٌانين، بل ربما كانت ضرباته تتميز بنوع من القوة، حيث كانت ذراعه فيها استقامة ويده فيها جفاف، وعوده النحيل وقامته الطويلة، وملامحه الصامتة توحي كلها بالحدة والصرامة.. ولكنه كان يعزف عن استخدام لسانه، ويحجم عن استخدام يده العارية واليد العارية من أشد ما يجشعر الأسري في معتقلات التعذيب بالمهانة.
وباختصار، كان الشاويش كامل يقتصر علي تنفيذ التعليمات الصادرة إليه كما هي دون كثير تريٌجد. بل ، لقد كشفت الأيام ان كامل كان يتمايل احيانا علي تنفيذ هذه التعليمات بشيء من التصرف، كما حدث يوما، حين تأكد الشاويش كامل أن محمد عباس كان يبدو أيضا أشد جوعا من الآخرين.
حدث ذلك في الجبل. كان الشاويش كامل يستريح قليلا علي حافة صخرة، ويتناول طعام إفطاره. وذلك، شأن إفطار بقية السجانة، يتكون عادة من رغيفين من الخبز وقطعة من جبن السجن أو عسله الأسود أو بصلة جافة. وكانت أرغفة السجانة شهية بالقياس إلي خبز المسجونين. كانت أرغفة كبيرة الحجم، مدحوة بعناية، مخبوزة بتأن، وجهها الناضج مشرب بلون بني متماوج متدرج شهي، وهي أحيانا مقددة، تئز وتقرمش تحت وقع أسنان السجانة وأضراسهم، فيسيل لها لعاب الجوعي المحرومين، ولايلهيهم كسر الزلط وحمل الغلقان ووقع الشومه فوق ظهورهم عن اختلاس النظر نحو هذا المنظر الذي يتكرر صباح كل يوم فيوقظ نهمهم لمتع الحياة، ويملأ شيئا من فراغهم بالحديث عنه بعد العودة إلي حظائرهم بالأوردي.
كان كامل يجلس علي وليمة الصباح هذه، ويبدو أن اليوم كان من الأيام الهادئة نسبيا في الجبل أي كان يوما يسير فيه العمل في كسر الزلط والضرب بالشوم وفقا للتعليمات المألوفة دون تزيد خاص (وتلك حال لاتتكرر إلا نادرا). وقد لاحظ الشاويش كامل في ذلك اليوم أن محمد عباس يروح ويجيء أمامه بهيئته الرثة ومظهره المسكين، وهو يحمل علي كتفه غلق الزلط أو التراب إلي كومة التشوين.. ويحكي الذين رأوا المنظر ووعوه أن أبصار محمد عباس كانت تتعلق بالشاويش كامل الذي يأكل الخبز الشهي والبصلة المتألقة وهو آت من بعيد، وتظل أبصاره متعلقة بالخبز حتي يحاذي آكله، ثم يستدير ناظرا إلي الخلف وابصاره ماتزال متعلقة بالخبز الشهي حتي يختفي عند منعطف في الدرب الجبلي.. وعند العودة يتكرر المشهد الذي تستدير فيه رأس محمد عباس ورقبته وعيناه التائهتان المتسولتان نصف دورة كاملة في كل مرة.
زعق الشاويش كامل في محمد عباس زعقة منذرة.. فتنبه محمد عباس وهرول مضاعفا الجري في الذهاب والمجيء. مكتفيا باختلاس النظرات عوضا عن شدة التأمل والسرحان . وبعد دقائق أنهي الشاويش فطوره، وعاد إلي مزاولة سّوٌق المسجونين في العمل، بضربه الروتيني المألوف، الذي أصاب غيره بسبب خروجه علي التقاليد المستقرة التي لاتسمح لمسجون برفع بصره نحو سجان. ولكن احدا لم يلاحظ أن الشاوش كامل همس بكلمة لمحمد عباس، بينما كان هذا الأخير ينحني يملأ غلقة ترابا. وبعد ذلك الهمس الخاطف بقليل، توجه محمد عباس الي خلف إحدي الصخور الكبيرة، وأدار حجرا مميزا، ليجد أسفله رغيفا شهيا تركه له كامل الرحيم.








علي الرغم من العبء الباهظ الذي كانت تتحمله. الأجساد في الأوردي، إلا أن ملاحظاتي أكدت لي أن الجهاز العصبي هو الجهاز الحاكم في التكوين البشري.
بعد أن استتب روتين الأوردي، أصبحت كثير من حركات المعتقلين تتم لانعكاسات الشرطية المباشرة. وكانت ضربة المفتاح في باب العنبر من أبرز علامات الحياة التي تترتب عليها سلسلة من هذه الانعكاسات الشرطية في السجن. كانت ضربة المفتاح في كالون باب العنبر تعني أن الشاويش عبدالصادق سيظهر بعد لحظة علي باب العنبر، ويلقي بعض الأوامر، وأيٌّا كانت الأوامر، فلابد أن تنفيذها يتطلب قدرة فائقة علي الجري. فالجري، أو الخطوة السريعة، إحدي الدعامات الأساسية التي يقوم عليها روتين الحياة في سجون التعذيب.
في اللحظة الأولي لخطو المعتقل إلي سجن التعذيب يجلقي إليه بأمرين يظلان يترددان إلي أن ينفذهما المعتقل تلقائيا ودون تفكير: 'وشك في الأرض'، 'الخطوة سريعة'. إن تنكيس الرأس والبصر من القواعد الأساسية، والخروج علي ذلك يعتبر أكبر جريمة يرتكبها مسجون أو معتقل في سجون التعذيب، وليس الغرض من تثبيت هذه القاعدة مجرد 'كسر عين' السجين أو إذلاله إلي أقصي حد فحسب، وليس الغرض أيضا هو تجريد الضحايا من أي قدرة علي تبين ما يجري من حولهم وجعلهم يتلقون اللطم والصفع والضرب من أي جهة دون أن يتبينوا من أين يأتيهم، وممٌن، وحرمانهم من أية فرصة قد تعني محاولة تجنب ما ينهال عليهم من أدوات التعذيب والإهانة.. ليس الغرض هو كل هذا فحسب، وإنما يجضاف إلي هذا الحرص علي معنوية الجلادين أنفسهم.
نعم،.. فليس أقسي وأشد تعبيرا عن الكمد من نظرات حيوان حبيس، فما بالنا بعيني إنسان لا يعاني من ضيق الحبس فحسب، وإنما يقاسي آلام التعذيب ومذلة التحقير إلي غير حدود.. ليس أخطر وأبعث علي الفزع في قلوب الزبانية مثل شرارة الغضب والحقد والتربص التي يمكن أن تنطلق ­ ولو علي سبيل الخطأ وعدم الحذر ­ من عيني إنسان مغلوب علي أمره، حتي ولو كان يعاني آلام الاحتضار تحت ضربات الأحذية الغليظة. وفي تاريخ الأوردي، لم يوضع أحد علي العروسة 'وهي شبه صليب خشبي هائل يعلق عليه المسجون ويجلد' إلا مختار جمعة، حين صرخ همت يوم كان يشرف علي حفلة استقبال الدفعة الثانية، قائلا:
­ حطوا الواد ده علي العروسة، ده بيبص لي.
هذا، ويقسم سعد أبو رمضان أن شهور التعذيب انقضت دون أن يعرف لون جدران السجن، لماذا؟ لأنه اعتاد النظر إلي الأرض طوال الوقت، حتي حين ينصرف السجانون والضباط.
والقاعدة الأخري هي الجري، الذي عادة ما يكون تحت ضرب الشوم أو الكرباج. لا مكان للمشي. فالمشي يمكن أن يوحي بشيء من الطمأنينة والسلوك العادي. ولا مكان في الأوردي لما يمكن أن يوحي بالطمأنينة والسلوك العادي. وغني عن الذكر أنه كلما كانت قدرة المعتقل علي الجري أفضل، زادت قدرته علي الإفلات من بعض الضربات. أي أن نصيب المعتقل من الضرب كان يتناسب عكسيا مع حالته الصحية.
ووفقا لروتين الأوردي، كانت ضربة المفتاح في كالون الباب، بما يصاحبها من صيحة الشاويش عبدالصادق بطابور الرياضة، أو طابور التمام، أو العمل، أو الغذاء.. كانت ضربة المفتاح تعني انطلاق المعتقلين إلي خارج العنبر في ذلك الجري اللانهائي، الذي يستمر طالما بقي المعتقلون خارج العنبر.
وحين يضرب المفتاح في الباب، كان الدكتور فؤاد ينطلق إلي الخارج ، يجري كأحسن ما يجري الآخرون، وفي طابور الرياضة، كان فؤاد يدور في فناء السجن عدوا مع الآخرين تحت وقع الشوم كأحسن ما يكون. وفي الجبل، كان فؤاد يملأ غلقه ترابا ويحمله ويجري به إلي أكوام التشوين كأحسن ما يكون. وفي طابور الغذاء، كان فؤاد يجري إلي حيث توضع قروانات اليمك، ويختطف قروانته من علي الأرض، ويحملها عائدا عدوا.. كل ذلك كأحسن ما يكون.... ولكن، بعد أن يكتمل عقد المعتقلين في العنبر، وينصرف الشاويش عبدالصادق، فإن فؤاد مرسي 'لأسابيع عديدة متتالية' كان يفقد ­ في لحظة ­ كل قدرة علي الوقوف علي ساقيه. كان يجلس في مكانه، وإذا أراد أن ينتقل، حتي إلي دورة المياه، كان لابد من أحد يحمله. وكان عادة ما يتطوع سعد عبداللطيف الساعي لهذه المهمة، ويظل فؤاد علي تلك الحال، إلي أن يسمع صوت ضربة المفتاح في الباب، فيهب من قعدته، وينطلق يجري، كأسرع وأحسن ما يكون.








كان علي الديب، فيما يرويه زملاؤه من عمال النسيج، شابا فارع الطول، قوي البنية، مكتمل الحيوية والعافية دائما.
غير أنه لم يقدر لي أن أري علي الديب إلا ضعيفا مهزولا، قبل وفاته المبكرة بأيام قليلة.
والأرجح أن ذلك كان في أحد الأيام الأخيرة من شهر ابريل 1960 . كان طابور العمل يتهيأ للخروج من الأوردي إلي الجبل. سكان كل عنبر يجلسون القرفصاء في الفناء، محنيي الظهور، منكسي الرؤوس، وكل سجان يعد معتقلي عنبره، وينظم صفوفهم، مستخدما هراوته في كل ما يعن له، من العد إلي ترتيب الصفوف، إلي توزيع الضربات هنا وهناك كلما تراءي له أن ذلك مناسبا. والصول عند الباب الخارجي في انتظار أن يقدم له كل شاويش تمام عنبره استعدادا للتحرك. والضابط مرجان يصرخ صرخاته البلهاء المتناثرة النشاز بين الحين والحين، والجميع يدركون أن كل ما يصدر عن مرجان، فيما يتعلق بسير الروتين اليومي، يدخل في باب التزيد السخيف، ولا يقيمون لما يصدر عنه وزنا، وإن كانوا يتحركون بدافع العادة والنظام المحكم، مع الحرص علي إظهار أن كل ذلك يتم وفق ما يصدر عنه من صرخات وأوامر.
والأربعة عشر معتقلا 'الكسر'، أي أولئك الذين تحول حالتهم الجسمانية 'مثل أصحاب العاهات والمصدورين' دون العمل في الجبل، يتكومون قرب الحائط في إحدي الحواري الممتدة بين العنابر، وظهورهم أشد انحناء، ورؤوسهم أكثر تنكيسا، والشاويش عبادي ينهال عليهم بين الحين والحين بشومته الغليظة كلما رأي الضابط أو لمح المأمور يمر من بعيد، وهم في انتظار خروج طابور العمل، حتي ينصرفوا هم إلي عملهم داخل الأوردي، من كنس فناء السجن كله بأيديهم العارية، وجمع قمامة السجن كله وإلقائها في الخارج.. ثم الانتقال إلي غسل ملابس العنبر الذي عليه الدور في الحمام ثم نشرها في المنشر الذي تمتد حباله بين عنبري 5 و 6 ثم الانتقال إلي 'الترميم'، وتلك غرفة كبيرة، ترتفع جدرانها إلي أكثر من ستة أمتار، تتكدس فيها ملابس الغيار الثاني للمعتقلين.. وعادة ما تكون هذه الملابس رطبة، تفوح منها رائحة الدم والصديد المتجمد عليها من أثر الجروح التي تصيب الذين يشتغلون في الجبل، أو الذين أصيبوا أثناء الضرب المستمر، أو الذين ينزفون نزيفا لا يتوقف بسبب مرض البواسير المنتشر بين الغالبية. وإنما سمي هذا المكان بالترميم، لأن فيه يجري ترميم الملابس الممزقة علي أيدي 'الدرجات' 'وهذا هو الاسم الذي يطلق علي أولئك الذين لا تسمح حالتهم الجسمانية أو الصحية بالعمل في كسر الزلط في الجبل'.
وكنت أجلس بين 'الدرجات' أتلقي نصيبا من ضربات الشاويش عبادي، وتترامي إلي سمعي ­ دون أن أرفع بصري كالآخرين ­ الأصوات والصرخات والأوامر التي أستبين منها سير الأمور في تلك الفترة الثقيلة التي تنقضي بين الخروج من العنابر والخروج من الباب الخارجي في الطريق إلي الجبل.... بدأ الطابور يتحرك... في المقدمة الضابط مرجان علي حصانه، يليه الصول سائرا في المقدمة، ثم الشاويش عبدالصادق يسوق عنبر '1' ، ثم بقية الشاويشية كل يسوق معتقلي عنبره.. وفي المؤخرة يسير الضابط سيد منصور علي جواده.. وهكذا يسير طابور العبيد المنكسي الرؤوس أبدا، ويحف به علي جانبيه 'الجنزير'. والجنزير هو سلسلة من جنود الكتيبة المعينة للحراسة الخارجية، المسلحين بالمدافع الرشاشة السريعة الطلقات.
خلا الأوردي من غالبية نزلائه، ولم يبق غير 'الدرجات'، في انتظار الانتقال إلي عملهم الأشد إهانة وإذلالا وإرهاقا داخل جدران الأوردي.. ولكن الانتظار طال بضع دقائق، لا تخفي علي من ضبطت تحركاته علي إيقاع يومي منتظم، محكم التوقيت. وأحسست، وأنا منكس الرأس، أن ثمة مشكلة ما أخلت بالروتين اليومي.
خاطرت، واختلست نظرة ناحية الباب الخارجي، فلمحت أحد المعتقلين واقفا، أشد ما يكون انحناء.. ثم سمعت حوارا بين المأمور وأحد أفراد قوة السجن، أعقبها أمر صدر منه بإحضار الشاويش أمين، تمورجي الأوردي وجزاره العتيد.
جاء أمين مهرولا بعد لحظات، بهيكله الضخم المهول، وضرب كعبيه بصوت عالي، وصاح:
­ تمام يا سعادة البيه!
فرد حسن منير، بصوته الرفيع المخنث، الخارج من طرف لسانه:
­ شوف الواد ده.. شوفه بيدلع واللا إيه.. شوفه مش عاوز ينزل الجبل ليه.
ثم صوت الشاويش أمين عاليا منذرا شنيعا:
­ إيه يابن الكلب. مالك. إيه؟!.. دوسنتاريا؟.. تعنية؟ ودي حاجة ما تنزلش عشانها يابن الكلب. أنا مش مديك كأس بزموت النهاردة يابن الكلب.. أنتم بتدلعوا يا ولاد الكلب. ياولاد الشرموطة. يا.... يا...........
وانهال الشاويش أمين علي المعتقل لطما ولكما.. وانهار المعتقل تحت ضربات أيد كالمطارق. فازداد هياج الشاويش أمين، وبدأ في استخدام حذائه الغليظ، وارتفعت شتائمه وازدادت إقذاعا... ووصل إلي سمعنا صوت حسن منير، ناعما منغما:
­ قوم يا وله.. قوم بأه كفاية تمثيل.. قوم الحق طابور العمل.. قوم يا خول.. احنا عاوزينكم تبقوا رجالة بقي.. احنا عاوزين نعلمكم تبقوا رجالة.. مافيش هنا دلع.
وامتدت يد الشاويش أمين، فانتزعت المعتقل من فوق الأرض، وأخذ يجرجره بذراع، ويكيل له ما أمكن من اللطمات واللكمات بالذراع الأخري، ويركله.. يدفعه ويجرجره إلي أن اختفيا من الباب الخارجي.
كان ذلك هو علي الديب. عرفت ذلك بعد انصرافنا إلي كنس فناء السجن من زملاء 'الدرجات' الذين كانوا معه في نفس العنبر. وعرفت منهم أنه أصيب، منذ حوالي أربعة أيام بإسهال حاد، وأن زملاءنا من الأطباء الذين معه في العنبر قالوا إنها ربما تكون دوسنتاريا أو نزلة معوية حادة، وإن الأمر يتطلب بعض أقراص السلفا. وحاول علي الديب أن يطلب هذا من الشاويش أمين أكثر من مرة، فلم يكن نصيبه إلا مزيدا من اللطم واللكم في كل مرة يجدد فيها طلبه. ونزف علي الديب في تلك الأيام القليلة الكثير من الدماء والصديد، وتدهورت حالته تدهورا منذرا بخطر داهم، نصحه زملاؤنا الأطباء أن يستميت في محاولة الحصول علي علاج، أو محاولة طلب الذهاب إلي 'الاسبتالية' 'المعروفة في لغتهم باسم الشفخانة' للراحة إن أمكن.
كان ذلك المنظر الذي لمحت فيه علي الديب لأول مرة، ولم أتبين منه شيئا في تلك اللمحة التي اختلستها إلا أنه كان يبدو أشد هزالا وأكثر انحناء من الجميع............
ثم رأيته المرة الثانية والأخيرة بعد ذلك بيومين.
سقط علي الديب علي الأرض في الجبل. وأجريت عليه اختبارات التصنع، إذ اجتمع عليه عدد من الشاويشية وأوسعوه ضربا بالعصي وركلا بالأحذية، ولكن ذلك لم يدفع علي الديب إلي الحركة. وفيما يبدو أن طبيب السجن، الدكتور كمال 'وهو في جوهره لا يختلف كثيرا عن الشاويش أمين'، بعد أن كشف عليه وجد أن حالته أصبحت من الخطورة بحيث كتب له الترحيل إلي مستشفي خارجي في الحال، حتي لا تتحمل إدارة الأوردي مسئولية في حالة حدوث شيء له.
وجيء بعلي الديب إلي غرفة الترميم، قبل ترحيله، لكي يأخذ متعلقاته، أي الملابس 'الملكية' التي دخل بها الأوردي، واقتيد علي الديب إلي الغرفة، وجلس منتظرا إلي أن نبحث له عن صرة ملابسه بين الأكداس المكومة في ذلك الكهف الرطب الكريه.
وأتيحت لي الفرصة أن أتأمله عن قرب. كانت تلك الأيام الستة قد أحالته إلي هيكل عظمي، يربط بين أجزائه جلد أغبر مصفر. وكان وجهه أشبه بجمجمة ميت، نتأت جبهته ونفرت عروقها، واتسعت حدقتاه، وتحجرت نظراته، وظهرت عيناه وكأنهما ضعف حجمهما الطبيعي، وقد تعلق جفناه، فهما لا يطرفان. وبرز أنفه وضاقت فتحتاه.
دخل الشاويش أمين، يحمل في يده قروانة يتصاعد بخارها. وأخذ منها سرنجة 'كان الطبيب قد نصح بإعطاء علي الديب حقنة خاصة تمكنه من تحمل مشقة ركوب السيارة إلي المستشفي'.
وتناول أمين إبرة السرنجة بملقاط وحاول تركيبها في السرنجة فأخطأ. فقد كان نظره شديد الضعف، لا تجديه النظارة السميكة ذات الإفريز الأبيض الصديء شيئا. وبعد بضع محاولات خاطئة سقطت الإبرة علي الأرض الترابية للغرفة، فتناولها ببساطة، ومسحها في طرف معطفه، وعاود محاولة تركيبها في السرنجة. جفل كل الموجودين في الغرفة من هول ما رأوا ، 'دون أن ينبسوا بكلمة طبعا'. ولكن ما لفت نظري هو أن ذلك لم يحدث أي رد فعل عند علي الديب. كان يبدو أن كل قدرة له علي الاستجابة لما يحيط به قد توقفت. وتأكد لي هذا بعد أن تمكن الشاويش أمين من تركيب الإبرة في السرنجة، وشمر ذراع علي، وأخذ يبحث في ثنايا الجلد عن مكان يشك فيه إبرته المتربة.
وأخيرا، حين اخترقت الإبرة جلد المريض، لم يبدر عنه أي رد فعل، ولا حتي طرفة عين.
وخرج علي الديب وهم يجرجرونه خلفهم. وسكت السجانة الواقفون ونحن نقول له بصوت خفيض:
­ مع السلامة يا علي.. شد حيلك.. ربنا يشفيك..
وسكت علي الديب أيضا.. ولم يرد، والأرجح أنه لم يسمع ولم يع شيئا..
وبعد يومين، عرفنا أن علي الديب قد مات.







أثناء مرض علي الديب، كان ثمة معتقل آخر مشرف علي الموت، هو المهندس حسني حسين.
ومن قسوة القدر، ومن الصعب علي النفوس الإقرار بأن موت علي الديب السريع ترتب عليه إنقاذ حياة حسني حسين. فإدارة السجن كان يصيبها نوع من الارتباك الطفيف، الذي يكاد ألا يكون ملحوظا، علي أثر مقتل أو موت واحد من المعتقلين.
كانت الادارة علي أقل الفروض، تنشغل ليوم أو اثنين بما يسمي إخلاء مسئولياتها من دماء القتلي وأرواح الموتي أولا بأول، أخذا في الحساب لما يمكن أن تأتي به الأيام غير المأمونة من تطورات. وأثناء تلك الذبذبات الطفيفة في مزاج الإدارة. كان نظام التعذيب اليومي يسير كأشد ما يكون إحكاما وصرامة، ولكن دون تزيد أو اندفاعات غير محسوبة يمكن أن تضيف قتيلا جديدا إلي القائمة قبل أن تسوي أوراق سابقة.
كانت إصابة حسني حسين بالملاريا سابقة علي إصابة علي الديب بذلك الإسهال القاتل ب أسابيع عديدة، ربما تصل إلي أكثر من شهرين. ولما كانت إصابته مصحوبة بارتفاع شديد في درجة الحرارة، مع كل أعراض الحمي الحادة، وما يصحبها من انهيار شديد في قواه في لحظات النوبات المتعاقبة...، فلم يكن بدٌ من حجزه عن النزول إلي الجبل، ووضعه في الاسبتالية 'الشفخانة'.
وفي الغالب لم يكن لنزلاء الاسبتالية أي امتياز عن ساكني العنابر إلا إعفاؤهم من العمل في الجبل، مع ما في هذا الإعفاء من ميزات ومساويء. ذلك أن الاسبتالية 'والذي يوضع فيها يسمي في لغة السجن' موضوعا تحت الملاحظة' كانت توءما لغرفة الترميم: فسيحة، رطبة، عالية الجدران، وإن اختلفت عن حجرة الترميم في أن أرضيتها كانت مبلطة بأحجار بازلتية قاسية التضاريس، وليست من التراب الحنون، كما أنها كانت أشد إظلاما وأبعث علي الانقباض، فقد كانت شبابيكها الثلاثة صغيرة عالية، بقرب السقف. وكان بابها، بخلاف باب غرفة الترميم، مغلقا طول الوقت تقريبا. ولا يوضع المعتقل في هذا الكهف المظلم المقبض إلا إذا كان في حالة شديدة التدهور تنذر بأن منيته قد حانت، وبعد أن يكون قد اجتاز كثيرا من الامتحانات الصعبة لإقناع المأمور بأنه لا يتصنع ولا 'يتدلع' وأهونها عدم قدرته علي إبداء أي أثر للحياة إذا انهال عليه السجانة بالشوم والركل بالإحذية حين يذهب يشكو المرض، أو حين ينهار مغمي عليه تحت وطأة الداء وهو في الجبل.. وأخيرا، فقد كانت الاسبتالية هي دائرة النفوذ الخاصة للشاويش أمين، تمورجي الأوردي وجزاره الذي لا يباري.. وكان نزلاء العنابر يحملون هم الدقائق المعدودة التي يمر بها كل يوم يحمل قطنته الميكروكرومية النتنة، التي، بواسطتها، يوزع ميكروباته بالعدل علي أصحاب الجروح، وصندوقه الصغير العفن الذي يحتوي علي عدد من زجاجات الأمزجة، وهو لا يفرط في قطرة منها إلا بشق الأنفس، وبعد أن يكون قد أوسع الطالبين سبا ولكما ولطما.
والحق أن من أبأس المناظر التي يقع عليها البصر في الأوردي، ذلك الطابور الصغير التعيس، الذي يضم بضعة هياكل محطمة، محنية الظهور، شاحبة الوجوه، تجر سيقانها نحو منضدة الطبيب للكشف اليومي، والشاويش أمين يسوقهم بذراعيه اللتين تتضاءل إلي جوارهما شومة الشاويش عبدالصادق. ولم يكن هذا الكشف اليومي يهدف لشيء إلا لمعرفة من منهم قد انتهي مبرر وجوده في الاسبتالية، لكي ينزل للعمل في الجبل.
وكان يتاح لنا في 'الدرجات' 'أي أولئك الذين يعملون داخل جدران الأوردي' ­ أن نري نزلاء الاسبتالية، ونعرف شيئا عن أخبارهم. فالأوردي حين يفرغ من العاملين في الجبل، لا يصبح فيه من المعتقلين إلا 'الدرجات' ونزلاء الاسبتالية. وكان من بعض أعمالنا في الأوردي القيام بتنظيف الاسبتالية، من كنس ومسح وحمل القمامة وجرادل البول.
في اليوم التالي لموت علي الديب، ظهر أن الدكتور أحمد كمال والشاويش أمين أمامهما مهمات غير روتينية.. دخل الشاويش أمين إلي الاسبتالية، ونظر بعينيه العمشاوين في الهياكل الملقاة علي أرضية الكهف المظلم، ووجه كلامه لحسني حسين الذي كان يرقد شبه ميت، قال برقة غير مألوفة:
­ قوم .. قوم يا واد يا بن الكلب. قوم الدكتور جه.. قوم يا خول، الدكتور حا يكتب لك دوا.
وساعد الشاويش أمين حسني حسين علي النهوض، وذهب وإياه إلي حيث يجلس الدكتور أحمد كمال مع المأمور حسن منير في مكتب الأخير. نظر الاثنان الي الشبح المحتضر أمامهما، وتبادلا نظرة سريعة صامتة، فتح علي أثرها حسن منير درج مكتبه وأخرج علبة دواء، أعطاها للدكتور كمال. وأخرج الدكتور كمال من العلبة أنبوبة، فتح الأنبوبة وتناول منها أربع حبات أعطاها للشاويش أمين.
كان الدواء هو عقار الكوموكين، العلاج المعروف للملاريا.. وهذه الأقراص الأربعة، التي لا يزيد ثمنها علي قرشين، والتي كان يحبسها حسن منير في درج مكتبه، كان لها أثر السحر علي حسني حسين، الذي تناولها علي فترات خلال يوم ونصف، وعلي أثرها هبطت درجة حرارته، وكتب له الدكتور كامل غذاء إضافيا، ولم يمض أسبوعان إلا وكانت الحياة قد عادت تماما إلي حسني حسين، وعاد للعمل في الجبل.
ومنذ تلك الأيام ، كلما رأيت حسني حسين، أو خطر لي علي بال، ارتسمت أمام عينيٌ آخر صورة لعلي الديب كما أذكرها ولا أنساها أبدا.. وهو يخرج من غرفة الترميم، صامتا، شاخصا بعينيه الواسعتين المتحجرتين.. في الطريق إلي قبره...







'عيناك نافذتاك'
لا أذكر أين قرأت هذا التشبيه الفريد، ربما في الكتاب المقدس.
إنهما ليستا نافذتين تطل منهما علي العالم الخارجي فحسب، ولكنهما أيضا النافذتان اللتان يطل منهما العالم الخارجي إلي داخلك.
وما أفظع أن يطل العالم في عينيك فيراهما مظلمتين..
وما أشد وطأة العينين المظلمتين علي صاحبهما، وعلي من يطل فيهما، وما أشد الوطأة حين تكون العيون قد أظلمت، أو وهي تبرق البريق الأخير، ويلمح الناظر فيها الظلام يزحف ويطبق.
كان ظلام العيون أشد ما في ظلام الأوردي إظلاما، وأكثرها إثارة للأسي والانقباض.
وظلام العيون في الأوردي أنواع. والنوع الشائع هو الهروب من الالتقاء بنظرات الآخرين.. فالعيون في الأوردي ليس مسموحا لها إلا برؤية الأشياء المسموح برؤيتها، وليس من المسموح النظر في عيون الناس. يبدأ ذلك منذ اللحظة الأولي التي تطأ فيها قدماك أرض الأوردي، حين تلقي إليك الأوامر الصارخة:
'وشك في الأرض'، تعززها ضربات الشوم وصفعات الأكف وركلات الأحذية. ويصبح تنكيس الرؤوس، وكسر الأنظار ناحية الأرض عادة، يفرضها الجلادون خشية أن يلمحوا في عين السجين بريقا خطرا لوحش حبيس مغلوب علي أمره تراوده نفسه بالانقضاض، ويفرضها السجين علي نفسه خشية أن يلمح زملاؤه الدمار الذي يصيب معنوياته الدامية تحت وطأة العذاب.
وحين لا تكون علي معرفة شخصية سابقة بالآخرين، فالأمر يهون. أما إذا كنت تعرفهم، وإذ كان بعضهم أقرب إليك من أشقائك، يصبح البحث عن عيون من تعرف، ومن تحب، ومن أنت علي استعداد للموت من أجلهم.. يصبح البحث عن عيونهم عذابا حقيقيا.
بعد انصراف السجان، وإغلاق باب العنبر علي ساكنيه، تبدأ فترات متقطعة من الراحة. وفي هذه الفترات، ينظر الإنسان حواليه. فمهما تطول قائمة الممنوعات، تبقي لنا درجة من الحرية، علي الأقل في أن نتبادل نظرات الأمل والتشجيع.. وما أطول الساعات التي كان الإنسان يقضيها جالسا علي الأرض الباردة العارية، شاردا أو ساهما، أو متفكرا، بعد أن يعييه البحث عن عينين مضيئتين.
ربما كانت عينا فؤاد مرسي أشد وطأة علي نفسي من الجميع. بعد أيام معدودة كان وجهه الممتليء اللامع قد أصبح عظميا مغبرا، عليه بقع بيضاء كالجير الممزوج بالتراب. وبرزت عظام جبهته ونتأت عظمتا وجنتيه. وأسفل الجبهة البارزة ظهر حاجباه أشد ما يكونان كثافة. وأسفل المحجرين الواسعين ارتسمت هالتان زرقاوان سوداوان، وتحيط لحية كثيفة وخط فيها شيب سريع، بوجه شبه ميت، وتزيد النظارة السميكة الداكنة من الجو المظلم المحيط بالعينين، اللتين اصفر بياضهما، وصغرت في داخلهما حدقتان رماديتان منطفئتان، لا تعرف حين تنظر فيهما إن كان ينظر إليك أو لا ينظر إلي أي شيء علي الإطلاق، وحين تتحرك حنجرته إلي أعلي، وترجح أنه ربما ينظر إليك ويهم بالحديث معك، فإذا بتلك الكحة المكتومة المبحوحة العصبية تخرج من فمه، وكأنها حشرجة جريح يحتضر.. وتتذكر أن فؤاد مرسي كان قد أصبح قليل الكلام إلي درجة تدعو إلي الفزع.
........... ومحمد عباس. كانت عينا محمد عباس زجاجيتين زائغتين، وكأنه يعاني من آلام متصلة لمغص كلوي حاد يعجز صاحبه عن الصراخ. وقد علمت فيما بعد أن والدته حين زارته في الأوردي بعد حوالي شهر من بدء التعذيب، كان أهم ما شغلها هو نظراته الزجاجية الزائغة. وقد صارحت زوجتي بملاحظتها، وأبدت تخوفها من احتمال استخدام وسائل التعذيب العصبي المباشر مع ابنها 'مثل استخدام الحقن التي تؤثر في الذاكرة'.
والمرات المحدودة التي تذكر الإنسان بأن محمد عباس يستخدم عينيه، كانت حين يدور حديث بين المعتقلين عن أكل السجن: عن الفرق بين الرغيف الناضج والرغيف العجين، وعن كيفية توزيع اليمك علي صفوف القروانات، وعن ملاحظته ان القروانات المرصوصة علي حافة الصفوف بعيدة عن الجدار تكون عادة عامرة أكثر من القروانات القريبة من الجدار، وعن إعمال الحيلة من أجل أن يأتي دورك في طابور اليمك لكي تكون إحدي هذه القروانات من نصيبك.
وكانت عينا عادل سيف النصر لا تتوقفان لحظة عن الدوران في محجريهما المتسعين أبدا، تحولٌ وتبرق بريقا مخيفا محزنا، وتغشاهما دائما دموع معلقة تسيل أحيانا بغير بكاء، وبياضا عينيه مخضران جاحظان متضخمان تتخللهما شعيرات زرقاء وحمراء قانية نافرة.
أما إسماعيل صبري ومحمود العالم، فقد كانا يجذبان حافة الطاقية إلي أسفل حتي لتكاد تغطي نصف الوجه، ولاذت عيونهما بالهرب مختفية تحت الحافة الممزقة المتدلية، وخلف النظارات السميكة المغبرة.
وهريدي، كان يجلس قبالتي ممددا ساقيه، متأملا أصابع قدميه لا يفضل عليهما شيئا آخر، ويظل يرقبهما متفكرا ساعة بعد ساعة دون أن يبدو عليه الملل أو يستطيع أي شيء آخر أن يجتذب انتباهه.
وربما كانت عينا إلهام سيف النصر من الاستثناءات النادرة في هذا الظلام الشامل. صحيح أنه كان يخفيهما عندما يفتح العنبر ويظهر السجان أو الضابط، كان يجذب حافة الطاقية ويحني رأسه ويخفض بصره، وينطلق جريا وفقا لما يصدر من أوامر. ولكنه كان في كل ذلك متسق الحركات، متمالك القوي، متزن الخطي، سريعا في غير هرولة، هادئا في غير تبلد. ثم، إذا عاد المعتقلون إلي حظائرهم، وأقفلت الأبواب، كان كثيرا ما يظل واقفا في مكانه، بقامة معتدلة ورأس مرفوعة، متطلعا حواليه بعينيه الخضراوين الواسعتين، وكأنه يبحث عن شيء. لم تكن عيناه تنم عن الهدوء، وإنما هما قلقتان لا تستقران، كشأنهما دائما. ولكن الضوء لم يكن قد خبا منهما، بل ربما كانتا تضيئان بقوة أكبر، وكأن حريقا قد شب في داخله تفصح عنه تلك النظرات الحبيسة المتقدة.
في تلك الأيام ، نمت بيني وبين إلهام صداقة كانت أبعد ما تكون عن توقعي. فلم تكن علاقتي ­ قبل الأوردي ­ حميمة بإلهام.
قلت له:
­ لقد بدأت أفهمك.. أنت أشبه بالفراشة، تجذبك الزهرة الزاهية الألوان من بعيد، فتحط عليها لعلك تصيب بعض ما فيها من رحيق. وزمالتك لما تحب وتهوي قصيرة الأجل، في عمر زمالة الفراشة للزهرة.. لقد ولدت وفي وفمك ملعقة من ذهب، وأعطتك الأيام في طفولتك وصباك كل ما كنت تطلب وتتمني.
وفي شبابك تراءي لك أن الفكر الماركسي هو أجمل ما في عالم الفكر والسياسة، فانجذبت اليه دون أن تتبين أنه في هذه المرة اللهب الذي قد تحترق فيه، وليس الزهرة التي يمكن أن تغادرها وقت يطيب لك. وحتي وأنت في التنظيم الشيوعي، كانت تجذبك الزعامات البراقة. وهذا هو سر كون ارتباطك بالتنظيم كان سلسلة من الارتباطات والولاءات لأشخاص مثل اسماعيل صبري ثم فؤاد مرسي، كان يصور لك خيال الفراشة فيك أنهم أبدع الزهور.. واليوم. ها أنت تري ما آلت إليه تلك الزهور.. وربما تكون هذه هي نهاية علاقتك بالشيوعية والشيوعيين.
فيسأل هو:
­ ولكن ما قولك في هذه الصداقة التي تنمو فجأة بيننا؟
­ إنها وليدة ظروفها. لقد كنت تتصور فيما مضي أن الناس يطلبون ودٌك أو يصبرون علي نزواتك لأنك تملك ما يسمي 'بالإمكانات المادية' في اللغة المهذبة، أو لأنهم فقراء وبرجوازيون صغار ذوو عقلية تستهويها المادة.. ولكن، ها هي علاقة صداقة مفاجئة تنمو بيننا لمجرد أني أبحث عن شخص لايزال متمالكا نفسه أتبادل معه كلمة، أو حتي نظرة أمل وتشجيع.. ومن المفارقات أنها تنمو وليس لأحد منا حاجة مادية للآخر، إلا إذا اعتبرنا كسرة الخبز التي تفيض عن حاجتي كل يوم 'لأني لا أعمل في كسر الزلط في الجبل'، والتي أخصك بها، إلا اذا اعتبرنا هذه حاجة لك عندي..
وإني لأتساءل: ما الذي ستنتهي إليه هذه الصداقة الطارئة إذا افترضنا أن التعذيب في الأوردي وصل إلي نهايته، ثم إذا افترضنا أنه سيأتي يوم وتفتح فيه أبواب السجن لنخرج إلي المجتمع، ولتعود أنت إلي حياة القصور التي كنت تحياها، والتي أنت عازم علي أن تعود لها وحدها دون غيرها، ولأعود أنا إلي حياتي العادية السابقة..
هل يمكن أن تستمر صداقة ولدت في جو من انعدام الوزن الاجتماعي، لتعيش في جو تعود فيه الحواجز الاجتماعية إلي الظهور؟
صحيح، ليس من السهل أن ننسي ذكري هذه الأيام التي لاتنسي، ولكني مازلت أعتقد أن هذه الصداقة وليدة ظروفها والارجح أنها ستتبدد بزوالها.







وتعلمنا أن نصيخ السمع.
خارج أبواب العنبر المغلق، كنا نستطيع أن نتبين وقع أقدام السجان بحذائه الغليظ وخطواته الواسعة المتعجلة ونميزه عن وقع أقدام الضباط الأخف وطأ والأكثر تمهلا، ومن بين هؤلاء كان وقع حذاء حسن منير الرقيق الدقيق أخفهم وأكثرهم تلصصا ومفاجأة. وكنا نستطيع أن نتبين إن كان القادم سجانا واحدا أو اثنين، أو كانت قوة السجن بطريقها إلي العنبر كاملة لإجراء التفتيش. وتدربت آذاننا علي تبين وقع أقدام المعتقل، الحافية المهرولة، وبخاصة أنها غالبا ما تصطحب بوقع الشوم علي الجسد، أو ببعض الشتائم والسباب تنهال عليه. حتي ولو كان السجين يساق في صمت خارج الأبواب المغلقة، لم يكن من الصعب تبين وقع قدميه الحافيتين حيث لا يطمسه موكب الأحذية الغليظة أو الرقيقة التي تحف به.
كنا نتابع ما يجري في الأوردي من خلال تتابع الأصوات المألوفة المرتبطة بالنظام الأوردوي المحكم.... في الصباح الباكر قوة السجن تكتمل عند الباب الخارجي. ثم، ها هم في طريقهم إلي العنابر.. وصوت المفتاح، والباب وهو يصطفق وزعقة الشاويش أو الصول: 'دوغري.. تفتيش'. آه. هذا عنبر 6. ثم تخفت الأصوات، ويرين صمت مطبق علي السجن كله، بينما ترسم مخيلتنا الصورة التي تتكرر كل يوم. صورة المعتقلين وقد أداروا وجوههم إلي الحائط، وأحنوا هاماتهم كأنهم يركعون، بينما السجانون يقلبون الأبراش والبطاطين وبدل السجن التي يلبسها المعتقلون في غير وقت العمل في الجبل، وأصوات القروانات والأطباق الألومنيوم الصغيرة تصطفق علي الأرض.. والسجانون وهم يدوسون كل هذا.. ثم ها هي أبغض الأصوات. أصوات العصي والشوم تنهال علي ظهور الراكعين، مختلطة بأصوات أقدامهم الحافية وهم يدورون في أماكنهم، وصرخات السجانة والضباط وهم يصيحون: 'لف. لف يا بن الكلب. لف كويس. لف بسرعة. لف للتفتيش'... ووقع الضرب علي الأجساد يتصاعد ويتواتر بسرعة أكبر.. ممزوجا بوقع الأقدام العارية الدائرة، مختلطا بالشتائم والصرخات المجنونة.. وأحيانا يسقط أحد المعتقلين علي الأرض ­ تعثرا أو إعياء ­ وعندئذ تتعالي صرخاته فوق كل شيء، حين يتجمع عليه حفنة من الزبانية ينهالون عليه بالشوم، وصوت حسن منير أو عبداللطيف رشدي: 'شوفوا الواد ده.. شوفوه بيتدلع واللا إيه.. شوفوه...'
ثم.. بعد خمس دقائق أو تزيد، تمر كأنها العمر، ونحن جالسون جامدون علي الأرض الباردة، يصدر الأمر: 'دوغري.. ثابت محلك!!'.. ثم صوت السجانة وهم يغادرون العنبر. ويتوجهون إلي غيره.
ثم صوت المفتاح يضرب في باب العنبر الآخر.. وهمسة من أحد الجالسين:
­ عنبر 4.
ويتكرر التسلل الصوتي، ثقيلا بغيضا متباطئا، مرة أخري.
لم يكونوا ليمروا علي العنابر في نظام ثابت متكرر، بل كانوا يغيرون مسيرتهم. وكان ذلك يحتفظ بأعصاب الجميع مشدودة، وهم لا يعرفون متي سيكون دورهم: ولا يختلف اثنان في أن عذاب أصوات الضرب ينهال علي أجساد ساكني العنابر الأخري كان أشد وقعا من عذاب الضرب نفسه. والعنبر الذي يفتتح به البرنامج اليومي كان يتحمل وطأة الصدمة الصباحية الأولي 'وهي ­ وان تكررت كل يوم ­ إلا أنها تظل أبدا صدمة'، بينما العنبر الذي يأتي ترتيبه الأخير في التفتيش كان هو الذي يتحمل عبء أقصي توتر.
وبعد ذلك، تأتي أصوات طابور الرياضة.
كل يوم عنبر، موزعة علي أيام الأسبوع الستة 'الجمعة عطلة'.
وسواء كان اليوم يومنا في طابور الرياضة، أو كان يوم عنبر آخر، فقد كانت معلوماتنا عن طابور الرياضة، شأن غالبية معلوماتنا عن الحياة الأوردية، معلومات مسموعة أكثر مما هي مرئية.
كان الأمر المقدس الذي يعلو علي أي أمر آخر هو:
'وشك في الأرض'!
وإني لأذكر أن حوالي 400 مسجون كانوا يذهبون للعمل في الجبل 4 ساعات ويعودون عند الظهر، وعلي رأس الطابور يسير ضابط علي صهوة جواد، وضابط آخر يمتطي جوادا عند مؤخرة الطابور. وطول فترة العمل يجلس الاثنان علي ربوة عالية تشرف علي فرقة العمل في الجبل، أو يمران للإشراف علي المعتقلين عن قرب، أو لإصدار الأوامر أو الإسهام المباشر في عمليات الضرب التي لا تتوقف. وإني لأذكر أني كنت، في بعض الأيام، يعييني البحث عن واحد من العائدين يعرف من الضابط أو الضابطان اللذان كانا يشرفان علي العمل، واللذان اصطحبا الطابور في الذهاب والعودة.
فالأوامر المشددة الصارخة لا تتوقف أبدا:
'وشك في الأرض'
أما الآذان فكان من المستحيل فرض أوامر مشابهة عليها. الآذان آفاقها أوسع. الآذان تستطيع أن تخترق الأبواب المغلقة والجدران المصمتة والأسقف السميكة والقضبان السوداء الغليظة.
الآذان أقل خطرا علي صاحبها، فالأذن التي تنصت ليست كالعين التي تنظر، فاضحة لما يعتمل في أعماق صاحبها.. وماذا يمكن أن يعتمل في أعماق سجين يعذب إلا الحقد والكراهية، وماذا يمكن أن يكمن في أعماقه ­ إن كانت فيه بقية ­ إلا الإصرار المستميت علي الانتقام العادل.. وحين يصرخ الجلاد في ضحيته: 'وشك في الأرض'! فهو إنما يتحاشي أن يري مصيره في نظرة خاطفة تكشف عن أعماق صاحبها.. نظرة خطرة منذرة تقض مضجع الجلاد الذي تطارده أشباح الضحايا.
ومن سخرية الأقدار أن تلتقي ­ أحيانا ­ رغبة الجلاد في تحاشي نظرات السجين، مع رغبة السجين في سحب نظراته بعيدا، إخفاء لما في أعماقه من كراهية وإصرار، في وقت لا يقوي فيه علي شيء، ويتملكه الخوف من انتقام الجلاد.. الخوف يدفع كليهما للفرار بنظراته من نظرات صاحبه. الجلاد في خوف من انتقام آجل، والسجين في خوف من بطش عاجل.. خصمان حتي الموت، ولكنهما زميلان في زورق من خوف حيواني قاتل. وهروبا من الخوف، يمد الجلاد يده أبدا إلي أدوات التعذيب، ينهال بها في وحشية متصاعدة أبدا علي بدن خصمه، ليؤكد لأوهامه أنه لا يواجه إلا كيانا عاجزا يمكن النيل منه والفتك به، وإهلاكه وإفناؤه.. وقتالا مع الخوف، يمد السجين سمعه يستكشف به أبعاد خصمه، ليؤكد لنفسه أنه يواجه كائنا دنيئا منقرضا، وإن بدا هو الأقوي.







قال سيد عبدالرحيم:
­ أسوأ أيام رأيتها في حياتي كانت هي الأيام الخمسة الأولي، ذهبوا بي إلي مبني المباحث العامة بعد الاعتقال مباشرة، وهناك أجلسني أحدهم علي كرسي في أحد ممرات المبني، وقال لي: انتظر هنا حتي يستدعوك للتحقيق...
ويصمت سيد عبدالرحيم لحظة، ثم يسأل بانفعال:
­ هل تدري كم انتظرت؟
ثم يرتفع صوته مخنوقا بالغيظ:
­ خمسة أيام.. أي والله خمسة أيام، قضيتها علي ذلك الكرسي الملعون. وعليه تعلمت جميع أوضاع الجلوس والنوم علي كرسي.. إن كان النوم علي كرسي ممكنا. طبعا جلست في البداية الجلسة العادية المألوفة، ووضعت ساقا علي ساق، ثم بدلت الساق الأخري علي الأولي.. ثم جلست والمسند إلي يميني واضعا إياه تحت إبطي.. ثم استدرت ووضعته تحت الإبط الأخري.. وعلي الأرض ممشاة متربة، جلست عليها مسندا رأسي علي المقعد، تارة علي جبهتي، وأخري علي مؤخرة رأسي، ومرة أستند إلي مرفقي الأيمن، وأخري إلي مرفقي الأيسر.. كل الأوضاع والأشكال الممكنة فوق ذلك الكرسي اللعين، وحوله، وعليه، وأسفله، وإلي جواره، وعن يمينه، وإلي يساره.. آه، خمسة أيام كأنها خمس سنين.. ومتي؟ في الشتاء، والجو بارد، وأثناء الليل أكاد أتجمد من البرد، لا تجديني البدلة والمعطف والكوفية شيئا في ذلك الممشي البارد بينما غرف الضباط التي تحف بالممشي فيها دفايات كهربائية مشتعلة. والعمل مستمر ليلا ونهارا، ناس تروح وتجيء، معتقلون ومحققون ومخبرون وضباط وجنود وإداريون وسعاة.. الكل يجيء ويروح ويتحرك ولا يكلف نفسه مئونة النظر إليٌ .. المبني لا ينام ليلا أو نهارا، وأنا لا أنام علي ذلك الكرسي اللعين، لا ليلا ولا نهارا أيضا.. طبعا، ربما تغفل عيناي لحظات، ولكنه ليس النوم. إنه نوع من العذاب لم أسمع به في حياتي... قضاء خمسة أيام طوال علي كرسي خيزران في ممشي بارد.. يا إلهي.
كنت أستمع بانتباه مع زملاء آخرين في معتقل القلعة، وعلي الرغم من الأسلوب الفكه الذي يحكي به سيد عبدالرحيم، إلا أن التأثر كان باديا علي الوجوه. ولم يكن يدور بخلدي حينذاك أنني سأشهد خمسة أيام، أتذكر أثناءها قصة سيد عبدالرحيم وكأنها نزهة مريحة.
بدأت أيامي الخمسة في الثاني والعشرين من شهر نوفمبر 1959.
في اليوم السابق، وكان يوم سبت، وبداية أسبوعنا الثالث في الأوردي، كان طابور العمل عائدا من الجبل. وكنا نحن ­ 'الدرجات' ­ في المغسل، نستقبل زملاءنا الذين جرحوا أثناء الضرب أو بسبب العمل 'وكانت الإصابات في أول عهد الناس بالجبل كثيرة'، نخلع عنهم ملابسهم لنغسلها فورا بالماء البارد لكي لا يعلق الدم بها أو يتجمد عليها ويصبح غسيله بعد ذلك مستحيلا.
وفي فناء السجن، كان حسن منير يستقبل بعض العنابر عند العودة من الجبل، ويأمرهم بالقعود، ويقول بصوته الأنثوي اللين:
­ ما فيش حد في العيال دي بيعرف يقول النشيد. نشيد الله أكبر.
ثم لحظات صمت.. ثم صوت حسن منير أكثر ارتفاعا:
­ إيه؟.. إيه يا عبداللطيف؟.. مافيش حد واللا إيه؟
ويصلنا صوت الضابط عبداللطيف رشدي، عاليا جهوريا، يختلط بإيقاع الشوم علي ظهور المعتقلين، ويزداد هياجا كل لحظة وهو يصرخ في المعتقلين.. ثم تصلنا أصوات مختلطة، نشاز، هي مزيج من العويل والصراخ والنشيد.. لقد بدأ البعض ينشد ويغني.
ثم الصوت الرفيع لحسن منير، وهو يكشف عن ابتهاجه:
­ أيوه كده.. بس النغمة وحشة لسه. حد يكون حافظ النغمة. أيوه الواد ده.. الواد زهدي.. يا للا يا زهدي علمهم النغمة.
كان المغسل يكتظ بالدرجات، وبعدد من الجرحي الذين جاءوا يغسلون دماءهم، وقد شجت رؤوس البعض، وسال الدم أحمر قانيا علي وجوههم فلا تستطيع أن تتبين من هم، وقطعت شظيات البازلت الحادة أيادي أو أقدام الآخرين، فهم يمدون أذرعهم، أو يعلقون أقدامهم وهم واقفون مرصوصون إلي جوار الجدار، والشاويش 'الكتبي'، شاويش المغسل، يهشهم بعصاه، ويسبهم وينهرهم.. ثم ينصرف لينضم إلي وليمة الضرب التي تنهال علي المنشدين في الفناء. ثم همهمات البعض:
­ يا نهار أسود. دي الأناشيد بدأت.. دول حيعملوا فينا زي ما عملوا في الإخوان في السجن الحربي.
كانت الدنيا من حولي قد أظلمت تماما.. ولم أعد قادرا علي رؤية شيء أو تبين شيء.. كانت الأصوات وحدها هي التي تصل إليٌ، فتثير حنقا خانقا ممزوجا برهبة رهيبة، وتجعل الموت ­ والموت العاجل ­ هو الشيء الوحيد الذي له معني والحاجة إليه ملحة لا تعدلها حاجة.
لم أكن أري وجهي. ولكن الأرجح أنه كان يصفر أو يزرق بين لحظة وأخري، فقد كنت أحس الدم يصعد إلي رأسي حتي لتكاد أذناي تلتهبان، ثم أحس وكأني أنتفض من برد كالثلج يدب في كل أوصالي، ويزحف من كتفي ورقبتي إلي مؤخرة رأسي.
مرت الدقائق كالسنين..
وعاد الكتبي ينهال علينا بعصاه:
­ يا للا يا ولاد الكلب.. حتنكوا هنا لإمتي؟ يا للا نشروا الغسيل.
آه.. لقد حانت اللحظة الرهيبة التي نحاول تأجيلها.
كنا نتلكأ حتي يتم دخول المعتقلين إلي عنابرهم، فنعفي من حكاية النشيد التي بدأت علي هذا النحو المشئوم.
حملنا الملابس، أو الأسمال، المبتلة علي أكتافنا كالعادة، ووضعنا بعضها فوق رؤوسنا، علي غير العادة، آملين أن نتمكن بهذه الطريقة من إخفاء عيوننا والانفلات من جانب طابور العائدين من الجبل دون أن يلحظنا الزبانية. ولكن، هيهات.
ما كدنا نخطو بضع خطوات خارج المغسل، حتي ارتفع الصوت الناعم لحسن منير:
­ إيه العيال دول؟.. دول بتوع المغسل.. آه.. اللي قاعدين هنا طول النهار يتدلعوا.. هاتوهم. تعالوا قولوا النشيد..
وأحسست أن لحظتي قد دنت.
وبالفعل ­ صوت حسن منير مرة أخري:
­ هاتوا الواد ده.. خلوه يغني قدامهم. وقف قدامهم وقول النشيد كويس عشان يقولوا زيك..
­ آه... الهضيبي يغني، والإخوان يردون.. لا.. هذا لن يكون.
قلت:
­ ما بعرفش أغني..
وأحاط بي الضابطان يونس مرعي ومرجان، والشاويش شديد، كل في يده شومته. ولا أذكر إن كان الضرب خفيفا، أم أني لم أشعر بأي شيء في تلك اللحظات الغريبة. لم تسل دمائي، وإن كان ظهري قد أصابه الكثير ، من بينه ورم في حجم البرتقالة أسفل عظام الكتف اليسري.
ظللت في وقفتي تلك، وحسن منير يقف بعيدا في مواجهتي، في ظل جدار عنبر (5) ، يلبس نظارة سوداء أمريكاني، ويقذف من فمه بسيل من السباب البذيء، الذي لا يكاد يصل إلي سمعي شيء منه 'والأرجح أن بعض حواسي قد تعطلت حينذاك'، وإلي جواره عبداللطيف رشدي، وقد احتقن وجهه حتي أصبح قرمزيا أزرق، وهو يقول بصوت جهوري غليظ:
­ حتؤذي نفسك يا سعد. حتؤذي نفسك..
لست أدري لماذا أحسست إحساسا خاطفا بالامتنان لعبداللطيف رشدي في تلك اللحظة.. ربما لأنه لم ينضم للآخرين في ضربي، ولو فعل لسالت دمائي حتما فقد كان وحش الأوردي الأول، أو ربما ­ وهذا هو الأرجح ­ لأنه ناداني باسمي. وكانت تلك أول مرة أسمع فيها اسمي منذ وطئت قدماي الأوردي. لم نكن ننادي بأسمائنا علي هذا النحو، بل كانت لنا أرقام هي التي يتعاملون معنا بها. أما النداءات المجهلة، وهي الغالبة، فهي عادة أنواع شتي من السباب والشتائم. وحتي إذا ذكر اسم أحدنا عرضا، فإنه لم يكن يذكر إلا مسبوقا ومتبوعا بالنعوت المقذعة.
لا أذكر كيف انتهي المشهد. ولكني تنبهت، فإذا الصمت يعود إلي شفاه المنشدين، ثم إذا بنا نسير محملين بالملابس المبتلة إلي المنشر، حيث أنهينا عمل اليوم في جو من الصمت الكئيب، وعدنا إلي عنابرنا.
لم يكن سكان عنبر 1 قد خاضوا امتحان النشيد كبعض العنابر الأخري، فقد وصلوا مبكرين بضع دقائق، أعفتهم من أوامر حسن منير في ذلك اليوم. وسألني زملائي فحكيت لهم، وكشفت عن ظهري لأبين لهم أن الأمر لا يعدو هذا الورم في ظهري. وقال محمود المستكاوي:
­ الحق أن موقفك كان ملهما...
لم أعقب علي كلامه. فقد كان في صدري ضيق وانقباض شديدان، وكنت أحس أن للجولة بقية، فما كان حسن منير ليترك المسألة تمر علي هذا النحو.
وصدق توقعي.. ففي اليوم التالي بدأت أيامي الخمسة في إحدي زنازين 'التأديب' بالأوردي.







خاص عنبر 1 امتحان النشيد في اليوم التالي.
وكان اليوم التالي، الأحد، بداية تقليد جديد استقر فيما بعد في روتين الأوردي، وذلك هو طابور الرياضة.
في موعد مبكر، اقتحم الشاويش عبدالصادق العنبر بعد التفتيش، وزعق: دوغري، ثم ساق المعتقلين إلي الفناء، حيث بدأت التدريبات الرياضية الأولي. وكان حسن منير يشرف بنفسه علي التدريبات ، ومعه بقية الضباط.
لم تستمر التدريبات إلا حوالي عشر دقائق، ثم اختار حسن منير إسماعيل صبري ليسأله:
­ إنت تعرف نشيد الله أكبر.. وتعرف تغنيه؟
ويحكي الذين شهدوا المنظر إن إسماعيل رد:
­ إحنا نعرفه، وننشده في المناسبات الوطنية، ولكن ليس في مثل هذه الأوضاع، ولا بتلك الطريقة. نحن لا ننشد هذا النشيد ونحن مكبلون بالأغلال، هذا امتهان للنشيد.
فتقدم عبداللطيف رشدي علي رأس مجموعة من السجانين، وانهالوا بالشوم علي إسماعيل الذي خر علي الأرض تحت ركلات الأحذية، حتي سالت دماؤه. نظر إسماعيل إلي حسن منير وقال:
­ ....... لو كنت رجلا اخرج مسدسك وأطلق علي..
قال حسن منير: طيب، سأجعلك عبرة في الجبل
في ذلك اليوم في الجبل، وضع إسماعيل في وسط الحلقة وانهال عليه السجانة ضربا.. كان المطلوب أن يصرخ. ووضع إسماعيل طاقيته بين أسنانه، وكتم صوته.
ران صمت رهيب علي الجميع وقد أوشكوا علي عمل شيء، ولكن صدر قرار بعدم الحركة خوفا من الاستفزاز؟!.. ولم يلبث أن تدخل سيد منصور وأوقف الضرب. 'بعد ذلك توقفت محاولاتهم لإجبار المعتقلين علي الإنشاد نهائيا'.
عاد الزملاء إلي العنبر، وإسماعيل يتوكأ علي اثنين منهم، وهو في حالة إعياء كامل، والدماء تنزف منه. وكان الجميع في حالة توتر بالغة الحدة، وإن كانت معنوياتهم قد ارتفعت بشكل ملحوظ.
في اليوم التالي، عندما فتح العنبر ونودي علي طابور العمل، انطلق المعتقلون عدوا خارج العنبر كالعادة. ولكن إلي جانب 'الدرجات'. ظل إسماعيل صبري جالسا مكانه، فقد كان في حالة لا تسمح له بمجرد الجلوس إلا بصعوبة بالغة. خلا العنبر، وساد صمت دام حزين. قلت:
­ إزيك يا إسماعيل، شد حيلك.
رفع إسماعيل وجهه نحوي. كان من الصعب تبين ملامحه تحت الجروح والأورام والكدمات والرضوض، الحمراء والزرقاء والقرمزية، التي تبقع وجهه . وتبينت، أو هكذا خيل إليٌ، أن شبح ابتسامة تطفو فوق ذلك التشويه المروع.. عندئذ تنبهت إلي صوت أقدام خفيفة خارج الباب، وحين نظرت، رأيت نظارة الباب تتحرك. كان ثمة من يسترق النظر والسمع، وكان وقع الأقدام لطيفا لا يمكن أن يكون لحذاء سجان ثقيل. وأدركت أنه حسن منير.
ابتعدت القدمان الخفيفتان، وبعد لحظات اقتحم السجان العنبر وزعق في إسماعيل صبري لكي ينزل مع طابور العمل إلي الجبل، وكان من الصعب عليٌ أن أتابع السجان وهو يجر إسماعيل إلي الخارج، بينما هو لا يكاد يحتمل مجرد الوقوف علي قدميه المتورمتين الداميتين العاجزتين. ويقول من كانوا معه في الجبل في ذلك اليوم إنهم لم يتوقفوا عن ضربه أمام جميع العنابر في بطن الجبل، ولما أصبح كسيحا تماما، وضعوه في حلقة من حجارة البازلت الأسود، ووضعوا في يده قادوما يدق به ويكسر الزلط دون توقف.
أما أنا، فجاء دوري بعد انصراف طابور العمل.
جاء الشاويش الكتبي، واقتادني إلي إحدي زنزانات التأديب الأربع، المبنية بعيدا عن العنابر، في حوش الأوردي.







مكثت في تلك الزنزانة خمسة أيام وأربع ليال، من صباح الأحد إلي مساء الخميس. والأرجح أنه كان من المقرر أن استمر مدة أطول، لولا أن حالتي استدعت خروجي منها، كما تبينت فيما بعد.
كانت أرضية الزنزانة غير مبلطة، رطبة مبتلة، والنشع يرتفع إلي مثل قامة الرجل علي جدرانها. وهي خالية من كل شيء عدا جردلين، أحدهما للبول، والآخر لماء الشرب. وكان من المستحيل عليٌ أن أجلس، ليس فقط بسبب البلل علي الأرض، ولكن لأني كنت مصابا بالبواسير أيضا، وكان الجلوس في مثل هذه الحال عذابا فضلت عليه أن أظل واقفا علي ساقي الوحيدة طوال الوقت. وكان إذا استبدٌ بي الإعياء، استرحت قليلا علي جردل البول، إلي أن أجد الوقوف أقل مشقة 'وعادة ما يتم هذا بعد بضع دقائق'، فأعود إلي الوقوف الأبدي.
ولكن الوقوف كان أقل إيلاما من البرد. صحيح أننا كنا ما زلنا في الأسبوع الأخير من نوفمبر، ولكن تلك الزنازين اللعينة كان لا يفصلها شيء عن البرودة القارية لصحراء أبي زعبل. وكان البلل والرطوبة يضيفان بعدا شديد القسوة لتلك البرودة القاتلة، كما أن بدلة السجن الرثة ما كانت لتدفع شيئا من غائلة البرد.
وأذكر أن الساعات القليلة التي تسبق شروق الشمس كان بردها شديد الوطأة، ولذلك كنت أحتفظ بملعقتي العسل الأسود، لأتناولهما في الهزيع الأخير من الليل، متوهما أن ذلك يمكن أن يخفف عني قليلا. ويا لمنظري حينذاك، لو قدر لأحد أن يخترق تلك الجدران، وينفذ ببصره في تلك الظلمات المتكاثفة. كان لعابي يسيل بغزارة يصعب التحكم فيها، ولست أدري لماذا كانت دموعي تسيل بغزارة أشد، دون بكاء.
وكنت أتوهم أن شيئا من الحركة يمكن أن يفيدني، فكنت أقفز في مكاني علي قدمي الحافية مرات عديدة، وألواح بذراعي، وأضرب بقبضتي علي صدري، إلي أن تتقطع أنفاسي 'وما أسرع ما كانت تتقطع'.. فأتهالك علي جردل البول قليلا، عسي أن أغفل لحظات.. ثم أنهض وأنا لا أدري إن كانت حالتي قد انتعشت أو ازدادت سوءا. وأتهيأ لاستقبال يوم جديد.
في ظهر اليوم التالي، فتح الشاويش فرج باب الزنزانة، ومعه رءوف زكي، ليقوم بتغيير ماء الشرب وبتفريغ جردل البول، وإحضار الجراية والفول. انهمك رءوف في العمل، ونظراته إلي الأرض كالعادة. كان يتعمد التلكؤ، ويختلس النظرات بين لحظة وأخري، إلي أن تمكن من الهمس إلي ببضع كلمات لم أستطع تبينها، وإن كنت قد أدركت أنه يتكلم بالإنجليزية لكي لا يفهم الشاويش فرج، وأنه يقول كلمة تشجيع. فبادلته التحية بمحاولة ابتسامة من جانبي.
'وقد عرفت فيما بعد أنه قال:
YOU HAVE ALWAYS BEEN A LEADER
أي: أنت دائما قائد'.
وكان الشاويش فرج يجلس منهكا علي حجر قريب من باب الزنزانة، وظهر لي كأن وجهه الأسمر المتفحم من حرارة شمس أبي زعبل قد ازدادت تجاعيده، وعيناه العسليتان محمرتان دامعتان، تتعلق الأوساخ بأركانهما الأربعة، وتغطي الأتربة رموشهما الممزقة.
وتلفت الشاويش فرج حواليه، واطمأن إلي خلو فناء السجن أمامنا، فنظر إليٌ نظرة تشجيع. واطمأننت أنا ورفعت ناظري بنظرة أشبه بنظرة كلب بلدي أليف، يستريح بعد مطاردة عنيفة. كنت أعرف أن فرج من أطيب الناس قلبا، وأنه أشدهم تأثرا لحالنا.
قلت 'وكانت أول مرة أتحدث فيها مع واحد منهم':
­ يا عم فرج....
فرد بصوت منهك عطوف:
­ نعم..
­ لحد امتي يستمر الضرب ده والبهدلة؟
­ فقال ببساطة:
­ شوف يا ابني، طول ما فيه شغل في الجبل حيستمر الضرب.. مافيش مسجون يشتغل في الجبل إلا إذا كانت العصاية دايما فوق دماغه.
أطرقت في وقفتي وقد غلبتني المشاعر.
وأطرق هو وقد غلبه التأثر...
وبعد صمت دام بعض الوقت، قال وهو يهم بإغلاق باب الزنزانة:
­ علي العموم، إنت راجل مسموع بيك..
نظرت إلي تلك العينين الطيبتين الأليفتين وأنا أغالب البكاء، وقلبي الثقيل المثخن يطغي عليه إحساس بالامتنان العميق.







أخطأ الشاويش الكتبي معي خطأ أوقعه في بعض العنت من حسن منير. وعلي الرغم من أن الكتبي كان من أقسي الزبانية قلبا، ومن أشدهم اندفاعا في التنكيل بالمعتقلين، إلا أني أرجح أن ذلك الخطأ كان مقصودا.
حدث ذلك في صباح اليوم الرابع من أيام الزنزانة. 'و،قد كان يخيل إلي أن كل لحظة من تلك الأيام كانت هي لحظتي الأخيرة' إلي أن فتح الكتبي باب الزنزانة في صباح ذلك اليوم، بعد انصراف طابور العمل إلي الجبل، وخروج 'الدرجات' للعمل في تنظيف السجن والمغسل. صاح في بأعلي صوته:
­ أنت هنا بتعمل إيه؟ مش تخرج تشتغل زي غيرك؟
كانت الشمس ساطعة، والسماء صافية. وسقطت الأشعة الدافئة علي أطرافي اليابسة، واخترقت الأسماك الرطبة والجلد البارد لتنفذ إلي أحشائي الذابلة وقلبي المتجمد.
وتفجرت في كل كياني طاقة الحياة. وأحسست أن كل ضربات قلبي تسرع وتشتد،. وأن الدم يندفع حارا ملتهبا إلي أطرافي، حتي شعر رأسي، الذي خيل إلي أنه يستقيم فوق دماغي. واختلطت في أحاسيس غريبة لميت يخرج من القبر، بإشفاق يزلزل الكيان علي ما انتهت إليه حالي، وإحساس بالتعاسة اللانهائية لكل بني الانسان.........
لمحت زملائي في الدرجات يهرولون نحوي، وفي عيونهم لهفة ليطمئنوا عليٌ.. وإذ أقبلوا بهياكلهم المنهكة ارتفعت موجات الانفعال في داخلي حتي لم أعد قادرا علي التحامل علي نفسي.. فتهالكت، منكفئا بوجهي إلي الأرض، وقد انجفرت أبكي كما لم أبك في حياتي أبدا، وأنتحب بحرقة لا تدانيها حرقة فتاة صغيرة فقدت أمها.........
وصاح الكتبي في 'الدرجات' طاردا إياهم للانصراف إلي عملهم بعيدا.. وزحفت أنا من مكاني إلي منعطف لكي أختفي خلف أحد العنابر. وعلي الأرض الترابية الحنون، أطلقت العنان لشجوني.. وامتزجت دموعي لامنهمرة بتراب الأوردي العتيد.. إلي أن غلبني نعاس هاديء عميق، في دفء تلك الشمس الساطعة الرحمية.





صحوت بعد فترة طويلة، ربما تزيد علي الساعة، كانت هي كل ما أصبت من نوم طيلة تلك الأيام الخمسة الطويلة.
وانتظمت، بعد أن صحوت، في طابور عمل الدرجات، الذي ساده في ذلك اليوم صمت هاديء حزين، لم تتخلله إلا كلمات متناثرة، مثل سؤالي:
­ أنتم عاملين إيه في العنبر؟
ثم الإجابة المتوقعة:
­ الحالة سيئة، لم يتوقفوا عن ضربنا والتنكيل الفظيع بنا منذ أدخلوكم التأديب.
'وففي نفس اليوم الذي أودعت فيه زنزانة التأديب الأولي في الصباح، أودعوا غرفتين آخريين كلا من إسماعيل صبري، بعد العودة من الجبل، ثم عبدالمنعم شتلة، الذي تقدم للاحتجاج علي المعاملة، بعد أن مدوه علي قدميه حتي تورمتا، وألقوا صفيحة ماء علي أرضية زنزانته'.
وظهر حسن منير في الاوردي قبل عودة طابور العمل من الجبل، وثارت ثاثرته (وهو قليلا مايثور) حين رآني اشتغل مع الدرجات في المغسل، ونهر الكتبي وسبه ولعن أباه وأمه، وهدده وتوعده قائلا:
­ أنا قلت الولد ده مايسيبش الزنزانة أبدا.
عدت الي الزنزانة. ولكن مدة اقامتي فيها انتهت في مساء اليوم التالي، بعد الزيارة اليومية التي كان يقوم بها حسن منير لساكني التأديب الثلاثة.





بعد 'تمام' آخر النهار في اليوم الاول، وقد هدأ الأوردي، وأخذ الظلام والبرد يزحفان علي كل شيء، سمعت وقع اقدام تقترب بسرعة، وفتح باب الزنزانة بضربة خاطفة من'غفر الليل'، ليظهر خلفه حسن منير، يحيط به الضابط والصول.
كان هناك، في غير ملابسه العسكرية، وقد ارتدي ثيابا فاخرة معطرة، يقف خارج عتبة الزنزانة في غبشة الاصيل، بقامته القصيرة المكتنزة، يداه متشابكتان خلف مؤخرته، وفخذاه الممتلئان متقاربان عند ركبتيه، وساقاه الرفيعتان غير المتناسقتين تزدادان تباعدا إلي أن تنتهيا بقدمين صغيرتين موضوعتين في حذاء أنيق لامع، تبين فتحة جاكتته القطيفة الرمادية عن قميص حريري اخضر زاه، وشعره الخفيف ممشط بعناية، وذقنه حليقة لامعة مغسولة بالكولونيا النفاذة، وفوق فم وردي دقيق مائل إلي أعلي، وشارب حليق رفيع، يبرز أنف كبير شاحب غير متماثل التكوين، تزيد من بروزه والكشف عن عدم تناسفه نظارة امريكية ذهبية الحواف محبوكة النسب والصناعة، لايخفي زجاجها الاخضر الشفاف عينين ضيقتين ملونتين باهتتين، تريدان ان تعبرا عن معاني التشفي، فضلا عن ادعاء الجبروت.
قال:
­ انت مش حتسيب المساجين في حالهم؟
صمت فأضاف:
­ أنا عارفك كويس.
قلت:
­ أنا ما عملتش حاجة لده كله.
­ أنت عارف انت بتعمل ايه. علي العموم حنخليك هنا عشان نبعد شرك عنهم.
اصدر أمره باغلاق الزنزانة. ولكن قبل ان يغلقها السجان سألني حسن منير.
­ مش عاوز حاجة؟
قلت:
­ لأ
أغلفت الزنزانة، وخفت وقع الاقدام، وسمعت صوت البوابة الخارجية للاوردي وهي تغلق، وتعلقت عيناي بقضبان شراعة الزنزانة التي تبدو منها سماء الغروب الصافية الشاحبة، وقد قسمتها القبضان القصيرة الغليظة. ومن زاوية معينة، يمكن رؤية سيلويت البرج الخشبي القائم أعلي السور عند زاويته الشمالية الغربية، وفيه يقف الحارس وهو يحكم اغلاق المعطف حول رقبته.
ساد صمت ثلجي متصل، يمزقه بوحشية كل ربع ساعة صيحات حراس الابراج، الذين يتفننون ­ تنفيذا للأوامر ­ في ازعاج المعتقلين يبدأها احدهم.
'..... واحد تمام........'
وهو يضرب أرض البرج الخشبية بكعب حذائه وكعب بندقيته.. وتمتد مدة 'تم.. ام' حتي ليخيل للسامع انها لن تنتهي، ثم يعقبها الثاني: 'اتنين تمام'.. وهكذا حتي السادس ، واحيانا يتفنن احدهم أو بعضهم فيمد في طول الكلمتين معا، ويرفع من صوته كأعلي مايستطيع، ويقبح منه كأفظع ما يستطيع.. ثم يسود الصمت الاسود الجليدي من جديد..
وللزنزانة شباك ترتفع قاعدته عن الأرض بأكثر من قامة الرجل. ويطل الشباك علي الحارة التي تفصل المبني الذي تقوم فيه زنزانتي (القائمة في مؤخرة عنبر 6) عن المبني الذي تقوم فيه الزنزانتان الأخريان (القائمتان) في مؤخرة عنبر 5)
في الصمت الأسود ارتفع صوتي مناديا:
­ اسماعيل.. اسماعيل
اخترق الصوت شباك زنزانتي، ونفذ من الشباك المقابل لزنزانة اسماعيل.. ورد علي النداء.
­ أيوه يا سعد..
­ مساء الخير.
­ مساء الخير
ازي حالك؟ ازي رجليك؟
­ حالتها فظيعة طبعا..
­ وانت عامل ايه؟ انت قاعد؟
­ طبعا، هو أنا قادر اقف عليهم.
­ ساد الصمت قليلا، ثم واصلت:
­ دي أرضية الزنزانة عندك صعب، دي حجر بازلت متعبة جدا.
­ فعلا.
الصمت مرة اخري، ثم سؤالي:
­ هو مرٌ عليك انت كمان؟
­ أيوه.
­ سألك عايز إيه؟
­ سأل.
­ وقلت إيه؟
­ ولا حاجة.
الصمت مرة ثالثة. ثم سؤالي مرة اخري
­ تفتكر حا يمر تاني بكرة مثلا؟
­ ممكن.
الصمت. ثم سؤال اسماعيل.
­ أنا رأيي انه لو مر تاني وسأل السؤال نطلب بطاطين.. البرد فظيع.. والأرض زي الثلج.
­ تفتكر الطلب ده له لازمه؟.. بالتأكيد مش حايرضي
­ اهو نطلب وخلاص.
­ صمت مرة اخري، ثم ردي:
­ نطلب، مافيش مانع، وان كنت عارف مقدما إنه مستحيل..
تصبح علي خير يا إسماعيل، شد حليك.
­ تصبح علي خير ياسعد.





ثم جاءت الفئران.
ذلك أن الظلام ما يكاد يخيم، والسكون يريم، حتي تأتي الفئران لتتخذ من نافذة الزنزانة مسرحا تعرض فيه العابها.
وكانت زنزانتي في قلب منطقة عامرة بأوكارها، فزنزانة الاوردي الرابعة، الملاصقة لزنزانتي، كانت مخزنا لبعض الملابس والمهمات الاحتياطية، وفي الحارة الممتدة بين عنبري 5 و 6 وهي التي تطل عليها النافذة، تتكون اكداس من أخشاب السجن القديمة وخردته العفنة.
ولم أتبين في البداية ما الذي يغري الفئران بتلك الزيارة الليلية. ولكني مع مرور الوقت. تبينت ان رائحة ما في زنزانتي من خبز وطعام، ربما تكون هي التي جذبتها، ولم تكن تحركاتها القلقة علي قاعدة النافذة الا نوعا من المناورة لانتظار فرصة تهبط فيها إلي ارضية الزنزانة علها تصيب شيئا مما تعد به رائحة ذلك الطعام . ولعل حيرة هذه المخلوقات السوداء الصغيرة من يقظتي التي تمتد الليل بطولة، وخوفها من احتمال معركة غيرمتكافئة معها، هي التي صرفتها عن المغامرة بالنزول الي أرض الزنزانة.
وربما لو طال بي المقام، وتبينت انها ­ بحكم قدرتها علي الرؤية في الظلام، وماتتميز به من سرعة الحركة، وما حبتها الطبيعة به من اظافر وانياب دقيقة ­ لتبينت انها تستطيع كسبا محققا لمعركة ضدي، ولاقدمت علي ذلك، او . بما لو كانت ظروف حياتها صعبة، ولو لم تكن مهمات الاوردي وخردته ونفايته تشكل مصدرا مأمونا وفيرا لحياة رغدة، لما استطالت فترة الاستطلاع التي بددتها لهوا علي النافذة، ولأسرعت بمعركة مواجهة خصمها الكبير الجثة الذي لايكف عن التململ في الداخل.
وهي معركة كان لابد ان تخرج منها ظافرة.
تلك خواطر كانت تلون نظرتي إليها، وانا أتأملها كل ليلة، بعد ان يكتمل عقد ملتقاها الليلي علي قاعدة النافذة، كنت استطيع ان أحصي عددا منها لايقل عن العشرة تتسع لها قاعدة النافذة، علي صغرها، في نفس الوقت طبعا، كانت الوجوه تتغير، ولكن الظلمة تحول دون تبين القادم والذاهب، ومعرفة ايها الضيف الدائم وأيها الزائر القلق.
والحق ان الظلمة، مع ذلك الجو العام الذي احاط به في تلك الليالي السوداء المؤلمة، كانت تحول بيني وبين تبين ملامح تلك المخلوقات الدقيقة، التي تصورها افلام الصور المتحركة الامريكية الملونة في آلاف الاوضاع والانطباعت المسلية الفكهة.
كنت، وأنا علي مقربة منها، اعمل الخيال لإدراك، طبيعتها فكنت أتصورها ناعمة لزجة الملمس، طرية القوام، يمكن ان تنفجر تحت وقع ضربة يد أو ركلة قدم، فتصبح كرة من الاحشاء الكريهة.. وذلك بعد ان تخمش وتقضم قضمات سريعة مؤذية بأظافرها واسنانها الحادة.. وباختصار، كانت تثير من التفزز المفزع في نفسي اكثر مما تثير من الخوف.







وجاء حسن منير كل ليلة. وصح ماتوقعت. فحين سأل في اليوم التالي:
0 عايز حاجة؟
­ عاوز بطانية.
وبنفس الصوت الناعم، وان كان قد ازداد تنغيما:
­ بطانية؟ بطانية ليه؟
­ البرد قاتل.. الواحد هنا ممكن يموت
­ وبنفس الصوت الناعم، وبلهجة لا تخفي التشفي:
­ وما له؟.. كلنا حا نموت.. كل الناس حاتموت...
صمت،
ثم الصوت يزداد نعومة؟
­مش عايز حاجة تانية؟
­ لا.
وفي مساء اليوم الثالث، دخل الزنزانة، وتأملها، ونظر الي نظرات اطول من المألوف.. واشار الي الخبز واليمك علي أرضية الزنزانة، وقال:
0 انت مابتكلش والا ايه؟.. انت مضرب عن الاكل؟
­ لأ
­ أمال ايه ده؟
­ باكل اللي باقدر اكله.
والحق اني كنت قد فقدت كل شهية للأكل. وكنت لا أكاد اقوي علي استهلاك رغيف واحد من الارغفة الثلاثة التي تصرف لنا كل يوم، وما يتناسب مع هذا القدر من الفول واليمك، صحيح اني فكرت في موضوع الاضراب عن الطعام، ولكن الايام لم تطل بي.
ففي مساء اليوم الخامس، وقف حسن منير خارج الزنزانة لحظة، وبعد ان القي إلي الداخل نظرة سريعة، انصرف متعجلا، ثم عاد الشاويش بعد دقائق وهو يحمل نمرتي (البرش والبطانيتين) والقاها الي، واعادني الي العنبر.
نمت في تلك الليلة كما لم انم في حياتي، وأضاف إلي إحساسي بالدفء تبرع الزملاء بواحدة من بطانياتهم، تحية وابتهاجا، ولا أظن اني أحسست في حياتي بمثل الراحة والاستجمام التي أحسست بها في تلك الليلة، وانا أتمدد علي ذلك البرش الوثير، وبطانية كاملة مفروشة تحتي، وفوقي بطانيتان كاملتان،
وفي صباح اليوم التالي، بدأت ادرك لماذا عجل حسن منير باخراجي من الزنزانة قبل زميلي الآخرين بيومين، نظرت الي جلدي، وبالمقارنة بمن حولي ادركت اني قد تورمت وازرقٌ لوني زرقة مغبرة مصفرة عجيبة.
تري، ماذا كان حالي مساء اليوم السابق، قبل ان انعم بذلك النوم الدافيء المريح.





ثم كل الاسبوع الرابع.
وكان مطلع الأسبوع الرابع 28 نوفمبر يوما لاينسي







كان نظام الاوردي قد استكمل، أو كاد
اجريت مراسم الاستقبال لحوالي 300، وفرض البرش والحفاء ومايشبه العري عليهم في الاسبوع الاول.
وبدأ النزول للعمل في الجبل في الاسبوع الثاني.
وبدأت طوابير الرياضية، والضرب المنتظم مرتين صباح ومساء كل يوم اثناء التفتيش.. في الاسبوع الثالث.
وفي مطلع الاسبوع الرابع، بدأت حوادث القتل.
جاء الشاويش الكتبي مهرولا، وناداني، وألقي اليٌ ببذلة سجن نظيفة، وقال:
­ غير هدومك بسرعة، واغسل وشك، ودور علي جزمتك في المخزن، او علي اي جزمة.. بسرعة.
دق قلبي دقات سريعة، واخذت يداي وكل عضلة في جسدي ترتجف في شبه قشعريرة تتابع فيها موجات الدفء والبرد حين تصورت ان هذه التعليمات تعني أن ثمة زيارة.
يا إلهي!
هل يمكن أن تأتي سميعة لتراني هكذا؟
ان منظري قبل ذلك بيومين دفع حسن منير إلي اخراجي من زنزانة التأديب.
ياإلهي! الا يكفي ما الا قيه من عذاب؟.. أنا علي يقين من ان رؤيتي ستسبب لها عذابا اشد.
وتذكرت في تلك اللحظات ما حدث لي قبل ذلك بثلاثة وعشرين عاما، في مثل ذلك الشهر، حين دهمني الترام، وكنت ملقي علي ظهري في الشارع وقد تجمع الناس من حولي.. كنت احاول ان انهض وأنا لم اتبين بعد حقيقة ما حدث لي. ولكن لم تمض لحظات حتي رأيت ساقي المبتورة ملقاة علي الأرض امامي وهي ماتزال في الحذاء والجراب، وما بقي منها في جسمي ينزف دما غزيرا، وما اراه من لحمي الحي ممزقا ممزوجا باسفلت الشارع وترابه.
وحين انحتي احدهم علي يسألني عن اسمي وعنوان منزلي، اتجه ذهني الي امي، وصحت باكيا متوسلا.
­ لأ لأ.. ماتقولوش لماما.. آه.. يا ماما.. ماتقولوش لماما.
هل يمكن ان تراني ماما هكذا.. مستحيل.. انا أعرف كم تحبني وتشفق علي، ولا تحتمل ان تراني اعطس. مستحيل.. مستحيل.
.. وحالي اليوم؟
ربما لا يري الناظر دمائي، وهي تنزف، وأعضائي تتناثر من حولي اشلاء، ولحمي ممزوجا بتراب الاوردي وبازلت الجبل، ولكني أعرف ان ما حل بي أشد هولا. ربما كان لون بشرتي وحده كافيا للافصاح عما حل بجسدي، ام الدمار الداخلي فأنا اعرف انه أشد بشاعة.
وهل يمكن ان يخفي كل ذلك علي سميعة، وكيف؟ وهي التي اصبحت جزءا من كياني، لا يحول حائل دون ادراكها لكل مايجول في ذهني، وتألمها لكل مايصيب بدني، واحساسها بكل مايعتمل في وجداني مهما اجتهدت في اخفائه.
هذاقدري.. فلماذا تتقاسم معي جحيمي.
يا الهي ! ما هذه البرودة التي تتملكني
­ زيارة ياشاويش كتبي؟
0 إلبس بسرعة بس، بلاش كلام كتير!
ما هذا اللهجة الودية غير المألوفة؟
لابد انها زيارة فعلا..
ما أجمل ان يطل الانسان في عيني سميعة.. ثغرة في جدار جهنم، يطل المعذب منها علي الحياة مرة اخري، ويأتيه البشير بالبعث الجميل.. ولكن اه.. ما أشد انانيتك.. هل لحظة واحدة من الامل والمتعة العابرة تجعلك تنسي ما ستتسب فيه هذه الزيارة لها من آلام؟ انت هكذا دائما، أناني، لاتفكر الا في نفسك.
ولكن. لماذا؟
لماذا لاتكون هذه الزيارة رحمة بها ايضا؟
لماذا لا يكون انقطاع اخبارنا عنهم بعد دخولنا الاوردي مصحوبا بجميع انواع الشائعات.. ولكن اي شائعات، اقصي ما يمكن ان يقال هو اننا قد متنا، وهل حالنا افضل من الموت؟
آه.. الانانية مرة أخري. ها انا لا أفكر الا في الخروج من الجحيم، حتي لو كان ذلك بالموت، بما في الموت من عذاب لبعض من نحب من الاحياء،
­ إنت عندك زيارة انت كمان؟
كان ذلك صوت حلمي يس، الذي فوجئت به الي جواري يستعد هو الآخر، رفعت بصري، فاذا هناك فؤاد مرسي أيضا. قلت:
­ يبدو ذلك.. هذه علامة طيبة، ليس الجدار المضروب حولنا محكما احكاما تاما علي اي حال.
ولكن ما الذي سيبقي منا بعد هذا العذاب، ما الذي سيبقي منا لكل من نحب؟.. آه، ربما لاشيء.. الموت افضل بالتأكيد.. هذه الزيارة اللعينة.. ولكن، هل ثمة خيار؟
علا صوت يونس مرعي:
­ فين الواد الحلاق يحلق للعيال دول؟
ما لهذا العرق الغزير يتصبب من كل جسمي في هذا البرد القارص؟
ومددت رقبتي، رافعا رأسي إلي أعلي، وماكينة الزميل 'أبو حنفي' تتعثر في شعر لحيتي القصير الجاف، تمزقه، وتجذب ما تشاء من جلدي الذي يئن ويتجرح دون أن أكاد أشعر،
وعصا يونس مرعي لا تتوقف عنه 'مداعبة' أبوحنفي، علي الظهر والكتفين واحيانا فوق الرأس.. كل ذلك وهو منهمك يصلح من لحيتي ويهذب من مظهري استعدادا للزيارة.
تري كيف حالها؟ واي اثر مروع سيتركه مظهري فيها؟
واحتقنت عيناي بدموع محبوسة.
ورحت أغسل وجهي، وأزيل عن ذقني آثار الجراح التي اصابتني اثناء الحلاقة المتعجلة.. ثم وقفنا نحن الثلاثة بالقرب من بوابة الاوردي في انتظار حملنا الي الليمان حيث ستتم الزيارة. دخل حسن منير من البوابة، واتجه الينا بخطوات سريعة.
وقال بصوته الناعم الذي يخرج من بين أطراف شفتيه وانفه:
­ أنتم عندكم زيارة دلوقتي.. مافيش ولاكلمة.. ازيكم؟
كويسين.. وخلاص، مافيش داعي تؤذوا انفسكم.. العالم كله عارف إنكم بتتعذبوا. مافيش داعي لكلامكم، والا ، انتم عارفين.
صمت.
ثم، وحسن منير يهم بالانصراف، اذا بفؤاد مرسي يتململ في وقفته، وكأنه يهم بأن يقول شيئا. بدأت شفتاه تتحركان في غير كلام، ثم اطلقت حنجرته تلك النحنحة المكتومة المخنوقة الشبيهة بالحشرجة، وهو يفرك يده اليسري في كفه اليمني، ويدوس بعنف علي كعبيه، وتوجست، فقد كان بعيدا عن التوفيق في تلك الظروف.
وصح تخوفي حين سمعت صوتا سحيقا:
­ علي العموم ياسيادة المأمور، احنا.. احنا كلنا امل في عطفكم
اقتادونا الي خارج الاوردي، حيث ركبنا سيارة تستخدم لنقل زلط البازلت.. وجلست الي جوار الكابينة، حيث سمعت حوارا بين حسن منير والسائق.
­ العربية دي بتاعتك؟
­ أيوه يابيه.
­ انت اللي بتشتغل عليه؟
­ أحيانا، عندي عربيتين تانيين، وعندي اربعة سواقين بيعملوا عليهم ورديات.
­ والله عال، الواحد لما تكون ايده في الشغل يقدر يضبط حساباته مع العمال.
­ تمام ياسعادة البيه.
واستمرت المناقشة التي اخذ حسن منير يحصي فيها تكاليف ومكاسب مشروع لتشغيل سيارات للنقل في زلط ابي زعبل، الي ان وصلنا الليمان.
نزلنا من السيارة، وفي حراستنا حسن منير واثنان من سجانة الاوردي، وتبينا في الحال ان ثمة استعدادات غير عادية لوصولنا..
وأذكر اننا أحصينا في ذلك اليوم ما لايقل عن تسعة ضباط حضروا تلك الزيارة، أذكر من بينهم: ضابط برتبة لواء من الادارة العليا لمصلحة السجون، وفي رفقته المقدم صلاح طه من ادارة الشئون العامة (وكان يناقش حسن منير في المنظر والطباع، مع فارق واحد، هو طول قامته المفرط، وتأنقه الزائد).. وكان هناك اسماعيل طلعت، مدير الليمان، واثنان من ضباطه، وحسن منير.
اقتادونا الي مكان الزيارة، حيث يوجد صفان من المقاعد الحجرية، يفصل بينهما جدار ارتفاعه متر وسمكه متر، يعلوه عند منتصفه سور من السلك المنسوج، كشبكة ذات مربعات حتي السقف.
كنت في اشد حالات الانفعال، وان كان مظهري هادئا، ربما كانت عيناي في ذلك الوقت محتقنتين لامعتين، فقد كنت اشعر كأن نارا تكحلهما، وكان بهما دموعا حبيسة لاتجف، وكأن عليهما غطاء داكنا حتي لا اكاد اتبين كل ماحولي من ضباط يتوه الناظر في عدد النجوم والنسور علي اكتافهم، ولا يكاد يصل الي سمعي كل مايتصايحون به من أوامر وشتائم.
تنبهت علي صمت مفاجيء، اعقبه بعد لحظة صراخ نسائي قريب.
لم يكن الصوت غريبا علي سمعي، وارتبكت لفترة أطول مما كنت اتصور قبل ان أتبين انها أمي، وأنها تقف الآن أمامي إلي الناحية الاخري من السلك.
وكانت المفاجأة أشد قسوة علي مما كنت اتوقع.
كانت تبكي وتعول بكل ما أعطاها الزمن من قدرة علي الحزن واثارة الاسي في كل مايحيط بها، وقد ارتفع صوتها المتهدج المختنق، وهي منهارة الي حد يقرب من الاغماء.
­ يابني ياسعد.. فين ابني؟.. هاتولي ابني..
وأحسست كأن ارتباكا قد اصاب كل السيناريو العسكري الذي أحاط بتلك الزيارة الفريدة. وتململ الضباط في وقفتهم المتصلبة، وقد ران فوقهم صمت صارخ، واكتست وجوههم بتعبيرات شتي، كسرت الاقنعة، المتجمدة عليها.
وكان حسن منير، الجالس علي الجدار الحجري بيني وبينها، هو اول من استعاد القدرة علي الكلام، قال:
0 آهو ابنك ياست.. انتي مش عارفاه واللا ايه؟
ارتفع صراخ امي، وتعالي بكاؤها:
­ مش هو ده ابني.. ما كانش كدة.. ابني راح فين.. هاتولي ابني..
ثم رد حسن منير:
­ هو ده ابنك ياست.. قوم ياسعد.. قوم من علي الكرسي واقف.. اقف علشان تعرفك.. اسأليه ياست بنفسك عن حالته، وانت تعرفي انه كويس ولا فيش حاجة
ثم ردٌ أمي سريعا متتابع الكلمات
­ هوه ده معقول؟ معقول أسأله عن حالته والقوة العسكرية دي كلها واقفة.. يابني ياحبيبي، ماتتكلمش يابني، اوعي تقول حاجة. هي دي حالة عايزه سؤال؟
وتقدم صلاح طه من الجانب الآخر للسلك، ووضع يده علي كتفها، وقال بنبرات متوعدة:
­ كملي الزيارة وانت ساكته ياست، مش عايزين كلام من النوع ده، والا حاننهيها في الحال.
ونفذ صلاح طه وعيده بعد حوالي خمس دقائق فحسب من بدء الزيارة، بعد ان كنت قد تبادلت كلمة مع سميعة.
لم أتنبه لوجودها الا متأخرا، فقد جذبت امي كل حواسي واهتمامي في البداية، وحين نظرت في عيني سميعة.. يا إلهي.. لقد كان يصعب علي من ينظر من الخارج ان يقول أينا تدور عليه ادوات التعذيب.
سمعت صوتها، يفيض ألما وعطفا، وهي تهتف بصوت تخنقه العبرات.
­ سعد..
صمت..
­ سعد.. ازيك؟ عامل ايه؟
صمت..
ثم امر حسن منير، الجالس علي الجدار بيني وبينها:
­ ماترد!
قلت:
­ خلي بالك من العيال ياسميعة.
ردت وهي أكثر انفعالا:
­ خلينا من العيال دلوقت.. إزيك انت؟ عامل ايه؟
كانت فكرة الموت تسيطر علي كمخرج وحيد من كل هذا،
فكررت بنبرة لا حياة فيها:
­ خلي بالك من العيال..
قالت وقد بدأت تفقد صبرها:
­ انت ماسك في الكلمة دي ليه.. ايه حكاية العيال.. انا باسألك عن حالتك.
تبادل حسن منير وصلاح طه اشارة معينة، وقال صلاح طه لأمي وزوجتي.
­ خلاص الزيارة خلصت.
وتحرك حسن منير محولا نظره عني بعيدا.
ويبدو، وقد بدأت امي وسميعة تتهيأ ان للانصراف، ان شيئا كأنه ارادة الحياة قد غلبني.. فرفعت إلي سميعة نظرة تشجيع، تبددت منها معاني الاستسلام لخاطر الموت المريح، وكأني اقول لها: تشجعي، فأنا مازلت حيا.
ويبدو أيضا أن هذه النظرة الخاطفة أغنت عن حديث طويل.
وتحكي زوجتي انها قالت لأم محمد عباس، اثناء تداولهما بعد زيارتنا في الاوردي.
'اطمأنيت بعد الزيارة، كانت في عينيه نظرة تدل علي انه ما يزال بخير'.





عدنا الي الاوردي في احدي سيارات الليمان، والدنيا من حولي تدور، وكلمات امي تصفر في أذني، وعينا زوجتي ترتسمان امامي..
وبعد وصولنا احسست كأن حالة طواريء خفيفة معلنة في الأوردي.. وحجزنا في غرفة الترميم قليلا.. حيث سمعنا أصوات حفلة استقبال صغيرة، بمناسبة وصول بضعة معتقلين جدد.
وبعد ان خلعنا الحذاء والملابس التي صرفت لنا اثناء الزيارة، وعدنا الي حفائنا وأسمالنا المعهودة، عدونا تحت الشوم لأخذ الجراية والفول، ثم الي العنبر.
وأمام العنبر، كان الضابط يونس مرعي واقفا يصب شتائمه علي الجميع لكي يسرعوا.
وقال جاري في العنبر بعد دخولنا.
­ هل لاحظت شيئا؟
­ أين ؟
­ أمام العنبر هنا!
­ لا.
والحق اني كنت مازلت في جو الزيارة.
سألت:
­ ماذا في هذا ؟ ربما أغمي عليه قليلا من اثر حفلة الاستقبال
­ هذا ما أرجو.
­ ماذا تعني.
­ لقد تمكنت من اختطاف نظرة اليه. انه يرقد بطريقة غريبة. عيناه مفتوحتان، ولكن دون حياة، ذراعاه منثنيان في وضع متشنج، وقبضتاه الي أعلي، وساقاه منثنيتان في غير حركة..
سكت قليلا، ثم اضاف:
­ يبدو ان شيئا قد حدث.. ثم هذه العصبية التي يسب فيها يونس مرعي المعتقلين يحثهم علي الاسراع، ومن حوله أكثر من سجان يقفون بالقرب من ذلك المعتقل الراقد علي الأرض.
يبدو لي انهم يحاولون اخفاء شيء، ويستحثون المعتقلين حتي لا يلمح احدهم شيئا.
.......... سكوت اخر، ثم:
­ انه ليس غريبا علي بالرغم من البشرة الثلجية والعينين الميتتين، انه ليس غريبا علي.
وبات العنبر في تلك الليلة حزينا ساهما.
كان ذلك المعتقل المسجي علي أرض الاوردي هو شهيدنا الاول في الاوردي، الدكتور فريد حداد، سقط، بينما كانت تتناوبه شومتا الضابط 'يونس مرعي' والسجان 'شديد' ومنذ تلك الليلة وفكرة الموت وتوقعه ضيف دائم علينا.
واثناء سهادي الطويل المحموم في تلك الليلة، ووسط شريط الاحداث التي تتابعت، ودوي الاصوات التي ظلت تصرخ ملء سمعي، كان يطفو صوت سحيق صادر من أسفل عيني فؤاد مرسي المطفأتين:
­ احنا.. إحنا كلنا أمل في عطفكم!!

 
العدد الحالي
  الأعداد السابقة
الصفحة الرئيسية
ساحة الأخبار
ضواحي الفضفضة
رسائل
شرق وغرب
البستان
ساحة الإبداع
كتب
أحداث
جسر الحنين
نقطة عبور

أعلي الصفحة إرسل الصفحة إلي صديق إطبع الصفحة إحفظ هذه الصفحة في المفضلة
   دفتر الزوار   |   دليل المواقع   |   الاشتراكات   |   الإعلانات   |   خريطة الموقع   |   البحث   |   الأعداد السابقة   |   إتصل بنا   |   مساعدة   
   الإعلانات المبوبة  |  أكاديمية أخبار اليوم  |  بلبل  |  أخبار السيارات  |  أخبار الحوادث  |  أخبار النجوم  |  أخبار الأدب  |  أخبار الرياضة  |  آخر ساعة  |  الأخبار  |  أخبار اليوم   :شبكة أخبار اليوم   
All site contents copyright © 2000-2002 Dar Akhbar El Yom.
للأستفسار أو طلب معلومات يرجي مراسلتنا علي العنوان التالي
akhbarelyom@akhbarelyom.org

Best viewed with Internet Explorer 4.0, Netscape 4.0 or above with a resolution of 800 X 600 .

Website Developed By: