دليل المواقع الاشتراكات الإعلانات دفتر الزوار United States Mirror Server United Kingdom Mirror Server Egypt Mirror Server
السنة -573ه - العدد1425جمادي الأوليمن16- م2004يوليو من4 الأحد
بتوقيت القاهرة 2:50:23 PM الساعة - 7/2/02 آخر تحديث يوم
      ضواحي الفضفضة
صلاة ومناجاة وقلوب بحجم الأرض
أحراش المحبة
ميرال الطحاوي
أحمل الحقائب الكثيرة وأنظر إلي بيتي الذي كان، والذي رأيته في البداية بسيطا أكثر من اللازم ومتقشفا بما لايتناسب مع 'جائزة اليونسكو' أو أبهة بيت مهراجا في الأفلام الهندية، كانت كل قطعة خشب قديمة تسفر عن وجودها بألفة وتحكي لي فلسفة القدم ومعاندة الفناء بالتفرد
طويل ونحيل وله هيئة شريف ارستقراطي، يمشي بين أروقة مملكته يطرق بابي في السابعة صباحا لنمشي قليلا، نمشي عبر معابر كونه الذي صنعه وصممه بيديه، متحف من مقتنياته النادرة، حلي وملابس وادوات طبخ ترك عليها الزمن نقوشه الفولاذية كل شيء عابر، كل شيء به رائحة السنين، اهم بخطواتي لألحق به بين المطابخ، والخدم ومعمل الطين الأحمر، فخار قاني بلحمة طين الأرض ولون 'اللال' الأحمر المسكوب في الحناء، والوشم وبين ملتقي الحاجبين، في معامل الفخار عجلة الخلق تدور، صانعة من أرق الاطفال الذين ينحتون علي معداتهم الحادة اشكال الخلق الأولي، فراشات وطواطم وبقرات سمان وأحصنة تفرد جناحيها للاساطير الأولي، في طرف المزرعة يتواري بيته الكبير قلعة من قلاع اغنياء دلهي، 'إنه ملك' هذا الرجل الذي يمشي ببساطة عابر ويحفر في رمل الأرض بقدمين مشققتين من كد السنين 'ملك' أو 'جان' 'أوبي جان' 'OPJAN'، والجان طائفة من اغني اغنياء الهند، يعملون في تجارة كل شيء.
في المرة الأولي كان ثمة رجل في السبعين بشعر أبيض يبتسم لي، جالسة إلي جوار كل المضافين مثلي، ساهمة اعبث في طعامي بيدين مرتعشتين من الغربة، عندما اقترب قال أنا OPJAN لم تثر كلمته أي انتباه، كلمات ترحيب قليلة اعبر بها عن سعادتي بلقيا الغرباء حولي، في المرة الثانية كان ينزل من عربة قديمة، متوعكة بماركة أشبه بناقلات المحافظات، متهالكة وقديمة حينما نزل كان 'راجيش' أول من تقدم، راجيش خادمه الأمين مد يده كما تفعل جداتي لي بأنفه فقبلها وانحني قليلا ليفسح الطريق لغيره من المستقبلين، جالسة في أروقة الحديقة أشاهد طقوس استقباله وثمة كثيرون يركضون حوله بمحبة وإجلال حينها همس 'راجيش' السيد أوبيجان صاحب المكان، بقميص هندي أبيض يتجول، يرف يده ليحييني ويسأل 'هل ينقصك شيء؟!' 'ينقصني ابن صغير يسأل علي وبيت تتجول فيه أمي ورائحة كتبي ووجوه أصدقائي، ومقاه تتنفس من ضجر وألم ومحبة 'كنت أريد أن أقول لكنني هززت رأسي بمودة 'شكرا'، البيوت التي أسكننا بها أشبه بجزر منعزلة، كل بيت قاعتان واحدة سفلية بها مكتب قديم وبضع لوحات وكرسي هزاز، وفي القاعة العلوية، فراش أكثر قدما تتأرجح كلل الناموس المخرمة فوق رؤوسنا مع هزات مراوح السقف، مطبخ أصغر وحمام، الأرض الباهتة المصقولة بالأسمنت والحوائط الجيرية ليست مبهرة، مجرد بيت قروي صغير حوله أشجار مانجو وأزهار تئز عليها أسراب النحل، الأرض الرملية تكشف خبايا أعراش النمل البري في كل ركن، اذا انقطعت الكهرباء عن سماء دلهي وغالبا ما نقضي الليل بدونها فإن كل أشجار الحديقة الشاسعة ستضيء بملبات الكيروسين والكلوبات، صوت الضفادع في البرك المجاورة سيصبح ترنيمة المساء.
* * *

نوقد الشموع بالداخل وتكشف السماء نجومها وأفلاكها في مزرعة شاسعة مخيفة، مرشوقة بالتماثيل العملاقة، أعمال فنية تركها الذين سبقونا في الخلاء من طين وخشب وحجر وصلب، هياكل منحوته في فضاء النخيل.
نمشي أكثر في الطرقات التي تصل الفضاء بالشجر بالعتمة بالوحدة وبين دبكة الخدم الذين يصيرون أقرب ولهم أسماء وملامح وكينونات، عمال المطابخ، عمال التنظيف، عمال الغسيل، عمال الضيافة وآخرون يتبادلون الحراسة، يخبطون العصي الخشبية في الأرض لتخفيف الزواحف ويتركون لنا قلق الكائنات التي تسرح في أحراش الدغل البعيد،
في الليالي المقمرة يتوسط باحة البيت مسرح من طوب مصمت مجرد 'مصطبة' كما كانت جدتي تسميها، خلفها ديكور لايتغير، قبب بيت هندي ونوافذ حجرية، علي المسرح كانت الليالي تعتمر، برقصات البهراتا المقدسة، جسد المرأة يتحرك في الضوء الخافت، صلاة ومناجاة، الجسد الذي يتحدث لغته الخاصة خارج كل القواعد، الجسد الذي يتحول إلي روح تبحث في الوجود عن حيزها الفيزيقي ينسجم مع الايقاع 'تك، تم، تك تك.. تم' إلي أين يقذف بنا وسط الشموع المقادة في كل الأركان، المسرح الذي سيشهد احتفالات كثيرة، غناء كورال أطفال، رقصات، صلوات تعلمنا كيف نأخذ النفس عميقا بثبات، تلك هي الحياة نفس عميق يدخل الجسد فيصير روحا في وعاء يتشكل بها، هذا النفس الإلهي، السر الذي يسكن الشجر والكائنات والطيور، والحيوانات والحشرات، ينسحب ببطء بعد فترة ويحلق من كائن إلي آخر في ديمومة الوجود.
في المرة الثالثة أهديته روايتي وفي المرة الرابعة صرنا أصدقاء، سيلقبني 'بالفراشة' وسيترك خطواتي وراءه تروح وتجيء، وحين نجلس سيحكي لي تاجر الورق Opjon كيف استلم التجارة عن أبيه وجده، ورق أبيض، وملون سيصنع منه الأطفال في الورش الخلفية طائرات بلون الطيف ويطلقونها في الفضاء بلونات من بهجة وسيصنع منه الفنانون الذين سكنوا البيوت مثلي لوحات سيحاول اقتناء أحد نماذجها ويضعها في متحفه في أروقة 'جاما مسجد' أو المسجد الكبير حيث الصناع والتجار كان مصنعه وكانت تجارته 'جاما مسجد' أول آثار 'الموغل' إمبراطورية الموغل الاسلامية' بعد أن دشنوا ثلاث مدن كبري 'دلهي'، 'جيبور' 'أجرا'، حول جاما مسجد كانت مدارس المساجد وتراتيل القرآن ودكاكين الصاغة وباعة الحرير الهندي، من أروقة التجار كانت الأشياء القديمة تزداد ألقا في عينيه، حينها سلم تجارة الورق لأخيه وقرر أن يتاجر في الزمن، في الأنتيك، قطع فضة وخشب ماهوجني، ولوحات من حرير ودمسق وأنوال تبدع تراتيل الذي فات، باع ما باع وخزن في مخازنه القطع الأكثر قربا الأكثر قدما وصار أغني وله هالة مهراجا من كتب النسيج، في الستين قرر أن يترك كل شيء أسلم لابنتيه مفاتيح مصانعه ومخازنه واكتفي بأرض رملية علي حدود 'دلهي'، منذ سبعة عشر عاما زرع في الرمال أول شجرة، شجرة التين التي ولد تحتها البوذا وعرف لذة الزفانا وهدأة السر بأن يولي ظهره لمطامع الحياة.
شجرة التين التي كانت نبته صغيرة، أرخت سدولها علي أبهة المكان، نوقد تحتها شموع البركة وتمني ولادة روح مسالمة محبة للوجود ويطوف حولها الجميع، حولها نثر في الفضاء الرملي أشجار المانجو والأزهار التي صارت أدغالا من المحبة والسلام.
* * *

مع قهوة الصباح سيحكي لي أنه أحب رائحة الورق وصارت الحروف التي ترقص بإبداعات الكتابة والألوان نقوشا وفسيفساء من الفن، وهل الأنتيك سوي خشب مورق بتجاعيد كتابة ما؟! الرجل الذي يعرف كيف يتحول الفن إلي 'بزنيس' وتجارة أيضا أصبح أكبر وكيل أدبي وفني لاقتناء أعمال الفنانين التقليديين والكتاب يبيع ويسوق ويرعي المعارض ويعطي المنح للمكدودين بالأرق الأزلي لكتابة الحياة، في معارضه التي هي جزء من البيت أيضا اقتني أعمال النسيج من جيبور وراجستان وبنجلور والتاميل وكل نقش مدرسة تتوازي وتتعانق مع مؤثرات اسلامية فارسية، هندية قديمة، في الفناء تتحول الصخور المنحوته إلي أشكال تنطق بجلال الطبيعة، من سديم الورق والصخر والخشب والحديد والنسيج تتخلق بانوراما الوجود، النساء الأميات يلتصقن بالطين وبأظافر خشنة مدربة يلقمن أفران الحرق شطط المخيلة العفوية، أراقبهن بعد أن يمسحن عرق الابتهاج بولادة أعمالهن مستلقيات علي النجيل الأخضر يدخن بغموض تلك السجائر الملفوفة من أوراق الأشجار ويغنيين للأبدية 'كالهونا هو' الحياة قصيرة.. الحياة نفس يروح ولايجيء.
في هذا البيت المؤسسة كانت احتفالية استقبال 'لكوفي عنان' أطباق هندية انتثرت علي موائد من قش وفي المسرح كانت رقصة البهراتا علي أضواء الشموع، 'كوفي عنان' وقع في الدفتر الصغير 'أجمل ليلة في حياتي كانت هنا'.
، التاجر الذي أحب الورق أحب بهجة الترحيب بزواره في الدفتر وقع كثيرون، فنانون، عظماء، ساسة، وكلاء لبيع الفنون، مغمورون، في الدفتر كانت شجرة التين تورق كل عام مئات الانشطة ورشة كتابة، ورشة لاكتشاف الأطفال الموهوبين، مؤتمرات تناقش في الصباح حرية التعبير وحقوق المرأة وتسويق الفنون ومدارس الفنون الهندية، وفي المساء يفترشون الأرض ومن حولهم الشموع وسلام الارض المستضيفة وموسيقي الطبيعة.
كلما فكرت كم ينفق علي هذه الاحتفالات والاستضافات، اكتشفت كم يربح أيضا. اذ تكفي المزرعة الخلفية وعمال المطابخ في جعل كل التكاليف مجرد خبز في تنور تستقبله أيادينا صابحا حانيا، كل وجبة وحفنة من بهارات وخضرة الأرض، المشروبات كلها هندية لبن وكاري وصودا منزلية، والحلوي دقيق وسكر، لكنني لم أذق أكثر حلاوة من 'الرشمالاني' و 'جلاب جامة'، الحلاوة هي أن تستقبل تاريخك ومطبخك القديم وطرق صنع الخبز وصب الحليب في أطباق من الزمن، كل شيء قديم حتي تقاليد الطبخ، كل شيء فخار صنعته النسوة وأنضجنه في أفران الحرق وجلينه بمحبة استعادة الزمن الفطري.
* * *

في الصباح الذي كان علي أن أمضي كان واقفا، أحمل الحقائب الكثيرة وأنظر إلي بيتي الذي كان، والذي رأيته في البداية بسيطا أكثر من اللازم ومتقشفا بما لايتناسب مع 'جائزة اليونسكو' أو أبهة بيت مهراجا في الأفلام الهندية، كانت كل قطعة خشب قديمة تسفر عن وجودها بألفة وتحكي لي فلسفة القدم ومعاندة الفناء بالتفرد، الذي يبقي قطعة خشب لها كل هذه القيمة، يدفنان أعطتها بعض روحه، وأعطته سرها، سر أن تصير لها رائحة عرقه وملامح كينونته، كل قطعة كانت مختلفة وتنتمي إلي عصر مختلف، والي مدرسة مختلفة، وكانت علي الحوائط عيناي ولحظات فرحي وشجني ووحدتي واكتشافي البدائي أن الحياة مجرد نفس أو يوم وأن كل مساء ستختفي شمس وتطل في الأفق شمس جديدة.
راجيش الذي وقف وحيدا ليودعني ممسكا بصورة فتاة من منمنات جيبور مستلقية في أبهة الحرير وحولها جمال وخيام، قال ان التفاة لها نفس ملامحي وأنها ذكري منه إلي، الولد الذي كان يحمل اطباق الطعام ولايتحدث بغير ابتساماته المهذبة كان حزينا، سألته كم من الناس يودع وكم من جديد يأتي ابتسم وقال 'كثيرون.. لكن ليس أنت'، كثيرون يروحون ويجيئون لكنهم ليسوا نفس البشر علي قائمة الحياة، ابوجيان الذي يودع بقامة مفرودة، قامة ملك.. قال 'هذا بيتك أشيري إلي أي منزل تودين القدوم إليه هنا وان كان مشغولا' فكل هذه البيوت لك في أي وقت'.
تركت هناك قلوبا بحجم كل الأرض مفتوحة علي سلامها وغبطتها بالزائرين، وبشرينحنون بمحبة ويودعون بابتسامات الوجوه، ونساء مستلقيات علي الطين تعلو أصواتهن بهمس أعرف أنه تحية المودعين.
 
العدد الحالي
  الأعداد السابقة
الصفحة الرئيسية
ساحة الأخبار
ضواحي الفضفضة
رسائل
شرق وغرب
البستان
ساحة الإبداع
كتب
أحداث
جسر الحنين
نقطة عبور

أعلي الصفحة إرسل الصفحة إلي صديق إطبع الصفحة إحفظ هذه الصفحة في المفضلة
   دفتر الزوار   |   دليل المواقع   |   الاشتراكات   |   الإعلانات   |   خريطة الموقع   |   البحث   |   الأعداد السابقة   |   إتصل بنا   |   مساعدة   
   الإعلانات المبوبة  |  أكاديمية أخبار اليوم  |  بلبل  |  أخبار السيارات  |  أخبار الحوادث  |  أخبار النجوم  |  أخبار الأدب  |  أخبار الرياضة  |  آخر ساعة  |  الأخبار  |  أخبار اليوم   :شبكة أخبار اليوم   
All site contents copyright © 2000-2002 Dar Akhbar El Yom.
للأستفسار أو طلب معلومات يرجي مراسلتنا علي العنوان التالي
akhbarelyom@akhbarelyom.org

Best viewed with Internet Explorer 4.0, Netscape 4.0 or above with a resolution of 800 X 600 .

Website Developed By: