|
|
| السنة - | 573 | ه - العدد | 1425 | جمادي الأولي | من | 16 | - م | 2004 | يوليو | من | 4 | الأحد |
|
 |
| بتوقيت القاهرة |
 |
2:38:56 PM |
 |
الساعة - |
 |
7/2/02 |
 |
آخر تحديث يوم |
|
| رسائل |
 |
|
|
إهمال الشكل
تحت شعار الاهتمام بالمضمون أدي إلي تبلور
هيكل فارغ منهما معا:
الكتاب المخطوط والكتاب المخلوط!
د. محمد المهدي
 | | الأمام يخاطب المؤمنين.. |
|
منذ عدة سنوات أقيم معرض في هولندا يعرض تجربة أجراها مصنع للسجاير.. لقد لاحظ أصحابه انخفاضا ملحوظا في الأنتاج، وتولي رجال العلاقات الإجتماعية بالمصنع دراسة أسباب الظاهرة، ووضعوا تقريرهم قائلين فيه أن العمال يعملون أمام الآلات لساعات طويلة مملة بين حوائط صماء تستلب حماسهم وتضاعف من شعورهم بطول الزمن وتقلل من أنتاجهم.. اقترحوا علاجا للحالة شغل هذه الحوائط العالية بتكوينات تشكيلية لونية تجريدية لا تصرف العامل إلي تأمل تشخيصي، ولكن تقيم حوله مايربط في ألفة بينه وبين المكان، وبينه وبين زميله، وبينه وبين الزمان.... وزاد الإنتاج.
الشكل له أثر في المضمون.. لايختلف أحد حول الأرتباط بين الأثنين، ابتداء من الصناعة والآلة والعيون المرهقة والأيدي الخشنة، إلي صياغة العبارة، أو اللون أو اللحن في قاعات مريحة مكيفة.. ورغم عدم الأختلاف، الإ في الدرجة، الأ أن طرق الربط مازالت مترددة بين تجارب عديدة في محاولة للوصول إلي توليفة غيرمفتعلة.. وفنون الشرق بشكل عام والفن الإسلامي بشكل خاص توفرت فيها هذه الخاصية خاصة منذ أن تبلورت معالم الفن الأسلامي..
الإهتمام بالعمارة خاصة تركيبها الداخلي المترابط. دمج التجريدات التشكيلية في بنية هذه العمارة.. ادخال عناصر فنية غير مفتعلة في أدوات الأستخدام اليومي والشخصي.. الحرص علي جعل اداه الثقافة الأولي وهي الكتاب جزء من هذا المزاج الفني في شكله الخارجي أو الداخلي وهومانسميه في العصر الحديث بفن اخراج الكتاب.
الغريب توفر هذه الخاصية في الفن الأسلامي دون أن ننتبه اليها.. ويبدو أن اندماج مزاجنا في المزاج الغربي ومعاناتنا مما يعاني منه قد صرفنا عن هذا الأنتباه. بات تراثنا عسير، الهضم علي افهامنا.. المثقف والمتعلم والبسيط يعيشون وسط ثروة من التراث القديم والإسلامي القريب خاصة المعماري دون انتباه إلي قيمتها الفنية، وإن انتبه اليها المثقف فانه يتناولها أما كآثار أو افتخار أو عرض لقدرات أواستعراض امام اجنبي.
علي أي حال ليس هذا موضوع حديثي ولكني استخرج منه فرعا بعينه يدعو للأسف لما صار اليه.. الكتاب خاصة الكتاب المدرسي.. واتناول من الكتاب شكله فقط دون مضمونه.. فان هذا المضمون من التعرج، والتفكك، والثقوب، والرضوض، بما لايكفيه مقال أو بتناوله فرد لتعدد الفروع فيه والتخصصات.
كتب التراث في العلوم والفنون والآداب
الكتاب العلمي والأدبي الذي خط في العصور الأسلامية الأولي إلي أن وصل إلي الإبداع الأخراجي المتنوع من الهند إلي الأندلس، لم يكن أصم..
وجاءت العناية بشكله لأسباب فنية قامت أيضا علي خدمة مضمونة..
مثلا كتاب (تركيب العين) لحنين بن اسحاق جاء مصورا بالألوان يستعرض أشكال العين ورطوبتها وحركاتها وطبقاتها وتشريحها ويعود للقرن السادس الهجري (9م)، وكتاب (علم الساعات والعمل بها) لرضوان بن محمد الخرساني جاء موضحا شرحه لعمل الساعة الشمسة بالرسوم.. ومن أطرف الكتب المصورة كتاب يدور حول الحيل الميكانيكية وضعه أبو العز الرزاز الجزري في القون 8 ه (14م) به أكثر من مائة رسم هندسي منها رسم لصناعة أنسان آلي يتحرك بالحيل الميكانيكية المتاحة آنذاك.. يتحرك، ويمشي، ويدق الساعة وكتاب يعود للقرن الثامن الهجري زيضا باسم 'الحركات العسكرية' يستعرض بالرسوم أنواع الأسلحة، والجند. وأخر يتحدث عن الفروسية برسيوم توضيحية لتحرك الفارس والفرس وثالث باسم 'السؤال والأمنية في أعمال الفروسية' يعود للقرن التاسع ه (15م) يستعرض رسما طريفا لفارسين امتطي كل منهما ظهر جوداه وربط طيل كل منهما بالآخر حتي لايفترقان ولايبتعدان ويستمر بينهما القتال. وكتب الرحالة العرب أوالجغرافيين المصورة 'المرسومة' عديدة ومن اشهرها كتاب 'نزهة المشتاق في اختراقه الآفاق' للأدريسي 1153م، افتتحه برسم صورة الأرض طبقا لتصوره آنذاك.. وكتاب 'قانون الدنيا وعجائبها من مشرقها إلي مغربها' لأحمد بن زنبل يتناول بالشرح والرسم المذهب الملون أنواع النباتات، والخشرات، والأسماك، والأحجار وصور العلماء وكذلك كتاب المسالك والممالك لابن حوقل.. والأقاليم للأصطخري.
ومن كتب الرحالة المصورة كتاب 'نخبة الدهر' للدمشقي به رسوم لأسماك غريبة أو انواع من العمارة في الصين، أو طواحين الهواء في سجستان.
وترتفع درجة الأبداع الفني في اخراح الكتاب حينما يتناول موضوعا أدبيا فما بالك بكتاب أدبي علي لسان الطير والحيوان. جاء في مقدمة نسخة مصورة من كتاب 'كليلة ودمنة' قد ينبغي للناظر في كتابنا هذا ألا تكون غايته التصفح لتزاويقه' ثم يقول عن الهدف 'اظهارخيالات الحيوان بصنوف الاصباغ والألوان ليكون انسا لقلوب الملوك ويكون حرصهم عليه أشد للنزهة في تلك الصور' ثم يقول: 'ان يكون علي هذه الصفة فيتخده الملوك والسوقة فيكثر بذلك انتساخه ولايبطل، فيبقي علي مرور الأيام ولينتفع بذلك المصور والناسخ ابدا'.
وكتاب الأغاني للأصفهاني كان أكثر اغراء لتصوير حالات المزاج الخاص، جاء في بعض نسخه تصوير لمجالس الطرب، الشراب، والجواري، والقيان، ملون بالأسود، والأخضر، والأحمر، والأزورد،.. ومن الكتب التي جمعت بين المزاج الفني والاستخدام العملي كتاب 'كشف الهموم والكرب لشرح آلات الطرب' فيه صورة رجل يعزف علي العود، وآخر علي الطنبور، وثالث علي آلة تشبه القانون، ورابع علي الناي.. وورائهم من يسندون بالإيقاع علي الدفوف.. وبعض نسخ مقامات الحريري، أو بديع الزمان، وألف ليلة وليلة، جاءت مصورة ملونة مذهبة.. وتراوح التصوير في كتابي
(رباعيات الخيام) و ( ألف ليلة وليلة) بين سياحات الشاعر الليلية ووصوله إلي باب ألحان يوقظ الأصدقاء حتي يشاركو كؤوس ما قبل الفجر.. وبين التصوير الفاضح لقصة الحمال والأربع بنات في ألف ليلة وليلة..
تصوير الكتاب العلمي واخراجه جاء في كتب التراث للشرح أكثر من عرض الطاقة الفنية.. وفي الكتاب الإدبي وازن بين الأثنين ولذلك لجأ إلي التشخيص وإن جاء في بعضه ساذجا.
النص القرآني
ثم بدأ الابداع حينما وجد الفنان نفسه يتعامل مع كتاب لايحتمل التصوير بقدر مايتوازن بالتجريد.. التجريد هو الجذور التي اينعت فروعا متعددة من تنويع علي أشكال هندسية، أو عناصر من الطبيعة، أو خط عربي.. وتوزعت علي صفحات النص القرآني وبقدر ما اجهد بعض الفنانين اعينهم واخذتهم الصنعة في خط الصفحات علي اصغر مساحة أو حجم بحيث لايقرأ الا بعدسة مبكرة.. بقدر ما كان هناك اخرون يريدون بتضخيم وتشكيل نص الكتاب، وتضخيم وتشكيل الأطار، الوصول إلي الأحساس المعماري.. وهناك مصحف في دار الكتب المصرية يعتبر أكبر مصاحف العالم.. اذ يقع في سبعة اجزاء، ووزنه طنين، ومساحة الصفحة 175 120 سم... كتب بخط النسخ علي الجلد واستخدم التذهيب في اجزاءه ووقفاته.. وغلافه من الفضة الخالصة المحلاة بالياقوت.. اهداء للدار الأمير 'بهوبال' من وسط الهند.
فن اخراج صفحات القرآن الكريم بدأ مقتصرا علي التذهيب علي شكل
أشرطة كفواصل بين السور، أو فواصل بين الآيات أو الأجراء. وجاء التنغيم علي شكل هندسي من دوائر ومربعات متداخلة كالفسيفساء، أو عناصر معمارية كالعقود والأعمدة، أو تفربعات نباتية..وكانت الألوان قاصرة علي الذهبي، والأخضر، والأزرق، وتوضيح الخطوط الأولية بالأسود
ثم اباح الفنان لنفسه بعد ذلك كتابة أسماء السور داخل الأشرطة نفسها بحروف ذهبية.. ثم زحف التشكيل إلي الصفحات الداخلية.. في المخطوطات تولي الفنان صفحة العنوان بالأخراج الفني الكامل بعناصر تجريدية تميز أسم الكتاب واسم صاحبه.. رحفت بعد ذلك إلي الصفحات الأولي من المخطوط وتولي ملء الفراغ المحصور بين الاسطر بوحدات هندسية أو نباتية غير منتظمة لعدم انتظام حروف الكلمات علي الاسطر بين الأرتفاع والأنخفاض وهي الميزة التشكيلية التي انفرد بها الخط العربي..
وقضي الفنان اياما طويلة بل شهورا في خط الكتاب واعداده فنيا، وبالغ في اضافة المادة التشكيلية قطغت علي النص أحيانا وخرجت عن الهدف.. ولكن ظل الكتاب الموزون بين النص والتشكيل يثير الأعجاب والعجب خاصة في حدود امكانيات زمانه.
تعاسة الكتاب المدرسي يثير الأعجاب
والتعجب ايضا بالمقارنة إلي ماصار إليه أمر الكتاب الآن.
واقصر الحديث هنا علي شكل الكتاب. ومن الجائز أن يسأل سائل.. أتريد أن تعود إلي الزخرفة المزدحمة التي كان يزخر بها الكتاب القديم؟
وأقول لا في صورته المبالغ فيها.. ولكن نعم كطابع تشكيلي خاص، يمكن أن يميز كتابنا ويعطي قيما جمالية في طباعة الصورة الملونة التي قفزت قفزة هائلة في عصرنا.
ويقول آخر لكن هناك بعض الكتب التي حققت هذا الطموح؟
نعم بعض الكتب بمجهودات فردية، أو مزاجية خاصة، ولكن تأمل كتابا اكاديميا نجده يستحي من عرض الصورة أو الاستعانة بالأخراج الفني، فما بالك بالتشكيل بطابع خاص.. بل الأعجب انك تجد كتابا في الأدب، أو مسرح، أو الفن يخلو تماما من الصورة والتشكيل والأخراج.. لولا الملامة لخلت بعض الكتب التي تتحدث عن الفن التشكيلي من الصورة، وإن خلت يالتأكيد من الأخراج الفني المميز، وجاءت الصورة بها هزيلة باهتة تثير الكآبة.
أما الكتاب المدرسي فيا حزناه علي حاله في قطع الكتاب، وفي غلافه وفي مدخله، وفي مقدمته، وفي ورقه، وفي صوره، وفي رسوماته وفي بنط حرفه، وفي عدم استقامة سطره، أوعدم دقة حرفه.. وأخر ماتحلم به إخراجه، فما بالك بإخراجه بطابع خاص.
وبمقياس ما نري وبمقياس مانسير فان تحقيق هذا الطموح يحتاج منا إلي قرون، ويحتاج إلي ملايين الدعوات المطبوعة التي ستنوء بدورها بعبء العيوب السابقة.
الكتاب كان في تراثنا القديم يكلف جهدا، ومالا، ووقتا، من الخطاط والفنان حتي يخرج موائما بين شكله ومضمونه في حدود زمانه. الكتاب كان المصدر الوحيد هو وصاحبه لتحصي العلم أو الثقافة.. وكان لقلة نسخه يكلف جدا في البحث عنه والبحث عن صاحبه لتللقي العلم علي يديه.. ومع ذلك كان اكثر اغراءا وأدعي للبحث عنه.. وفي زمان الطباعة وقدرتها علي طبع ادق التفاصيل والخروف والألوان تجد العداوة قائمة اولا بين الكتاب والتشكيل، وثانيا بين الكتاب والقاريء.
وقد يقول قائل: أتريد أن ينافس الكتاب الأجهزة العاتية من التليفزيون إلي الإنترنت؟
واقول أن قفزة هذه الأجهزة سارت معها قفزة اخري عطيمة في فنون الطباعة ومايزال الكتاب هوأداة العلم والمعرفة وايضا التسلية الأكثر وقارا وحكمة ودقة.. وكلنا يضيق بضياع لقطة أولقطات منا أثناء مشاهدة التليفزيون أو السينما وربما تكون مؤثرة أو غير مؤثرة.. أما استخدام الفيديو أو الكمبيوتر فنستطيع ان تقول انهما رجوع إلي كتاب المصور بوقاره، واستطاعتك الحوار معهما في هدوء والأنصراف عنهما للتأمل ثم العودة أو ارجاع الصفحات، وتبقي مناقشة الرعاء. الوعاء هو هذه الأدوات الحديثة مع الكتاب القديم، المهم ماذا تضع في هذه الأوعية.. سما، أو خلا، أو عرق انسان، أو عطر فواح..
* * *
والذي يملأ الوعاء أو يتناول منه هو الأنسان.. المهم الأنسان سواء تناول وجبته في وعاء من ذهب أو وعاه من طين.. المهم ايضا نظافة الوعاء.. الانسان الفارغ سيأخذه كتاب في الجنس سيء الحرف و البنط بصورة باهتة، عن فيلم علمي أو ادبي ممتاز في اخراجه والوانه وكلنا يعرف فيما
يستخدم في الخارج، وهناك أسر أوروبية لاتفتح جهاز التليفزيون الا مرة في الأسبوع. وهناك اسر عندنا جعلت مفتاح التلفزيون يعمل مع مفتاح باب المسكن.
اذن لابد من العودة إلي الكتاب المدرسي حتي نصنع نموذج الأنسان الذي يحسن استخدام الوعاء.. ومازلت اناقش شكل الكتاب المدرسي لا مضمونه.
الكتاب المدرسي، من الأبتدائي إلي الأعدادي إلي الثانوي يجب ان يضع المتولين أمره في اعتبارهم ان اخراجه الجيد اذا اقنعوا به ليس 'لفتح نفس' أوجذب الطالب.. ولكنها قضية تدخل في تأكيد المادة الجيدة المفترض أنها معروضة ايضا في الكتاب المادة المعروضة سواء كانت علمية، أو أدبية، أو فنية يفترض فيها التسلسل العلمي، فالتفكير العلمي ليس قاصرا علي دراسة الكيمياء والفيزياء أوغيرها، والإخراج الجيد يؤكد هذا التسلسل المنطقي.. والتسلسل المنطقي في شكل الكتاب وموضوعه يعود
الطالب منذ ظفولته علي احترام الكلمة المكتوبة والصورة المطبوعة.. كان للعقاد خادم شبه أمي يخلع نعليه طوعا حينما دخل غرفة مكتب سيدة.. لقد ادرك كم يحترم ويحب ويعتني العقاد بالكتاب فارتفع في نظره إليد درجة التقديس.. وليس أعجب ولا ادعي للأسي من استهانة الطالب بكتابه المدرسي بل عداوته له.. بعد ان ينتهي امتحانه يمزقه أويتقاذفه كالكرة. وتمر امام المدرسة في موسم الأمتحانات فتجد اكواما من الكتب امام البوابات طردت في ازدراء.. اتعجب ام تعذر الطالب.
* * *
ولا استطيع أن أمنع نفسي ايضا من الحديث عن الطموح أوالتمني بروية الطالب معتزا بقيمة كتابه كتشكيل أو اخراج، أو طباعة راقية يرفع من قدرته علي التذوق الفني، ويجعله متسقا مع ادوات الثقافة الأخري مكملا لتذوق اللوحة، أوسماع اللحن، أو متابعة المسرح، أو السينما الجادة دون ملل أوضيق أو اصطناع. وحاول ان تتصور مايدور في ذهن الطالب من تضارب بين مايراه بحكم صغر العالم الآن وتطور الأمكانيات من الكتاب الأجنبي في الخارج أو في المكتبات، وبين مايراه متداولا بين يديه رسميا فيما يعرف بالكتاب المقرر.
هذا التناقض سيشرح له وفي وضوح تام ان هناك فرق بين الأجهزة الرسمية وبين ومايدور في الواقع.. سيوضح له دون لبس ان الكلام الرسمي مطلوب حفظه وترديده في نفاق دون العمل به حتي يمكن العبور إلي البداية ممر الوظيفة. ثم يلقي علي الأبواب، وتوقد فيه النار ويدور حوله الطلبة احتفالا بالقضاء علي الأرواح الشريرة التي ركبتهم اعواما طويلة كانت بالفعل مدة خدمة ثقيلة تكتم الأنفاس بلا مبرر.
مشاكل التعليم كثيرة ومتعددة وخاصة في مصر ولكن أعود فاكرر أنني لقصر حديثي علي شكل الكتاب أوالفصل التعسفي بين شكله ومضمونه. وهي علة بدأت عندنا من تصور ان الأهتمام بالمعنويات دون الماديات يتقضي اهمال الشكل، لأنه خفة وانحراف وعدم جدية وهومنطق جعل البعض يتصور انه بهذه القاعدة يهتم بالمضمون اكثر من الشكل.. وهو في الحقيقة اهتمام بالشكل دون المضمون لانه اخذ بالجانب النظري من المضمون دون العملي.. وبالتالي يجر هذا المنطلق الي نتيجة اسوأ من مجرد اهمال الشكل.. أنه يحول المضمون إلي هيكل فارغ سلبي يفتقد في النهاية الناحيتين الشكلية والموضوعية.
ينتهي إلي القعود دون حركة.. ينتهي إلي الأنتظار دون مشاركة.. ينتهي إلي استلاب تحت شعار المخافظة علي الأخلاق والقيم.
منطق قطع اليد واللسان
وفي العصر العباسي الثاني أو في القرن الثالث الهجري (9م) ظهر محمد بن علي بن الحسن المعروف باسم الوزير ابن مقلة.. يعتبره الدارسون للخط العربي صاحب مدرسة في هذا الفن. بدأ كاتبا بسيطا ولكن كانت له طموحاته ليس في الفن فقط ولكن في الوزارة أيضا.. انتهت به إلي السلطة ثم إلي الطرد ومنها إلي السجن، ولم يجد خصومه وسيلة للانتقام منه إلا بقطع يده اليمني. وقال في ذلك 'يد كتبت لها كذا وكذا مصحفا.. وكذا وكذا حديثا من أحاديث الرسول.. ووقعت إلي شرق الأرض وغربها، تقطع كما تقطع يد اللصوص'.. كتب ابن مقلة بيده اليسري، ثم ربط القلم علي يده اليمني وكتب بها فلم يفرق العارفين بقدراته بين ما كتبه قبل قطعها أو بعده، فلجأ الخصوم إلي قطع لسانه ومات في السجن.
منطق قطع اليد واللسان يلخص مأساة ما حدث في بعض تراثنا.. قطع اليد واللسان لم يوقف ما هو أهم.. لم يوقف العقل عن الحركة والعمل.. تغيير الشكل أو تشويهه لا يغير الموضوع إذا كان أصيلا، ولكنه يحتاج من الموضوع إلي جهد مضاعف ومعاناة، ومن المؤكد أيضا أن تغيير الشكل إلي أفضل يساهم بدرجة عظيمة في تغيير الموضوع إلي أفضل. وليس أعجب من أن تجد إلي الآن من يناقشون هل التصوير أو الغناء حرام أم حلال.. ولا يناقشون نوعية التصوير أو الغناء.. أو من يبيحون التصوير معتمدين علي ما رواه 'دحية بن خليفة الكلبي' عندما عاد للرسول عليه السلام بعد مقابلة قيصر فذكر له أنه رأي عند قيصر صورة الرسول وصورة أبي بكر وعمر.. فأيده الرسول، بينما تناول محمد عبده منذ ما يقرب من قرن قضية التصوير فقال فيها: (الرسم ضرب من الشعر الذي يري ولا يسمع.. والشعر ضرب من الرسم الذي يسمع ولا يري'.. أو يقول في موضع آخر 'أما إذا أردت أن ترتكب بعض السيئات من محل فيه صور طمعا في أن الملكين الكاتبين أو كاتب السيئات علي الأقل لا يدخل محلا فيه صور كما ورد في حديث 'ان الملائكة لا تدخل بيتا فيه كلب ولا صورة' فإياك أن تظن أن ذلك نجيك من إحصاء ما تفعل، فإن الله رقيب وناظر إليك حتي في البيت الذي فيه الصور).
كان من المفروض أن نكون قد تعدينا مرحلة مناقشة إباحة التصوير أو عدم إباحته، أو علي الأقل مناقشته بمنطق آخر.. أن نكون قد تعدينا أيضا مرحلة منطق محمد عبده الذي أباح التصوير أخذا بأساليب التطوير الأوروبية، إلي مرحلة البحث عن أصالة التشكيل في تراثنا ولكن برؤية خاصة. أن نكون قد تعدينا هذه المرحلة أيضا إلي مرحلة مناقشة النسيج الخفي الذي يربط التراث العربي القديم وتراث الشرق بشكل عام، أو ما يسمي بالوحدة مع التنوع.. أن نكون قد تعدينا مرحلة الموازنة بين نسيج الشرق والغرب وأثره علي العطاء المعاصر.. ومراحل أخري كثيرة كان يجب أن تكون مستقرة الآن في أذهان الجماعة، وليست أصواتا خافتة أو خائفة أو مجتهدة في فردية هنا أو هناك.
ولكن نعود إلي الفصل التعسفي الذي حدث في أسلوب التفكير بين الشكل والمضمون، والذي أوجد التداخلات فجعل بعضها متقدما رغم تأخر الزمن وبعضها متخلف رغم تقدم الزمن، وأخرج لنا مأساة التلافيف الإدارية التي كانت السبب المباشر في مأساة شكل الكتاب المدرسي.. والتي أتمني أن تنظم له حملة كحملة التوعية بمضار التدخين، وليعذرني الطالب إن جاء حديثي في موسم الامتحانات، وليكن نوع من التعزية تشد الهمم وتقوي العزيمة، ويهيأ لعام جديد في وقت مناسب يعفينا من سماع.. (فوت علينا بكرة).. فغد المدرسة بعام.
|
|
|
بشر وأبنية وسياسات:
عشوائيات الثقافة!
لقد نشرت 'أخبار الادب' من قبل رأيا للقاص محمد عبدالعليم الذي يتعرض للاضطهاد والتجاهل الان حول:
المشكلات التي يعاني منها بيت ثقافة نجع حمادي والذي يدار لحساب فئة قليلة وضربا لكل الاجيال والاصوات الفنية والادبية الاخري ويتم فيه حجب عضوية نادي الادب عن المتميزين او ابعادهم لنوادي ادب اخري لحساب هذه الفئة فضلا عن تجاهل الفنون الاخري مثل المسرح والفنون التشكيلية فلم يبق سوي هذا المبني القبيح والذي هو مجرد حجرات وعدد ضخم من دورات المياه العمومية والمزعج في الامران المبني يعطي ظهره لشاطيء النيل لينضم لسلسلة المباني العشوائية الحكومية التي تشوه المنظر الفريد لبانوراما النهر والجبل في نجع حمادي وعلي الرغم من التكلفة الباهظة التي تكلفها المبني.
أفتتاح هذا المبني العشوائي وفي حضور المحافظ ورئيس الهيئة صرح ايمن سالم الذي يعد احد ابرز المثقفين المساهمين في تأسيس واثراء الحركة الثقافية في قنا. وجهة نظر تركز علي أهمية تفعيل هذه المواقع الثقافية لتلعب دورا تنويريا علي خلفية أحداث مثل. 'النخيلة' و 'الكشح' وبهجوره واخيرا مما حدث في نجع حمادي في اعقاب اعلان نتائج انتخابات مجلسي الشعب والشوري.. وقد طرح الزميل المثقف فكرة تأسيس هنجر باسم اثنين من الفنانين هما جورج البهجوري وسيد سعد الدين اللذين ينتميان لقرية بهجورة تعميقا لمفهوم الوحدة الوطنية ولكننا فوجئنا بالغاء عمل المثقف المبدع أيمن سالم مع صحيفة اتهامات منها دعوته لبيان للتضامن مع الكاتب صنع الله ابراهيم ومهاجمته لسياسة وزير الثقافة في شراء المثقفين والمبدعين والقضاء علي استقلالية المؤسسات والافراد وهكذا يتم شراء مبدعي الصعيد بمنح تفرغ هزيلة وبدلات انتقال بائسة وامسيات شعرية في مطابخ المصانع.
وهذا ضد كل ماهو تنويري وحقيقي ومستقل لقد حولوا المثقف/ المبدع إلي مجرد نمرة في سيرك او مطبخ معزول وبمقابل زهيد.
رؤوف عبدالمسيح
قصر ثقافة نجع حمادي
|
|
|
|