دليل المواقع الاشتراكات الإعلانات دفتر الزوار United States Mirror Server United Kingdom Mirror Server Egypt Mirror Server
السنة -579ه - العدد1425جمادي الآخرةمن29- م2004أغسطس من15 الأحد
بتوقيت القاهرة 11:14:38 AM الساعة - 8/14/99 آخر تحديث يوم
      الصفحة الرئيسية
في مدح الكسل
برتراند راسل
ترجمة: د. رمسيس عوض
لقد درجت، شأني في ذلك شأن معظم الجيل الذي انتمي إليه، علي المثل القائل بأن 'اليد البطالة نجسة'، ولما كنت طفلا يتحلي بأسمي الفضائل، كنت أصدق كل ما كان يقال لي.. واكتسبت ضميرا مازال يدفعني إلي العمل الشاق حتي اللحظة الراهنة.. ولكن علي الرغم من أن ضميري لايزال يسيطر علي 'أفعالي' إلا أن 'آرائي' قد اجتاحتها ثورة.. فأنا أعتقد أن العمل الذي ينجز في العالم يزيد عما ينبغي إنجازه بكثير، وأن ثمة ضررا جسيما ينجم عن الإيمان بفضيلة العمل، كما أني أعتقد أن ما تحتاج البلاد الصناعية الحديثة إليه من تبشير يختلف تماما عن نوع التبشير الذي ألفته.. كل إنسان يعرف قصة المسافر في نابولي الذي رأي اثني عشر شحاذا مستلقين في الشمس (كان هذا قبل أيام موسوليني) والذي قدم ليرة إلي أكسلهم طرأ فهب أحد عشر من رقدتهم يطالب كل منهم بها، فما كان من المسافر إلا أنه نفح الليرة الشحاذ الثاني عشر.. لقد كان هذا المسافر مصيبا فيما فعل.. ولكن الكسل في البلاد التي لاتستمتع بشمس البحر الابيض الساطعة أكثر مشقة ولابد من دعاية ضخمة لإرساء قواعده.. وأملي بعد قراءة الصفحات التالية أن يبدأ قادة جمعية الشبان المسيحيين حملة لإغراء الشباب الطيب بألا يفعل شيئا.. واذا تم لي ما أبغي، لن تكون حياتي قد ضاعت سدي.
* * *

قبل أن أعرض آرائي الخاصة مدافعا عن الكسل يتحتم علي أن أدحض رأيا لايمكن لي أن أقبله.. فعندما يخطر لانسان لديه من وسائل العيش ما يكفيه أن يشتغل بعمل من أن أعمال الحياة اليومية كالتدريس في المدارس أو الآلة الكاتبة فإنه يقال لهذا الانسان أن مثل هذا التصرف من جانبه سيحرم آخرين من تصل لقمة العيش إلي أفواههم.. ولهذا فهو تصرف شرير.. ولو أن هذا الرأي كان صحيحا لكان من الضروري أن نصبح كسالي فحسب حتي تمتليء أفواهنا جميعا بالخبز.. والأمر الذي يغيب عن أذهان من يزعمون مثل هذه المزاعم هو أن الانسان عادة ينفق ما يربح وأنه في إنفاقه لما يربح يتيح لغيره فرصة العمل.. وما دام الانسان ينفق دخله فهو يوفر لقمة العيش للآخرين بالقدر الذي ينتزعها به من أفواههم.. والمجرم الحقيقي من وجهة النظر هذه هو الانسان الذي يدخر، فمن الواضح أنه لن يتيح فرص العمل لاحد لو أنه اكتفي بمجرد حفظ مدخراته في جورب كما يفعل الفلاح الفرنسيفي الامثال الشائعة.. أما إذا استثمر مدخراته فسيكون جرمه أقل وضوحا وتنشأ بذلك حالات مختلفة..
من أكثر الأمور شيوعا أن يقرض الانسان مدخراته لحكومة ما. وبالنظر إلي أن أكبر جانب من المصروفات العامة في معظم الحكومات الراقية يتلخص إما في دفع نفقات حروب قديمة أو الاستعداد لحروب جديدة فان الانسان الذي يقرض ماله للحكومة هو في نفس وضع الرجال الاشرار في مسرحيات شيكسبير الذين يستأجرون القتلة.. والنتيجة النهائية لعادات هذا الانسان الاقتصادية هي زيادة القوات المسلحة للدولة التي يقرضها مدخراته.. ومن الواضح أنه من الاصوب لو أنه أنفق المال حتي لو كان علي الشراب والميسر.
ولكن البعض سيرد عليٌّ محتجا بأن الحالة تختلف تماما اذا استثمرت هذه المدخرات في المشروعات الصناعية.. قد يمكن الأخذ بهذا الرد عندما تنجح مثل هذه المشروعات وتنتج شيئا مفيدا.. ولكن لاسبيل لأحد أن ينكر أن غالبية هذه المشروعات ينتهي الامر بها إلي الفشل.. وهذا معناه أن قدرا كبيرا من الجهد البشري الذي كان يمكن تخصيصه لانتاج شيء يمكن الاستمتاع به يبذل في انتاج آلات يقدر لها عقب إنتاجها أن تظل عاطلة لايجني أحد من ورائها نفعا.. وعلي هذا فالانسان الذي يستثمر أمواله في مشروع يفضي إلي الافلاس يضر الآخرين كما يضر بنفسه.. ولو أنه أنفق ماله مثلا في اقامة الحفلات لاصدقائه لجنوا كما نأمل من ذلك لذة ولأستمتع كذلك سائر الناس الذين ينتفعون من ورائه أمثال الجزار والخبار وتاجر الخمور.. ولكنه لو أنفق هذا المال لنقل مثلا علي تركيب قضبان حديدية لعربات في مكان ما حيث يثبت أن الحاجة لهذه العربات معدومة فأنه بذلك يحول كتلة من الجهد في مجدي ليس من شأنه أن يجلب المتعة لأحد.. ورغم ذلك فإنه يعتبر ضحية حظ عاثر لايستأهله إذا ما أصبح فقيرا من جراء فشل مشروع استثماره بينما أن المسرف المرح الذي ينفق ماله فيما يعود علي الآخرين بالخير والمنفعة يعامل بازدراء كشخص مغفل مستخف تافه.
كل هذا مبدئي فقط.. وأنا أريد أن أقول في جدية تامة أن العالم الحديث يصيبه الكثير من الأذي نتيجة الاعتقاد في فضيلة العمل، وأن السبيل إلي السعادة والرفاهية ينحصر في الإقلال المنظم للعمل.
وباديء كل شيء. ما العمل؟ العمل نوعان: أولهما تغيير وضع المادة علي سطح الأرض أو بالقرب منه بالنسبة لمادة أخري مثيلتها.. وثانيهما القول للناس الآخرين باحداث هذا التغيير.. النوع الأول غير بهيج واتجاه غير مدر للربح، أما النوع الثاني فبهيج ويدر ربحا طائلا، والنوع الثاني من العمل مطاط بشكل لاحد له فليس هناك من يصدرون الاوامر فحسب، بل هناك أيضا من يقومون باسداء النصح بشأن الاوامر التي ينبغي اصدارها. وفي العادة تصدر هيئتان منظمتان من الناس نوعين متباينين من النصيحة في وقت واحد.. وهذا هو ما يسمي بالسياسة.. والمهارة التي يتطلبها هذا النوع من العمل لاتنحصر في الألمام بالموضوعات التي تسدي النصائح بصددها بل باتقان فن الحديث والكتابة لحث الناس واستثارتهم، أي بإتقان فن الاعلان.
وهناك طائفة ثالثة من الرجال في أوربا بأسرها وأن لم يكن لها وجود في أمريكا تنعم باحترام أكبر من أي من الطبقتين العاملتين السالف ذكرهما. هناك رجال يتسني لهم بحكم ملكيتهم للأرض أن يجعلوا الآخرين يدفعون ثمن التفضل بالسماح لهم بالحياة والعمل.. وملاك الارض هؤلاء كسالي خاملون ولذلك قد ينتظر مني أن أمتدحهم، ولكن كسلهم لسوء الحظ ما كان ليتوافر لولا جهد الآخرين وكدحهم.. وحقيقة الحال أن رغبتهم في الكسل الحلو هي من الناحية التاريخية منبع الايمان العام بقداسة العمل، وآخر شيء لاتوده هذه الطائفة إطلاقا هو أن يحذو الآخرون حذوهم.
* * *

منذ بدء الحضارة حتي الثورة الصناعية كان يمكن للرجل كقاعدة عامة أن ينتج بالعمل الشاق ما يقيم أوده وأود عائلته وما يزيد قليلا.. هذا بالرغم من أن زوجته كانت تقوم علي أقل تقدير بمثل عمله المرهق، ومن أن أطفاله كنوا يسهمون بجهدهم عندما يشبون عن الطوق وتشتد سواعدهم.. ولم يكن الفائض القليل الذي يربو علي حاجيات الكفاف يترك لاصحابه الذين يقومون بإنتاجه بل كان من نصيب المقاتلين والكهنة يستأثرون به. وفي أوقات المجاعات لم يكن هناك فائض.. ولكن المقاتلين والكهنة كانوا علي الرغم من ذلك يضمنون لانفسهم علي أي حال ما كانوا يضمنون في الظروف الاخري الامر الذي أفضي إلي تضور الكثيرين من الكادحين جوعا.. واستمر هذا النظام في روسيا حتي عام 1917(1) ومازال مستمرا في الشرق، كما ظل باقيا في إنجلترا علي الرغم من الثورة الصناعية أثناء الحروب النابوليونية.. ظل هذا النظام مستمرا حتي المائة عام الاخيرة حينما استولت طبقة جديدة من المنتجين علي زمام السلطة وانتهي هذا النظام في أمريكا بنشوب الثورة إلا في الجنوب حيث استمر حتي اندلاع الحرب الاهلية. ومن الطبيعي أن يترك نظام هذا شأنه قدر له أن يستمر كل هذه الفترة دون أن ينتهي إلا قريبا جدا أثرا عميقا في أفكار الناس وآرائهم. وكثير من المعتقدات الخاصة بفضيلة العمل، مما نعتبرها بديهيات لاتحتاج إلي نقاش، مستمدة من صلب هذا النظام، وهو نظام لايتفق ومقتضيات العالم الحديث، لأنه كان نظاما يسود المجتمعات قبل الثورة الصناعية.. ووسائل العلم الحديثة من شأنها ألا تجعل الفراغ في حدود حكرا تنفرد به طبقات ضئيلة العدد وتنعم بامتيازاته بل تجعل منه حقا يعطي بالتساوي لافراد المجتمع.. وأخلاقيات العمل هي أخلاقيات العبيد ولاحاجة للعالم الحديث إلي نظام العبيد..
ومن الجلي أن الفلاحين في المجتمعات البدائية لو تركوا لشأنهم لما فرطوا في الفائض الضئيل من إنتاجهم الذي كان المقاتلون والكهنة يستأثرون به ولكانوا يؤثرون علي ذلك إما خفض إنتاجهم أو زيادة استهلاكهم.. كانت القوة المجردة في باديء الامر تضطرهم إلي انتاج الفائض والنزول عنه. ولكنه وجد بالتدريج علي أية حال أنه من الممكن إغراء كثرتهم بقبول أخلاق من شأنها أن تجعل الواجب عليهم أن يكدوا ويكدحوا رغم أن بطون الآخرين كانت تتخم في استرخاء وكسل بجانب من كدحهم. وبهذا الاسلوب الجديد قلت كمية الارغام المطلوبة كما انخفضت تكاليف الحكم. وحتي يومنا هذا سيصاب 99 % من الكادحين البريطانيين بالدهشة الحقة لو أقترح انسان انه لاينبغي للملك أن يحصل علي دخل يزيد عن دخل الرجل العادي. وفكرة الواجب من الناحية التاريخية كانت أداة استغلها أصحاب السلطان لاغراء الآخرين علي قضاء مصالح أسيادهم الخاصة، لامصالحهم هم. ويعمل أصحاب السلطان بطبيعة الحال علي إخفاء هذه الحقيقة عن أنفسهم، وذلك بأن يفلحوا في إقناع أنفسهم بأن مصالحهم ومصالح الانسانية عامة شيء واحد لاتعارض فيه. وهذه هي عين الحقيقة في بعض الاحيان. فأصحاب العبيد في أثينا مثلا كانوا يسخرون جانبا من فراغهم في إضافة شيء دائم إلي الحضارة. هذه الاضافة إلي صرح الحضارة لم تكن لتوجد تحت ظل نظام اقتصادي تسوده العدالة. فالفراغ ضرورة للحضارة. وفي الازمنة السالفة كان الفراغ الذي تنعم به الاقلية ممكنا بفضل كد الاكثرية وكدحها. وكان لكدحها قيمة لا لان العمل شيء حسن بل لأن الفراغ شيء حسن. ويمكن عن طريق وسائل العلم الحديثة توزيع الفراغ توزيعا عادلا دون اضرار بالحضارة.
* * *

وقد جعلت وسائل العلم الحديثة في الامكان تخفيض قدر الجهد المطلوب لكي يحصل كل انسان علي ضرورات الحياة تخفيضا هائلا وأصبح هذا واضحا أثناء الحرب، ففي هذا الوقت تم سحب كل رجال القوات المسلحة وكل الرجال والنساء العاملين في انتاج الذخيرة والمشتغلين بالتجسس وبدعاية الحرب أو بمكاتب الحكومة التي لها علاقة بالحرب كل هؤلاء تم سحبهم من وظائفهم الانتاجية. ورغم هذا فقد كان مستوي الرفاهية المادية بين العاملين غير الفنيين في صفوف الحلفاء مرتفعا عن ذي قبل أو بعد ذلك.. (وقد أخفت السياسة المالية مدلول هذه الحقيقة فقد ظهر من عقد القروض كما لو كان المستقبل يغذي الحاضر، ولكن هذا بطبيعة الحال أمر مستحيل الوقوع فالانسان لايستطيع أن يأكل رغيفا من الخبز لم يوجد بعد). لقد أثبتت الحرب بشكل قاطع أنه من الممكن عن طريق التنظيم العلمي للإنتاج الاحتفاظ لاهل العصر الحديث برغد نسبي وذلك بفضل جهد جانب ضئيل من القدرة العاملة في عالمنا الحديث.. ولو أن التنظيم العلمي الذي أوجدته الحرب ليتفرغ الرجال للقتال، ولصنع الذخيرة قد احتفظ به بعد نهاية الحرب، ولو أن ساعات العمل خفضت إلي أربع ساعات، لسار كل شيء علي ما يرام، ولكن بدلا من ذلك عادت إلي العالم فوضاه القديمة وأصبح المطلوبون للعمل يعملون ساعات طوالا متصلة وترك الباقون ليتضوروا جوعا بسبب تعطلهم عن العمل. لماذا؟ لان العمل واجب ولأن الانسان لا ينبغي له أن يحصل علي اجر يتناسب مع ما ينتجه بل يتناسب مع فضيلته كما هي ممثلة في جده واجتهاده. وهذه هي أخلاق دولة العبيد مطبقة في ظروف تختلف تماما عن ظروف نشأتها. فلا غرو إذن إذا كانت النتيجة محزنة. ولنأخذ مثالا، لنفرض أن عددا معينا من الناس في وقت ما يشتغلون في انتاج الدبابيس. هذا العدد يقوم بصناعة ما يحتاج إليه العالم من دبابيس، ويعمل (قل) ثماني ساعات يوميا. فيجيء شخص ما ويستحدث اختراعا من شأنه أن ينتج نفس هذا العدد من الناس ضعف هذا العدد من الدبابيس. ولكن الدبابيس رخيصة الثمن أصلا مما يجعل من المستبعد جدا شراء عدد أكبر منها بسعر أقل. في عالم يسوده العقل، سيعمل كان إنسان يشتغل بصناعة الدبابيس أربع ساعات بدلا من ثمان، وتجري لاامور علي ما كانت عليه. ولكن العالم الحلاي ينظر إلي هذا الحل علي اعتبار أنه محط بالقيم والاخلاق. ولهذا مازال الرجال يعملون ثماني ساعات وانتاج الدبابيس يزيد علي الحاجة بكثير، وينتهي الامر بموظفي الاموال إلي الافلاس مما يفضي إلي تشريد نصف عدد الرجال المشتغلين بصناعة الدبابيس وتعطلهم عن العمل. وفي نهاية الامر، تتوفر لدينا نفس كمية الفراغ التي كانت ستتوافر لو اتبعنا الخطة الثانية.. ولكنه فراغ تشوبه البطالة التامة التي تصيب نصف عدد العاملين بينما يرزح كاهل النصف الآخر تحت ثقل العمل المرهق. ومن المؤكد أن باتباع هذا الاسلوب سيسبب الفراغ الذي لامحيص عنه شقاء في كل مكان بدلا من أن يكون مصدرا للسعادة عميما. فهل من الممكن أن نتصور جنونا أكثر من هذا..؟
والفكرة التي تنادي بأن يتمتع الفقراء بالفراغ كانت ولاتزال دوما مثار دهشة الاغنياء وذهولهم. وفي انجلترا بلغت ساعات العمل اليومي العادي للرجل في أوائل القرن التاسع عشر خمس عشرة ساعة. كما كان الاطفال يعملون أحيانا مثل هذا القدر من الساعات. وكان من الشائع جدا أن يعمل الاطفال أثنتي عشرة ساعة. وعندما اقترحت هيئات تحرص علي التدخل فيما لايعنيها أن ساعات العمل هذه ربما كانت أطول مما ينبغي، كان الرد علي هذا أن العمل يقي الكبار من الخمر كما يحمي الصغار من الشر. وفي طفولتي، بعد أن نال عمال المدينة حقهم الانتخابي بوقت قصير أقيمت بحكم القانون بعض العطلات العامة اختفاء بهذه الذكري مما آثار سخط الطبقات العليا. وأنا أذكر أني سمعت حينذاك دوقة متقدمة في العمر تقول في هذا الصدد: 'ما عسي الفقراء أن يفعلوا بالعطلات؟ ينبغي عليهم أن يعملوا' والناس الان أقل صراحة عن ذي قبل ولكن هذا الشعور مازال سائدا وهو مصدر الكثير من اضطرابنا الاقتصادي.
* * *

دعنا نفكر برهة في أخلاقيات العمل بصراحة دون التجاء إلي الخزعبلات.. كل انسان يستهلك بالضرورة خلال حياته مقدارا معينا من نتاج الجهد البشري. وبفرض أن العمل شيء كريه فمن الظلم أن يستهلك أنسان أكثر مما ينتج وقد يقوم بطبيعة الحال بأداء خدمات بدلا من انتاج السلع ولكنه ملزم بتقديم شيء مقابل مأكله ومسكنه وفي هذه الحدود، وفي هذه الحدود فقط يجب علينا الاعتراف بواجب العمل.
لن أتحدث طويلا عن الحقيقة التي تتلخص في أن عددا كبيرا من الناس في المجتمعات الحديثة باستثناء الاتحاد السوفيتي يعمد إلي التهرب حتي من الحد الادني للعمل وأعني بالذات كل الذين يرثون المال أو يتزوجون طمعا فيه. وأنا لا أعتقد أن السماح لهؤلاء الناس بالكسل يكاد يصل في ضرره ما تصل إليه مطالبة الكادحين في سبيل الرزق أن يكدوا أو يتضوروا جوعا.
ولو أن الكادح في سبيل الرزق عمل مدة أربع ساعات يوميا لكان هناك ما يكفي كل انسان، ولما كانت هناك بطالة هذا لو افترضنا وجود جانب من التنظيم المعقول المعتدل للغاية. هذه الفكرة تذهل الاغنياء لأنهم مقتنعون بأن الفقراء لن يعرفوا كيف يستغلون كل هذا الفراغ. وفي أمريكا غلابا ما يعمل الناس ساعات طوالا حتي بعد أن يغدوا أثرياء. هؤلاء الناس بطيعية الامر كارهون لفكرة توفير الفراغ للكادحين في سبيل الرزق إلا علي اعتبار أنه نتيجة متجهمة للبطالة، وهم في الحقيقة يكرهون الفراغ حتي لابنائهم. والغريب في الأمر أنهم لايكترثون بكون زوجاتهم وبناتهم لايقمن بعمل شيء علي الاطلاق بينما هم يتمنون لابنائهم العمل في كد واجتهاد. الغريب أن الاعجاب المتعالي نحو الفراغ والكسل الذي يمتد إلي كل من الجنسين في المجتمع الإرستقراطي مقصور في المجتمع الذي يسير دفته الاثرياء (البلوتوقراطية) علي النساء ولكن هذا لايتفق علي أيه صورة مع منطق العقل السديد.
يجب الإقرار بأن الاستغلال الحكيم للفراغ هو نتاج المدنية والتعليم وأن الانسان الذي اعتاد علي العمل ساعات طويلة يصيبه الملل لو أنه أصبح متعطلا بين يوم وليلة. ولكن بدون جانب كبير من الفراغ يجد الانسان نفسه محروما من الكثير من أطايب هذه الحياة. لم يعد هناك داع لكي يعاني غالبية الناس من هذا الحرمان. والتقشف السخيف الذي يحمل طابع التضحية هو الذي يجعلنا عادة نستمر في الاصرار علي العمل بكميات ضخمة رغم أن الحاجة إليها لم تعد قائمة.
ورغم أن هناك تباينا تاما بين المذهب الجديد الذي يسود حكومة روسيا وبين تعاليم الغرب التلقيدية في كثير من الامور، إلا أن هناك بعض الاوضاع القديمة التي لم يطرأ عليها إطلاق أدني تغيير تحت ظل هذا النظام. فموقف الطبقات الحاكمة وخاصة هؤلاء الذين يقومون بالدعاية التعليمية بشأن وقار العمل يكاد يكون تمام نفس الموقف الذي اعتادت الطبقات الحاكمة فيما مضي التبشير به لمن يطلق عليهم اسم 'الفقراء الشرفاء'، وفي ظل المذهب الجديد يعود إلي الظهور التبشير بالاجتهاد والاتزان والاستعداد للعمل ساعات متصلة من أجل فؤاد تجني في المستقبل البعيد، حتي الخضوع إلي السلطة يعود إلي الظهور. أضف إلي ذلك أن السلطة لاتزال تمثل إرادة حاكم الكون الذي يلقب الآن علي أية حال باسمه الجديد 'المادية الجدلية'.
* * *

وانتصار الطبقة العاملة في روسيا يطابق في بعض النواحي انتصار القائمات بالحركة النسائية في بعض البلاد الاخري. فقد أقر الرجال بقداسة المرأة وطهارتها لاجيال متعاقبة، هذه القداسة التي لاتتوافر في الرجل. وقدم الرجال العزاء للنساء علي مركزهن الواطيء وعلي ضعفهن زاعمين أن القداسة أمر مرغوب فيه أكثر من القوة. ولكن القائمات بالحركات النسائية قررن أن يجتمع لهن كل من القداسة والقوة لأن الرائدات بينهن قد أمن بكل ما قاله لهن الرجال من كون الفضيلة أمر مرغوب فيه ولكنهن لم يعتقدن فيما زعمه الرجال من تفاهة السلطان السياسي. وقد حدث شيء من هذا القبيل في روسيا بشأن العمل اليدوي. فقد ظل الاغنياء وامعاتهم لاجيال متلاحقة يكيلون الثناء علي 'الكد الشريف' ويمتدحون الحياة البسيطة ويدينون بدين يبشر الفقراء بأن فرصهم في دخول ملكوت السماوات أوسع من الفرص التي تتهيأ للاغنياء، وبوجه عام حاول هؤلاء الناس أن يدخلوا في روع العمال اليدويين أن هناك شرفا خاصا في تغيير وضع المادة علي الارض تماما كما حاول الرجال اقناع السيدات بأنهن يحصلن علي شرف خاص من عبوديتهن الجنسية.
وفي روسيا أخذت كل هذه التعاليم بشأن امتياز العمل اليدوي وتفوقه علي محمل الجد مما أدي إلي تكريم العامل اليدوي أكثر من أي شخص آخر. وانبعثت ما هي في جوهرها مناشدات بعثية وأن لم تكن هذه المناشدات تخدم الاغراض القديمة. هذه المناشدات البعثية تطلق بغرض الحصول علي عمال يجابهون أشق الاخطار للقيام بأعمال ذات طابع خاص. وبذلك أصبح العمل اليدوي المثل الأعلي الذي يراود الشباب كما أصبح الاساس الذي ترتكز عليه كافة التعاليم الأخلاقية.
ومن الجائز أن يكون هذا في الوقت الحاضر للخير. فروسيا كبلد مترامي الاطراف يزخر بالموارد الطبيعية يرنو إلي التطور، وعليه أن يتطور باستخدام جانب ضئيل من القروض. والعمل الشاق في مثل هذه الظروف ضرورة ومن المحتمل أن تجني الثمار من ورائه. ولكن ما الذي سيحدث عن الوصول إلي نقطة حيث يستطيع كل إنسان أن يحيا في رغد وراحة دون أن يعمل ساعات طوالا؟
لدينا في الغرب طرق شتي لعلاج هذه المشكلة. فنحن لانبذل أية محاولة في سبيل العدل الاقتصادي لدرجة أن أقلية صغيرة من عدد السكان، لايقوم الكثير منهم بعمل شيء علي الاطلاق، تحظي بنسبة كبيرة من الانتاج. ونظرا لعدم وجود سيطرة مركزية علي الانتاج فنحن ننتج مختلف الاشياء التي لاحاجة لنا بها. ونحن نحتفظ بنسبة عالية من الطبقة الكادحة في حالة تعطل لاننا نستطيع الاستغناء عن عملهم بجعل الآخرين يكدحون. فإذا ثبت أن كل هذه الوسائل ليست بالناجحة نلجأ إلي الحرب فنجعل جانبا من الناس يشتغلون بصنع المفرقعات الشديدة الانفجار وجانبا آخر يقوم بتفجيرها كما لو كنا أطفالا قد اكتشفوا لتوهم الصواريخ والالعاب النارية. ونحن ننجح ولكن في عسر عن طريق شتي هذه الحيل في أن نبقي الاعتقاد بأن قدرا كبيرا من العمل اليدوي شيء محتوم في حياة الانسان العادي، ماثلا في أذهاننا.

¼ مجتزأ من مقال 'في مدح الكسل' الصادر في كتاب بالعنوان ذاته المشروع القومي للترجمة
(1) منذ ذلك الحين نجح أعضاء الحزب الشيوعي في الحصول علي امتيازات المقاتلين والكهنة.
 
العدد الحالي
  الأعداد السابقة
الصفحة الرئيسية
ساحة الأخبار
ضواحي الفضفضة
رسائل
شرق وغرب
البستان
ساحة الإبداع
كتب
أحداث
جسر الحنين
نقطة عبور

أعلي الصفحة إرسل الصفحة إلي صديق إطبع الصفحة إحفظ هذه الصفحة في المفضلة
   دفتر الزوار   |   دليل المواقع   |   الاشتراكات   |   الإعلانات   |   خريطة الموقع   |   البحث   |   الأعداد السابقة   |   إتصل بنا   |   مساعدة   
   الإعلانات المبوبة  |  أكاديمية أخبار اليوم  |  بلبل  |  أخبار السيارات  |  أخبار الحوادث  |  أخبار النجوم  |  أخبار الأدب  |  أخبار الرياضة  |  آخر ساعة  |  الأخبار  |  أخبار اليوم   :شبكة أخبار اليوم   
All site contents copyright © 2000-2002 Dar Akhbar El Yom.
للأستفسار أو طلب معلومات يرجي مراسلتنا علي العنوان التالي
akhbarelyom@akhbarelyom.org

Best viewed with Internet Explorer 4.0, Netscape 4.0 or above with a resolution of 800 X 600 .

Website Developed By: