دليل المواقع الاشتراكات الإعلانات دفتر الزوار United States Mirror Server United Kingdom Mirror Server Egypt Mirror Server
السنة -579ه - العدد1425جمادي الآخرةمن29- م2004أغسطس من15 الأحد
بتوقيت القاهرة 11:30:14 AM الساعة - 8/14/99 آخر تحديث يوم
      الصفحة الرئيسية
من يعمل كثيرا.. يخطيء كثيرا
الكسل.. احتجاج صامت
محمد شعير
كان من المفترض أن انتهي من هذا الموضوع بداية الاسبوع الماضي لكن لظروف يعتبر الكسل واحدا منها اضطررت لتسليمه كالمعتاد في اللحظات الأخيرة!
لم يكن الكسل من جانبي فقط، بل إن كثيرا من مصادر التحقيق من علماء اجتماع وعلم نفس ومبدعين وكان من المفترض مشاركتهم معنا ­ في رحلة كسل طويلة تستمر طوال شهور الصيف، كما طلب البعض الآخر مهلة للتفكير في الأسئلة قد تصل إلي أيام بينما الوقت المتاح لذلك لا يتجاوز الساعات علي أكثر تقدير!!
في البداية حاولنا الاتصال بالدكتور جلال أمين صاحب كتاب 'ماذا حدث للمصريين' أحد أهم الكتب التي ترصد تطور المجتمع المصري في نصف القرن الأخير.. ولكنه كان يقضي شهور الصيف في لندن، ولكن في أحد فصول كتابه الهام يتحدث عن علاقة المصريين بالصيف حيث يلاحظ 'لا عجب أن استخرج المصري مختلف المشتقات من اسم فصل الصيف، فبينما يتكلم الانجليزي أو الفرنسي عن 'قضاء اجازته' يتكلم المصري عن 'التصييف' بالذات أي قضاء الاجازة في الصيف بالقرب من البحر'.
اما الدكتور شاكر عبدالحميد نائب رئيس أكاديمية الفنون فقال لنا: أن ثمة شيئا في الفضاء اصابه بالاحباط أدي به الي الكسل ومنعه من المشاركة بمقال مستقل في هذا الملف.
رفض عبدالحميد اعتبار أن تكوين الشخصية المصرية 'قدرية' بل أن هناك جزءا 'عبثيا' فيها. 'عبث' يجعلها تتوقع سوء الحظ والمصير، مهما بذلت من جهد فانها تلجأ الي نوع من الكسل لمواجهة ظروف كثيرة محبطة..
سألته: هل يمكن اعتبار هذا الكسل نوعا من الاحتجاج السياسي؟
أجاب :
'بالتأكيد، الاحلام القومية الكبري توحد المصريين، وتجمعهم حول هدف واحد، عندما يشعرون بأن هناك ضوءا في آخر النفق أو تتم مكافأتهم علي أي عمل أو جهد يقومون به فانهم يعطون كل ما لديهم. حالة الحلم الجماعي تطرد الكسل، والعكس صحيح عندما يتفتت هذا الحلم القومي، يستولي اليأس واللامبالاة والكسل علي الجميع، ويبدأ المصريون في اكتشاف أساليب جديدة للتحايل هروبا من العمل والمسئولية كنوع من المقاومة السلبية'.

مقاومة سلبية

لا يحتاج أي مصري الي 'غاندي' ليعلمه مفهوم المقاومة السلبية لأن أي مصري مارس هذه السياسة قبل أن يولد غاندي بقرون فالمصري لا يمنح عرقه الانساني للمستغلين باختياره وانما قد يمنحه مضطرا تحت وطأة الحاجة الانسانية.
ولذلك غضب المصريون من حوار لعمر الشريف في احدي المجلات الفرنسية. عندما سئل الشريف: لماذا لا تعمل؟
أجاب: كسول مثل كل المصريين؟
اجابة الشريف فتحت عليه النار حيث اعتبرها الكثيرون نوع من 'الاهانة'!
الغاضبون يتكئون علي 'ارث' حضاري يري أن شعبا بني 'الاهرامات' لا يمكن أن يكون كسولا، بل يرون خطأ مقولة هيرودت الشهيرة 'مصر هبة النيل'.. وأن 'مصر هبة المصريين' وأن الطبيعة لا تصنع حضارة وانما الانسان هو العامل الحاسم في أي تطور حضاري.
الدكتور محسن العرقان سأل في البداية عن مفهوم الكسل؟
وأجاب: ليس للكسل مدلول علمي دقيق.. هل هو التراخي في العمل؟! أم عدم الانضباط أم عدم الرغبة بالاساس في العمل؟!
المصري ومنذ فجر التاريخ وهو يعمل، ربما يكون تكاسله هو نوع الاحتجاج الصامت ضد من يستغله، ولكنه ليس صفة أصيلة فيه حتي أن كثيرا من المصريين يشتغلون في أكثر من مهنة من أجل تنمية دخولهم، كما ستجد كثيرين يرون العمل مرادفا للحياة حتي أن العامل عندما يكمل سن المعاش يتجه الي البحث عن عمل آخر، واذا لم يجد يبدأ في التفكير بالموت.
وستجد أيضا حالات لمصريين يهاجرون للعمل سواء من الريف إلي المدينة أو إلي الخارج.
ولكن الآن فقد المصريون الحوافز للعمل لأسباب كثيرة من بينها الفساد داخل المؤسسات الحكومية، كما أن قانون 'الثواب والعقاب' غير موجود حيث يتساوي الجميع من يعمل ومن لا يعمل، كما أن هناك مقولة مصرية شهيرة يتخذها المصريون منهجا: 'من يعمل أكثر يخطيء أكثر ويجازي علي خطئه'.
الدكتور محسن العرقان يفسر الامر من خلال 'علم النفس الاداري'.. اذ يري أن نظام العمل يدعو الي الاهمال والتراخي وهو ما يؤدي الي حالة كسل اجباري ناتجة عن الاكتئاب، ولذلك تكثر مقولات 'اللي يجيء يجيء' أو 'متفرقش كتير' وهذا يرجع الي أن الناس تري اشياء غريبة في سوق العمل حيث اكتظت دواوين الحكومة بموظفين ليس لهم عمل حقيقي ويحتاج الامر الي اعادة ترتيب، بالاضافة الي توزيع الموظفين علي أماكن كثيرة غير تخصصاتهم، فخريج الزراعة يعمل في وزارة العدل، وخريج العدل يعمل في جمعية استهلاكية. من خلال كل ذلك يمكن اعتبار العمل 'مؤسسة اجتماعية' تعطي بعض المعونات في صورة مرتبات للموظفين ولذلك لا يمكن اتهام المصري بالكسل قبل أن تهيأ له كل الظروف المناسبة للانتاج والعمل.

'رشوة' وقت الصلاة

لنجيب محفوظ في كتابه الكاشف 'أصداء السيرة الذاتية' قصة دالة: 'في عزلة الشيخوخة وعجزها ينتشر التأمل مثل عبير البخور.
وقال لصاحبه العاكف علي العبادة وكأنه يعتذر: في زحمة هموم أسرتي ومطالب الشئون العامة ضاع عمري، فلم أجد وقتا للعبادة.
في تلك الليلة زاره في المنام من أهدي اليه وردة بيضاء وهمس في أذنه: هدية لا يستحقها الا العابدون الصادقون'!
دلالة القصة واضحة لكن العبادة عند المصريين تحولت الي 'وسيلة' اخري من وسائل الهروب من العمل ولا تستطيع في أحيان كثيرة أن ترفع صوتك بالاحتجاج لان الطرف الآخر يمتلك سلاحا جاهزا: اتهامات لا تستطيع تحملها!
فالموظف الذي طلب منك منذ لحظة 'رشوة' لانهاء عمل خاص بك، هو نفس الموظف الذي يطيل ­ الآن ­ في سجوده لأقصي وقت ممكن. والمجتمع الذي يفترش الارصفة وقت الصلاة، هو نفس المجتمع الذي تنفجر في وجه كل يوم قضايا السرقة والرشوة والفساد!
وهو ما نجح في تصويره السيناريست وحيد حامد في فيلمه 'الارهاب والكباب' حيث يفشل مواطن 'عادل امام' في نقل أبنائه من مدرستهم الي مدرسة أخري، لانه في كل مرة يذهب الي 'مجمع التحرير' يجد الموظف المسئول: يتوضأ.. يصلي 'الفرض ثم السنة' وهكذا!
ولكن ثمة وجه آخر للعبادة لدي المصريين لا يدل علي 'كسل' بل علي فائض وقت، عندما يصعد الي عربات المترو شاب، يستند باحدي يديه علي أعمدة المترو، بينما يمسك باليد الاخري 'مصحفا'.. فالوقت من العمل الي البيت والعكس لابد أن لا يضيع سوي في عمل مفيد!!
جملة واحدة فسر بها الدكتور محسن العريان الامر: الدين 'عمل' وليس 'منظر'.

المجد للكسل

عالم الاجتماع علي فهمي له رأي مختلف يرضي فيه غرور المبدعين يمجد فيه الكسل حيث يري أن الكسل شيء عبقري للمبدع، بينما هو عيب خطير لباقي الناس، وأن القول بتساوي الناس جهل مفرط بالطبيعة الانسانية، لان الناس مختلفين من النواحي النفسية والعقلية اكثر من اختلافهم من النواحي الجسمية، وبالتالي المبدع من حقه أن يعمل في الوقت الذي يريده ويخلد الي الكسل وقتما يشاء، وعلينا أن نثق انه سيبدع أكثر وأفضل مما لو كانت حياته منتظمة.
فهمي يري أن الانسان المنتظم هو مجرد موظف بيروقراطي لا قيمة له من الناحية الابداعية ماعدا استثناءات تؤكد القاعدة. الموظف العادي ليس مطلوبا منه أن يبدع واذا تكاسل فهو تكاسل ذميم، انما المبدع لا يجب أن يعمل عملا مأجورا وأن تكفل له الدولة المحترمة مصدر رزق رغد بدون أن يكون ملزما بعمل في مواقيت سخيفة.
لان المبدعين قلة نادرة في المجتمع البشري علي مدي التاريخ يجب أن يركنوا دائما الي الراحة والحياة والهادئة، لانهم في اللحظة المناسبة سيبدع لنا ابداعا حقيقيا، فأنا استفيد من لحظات الكسل وحبذا لو طالت، الاطالة تبشر بابداع وفير، وهو الامر الذي حدث في القرون الوسطي، فلم يعمل المتنبي أو أبو العلا قط انما كان الملوك والامراء هم الذين يغدقون عليهما.
يوضح فهمي أن المثال الاستثنائي هو نجيب محفوظ هو مبدع يجلس علي مكتبه في مواعيد محددة لكي يكتب، ويضع نظاما صارما للقراءة والكتابة، وهو الوحيد الذي استطاع بهذا النظام الصارم أن يبدع فهو استثناء يؤكد القاعدة.
سألته:
هل تري أن كسل المصريين ناتج عن 'بؤس' وليس عن رفاهية؟ الشعب المصري شعب خامل فيما عدا الفلاحين والحرفيين، بينما الطبقة الوسطي من الكتبه هي طبقة مهمشة ولكن لا غني عنها للجهاز البيروقراطي وهذه الطبقة كسولة لان امكانياتها محدودة. تلجأ في عملها الي المماطلة والتسويف لتضفي أهمية علي عملها، وحتي لا نظلمهم فظروفهم الاجتماعية تدعوهم الي الكسل والاهمال.. فالجميع يرفع شعار 'علي قد فلوسهم'!
 
العدد الحالي
  الأعداد السابقة
الصفحة الرئيسية
ساحة الأخبار
ضواحي الفضفضة
رسائل
شرق وغرب
البستان
ساحة الإبداع
كتب
أحداث
جسر الحنين
نقطة عبور

أعلي الصفحة إرسل الصفحة إلي صديق إطبع الصفحة إحفظ هذه الصفحة في المفضلة
   دفتر الزوار   |   دليل المواقع   |   الاشتراكات   |   الإعلانات   |   خريطة الموقع   |   البحث   |   الأعداد السابقة   |   إتصل بنا   |   مساعدة   
   الإعلانات المبوبة  |  أكاديمية أخبار اليوم  |  بلبل  |  أخبار السيارات  |  أخبار الحوادث  |  أخبار النجوم  |  أخبار الأدب  |  أخبار الرياضة  |  آخر ساعة  |  الأخبار  |  أخبار اليوم   :شبكة أخبار اليوم   
All site contents copyright © 2000-2002 Dar Akhbar El Yom.
للأستفسار أو طلب معلومات يرجي مراسلتنا علي العنوان التالي
akhbarelyom@akhbarelyom.org

Best viewed with Internet Explorer 4.0, Netscape 4.0 or above with a resolution of 800 X 600 .

Website Developed By: