|
|
| السنة - | 579 | ه - العدد | 1425 | جمادي الآخرة | من | 29 | - م | 2004 | أغسطس | من | 15 | الأحد |
|
 |
| بتوقيت القاهرة |
 |
11:33:47 AM |
 |
الساعة - |
 |
8/14/99 |
 |
آخر تحديث يوم |
|
| الصفحة الرئيسية |
 |
|
|
كسل النسا..
ولا قهر الرجال
سمية يحيي رمضان
لو طرأ للمرء أن يخرج إلي بيئته المحيطة مستطلعا. وأراد أن يكون ذلك مفيدا أيضا لعضلاته ومزاجه وصحته عموما فقرر أن تكون رحلته مشيا علي الأقدام لمسافة طويلة نوعا.
إذا تصادف وكانت تلك البيئة المحيطة هي حي قديم جدا لا يبعد عن هضبة الأهرامات سوي ثلاثة كيلومترات.. وتصادف كذلك أن يكون في مقدوره رؤية الأهرامات من نوافذ بيته الغربية، كما يتسني لمعظم سكان ذلك الحي العتيق فقرر أن آخذ استراحة قصيرة عند سفح الهرم الأكبر قبل رحلة العودة فكرة لها جاذبية خاصة. ولكن تري ما الذي يستطيع المرء اكتشافه في تلك المنطقة المرتبطة في الأذهان بالصحراء والإبل؟ ما الذي يمكن للمرء استطلاعه أو تعلمه خلال رحلة قصيرة كتلك؟
المؤكد ومن حكم التجربة أنه سوف يطلع ولدهشته علي حياة نباتية غنية وأحيانا مذهلة.. ستطالعه بادئ ذي بدء أشجار الفيكاس السامقة والبونسيانا المزينة دوما بأزهارها الحمراء أو وردية اللون المبهجة.
سيطالع نباتات الجهنمية المتسلقة بألوانها البديعة المتعددة من أبيض وأرجواني ومشمشي. وستحيط بها أزهار الكركديه البري (الهيسكاس) المتحدية وكأنها شموس حمراء فاقعة. وعن بعد داخل أسوار الحدائق الخاصة سيلمس نعومة أشجار الياسمين الهندي وألوان وأشكال من النخيل، وأشكال من أزهار أبوخنجر الخشن والياسمين البلدي. وسوف يتسني له القرب من أنواع معمرة من الصبار زرع بعضها قبل مائة عام. سيتعرف كذلك علي أنواع شتي من الطيور: صقر الجراد، حجل الرمل، كروان الصحاري، اليمام القمري، حمام الجبل، اليمام المصري، البلبل النيلي الجميل والسكسكه ويرقب تيجان الهدهد البديع وتعود الألوان في ذيول الحمام وشدة سواد ولمعان ريش الغراب وسيؤخذ بتعدد واختلاف وانتشار سكان الأشجار أولئك ممن لا يمكن أن يلحظهم من يمر عليها في سيارة أيا كان نوعها.
سوف يتعرف عن كثب علي الناس في الشوارع ممن يقدمون خدمات مختلفة. ويتعرف علي نبض وشكل حياة الشارع أو الشوارع التي يمر بها. سوف تتبدل أمام ناظريه ملامح الناس وتخرج من تحت المسميات المجقنٌّعّة التي تختزلها في عّجّل. فبائعة الذرة المشوي ستصبح تلك الفتاة داكنة السمرا ذات الأهداب الكثيفة الطويلة والأسنان البيضاء القوية والعبوس الجاد.
كما أن بائع الجرائد سيصبح الرجل العجوز ذا اليد المشلولة والابتسامة الساحرة والجلابية الرمادية دقيقة الصنع المكوية دائما. وهكذا كل يوم تزداد تفاصيل الشارع والحياة في الشارع. كل يوم يستوعب المرء معرفة جديدة عن حياة النبات أو الطيور ويقترب أكثر من البشر من حوله ويشعر أنه جزء حيوي من كل حيوي.
كل يوم تتحسن العضلات وتقوي وتنساب الدماء في الشرايين تغذي الجسد ويفرز الدماغ مخزونه المعلوم من كيماوياته الأفيونية فيعتدل المزاج، وينشط الذهن للعمل.
ثم فجأة أو يبدو الأمر وكأنه فجأة، يستولي الكسل علي المشهد ويكف المرء عن المشي من منزله في حدائق الأهرام حتي الهرم الأكبر والعودة.
تري ما الذي حدث؟
حدث أن تراكمت رويدا وعلي مدي نحو السنة أشياء صغيرة جدا لا تلحظ بداية، لا يندرج أي منها وحده تحت مصنفات القهر أو الرقابة أو المنع والإقصاء أو البطش والتهميش: لكنها مجتمعة تؤدي كل تلك المعاني وتلدغ الروح، تدعو الكسل ليتوغل فيها فتجشّل وتمرض الروح.
مثال يكاد يكون تافها:
أربط حذاء الرياضة بقوة وتصميم حول قدمي وأتجه في الساعة السابعة من يوم أحد، واتجه إلي الباب، في الردهة تعترضني مربيتي العجوز البديعة القوية: وتسأل في دهشة:
رايحه فين بدري كده؟
رايحه أمشي.
في النادي؟
لأ.. في الشارع.
في الشارع؟ حد يمشي في الشارع؟
ابتسم وافتح الباب. ما إن استنشق هواء الصباح حتي يطالعني وجه عم رجب البواب الصعيدي الشهم.
أجيب لحضرتك تاكسي؟
لا يا عم رجب.. شكرا.. أنا عاوز أمشي.
ينظر ورائي في قلق حتي ألمح جارنا السجني ذا اللحية البيضاء يعد عربته بعناية فائقة. ابتسم تلقائيا وأوشك أن أقول: صباح الخير. لكن ما إن تبدأ الابتسامة في الارتسام علي وجهي حتي يشيح عني بوجهه الورع التقي ويتمتم فيما يشبه الغضب:
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
ويجعل عيناه مسمرتين في الأرض حتي أمضي.
يؤلمني تعاليه فأروح أتوهم لنفسي بداية جديدة لهذا اليوم. وأمني نفسي بأنني ما إن انعطف في الشارع الجانبي الذي يؤدي إلي ميدان الرماية متوازيا مع الطريق الصحراوي، سوف أكون في مكان لا يعرفني فيه أحد.
مساحات من الأراضي المجسّوٌّرة مجسّجّل عليها أسماء مالكيها وحين أنظر وراء الأسوار أري أكشاكا من الصقيع المهترئ أمامها تليفزيونات وأطفال يلهون أشباه عرايا. أولاد الخفراء تنكسر نظراتهم المتطلعة المبهمة داخل عيوني التي لا حول لها ولا قوة سوي أن تبصر ويسجل الدماغ: كل هذا الفقر تؤويه كل تلك الأموال. تحط عيني علي وجه أم حفيده تبدو متعبة من قبل أن يبدأ اليوم ترفع رأسها في تكاسل اليائس فألقي عليها تحية الصباح وترد:
صباح الخير يا مدام.
نبرتها تقصيني، تطردني من عالمها وتؤكد غربتنا كل منا عن الأخري
لو أنها قالت يا فندم، يا ست، يا أبله، يا حاجٌة، لشعرت أننا علي الأقل ننتمي لتاريخ لغوي واحد ولكن 'يا مدام'، تستدعي في لغتها الأصلية عندما تقال هكذا دون اسم يليها، صاحبة بيت سييء السمعة وعندما استحدثتها العربية كانت من باب تأكيد غربة الغرباء: الأمن، الطليان، اليهود، اليونانيين، ممن عاشوا بيننا وكان أسلوب حياتهم يختلف عن أساليبنا. أبلع الجرح وأمضي.
عند أول سبيل، والسبل كثيرة في تلك المنطقة، يجلس رجل متكئا علي حائط زاوية يحيط به صوت رباني يتلو بداية سورة التوبة: 'براءة من الله ورسوله إلي الذين عاهدتم من المشركين..'.
لكن الرجل يجلس غير عابئ فيما يبدو، مشمرا عن ساقين رفيعتين. وجهه منتفخ وعيناه محمرتان يصوبهما نحوي ثم ينزلهما إلي قدمي ويرفعهما ثانية في بطء حتي رأسي وكأنه يثمنني لسوق النخاسة.
أتعثر في أول طوبة تلقاني ويكمل ذهني من الذاكرة:
'... فتربصوا حتي يأتي الله بأمره، والله لا يهدي القوم الفاسقين'.
أعبر تقاطع ميدان الرماية من وراء فندق المريديان ثم اتجه غربا في زاوية حادة. هنا يبدأ الصعود إلي الهضبة من عند سور فندق الميناهاوس.
تستقبلني مركبات الأمن المركزي كالقلاع في انتظار العدو والجنود تبدو عليهم سمات الإرهاق وسوء المعاملة. أمضي مسرعة أبتعد عن منظر هذا البؤس العدواني وأصل وأنا أتصبب عرقا إلي مكان الكشك الذي يتوجب علي شراء تذكرة منه لدخول الهضبة. أمد يدي بالجنيه ثمن تذكرة المصريين لكن مندوب شركة سياحية يود قطع تذاكر لأوتوبيس ضخم مليء بالسواح يستولي علي انتباه الموظف الوحيد الذي يروح يقطع له في بطء يحسد عليه اثنتين وثلاثين تذكرة.
عندما آخذ تذكرتي بعد طول انتظار اتجه متطلعة إلي مشهد هرم خوفو الرهيب. اتخذ لنفسي موقعا في الظل علي سطح حّجّرة ملساء كبيرة أمام الهرم مباشرة. ما إن أجلس التقط أنفاسي حتي يبادرني وجه شرطي صغير يعاني من سوء التغذية ويقول بلا تحية:
حضرة الضابط عايزك.
فأرد وأنا استجمع كل ما أستطيع من هدوء:
لو كنت قلت صباح الخير كنت قمت معاك.
يمضي الجندي متريبا ويحل محله بعد دقائق قصار شاويش بدين أكبر سنا:
سلامو عليكو
وعليكم والسلام ورحمة الله وبركاته.. نعم؟!
حضرة الضابط عايزك.
أنظر خلفي في لامبالاة مصطنعة فأجد عربة جيب بداخلها ضابط يلبس نظارة راي بان وبجانبه معاونوه. أكاد أشعر بغيظه يخترق ظهري، لكني أقول:
قول لحضرة الضابط إني حاروح له وأنا نازله. أنا دلوقتي باصٌلي.
ينظر الرجل إليٌ في دهشة ويستطلع يداي ربما بحثا عن مسبحة أو ما شابه، لكنه يمضي.
كنت أود المكوث في ظل الهرم عشر دقائق. عشر دقائق فقط، أتأمل فيها قليلا ويجف عرقي وأعود. هذا كل ما كان هناك. متعة ضئيلة، صغيرة، تافهة لا تكلفني أكثر من جنيه واحد ولا يمكن أن تؤدي أحد.
بعد أن مضي الرجل لم تعد هناك فرصة لتأمل أو غيره بالطبع. فانتظرت حتي جف عرقي. ووقفت واتجهت صوب السيارة الجيب. كان بداخلها شاب حديث التخرج علي الأرجح مازال يتمرن علي ممارسة سلطته في الضبط والربط. ولم نتبادل تحية، إذ باغتني:
حضرتك بتعملي إيه هنا الساعة دي؟
كان سؤالا وجيها. المكوث هكذا تحت سفح هرم خوفو أمرا غير مبرر علي الإطلاق وفي الصباح؟! لابد من جواب عاقل. لكنه لم يتح لي فرصة وباغتني مرة ثانية.
حضرتك مصرية؟
وكان هذا سؤالا بسيطا.. بل يكاد يكون مطمئنا.
أيوه.. قلت وكأن الأمر مفروغ منه.
معاكي تحقيق شخصية؟
هنا انفجرت:
لما الواحد يحب يقوم يمشي الصبح في بلده لازم يشيل معاه تحقيق شخصية؟ ممكن حضرتك تديني سبب واحد من فضلك!
وبدا أن الطاولة انقلبت لحظة وأصبح عليه هو توفير جواب عاقل دون أن يسهب كثيرا حتي لا تفلت منه سلطته المعتمدة علي الاقتضاب وإلا دخل في حديث شرحه يطول. فلم يرد ولكنه قال بعصبية:
طيب.. طيب. اتفضلي. بس لازم تعرفي إن مواعيد الزيارة من الساعة ثمانية وأنت وصلتي قبل الساعة ثمانية.
اختلطت في ذهني الكلمات: الثامنة، أتوبيس مليء بالأجانب، التذكرة، قبل الثامنة بخمس دقائق، الهرم، الشروق، الغروب: الهرم يجب أن يستقبل الناس عند الشروق، فقررت أنني لو فتحت فمي فإنني في الغالب سوف تصدر مني مجموعة من الكلمات الغاضبة غير المترابطة والصيحات غير المفهومة. جمعت كما تبقي لي من طاقة وبدأت رحلة العودة. في الطريق لم ألحظ الأشجار ولم أر طائرا واحدا وبدا لي الناس كسالي، يتحركون في بطء وكأنهم فرضت عليهم أعمال يكرهونها. تكاسلت حركة المروحة في يد بائعة الذرة، وعادت مجرد بائعة ذرة، وتباطأت خطوة بائع الجرائد وبدا حمله من جرائد الصباح ثقيلا كريها. ظل النخاس علي جلسته لم يتحرك وسكت صوت الشيخ الذي كان يقرأ 'التوبة' جلست الأم الصغيرة تحدق في الفراغ ولما حيتها مرة ثانية لم ترد. سكن الأطفال عن قرب منها وكأنهم أصابهم الشلل فجأة جميعا. ولما وصلت بيتنا كنت منهكة تماما. أخذت دوشا دافئا وبدلت ملابس الرياضة بفستان واسع لا ملامح له ورحت أرشف قهوتي وأنا أنظر في بلاده إلي الأهرامات تطالعني من نافذة حجرة الجلوس. من يومها كلما دب في كياني نشاط للحركة في اتجاه الهرم تتولي الذاكرة عني عناء عقلنة الكسل بل وضروريته وواقعيته.
الكسل في كثير من الأحيان كما قالت صديقتي التي وددت لو احتذي ما قالت: 'ليس طبع يحكم الإنسان ولكن رد فعل للإحباطات المتكررة التي تصيبه من جراء التسخيف، والصد، والتطفل المتواصل الذي يواجهه في المجتمع المحيط به'.
قس علي ذلك قول الرسول الكريم:
'اللهم إني أعوذ بك من الهم والحّزّنْ وأعوذ بك من العجز والكسل وأعوذ بك من الججبن والبجخل وأعوذ بك من غلبة الدين وقهر الرجال'
|
|
|
|