دليل المواقع الاشتراكات الإعلانات دفتر الزوار United States Mirror Server United Kingdom Mirror Server Egypt Mirror Server
السنة -579ه - العدد1425جمادي الآخرةمن29- م2004أغسطس من15 الأحد
بتوقيت القاهرة 11:13:01 AM الساعة - 8/14/99 آخر تحديث يوم
      ضواحي الفضفضة
حكيم قال له إن داخل آنيتك الجميلة عنكبوتا:
سعد مكاوي الباحث عن الجوهر!
مأمون غريب
سعد مكاوي
سعد مكاوي
كان سعد مكاوي فنانا عظيما، وأديبا ومفكرا، ومحبا للموسيقي، وكان أيضا إنسانا عظيما.
وأذكر أنني طلبته لألتقي به، وأجري معه حوارا أدبيا وكان ذلك عقب نكسة 1967م، وجاءني صوته عبر الهاتف حزينا غاية الحزن، لما أصاب الوطن من محنة قاسية، وعندما صممت علي اللقاء طلب مني أن ألتقي به في أحد الفنادق الكبري.. كان يومها شديد الحزن، حزينا لما أصاب وطنه، وحزينا لتجاهل انتاجه الأدبي والمسرحي.. يومها تحدثنا عن مشواره، الأدبي، وعن رؤياه لمختلف القضايا، وأذكر أنه بدأ حواره معي حول دخوله الي عالم الأدب..
يومها سرح بخاطره بعيدا وقال:
الواقع انني ظللت سنوات طويلة أكتب دون أن أفكر في النشر، وعندما نشرت لي أول قصة كان من حظها النجاح الذي يفتح الأبواب دون أن يصيب الداخل الي الرحاب بالدوار.
وقال لي: الحظ الذي سارت فيه حياتي هو (إفراز وجودي) قبل أن يكون سبيل رزقي، ومهنتي هذ المهنة الوحيدة التي أصلح لها وتصلح لي.. ولو بدأت حياتي من جديد عشر مرات، لكان طريقي في كل مرة هو هذا الطريق وكان من رأيه أن أدبنا لم يصل الي العالمية، لأن أدب أي أمة لا يصل الي العالمية إلا عندما تتزاوج فيه الأصالة المحلية بالروح الانساني التام، وعندما تتاح له أيضا امكانيات النقل والترجمة والدرس المنصف.
***

ولازلت أذكر المرارة التي قابل بها سؤالي عن الفقر ومدي استفادته منه؟
يومها قال بكل مرارة:
ها أنت تصل بنا الي نقطة سيكون الكلام فيها صعبا ولذيذا في الوقت نفسه!
وبالضرورة ومع كثير من الأسف سنتكلم عن تعمد الحركة النقدية عندنا إغفال بعض كتابنا وأعمالهم.
ولكن قبل هذا دعني أقص عليك هذه الحكاية الطريفة التي يرجع تاريخها الي ثلاثة قرون مضت.
والحكاية تروي قصة رسام مبدع اسمه (ميكلنجيلو دكرافجيو).. كان من رواد حركة الاصلاح الفنية في ايطاليا في القرن السابع عشر.. وقد أسماه بعض نقاد عصره (الرسام السفاح) لأنه قتل واحدا منهم في مناقشة حامية، ونفي بسبب جريمته الي جزيرة مالطة وعاش سنوات في المنفي ولندع الفنان نفسه يروي لنا حكايته مع الناقد:
جاءني ذلك الرجل منتفخا متعاظما وقال لي:
أتعرف من أكون؟ أنا فلان الناقد المشهور!
ثم قال لي:
'إن لوحاتك لا تعجبني وإن كانت تعجب الناس! في فنك نقص في هذه النقطة وفي تلك.. لأن عملك ينبغي أن يكون علي النحو الذي سأشرحه لك أنا الآن.....'.
فغاظني كلام هذا الطفيلي الذي لا يحسن تسمية الألوان حتي في ملابس أمه!
ونهرته عن كلامه السخيف الذي يسميه نقدا.. لماذا لا يذهب فيرسم شيئا، أو يتخذ له صنعة غير التظاهر بالأستاذية والتطاول علي أعمال الخالقين؟!
وفي المناقشة ضايقني هذا الدٌعي العاجز المتخفي بغطرسة مضحكة وراء لقب الناقد فطعنته بسكين كشط الألوان.. وانصرفت الي ابداع جديد!
وتبسم سعد مكاوي يقول:
وهذا النوع من النقاد الذي يتظاهر بالعلم والذي كان مصيره طعنة بسكين كشط الألوان ليس أسوأ الأنواع في الحقيقة.
هناك الذي يستخدم قلمه بدلا من الطبلة والمزمار ليزف أتفه أعمال أصدقائه وأعضاء شلته..
أو النوع اللهم اجعل كلامنا خفيفا عليه الذي يقرأ أول صفحة من الكتاب وآخر صفحة، ثم يشرع قلمه للهجوم بلا ضمير.. أو النوع الذي يتعمد الصمت أمام أعمال كتاب لا تربطهم به صلة..
أما القلة من النقاد الحقيقيين فقد توزعها الموت أو السعي وراء الرزق في ميادين أخري كالجامعات وغيرها.
وابتسم يومها وهو يغالب أحزانه وهو يقول لي:
هل أجبتك علي سؤالك؟!
***

يومها قلت له: بالمناسبة من هو أول ناقد لك؟
زوجتي.. فهي أول من يقرأ كل ما أكتب.
إذن ما دور المرأة في حياتك؟
بدون المرأة لا يمكن للرجل أن يبلغ سر السعادة في الحياة البسيطة، وعلي الرجل، أن يبدع شيئا، ثم يعرف كيف يقنع بمسرات سهلة بل وساذجة أحيانا.. فالحياة تبدو لطيفة ومحتملة لمن أوتي من الفهم ما يمكنه من تذوق الأفكار الرفيعة، والآثار الفنية، والمشاهد الطبيعية والأسفار والكتب والصداقة والموسيقي والحب والنساء.. ولا شيء في الدنيا أكثر امتاعا من دفء الوجود الأنثوي عندما يلعب دوره الكامل في حياة الرجل مادة ومعني وروحا مع وجود المرأة في حياة الرجل يكفي لهناء النفس أن يتأمل المرء أصيلا جميلا، أو يجلس الي طعام علي جوع، أو يشرب علي ظمأ، أو يأوي الي فراشه وهو ينشد الراحة إن كل ما في الدنيا من جمال يأتي متكامنا ليستكين أمام الوجود الأنثوي الخالد، ويعبر له عن امتنانه العميق، وبدون المرأة تتحول الناس الي تماثيل من الطين بغير عظمة وبغير جمال.
***

وحول الموسيقي في حياته قال:
هذا زاد لا غني عنه. فالموسيقي الرفيعة تفسر الانسان من أعماقه التي تكمن فيها مشاعره وانبعاثاته ومصائره وأشواقه، وهي حبيبتي التي أعود اليها ظاميء الوجدان كلما احتجت الي توازن القلب، وسكينة النفس، وأنا أستمع اليها بطريقة المجذوب أو الصوفي القائل:
مافي المسامع إن حققت من حرج
ولا المعازف إن أخلصت من بأس
ان السماع صفاء نور صفوفه
يخفي و عجب عمن قلبه قاسي
نور لمن قلبه بالنور منشرح
نار لمن صدره ناووس وسواس
راح وكاساتها الأرواح فهي علي
قدر الكئوس تريك الصفو في الكاس!
ويقول عن الموسيقي:
انها تجعل طينتي أخف.. بل مشكاة روحي أكثر اشراقا.. إن الموسيقي باختصار تكسر عندي حاجز الفردية الضيقة، وتجعلني أكثر اتحادا بالحقيقة.. والحقيقة هي معبودتي.
***

وأذكر أنني سألته: بصراحة ما الذي يتبقي من سعد مكاوي؟
قال لي يومها: لا أدري إن الموازين التي سيتأثر بها المستقبل ويتطربها الي عصرنا وأعمالنا ستكون من صنع ذلك المستقبل ومن وجهة نظره التي يصعب علينا الآن تصور حدودها.
مهما يكن من شيء فانني أرجو أن تكون تلك الموازين أكثر قربا من النزاهة والموضوعية من العصر الذي عشت فيه.. وقد يكون الرجاء شيء من السذاجة، لست أدري تماما. ومع ذلك أحاول بأمانة لا تلقي بالا الي شبهة التواضع الكاذب أو الغرور السخيف، وبصراحة شديدة جدا كما يقول سؤالك أن أقترب من إجابة صحيحة.
ربما كان ما يبقي مني هو إيماني الذي لم أنقذه حتي في الظلمات، ومن مواطن المرارة في ساعات القنوط، فإن انسان المستقبل سيكون مشرقا من الداخل، ومضيء الوجدان، ونوراني الباعث والسلوك والحضارة.
وسيأتي زمان أتقياء القلب، ورثة الوحوش المتسلطة التي كانت تلبس أقنعة بشرية، ستدق ساعتهم كما أسمعها الآن في قلبي وستلقاهم بالتهاليل أرضنا التي طالما شكت من حماقات داعية القوة.. انسان القرن العشرين.. من له شموس المعرفة فطمسها بطمأنينة.. ستدق ساعة الانسان الجديد، ذلك الذي أكاد من الآن أراه، سيد المستقبل النوراني الذي تأتيه من أعماق الكون البشارات، ولن تكون في يده بندقية، ولن تكون في قلبه لعنات، وستموت الفواجع حيث تطأ الأرض أقدامه المباركة. سيكون انسان المستقبل صافي العقل والضمير والفعل.. سيكون طفل القلب بلا سلاح غير الحقيقة وحدها.
وحتما سيأتي زمان الحقيقة.. ويأتي زمان أنقياء القلب.. صناع انسانية الغد الحقيقية.
***

وأردت يوما مداعبته فقلت له: بصراحة ما رأي سعد مكاوي في سعد مكاوي؟
قال لي يومها باسما:
أولا يضايقني من هذا الانسان مثلث الكسل والعبط وضعف الحيلة!
ثم إني في بعض الأحيان يعرضني للمتاعب أصراره علي أن الخط المستقيم هو أقصر وأنظف مسافة بين أي نقطتين.
لكن يعد هذا واسمح لي أن أقولها أحبه وأفهمه وأعتز بعشرته واستطيبها.. وأحيانا أتفرج عليه باستمتاع وهو يبحث بعناد في كل شيء عن الجوهر، طارحا كل اعتبار للمظهر.. ثم اتفرج عليه أيضا باشفاق وهو يتعرض نتيجة لذلك العناد لصدمة بعد صدمة.. وذلك منذ أن كانت هذه المقدمة التي استهل بها أول كتاب صدر له (نساء من خزف سنة 1948م):
كان في غرفة مكتبي آنية للزهر طالما تأمل زواوي بعين الدهشة والاعجاب جمالها ورشاقتها، وطالما أرضت غروري بما تثير من دهشة الناس واعجابهم، حتي دخل الغرفة حكيم مضي اليها فنظر من فورة في داخلها ثم قال لي:
إن في داخل آنيتك الجميلة عنكبوتا!!
فيومئذ علمت أن جمال الجوهر أسمي من زخرف الشكل واللون، وجعلت همي أن أنظر في كل جمال الي ما وراء زخرفة الباطل.
واذا كنت قد بدأت رأيي في سعد مكاوي بما يضايقني منه ويحرجني من صحبته فإني أرجو أن يعطيني هذا بعض الحق أن أطيب خاطره بكلمتين: فلقد عاش هذا الانسان حياة طويلة عريضة دون أن يتكون له (كرش) مادي أو معنوي.. والحمد لله علي هذه النعمة.
***

وسألته عن العمل الفني الذي يتمني أن يحققه ولم يتحقق الي الآن؟
ساعتها صمت قليلا وقال:
الفن ميدانه كل ما هو صعب، والفنان الحق ليس له كبرياء.. فالفن لا حدود له، والفنان الحق يحس دائما كم هو بعيد عن الهدف.. عن الشمس التي تلتمع هناك بعيدا.
والعمل الكبير الذي أتمني أن يسكت عن لهاث الحياة اليومية سنوات حتي أتمه، يتمثل في صورة مستقبلية استشرفها، عندما يسكن الأرض انسانها الحقيقي الكامل الانسانية الذي لم يسكنها بعد، عندماتنور الأرض بانسانية راقية الوجدان، ومالكة لزمام الوجود بالمعرفة النبيلة والبصيرة وبالضمير وبالوعي الكوني. وأتمني أن يكون هذا العمل الكبير آخر كلمة أكتبها في حياتي.
***

و.. ما أكثر الذكريات عن كاتب عظيم ملأ الدنيا وشغل الناس كسعد مكاوي.. الذي كان يكره الأضواء.. ويكره النفاق.. ويرنو الي عالم مثالي جميل متحضر.. تحترم فيه انسانية الانسان في كل زمان ومكان.
رحمه الله.. فقد كان أديبا كبيرا.. وكان أيضا انسانا كبيرا.
 
العدد الحالي
  الأعداد السابقة
الصفحة الرئيسية
ساحة الأخبار
ضواحي الفضفضة
رسائل
شرق وغرب
البستان
ساحة الإبداع
كتب
أحداث
جسر الحنين
نقطة عبور

أعلي الصفحة إرسل الصفحة إلي صديق إطبع الصفحة إحفظ هذه الصفحة في المفضلة
   دفتر الزوار   |   دليل المواقع   |   الاشتراكات   |   الإعلانات   |   خريطة الموقع   |   البحث   |   الأعداد السابقة   |   إتصل بنا   |   مساعدة   
   الإعلانات المبوبة  |  أكاديمية أخبار اليوم  |  بلبل  |  أخبار السيارات  |  أخبار الحوادث  |  أخبار النجوم  |  أخبار الأدب  |  أخبار الرياضة  |  آخر ساعة  |  الأخبار  |  أخبار اليوم   :شبكة أخبار اليوم   
All site contents copyright © 2000-2002 Dar Akhbar El Yom.
للأستفسار أو طلب معلومات يرجي مراسلتنا علي العنوان التالي
akhbarelyom@akhbarelyom.org

Best viewed with Internet Explorer 4.0, Netscape 4.0 or above with a resolution of 800 X 600 .

Website Developed By: