دليل المواقع الاشتراكات الإعلانات دفتر الزوار United States Mirror Server United Kingdom Mirror Server Egypt Mirror Server
السنة -585ه - العدد1425شعبانمن12- م2004سبتمبر من26 الأحد
بتوقيت القاهرة 11:48:07 ص الساعة - 25/09/2004 آخر تحديث يوم
      ضواحي الفضفضة
إدوارد سعيد.. هوية جماعية شامخة
ادوارد سعيد
ادوارد سعيد
د. محمد شاهين

من قرأ ادوارد سعيد ومن سمع ادوارد سعيد يتحدث في مختلف المحافل يدرك علي الفور أن الكاتب والمتحدث ذات جماعية تختزل خلفها فردية الذات وهي تتحول إلي ذات تتحرر من نرجسية الفرد متخطية حدودها الضيقة إلي أفق الذات الجماعية التي تنطلق عبر الحدود والسدود إلي ما لانهاية.

وفي هذا السياق أود أن أسترجع حدثين صغيرين من الذاكرة حدثا في عمان. الأول عندما حضر ادوارد إليها للمشاركة في انتخابات المجلس الوطني الفلسطيني وكان الشيخ عبد الحميد السائح، رحمه الله يرأس جلسات المجلس. كانت الجلسات طويلة وصاخبة في الاستراحة بين الجلسات كان الشيخ يقرأ البرقيات التي ترد المجلس. احدي هذه البرقيات قرأها الشيخ وسجلتها شاشات التليفزيون: 'توجد برقية من غزة لشخص اسمه
ادوارد سعيد وين ادوارد سعيد، هل يوجد أحد يعرفه ليسلمه البرقية؟' ومن قبيل التفكه أعدت الكلمات نفسها علي ادوارد ظانا أنه سيكون منتقدا نوعا ما للإخراج، لكن ردة فعله كانت مختلفة تماما عن توقعاتي ضحك ادوارد وعلق قائلا دون عتب: 'الشيخ محق، فعلا من هو ادوارد ، شخصيا المهم نص البرقية لقد أدي الشيخ واجبه كاملا بقراءة النص' علي الفور أدركت عظمة الانسجام في شخصية وسلوك ادوارد وعندما عدت إلي البيت أعدت قراءة تحفته





(وهي من بين تحفه الكثيرة) 'العالم، النص والناقد' (والتي كان قد فرغ من كتابتها قبل عامين تقريبا) لأدرك أنها تحتاج إلي أكثر من قراءة للوصول إلي أبعادها الفكرية المتشعبة ووجدت نفسي أردد كلمته: المهم النص مضيفا إليها بعد إذن ادوارد 'العالم والشيخ القاريء (والناقد عند ادوارد سعيد هو القاريء)
أما الحدث الآخر فهو كلمة ادوارد سعيد القصيرة التي ألقاها في فندق الريجنسي في الاستقبال الذي أقامته له جامعة بيرزيت أثر زيارته الأولي لفلسطين إذ قال 'رأيت في الضفة الغربية المزارعين البسطاء يستمرون في حياتهم فوق حقولهم يزرعون ويفلحون ويحصدون بجد يختلط عرقهم بتراب وطنهم، يروون أشجار الزيتون الخالدة بقطرات الماء التي يوفرونها من مياه شربهم' ثم تابع القول 'لقد أثلج صدري مارأيته من استمرارية الحياة فوق أرض الوطن، أما أرض فلسطين المحتلة ففيها أيضا استمرارية الحياة التي تطل علينا من خلال الذكريات الحية والتي ستظل كذلك مادامت الحياة مستمرة ومادامت هذه الأجيال تتوارث التاريخ جيلا عن أخر'.
قبيل رحيل ادوارد سعيد بأشهر كنت أتناول طعام العشاء في كنجز كولج بجامعة كيمبردج وهوالعشاء التقليدي الذي يجمع بين خريجي الجامعة وأساتذتها وللمعارف والأصدقاء جلس بجواري الدكتور جيمز ليدلو، أستاذ الأنثروبولوجيا وحليفه ادموتد ليس، الأستاذ في نفس الموضوع التفت إلي قائلا: تحت سقف هذه القاعة تناولنا الطعام مع ادوارد سعيد ، وعلي ذلك الكرسي جلس ادوارد سعيد ذكرت لأدوارد سعيد أن أبحاثي الميدانية في أقاصي الأمازون هي التي جعلتني أتعرف علي قدرة الصمود عنده (عند ادوارد سعيد) بل ومصدرها لأني شاهدت بأم عيني أن بني قومه وهم يصمدون في تلك البقاع والمستنقعات دون غيرهم وأيقنت أن صموده من صمودهم واستطيع أن أستوعب تأكيده المستمر علي أنه ابن ذلك الشعب وابن قضيتهم خارج المكان وداخله وبعد العشاء دلف إلي مكتبه المجاور في مبني جب المشهور بفنه المعماري واستل نسخة من مجلد كان قد صدر علي التو من مطبعة جامعة بيل، وهو تحرير لما قدمه ليش من جهد في علم الأنثروبولوجيا، قد المجلد قائلا: ذكري ليش الذي كان
رئيس كنجذ كولج أيام كنت أنا طالبا هناك وذكري ادوارد سعيد الذي تعرفه وحظيت الكلية بوجوده لبضعة أشهر فيها كزميل للزملاء في الكلية.





في حوار أجرته جاكلين روز، أستاذة الدراما في جامعة لندن والتي قامت بعمل فيلم وثائقي عن فلسطين ظهر فيه ادوارد سعيد ­ في هذا الحوار سألت جاكلين روز ادوارد سعيد حول مقالة كتبت عن الشرق الأوسط قبل مايقرب من خمس عشرة سنة فحواها أن ادوارد سعيد سيكون أول من يرفع علم الدولة الفلسطينية كرئيس لها أجاب ادوارد سعيد 'إن مثل هذا الأمر سيكون آخر شيء أريد القيام به في حياتي، هناك شيء أكبر من ذاتي وشخصي بكثير بل وأهم من كل هذه التكهنات ألا وهو أنني أشعر أن ارتباطي بشعب، بقضية، بالصامتين، بالمغلوبين، بالمقموعين، هذه الأشياء هي التي تشغلني كثيرا جدا'.
هذا هو ادوارد سعيد :الوطن الأم، القضية، والشخص الذي يري نفسه صوت الصامتين والمغلوبين والمقموعين في كل مكان مشهرا الحق في وجه سلطة الهيمنة وظلم سلطانها.
ادوارد سعيد هوية شامخة لأمة تقف هويتها في مهب الريح، تزعزعها أعاصير الغرب العاتية التي وقف ادوارد سعيد في وجهها طيلة حياته يقول في احدي مقابلاته مع بارسميان إن كل مايعرفه معظم الأمريكيين عن اللغة العربية يتلخص أسطورة تشير إلي أن هناك ألف مرادف لكلمة سكين، وهذا طبعا، (يعلق ادوارد سعيد) أمر سخيف للغاية، إذ إن اللغة العربية يساء فهمها علي نحو مريع، ويتم النظر إليها علي أنها في الدرجة الأولي لغة مولعة بالسفسطة وعلي أنها لغة عنيفة باعتبارها لغة الإسلام غير أنها في حقيقة الأمر تمثل بالنسبة لشخص مثلي يجيد العديد من اللغات أجمل لغة علي الإطلاق، فهي لغة تمتاز بالرشاقة والتناسق في بنائها ومنطقها، إن لها بنية أرسطوطالية.
قبيل دخول أمريكا العراق بثلاثة أشهر تقريبا قال لي في مهاتفة تليفونية وقد بدا عليه القلق والتوتر: لاتسلني عن صحتي: بل سلني عن صحة العراق وصحة المنطقة بأسرها.
رحم الله جيفارا العروبة والإسلام، الذي عاش حياته حاملا عبء الكفاح بصدق وإيمان، متصديا ومتحديا شريعة عبء الرجل الأبيض الأوربي المعروفة.
ولن ينسي التاريخ حاضرا ومستقبلا كيف استطاع ادوارد سعيد بموهبته الفذة تفنيد الباطل المهيمن، ودعم الحق الضائع في هذا العالم، الذي اعتبره بداية مكانا يعيش الناس جميعا بدون تسلط.


الأردن

 
العدد الحالي
  الأعداد السابقة
الصفحة الرئيسية
ساحة الأخبار
ضواحي الفضفضة
رسائل
شرق وغرب
البستان
ساحة الإبداع
كتب
أحداث
جسر الحنين
نقطة عبور

أعلي الصفحة إرسل الصفحة إلي صديق إطبع الصفحة إحفظ هذه الصفحة في المفضلة
   دفتر الزوار   |   دليل المواقع   |   الاشتراكات   |   الإعلانات   |   خريطة الموقع   |   البحث   |   الأعداد السابقة   |   إتصل بنا   |   مساعدة   
   الإعلانات المبوبة  |  أكاديمية أخبار اليوم  |  بلبل  |  أخبار السيارات  |  أخبار الحوادث  |  أخبار النجوم  |  أخبار الأدب  |  أخبار الرياضة  |  آخر ساعة  |  الأخبار  |  أخبار اليوم   :شبكة أخبار اليوم   
All site contents copyright © 2000-2002 Dar Akhbar El Yom.
للأستفسار أو طلب معلومات يرجي مراسلتنا علي العنوان التالي
akhbarelyom@akhbarelyom.org

Best viewed with Internet Explorer 4.0, Netscape 4.0 or above with a resolution of 800 X 600 .

Website Developed By: