|
|
| السنة - | 585 | ه - العدد | 1425 | شعبان | من | 12 | - م | 2004 | سبتمبر | من | 26 | الأحد |
|
 |
| بتوقيت القاهرة |
 |
11:33:49 ص |
 |
الساعة - |
 |
25/09/2004 |
 |
آخر تحديث يوم |
|
| جسر الحنين |
 |
|
|
ذكريات تشيخوف
د. جابر عصفور
أثار العدد الخاص الذي أعدته أخبار الأدب عن انطون تشيخوف بمناسبة مرور مائة عام علي رحيله ردود فعل ايجابية واسعة النطاق، ولعل من أبرزها مقال د.جابر عصفور في الحياة بتاريخ 8/9/..2004 ننشر فيما يلي نصه..
استيقظت صباح اليوم، الجمعة، مرهقا من نزلة البرد العنيفة التي كان لا بد من احتمالها إلي أن انقشعت بفضل المضادات الحيوية التي تركتني هامدا، فاترا، منهكا كما لو كنت خارجا من معركة غير متكافئة، لا تزال آثارها باقية في تخاذل حركة الجسد وخمول العقل. وتحاملت علي نفسي بعد طقوس الحمَّام الصباحية لأفتح باب المسكن، حيث تستقر الجرائد اليومية التي يتركها البائع أمام الأبواب، وعبرت عيناي بسرعة فاترة علي العناوين الرئيسة التي لم يكن فيها ما يثير الاهتمام أو الدهشة أو البهجة أو اللهفة، فكل شيء علي حاله في هذا العالم المملوء أخطاء: التسلط الأميركي، والعنف الإسرائيلي، والإرهاب الذي يلصق جرائم باسم الإسلام، والتخاذل المعتاد للحكومات العربية التي لا تزال سادرة في غيها. ولا شيء جديدا في ذلك كله، فما قرأته بالأمس هو ما سبق أن قرأته أول أمس في الميلودراما العربية اليومية التي لا نهاية لتكرار فواجعها. وعدت بالجرائد لأضعها علي المنضدة القريبة، وأفردها واحدة بعد أخري، وأتصفحها في سرعة وعدم اهتمام لم ينقطع إلا عندما وقعت عيناي علي صفحة غلاف عدد ¢أخبار الأدب¢ التي يرأس تحريرها جمال الغيطاني، ويتم توزيعها صباح الجمعة من كل أسبوع.
كانت صفحة الغلاف خضراء اللون، يتوسطها إطار بيضاوي الشكل يحمل صورة الكاتب الروسي العظيم أنطون تشيخوف (18601904) الذي لا يزال له في قلبي وعقلي مكانة ندر أن يقترب منها غيره. وكان العدد كله احتفاء بذكراه المتجددة بعد مرور قرن علي وفاته في نهاية الليلة الأولي من شهر تموز (يوليو) 1904 في مدينة بادن يلر Badenweiler الألمانية التي ذهب إليها للعلاج الأخير. وتحت الإطار البيضاوي للصورة عنوان: ¢تشيخوف قرن من الحياة بعد الرحيل¢. وبقدر ما جذبت صورة تشيخوف انتباهي، وأطلقت مخزونا عزيزا من المشاعر والذكريات والتجارب والمتع الناتجة من القراءة والاكتشاف، وتداعيات الأحداث المقترنة بزمن القراءة أو أزمانها، أبهجني العنوان الذي يؤكد حياة الكاتب العظيم بعد موته، واستمرار كتابته في فتح آفاق لا تنتهي من الخبرة الإنسانية التي تظل في حاجة دائمة إلي الكشف، شأنها في ذلك شأن الكتابة الاستثنائية الخلاٌقة التي تظل علامة فارقة في تاريخ الإبداع. وبدا لي في بهجة التداعيات التي أخذت تنتزعني من الوخم والخمول كما لو كان العنوان يستدعي جملة كتبها تشيخوف نفسه إلي مكسيم غوركي (18681939) الذي ولد بعد تشيخوف بثمانية أعوام، وتوفي بعده بخمسة وثلاثين عاما، وكانت بينهما مراسلات ولقاءات كثيرة، حميمة كالصداقة التي ربطت بينهما، خصوصا بعد أن سبق تشيخوف إلي ريادة الطريق الذي فتن به غوركي، وسعي فيه عبر دربه الخاص، واعيا معني الجملة التي تقول: ¢السبل التي فتحتها ستبقي سليمة وصامدة. وهنا تكمن كل قيمتي¢. وهي جملة تبدو كالنبوءة التي أثبتت صحتها السنوات والعقود التي لا تزال تضيئها كتابة أنطون تشيخوف بعد مئة عام من وفاته.
********
وحملت عدد ¢أخبار الأدب¢ التذكاري إلي غرفتي فرحا به، سعيدا بأن جريدة أدبية عربية تنتبه إلي هذه الذكري العزيزة علي الإنسانية كلها، وتحتفي بكاتب لا يزال يترك تأثيره في الأجيال اللاحقة علي امتداد الكرة الأرضية التي لا تزال تقرأ تشيخوف بكل لغات العالم، ومقدٌرا للكاتب جمال الغيطاني إشرافه المتميز علي العدد وإتاحة مجموعة من الصور والمراسلات النادرة للمرة الأولي، في اللغة العربية، نقلا عن الكتاب الضخم الذي أصدره الكاتب والصحافي الألماني بيتر أوربان بعنوان ¢أنطون تشيخوف: حياته في صور¢ وهي من إعداد وترجمة علاء عزمي الذي أرجو أن يكمل ترجمة هذا العمل الضخم. ولم يكن ملف الصور ومقتبسات الرسائل هو الذي يظهر للمرة الأولي بالعربية، ففي العدد فصل من كتاب تشيخوف عن جزيرة سخالين الذي لم يترجم منه إلي العربية شيء، وترجمه عن الروسية مع تقديم مضيء أحمد الخميسي الذي أرجو أن يكمل مهمة أبو بكر يوسف الذي ترجم عددا لا يستهان به من أعمال تشيخوف في المجلدات الأربعة التي أصدرتها ¢دار التقدم¢ بعنوان ¢مؤلفات مختارة¢ في موسكو عام 1981، وأعيد طبعها عن دار رادوغا الروسية سنة .1987 وهي أكمل مجموعة نعرفها بالعربية من كتابات تشيخوف التي ترجم الكثير منها مفرٌقا، بل أعيد ترجمة بعض هذه الكتابات مرات، خصوصا قصصه القصيرة العلامات (مثل: موت موظف، فانكا، الحرباء... إلخ) وقد تولي تقديم كل مجلد من المجلدات الأربعة المرتَّبة تاريخيا أحد الأعلام الذين عرفوا تشيخوف وتأثروا به، أو عملوا معه، أو صادقوه، فقدٌم مكسيم غوركي للجزء الأول لوحة أدبية رائعة كتبها سنة 1914، وأعيد نشرها في كتابه ¢لوحات أدبية¢ بينما قدٌم للمجلد الأخير الخاص بالمسرحيات المخرج الروسي العظيم كونستانتين ستانسلافسكي (1863 1938) الذي أخرج مسرحيات تشيخوف الأخيرة علي خشبة ¢مسرح الفن¢ في موسكو. ويستحق المترجم أبو بكر يوسف التحية علي نهوضه بعبء ترجمة هذه المجلدات الأربعة، مع ترجمة غيرها من روائع الرواية الروسية. ولكن لا تزال الأعمال الكاملة لأنطون تشيخوف تنتظر الترجمة إلي العربية. ويسعد المشروع القومي للترجمة أن ينهض بنشرها كما تمني جمال الغيطاني.
ولم يخل العدد من مفاجآت لا يعرفها الكثيرون، منها إعادة نشر مقالين لنجيب محفوظ عن تشيخوف، نشر أولهما بعنوان ¢أنطون تشيخوف الأديب الروسي¢ في ¢السياسة الأسبوعية¢ في الثامن من آيار (مايو) .1933 وكان الثاني عن مسرحية الخال فانيا في مجلة ¢المعرفة¢ في عدد شهر حزيران (يونيو) من العام نفسه. وقد سبق أستاذنا عبدالمحسن طه بدر إلي التعريف بهذين المقالين ضمن غيرهما من مقالات بدايات نجيب محفوظ في كتابه ¢الرؤية والأداة¢ الذي صدر عن دار الثقافة في القاهرة سنة 1978، وكان الجزء الأول من مشروع ضخم لم يكمله هذا الأستاذ الجليل للأسف. وأعجبني بوجه خاص حوار الغيطاني القصير والدال مع نجيب محفوظ عن مقاليه بعد اثنين وسبعين عاما علي نشرهما. وبالطبع، كان نجيب محفوظ قرأ تشيخوف بالإنكليزية التي كان بدأ يتقنها، والتي كانت مكانة تشيخوف تزايدت فيها، خصوصا بعد أن تأسست شهرته العالمية في أعقاب الحرب العالمية الأولي التي شهدت بداية ترجمته إلي الإنكليزية، وذيوعه عالميا بواسطتها. وما له دلالة علي نحو خاص في الحوار الموجز بين الغيطاني ومحفوظ ما أكده الثاني من تأثير تشيخوف العميق في الأدب العربي بوجه عام، وفي كتابات محمود البدوي ويوسف إدريس ونعمان عاشور. وعندما سأل الغيطاني محفوظ عما إذا كان تأثر بكتابة تشيخوف، أجابه صاحب نوبل بعد لحظة صمت أنه أعجب به، ولكنه لا يظن أنه تأثر به. وهي إجابة صادقة إلي حد بعيد، وكاشفة عن المسافة الكبيرة التي تفصل عوالم نجيب محفوظ عن عوالم تشيخوف، خصوصا في المراحل المؤسسة لإنجاز الأول. وفي الوقت نفسه وثاقة الصلة بين الكاتب الروسي وكتابات يوسف إدريس الذي فتنته في أستاذه الذي كان طبيبا مثله نماذج الطبقة الفقيرة، ومحاولة الغوص عميقا في حيواتها المقموعة، المحاصرة بعشرات من القيود والتميزات الاجتماعية، والمنبوذة علي الدوام، فحاول أن يصوغ نماذج موازية من واقع القرية المصرية، وهوامش المدينة الفقيرة، مستعينا بتقنيات السخرية والأوصاف المقتصرة والملاحظة النافذة، مركٌزا علي الشرائح الفلاحية والعمالية المسحوقة التي لم تعرفها بالقدر نفسه كتابة نجيب محفوظ التي حافظت علي التزامها بتأمل أبعاد التراجيديا التي انطوت عليها نماذج الطبقة الوسطي الصغيرة في صراعاتها السياسية والاجتماعية، وأوجاعها الاقتصادية أو توتراتها الميتافيزيقية.
وقد أعادني تقديم جمال الغيطاني للعدد كله إلي ذكريات مشتركة، مرجعها انتسابنا إلي جيل واحد بأكثر من معني، فقد عرفنا كتابة تشيخوف منذ أواخر الخمسينات مع بداية نضج وعينا الأدبي، وخلال سنوات المد الاشتراكي التي كان فيها الاتحاد السوفياتي حليف الدول العربية التقدمية. وهي السنوات التي شهدت ترجمة الأدب الروسي علي نحو غير مسبوق، من خلال دار الشرق في القاهرة التي كانت تصدر الكثير من الترجمات العربية بأثمان زهيدة جدا، جعلتنا نحن أبناء الطبقات الفقيرة نقتني الكثير من روائع هذا الأدب، ونعرف كتابه الكبار معرفة حميمة، كانت تؤكدها المقالات المترجمة في مجلة ¢الشرق¢ التي تولَّي تحريرها المرحوم محمد مندور الذي كان مفتونا في تلك السنوات بالتجربة الاشتراكية والأدب الهادف والنقد الإيديولوجي. وقد أضعت من مكتبتي الخاصة الطبعة الأولي من المجلد الذي ضم مجموعة دالة من قصص تشيخوف، ترجمها المرحوم محمد القصاص. وكان المجلد بعنوان ¢تشيكوف: قصص وروايات قصيرة¢. وصدر عن دار الشرق في القاهرة سنة 1962، جنبا إلي جنب كتاب الناقد الروسي الشهير يرميلوف الذي ترجمه المرحوم عبدالقادر القط. وهو الكتاب الذي كان مدخلنا نحن الذين اتجهنا إلي النقد لا الكتابة الإبداعية إلي اكتشاف بعض أسرار عوالم تشيخوف التي جذبتنا إليها.
********
وعندما أستعيد هذه السنوات البعيدة، وأتذكر بعض ملامحها الأدبية، أكتشف المكانة الكبيرة التي احتلها تشيخوف بصفته الأستاذ الأول في فن كتابة القصة القصيرة. وكان ذلك قبل أن نعرفه كاتبا مسرحيا، ترك آثاره التي لا تزال متوهجة في تاريخ المسرح العالمي من خلال مسرحيات: ¢الخال فانيا¢ (1897) و¢النورس¢ (1897 والطبعة المنقحة 1904) و¢الشقيقات الثلاث¢ (1901) و¢بستان الكرز¢ (1904) وغيرها من المسرحيات التي لا تزال تجتذب إليها خشبات المسرح علي امتداد العالم. وكان ذلك، أيضا، قبل أن يظهر همنغواي إلي المشهد بكتابته التي أطلق عليها اسم ¢جبل الثلج العائم،¢ وهي الكتابات التي سرعان ما تركت تأثيرها الفاعل في جيل الستينات. صحيح أن هناك كتابات رائدة عن تشيخوف ترجع إلي الثلاثينات، مثل مقالات نجيب محفوظ نفسه، وترجمات سابقة من أعماله، وذلك في سياق يظهر فيه فضل ريادة محمد السباعي ونجاتي صدقي، ويمكن أن نضيف الكثير من الأسماء في الخمسينات¢ ولكن ترجمة المرحوم محمد القصاص تظل في تقديري هي الترجمة الأكثر تأثيرا وحسما في تكوين أبناء جيلي. وأتصور أن سلاسة ترجمة محمد القصاص وافقت البساطة الآسرة التي يكتب بها تشيخوف، فأسهمت تراكيب لغة القصاص العربية الواضحة السهلة، ومفرداته البسيطة، في ذيوع كتابة تشيخوف، وبداية تأصٌل فتنتنا به. ولم يكن من قبيل المصادفة أن تعيد الدار القومية العربية للطباعة والنشر إعادة طبع الكتاب، وأن تحذو حذوها ¢روايات الهلال¢ التي أعادت نشر ترجمة القصاص في عددين (تموز يوليو، آب أغسطس) سنة 1977، ولكن من دون إشارة إلي الطبعة الأولي التي أصدرتها دار الشرق. هكذا، تهوسنا بنماذج الموظف المسكين إيفان ديمتريفتش تشرفياكوف الذي عطس في قفا الجنرال العجوز بريزجالوف، والصبي فانكا جوكوف ابن الأعوام التسعة الذي يكتب لجده قسطنطين مكاريتش عن قسوة عالمه، والحوذي البائس الذي يفضي به البؤس إلي أن يفتح مغاليق الآلام المكبوتة في صدره لحصانه، بعد أن لم يجد من البشر من يستمع إلي شكواه، وأضيف إلي ذلك مفتش البوليس ¢أوشاميلوف¢ الذي يجسٌد النفاق الذي يتلوٌن كالحرباء. وكما دفعت هذه النماذج وأمثالها بعض الكتاب المصريين من جيل الخمسينات إلي الالتفات إلي نماذج موازية، يمكن أن تجد العين المدققة بعض ملامحها في المجموعة الأولي ليوسف إدريس (أرخص ليالي 1954) وغيرها من المجموعات الموازية من كتاب الجيل نفسه، سعي بعض المتهوسين بهذه النماذج بين أبناء جيلي إلي محاكاتها. وأذكر من هؤلاء الصديق رمضان جميل الذي توقف مبكرا عن الكتابة علي رغم وعوده الكثيرة، وكان لفت إليه الأنظار بقصة نشرتها له جريدة ¢الجمهورية¢ القاهرية، تحت عنوان ¢موت عامل نسيج يدوي¢. وهي صياغة موازية لنموذج بشري لا يقل بؤسا عن المسكين إيفان ديمتريفيتش. وقد تحدث الصديق جار النبي الحلو في شهادته عن محاولته البحث عن ¢فانكا¢ في محلات صنٌاع الأحذية في حواري المحلة الكبري التي نشأنا فيها، فرأي كل الصبية ¢فانكا¢. وكتب قصة عن صبي يعمل عند صانع أحذية كأنه ¢فانكا¢. لكنه حاول أن يدفعه إلي الثأر لنفسه.
ويدفعني تداعي هذه الذكريات إلي تأكيد أهمية دراسة التباين في استقبال الكتاب العظام بين الأجيال المختلفة، وعبر المراحل التاريخية التي تنطوي علي شروطها النوعية الخاصة. وهو تأكيد يبدأ من تشيخوف ولا يقتصر عليه، وذلك في نوع من المفارقة التي أشاعت حضور تشيخوف نفسه ما بين الخمسينات والستينات المهووسة بشعارات الواقعية الاشتراكية، نظريا، لكن المنحازة شعوريا ووجدانيا إلي الديموقراطيين وليس الشيوعيين الروس في التقاليد التي امتدت إلي تشيخوف الذي ظل نافرا من التصنيف المذهبي، والتعصب الأيديولوجي، مؤكدا أنه ليس ليبراليا ولا محافظا ولا إصلاحيا، ولا حتي راهبا، أو سلبيا، وإنما هو فنان حر ليس إلا، فنان يكره الكذب والسلطة في كل صورها، ويصيبه سكرتارية مجمع الكرادلة بالقرف، تماما كالمنافقين، مؤمنا بأن التبلٌد والتعسٌف لا يسودان بيوت التجار والسجون فحسب بل يوجدان أحيانا بين أهل العلم والأدب، خصوصا حين يتحول هؤلاء إلي سكرتارية لمجمع الكرادلة، أي إلي أصوليين معادين للحرية الإبداعية.
|
|
|
|