|
|
| السنة - | 587 | ه - العدد | 1425 | شعبان | من | 26 | - م | 2004 | أكتوبر | من | 10 | الأحد |
|
 |
| بتوقيت القاهرة |
 |
12:26:52 ك |
 |
الساعة - |
 |
09/10/2004 |
 |
آخر تحديث يوم |
|
| شرق وغرب |
 |
|
|
نصف شمعه
ترجمة:سيد جودة
 | | للفنان : هنري ماتيس |
|
كانت رحلة عمل تلك التي سافرت فيها لمدينة صغيرة أزورها لأول مرة في شمال الصين. نزلت في فندق متوسط المستوي كل الوجوه فيه غريبة عليٌ. ظللت بمفردي حتي حل ٌ المساء في غرفة فيها ثلاثة أسرٌة أثارت بقلبي القلق من أن يشاركني نزيل غريب الغرفة. حاولت الاسترخاء بمشاهدة التليفزيون. كانت الشخصيات تمرٌ علي الشاشة سراعا وتباعا ، وفجأة فقدت الناس الصاخبة علي شاشة التليفزيون صورها واتشحت الغرفة بالسواد وكأنما انقطع التيار الكهربائي عن حفل صاخب فجأة. حتي أعمدة الإضاءة بالخارج انطفأت وتعالت صيحات الدهشة من مبني الفندق كله.
تحسست طريقي إلي المكتب وسحبت الدرج والتقطت بأصبعيٌ نصف شمعة من الدرج الخالي كنت قد اكتشفتها عن غير قصدي حين نزلت بالغرفة. نصف شمعة رفيعة ومستديرة وباردة للغاية رقدت في الدرج لأجلي غير معلوم وأغلب الظن أنها نجسِيَتْ. حتي عمال النظافة أهملوا وجودها عند تنظيفهم للغرفة. التقطتها بأصبعيٌ ولكن لم يكن معي عود ثقاب. خرجت من الغرفة وأنا ممسك بالشمعة فأبصرت ضوء القمر الخافت من نافذةي في نهاية ممري طويلي طويل غلبت عليه الجلبة وأصوات أبوابي تجفتح و وقع أقدام تمشي وأصوات تنادي علي بعضها البعض. من الواضح أن أحدا لم يتوقع أن ينقطع التيار الكهربائي ولذا نسوا لشهور أو لسنين وجود نصف الشمعة هذي التي في يدي. لكني أقبض عليها الآن بين أصابعي خشية أن تقع. تشبثت بها وحرارة كفيٌ أدفأت بردها. مرٌ خيال امرئ أمامي سريعا فقلت له:
¢ألا يوجد عود ثقاب؟¢.
فرد صوت: ¢لا¢.
ما أن سمعت الصوت حتي تبينت أنه صوت فتاة. صوتها ذكرني بشلالات المياه في قلب الجبال. نادت علي موظفي الخدمات بالفندق وكان صوتها مفعما بالرهبة. قلت لها:
¢إن معي شمعة¢.
وعلي الفور سارت في الممر متخبطة وهي تصيح:
¢من معه عود ثقاب أو قدٌاحة لنوقد شمعة؟¢.
كان صوتها كأنه التماس ترسله للناس.
واصلت سيري في اتجاه النافذة في نهاية الممر وشيئا فشيئاَ بدأت عيناي تتأقلمان علي الظلام الذي حلٌ فجأة. كنت كحامل العلم الذي يتقدم الجنود ويدعوهم للمضي قدما، ناديت بأعلي صوتي وقلت:
¢إن معي شمعة، من معه عود ثقاب؟¢
شاركتني الفتاة في النداء. قلت لها:
¢يوجد الكثير من النزلاء، لابد وأن مع أحدهم عود ثقاب¢.
كنت كمن يحادث نفسه أو كأني كنت أواسيها.
وقع أقدام كثيرة وبعيدة، شعلة من اللهب تنطلق فجأة كبرق لاح من بعيدي في الأفق المظلم فأوقد نارا مضرمة.
¢هيا أسرع¢.
كان صوتا أجش لرجل في منتصف العمر. أسرعت للأمام وتلامست فتيلة الشمعة بلهب القداحة كقبلة عاشق مفعمة بالأشواق. تراقص لهب الشمعة بخيلاء وبدأت في الإضاءة وإشاعة البهجة شيئا فشيئاَ. أضاء نورها وجه الرجل فبدا متبسما وما لبث أن التفَّت حولنا وجوه لا أعرفها ضاحكة وسعيدة. نظرت لوجوههم الغريبة عنٌي والتي لم تعد غريبة وضحكت. لم أكن في عجلة لأن أعود لغرفتي فهذا النور لكل الناس وليس لي أن أنعم به بمفردي.
قالت الفتاة لي:
¢إنك لذو خبرة. أعددت نفسك لهذه الظروف قبل سفرك¢.
¢لقد وجدتها في درج المكتب فحسب وليس لقدرتي علي استقراء الطالع. فمن الآن يسافر في رحلة عمل و يتوقع انقطاع التيار الكهربائي؟ لقد أصبح من النادر الآن أن نجد شمعة في المدينة¢.
أمسكت بالشمعة ومررت علي كل باب مفتوح وقبلت بكل فخر طلب نزلاء غرفة بأن أعيرهم ضوء الشمعة ليبحثوا عن شئ أسقطوه أو فقدوه أثناء انقطاع التيار الكهربائي. ما أن وجدوا ما كانوا يبحثون عنه حتي كانت سعادتهم طاغية و بدوا في براءة الأطفال. أضاء نور الشمعة غرفات قلبي أيضاَ ولم يعد بي شعور بغربة أو برهبة في ذلك الفندق ولا في تلك المدينة علي الرغم من أنه شعور دائما ما ينتاب من يزور مكانا غريبا عليه. ظللت أمرّج علي الأبواب المفتوحة إلي أن وصلت إلي غرفتي وكانت المصادفة أن عاد التيار الكهربائي فجأة وعادت شاشة التليفزيون لعالمها الملون.
جاءت عبر الممر أصوات سعيدة أعقبها أصوات أبواب الغرف تغلق فأغلقت باب غرفتي أنا أيضا.
هونج كونج
|
|
|
|