دليل المواقع الاشتراكات الإعلانات دفتر الزوار United States Mirror Server United Kingdom Mirror Server Egypt Mirror Server
السنة -591ه - العدد1425رمضانمن24- م2004نوفمبر من7 الأحد
بتوقيت القاهرة 10:40:23 ص الساعة - 06/11/2004 آخر تحديث يوم
      ضواحي الفضفضة
أيام لاتنسي مع الفنان شاكر حسن آل سعيد :
ذاكرة الموصل
أمجد محمد سعيد
مدينة الموصل
مدينة الموصل
كانت تحف به دائما هالة الفنان الكبير، ويوشحه رداء التواضع الجم في حضوره تتسيد الثقافة كل الأحاديث، ويرتفع الكلام إلي مرتبة الإبداع، لايدع الوقت يفلت مجانا، بل يتصيد به شواهد من خلق الله، تغرس الإنسان في الطبيعة، ناهيك عن غوصه في أقاليم الروح والنفس، وفي براري الفكر والفن، تعجب وأنت تتابع تفاسيره عن جدار مهدم، أو زقورة غائبة في كومة تراب ، في قطعة حديد بسوق الصفارين، وفي فخاريات مكسورة علي حوافيها كتابات ناقصة، ملقاة علي قارعة أعزل وسط خور سيباد أو نينوي، أمامه كل شيء له معني، وليس ثمة شيء ألا وله رسالة، عبر لون أو خط، قماش أو جص أو حبر، خربشة مقصودة، وغير مقصودة. يحلق وهو يفتت الواقع ليعيد تركيب تاريخ من جديد، فإذا هو عمل فني، ذو هدف إنساني، يؤكد مشيئة الله في تكريس وجود الإنسان علي الأرض لإعمارها وبناء حضاراتها، مدنها وقراها، لغاتها ورقصها وغنائها، حكاياتها واساطيرها، كل ذلك مقصود لاثبات خلافة البشر وفق آيات كونيه ، ليكون سيد التاريخ والجغرافيا والماضي والحاضر والمستقبل.
قبل ان تنطلق بنا السيارة اللاندكروز البيضاء، من دار الفنان الراحل شاكر حسن آل سعيد في بغداد متجهة إلي الموصل سكبت زوجته قليلا من ماء دجلة علي عتبة الدار، متمنية له ولنا رحلة طيبة، وكان ذلك مما يحرص عليه كلما سافر من مكان إلي آخر، لم اعلق علي الموضوع بغير ابتسامة، غير انه حاول افهامي أن في هذا الطقس شيئا ما روحنيا يتفاءل به، وكان هذا الحديث بداية دروس رائعة ظللت اسمعها منه طيلة عشرة ايام رافقته فيها ليلا ونهارا، حيث اقمنا له معرضا شاملا لاعماله تمثل مسيرته الفنية ورحلة حياته عبر اللون والريشة والفكر والفلسفة والدين، في الرسم والنقد والثقافة، وكانت قاعة المتحف الحضاري بالموصل قد احدثت صدي لاينسي حيث احتضنت لوحات شاكر حسن آل سعيد التي اصبحت حديث المدينة، ومن ابرز الفعاليات التي أقامها المركز الثقافي طيلة سنتين.

*******

كان يدرك ان استجابة الآخر للوحاته واعماله ستكون غائمة ومبهمة في الغالب، وكان يتفهم ذلك ويفسره بمنطق انه من الطبيعي ان قليلا من الناس هم اولئك الذين يمتلكون القدرة علي التفاعل مع الفن الحديث ليس في مدينة دون أخري، او بلد دون آخر، إن ذلك من صلب عملية التطور الإبداعي الذي يتقدم ركب الحضارة، ا لذي يلقي وراءه وهو يهفو إلي الغد مئات من الأسئلة التي يشغل بها اذهان ورؤي وافكار الجموع، وليس ذلك سمة زمان دون زمان.
وكان حين يسأله أحدهم ماذا يعني هذه اللوحة يحاول في اجابته ان يرتفع بذهنية السائل من مرحلة العادي المباشر إلي الترميز والاسطرة، ولم يكن ذلك سهلا.. خاصة وانه في مدرسته ذات البعد المواحد قد عبر مرحلة التشخيص إلي مرحلة ما قبل الولادة الشكلية للكائنات الحية، حيث الخربشات علي الحيطان، تلك التي تأتي من اياد عفوية قد لاتعرف ماذا تفعل، ولكن الآخرين يفهمون ماترمي إليه كرموز رسائل، ولذلك لم يكن يهتم بالعدد الذي يتفاعل مع اللوحة بقدر اهتمامه بالنوع، الذي قد يكون مثقفا ثقافة عالية، أو أن يكون انسانا اميا فطريا.
وكانت الة التصوير التي يحملها تساعده هو نفسه علي تجاوز وعيه الذاتي حين يريد أن يبني لوحته، فكان يصور الحطيان في الازمة الشعبية والاماكن الاثارية والابواب القديمة وغيرها عله يلتقط لاوعي الآخر ليجسده علي اللوحة بعيدا عن وعيه المقصود..
وكان في استخدامه للخط العربي قد تجاوز مرحلة الاستفادة من شكل الحروف ورسمها، إلي مزاوجتها بالمعاني التي ترافقها وترنو إليها بكل العفوية والصدق والبراءة والايمان.. وبعد سنين طويلة وجدت وانا ابحث عن غلاف لمجموعتي الشعرية غمحمد قمر الاناشيدف، أن اجمل لوحة يمكن ان تكون غلافا للكتاب لوحة شاكر حسن آل سعيد تمثل جدارا صاخبا بكتابات مختلفة وفي عموم اللوحة كلمة كبيرة هي (محمد) بخط انسان مجهول، كانت الكلمة تغطي اللوحة وتبرز علي غيرها من الحروف والكتابات الكثيرة المنتشرة علي سطوح اللوحة. وقد وجدت صورة هذه اللوحة مع مجموعة الصور المختارة والمطبوعة ضمن المجموعة المهيأة لتكون هدية خلال اعمال مؤتمر دول عدم الانحياز في بغداد والذي لم يتحقق بعد ذلك وذهبت اللوحة إلي دار الكرمل ولم يصدر الكتاب عنها بعد ذلك،انما صدر بغلاف آخر عن دار الشئون الثقافية في بغداد.
********

كانت زيارة شاكر حسن آل سعيد إلي الموصل في بداية سنة 1984 زيارة تاريخية بكل المعاني. فبعد حفل افتتاح معرضة الشامل انطلق نحو الموصل يكتشف دروبها وازقتها ومساجدها وكنائسها واسواقها ومكتباتها وحيطانها الجصية او المرمرية، وانطلق ايضا نحو نينوي وخورسباد والمناطق الاثارية يرفع التراب عن الازمنة، ويزيح حجب التاريخ عن الرسوم والتماثيل والثيران المجنحة والاسود والابطال والحلي.. وقبل هذا وذاك لم يدع فرصة للقاء فنان أو مثقف موصلي الا وفعل، مستثمرا كل ساعة لفعل ثقافي، حتي انه كان يقرأ يوميا عند استراحة الظهيرة وقبل الخلود إلي النوم ليلا، كان قد حمل معه من بغداد الكتاب الذي قال لي أنه لايفارقه ابدا في اسفاره وحتي في بغداد وهو (الفتح الرباني والفيض الرحماني) تأليف سيدي عبدالقادر الجيلاني، هذا الكتاب الذي سيهديه الي بعد انتهاء زيارته إلي الموصل، وحين زرنا مكتبة بسام لفت انتباهه كتاب صغير الحجم عن الثقافة والفنون الافريقية، اشتراه وقرأه خلال ساعات في الموصل، وبعد عودته إلي بغداد كتب في مجلة الف باء في العدد 808­21/ آذار/84 موضوعا بعنوان (شواطيء ام الربيعين، انطباعات اولية عن الموصل) يعد من اعمق واجمل ماقرأت عن المدينة، كما نشر موضوعا آخر في جريدة الجمهورية­ في 13/4/1984 بعنوان (فنانون شباب ام شباب فنانون) تحدث فيه عن الحركة التشكيلية والفنية التي استطاع ان يلتمس ملامحها وخاصة لدي الفنانين الشباب.
********

احبت الموصل شاكر حسن آل سعيد لأنه احبها، ولأنه حين قرأها محا من علي وجهها تراب العصور وغيار النظرة العجلي، منحته أسرارها، لأنه حين قرأها متعبدا شاعرا بنبضات مرمرها وموسيقي نهرها وخضرة غابتاها (تلسقنا ازقة المدينة وتأملنا جدارنها وابوباها وشبابيكها وتحدثنا مع بعض سابلتها وقرأنا بعض حروفها وحروف كتاباتها فكانت كل لحظة منطوية علي دقائقها وكل دقيقة منطوية علي لمحة، حروفها المحفورة علي الجدران، المسامير الباقية علي الأبواب ، الأبواب القديمة المقفلة ، حوافي الجدران..) ويضيف الفنان (لم يكن سحر التميمة الاولي ليزول عن مسحورها بيسر، ولكن اجنحة الثور المجنح او (الغريف) لتحدثك اليوم حديث البصر والانملة بل حديث الروح والنفس) ويكمل في مقالة بالف باء متحدثا عن وحدة الانسان بالمكان (هذه الوحدة المادية والتزمن بالمكان هو الذي صنع باعتقادي كل ذلك المجد الذي يميز منطقة الموصل عن سواها ويفلسف أهمية موقعها او هويتها التي هي اشبه ما تكون بمكتبة هائلة تضم شتي اسفار الخليقة.. النبوة.. العقيدة.. التراث، الجمال، التحدي، الخ).
أما لقاءاته الكثيرة مع الفنانين المثقفين والأدباء والباحثين فقد كانت اكثر من دروس في تبادل أطراف الجمال والثقافة والمدهش انه حين كتب مقاله الآخر في الثورة كان حصرا عن الفنانين الشباب الذين أدهشهم تبشيره بهم وقراءة أعمالهم قراءة نقدية لم يكونوا يتصورونها، لقد فاجأ بعضهم بانهم فنانون فعلا، فمضوا بقوة اكبر وثقة اعمق وهاهم اليوم يتبوأون أماكن مرموقة في خارطة التشكيل العراقي يقول (نحن لانلزم الفنانين الشباب بسوي محاولاتهم من اجل الابداع والمسألة لاتخضع ابدا للتقييم الاكاديمي بذهنية اساتذة محترفين للتقنية والأسلبة بل بذهنية الفنان الشاب نفسه. فأنا علي ثقة تامة بان الابداع الفني لايمكن أن يلقنه أستاذ لتلميذ أبدا، بل هو خميرة ثقافية يكتسبها التلميذ من معهده وفي مدينته ومن بيته ومن كل ما يستطيع أن يمهد له... انه أي الإبداع، أن يتعلم الفنان كيف يستطيع أن يضيف اضافات جديدة لمسيرة العمل الفني عبر التاريخ وليس أن يكتفي بتقليد الآخرين (أي إتقان الأساليب).
********

في آخر اتصال لي معه لأستأذنه باستخدام لوحته المشار إليها آنفا غلافا لديواني، كان صوته يرتجف عبر التليفون: كيف لا أوافق، وهل هناك اسعد من لحظة تكرمني فيها باستخدام لوحتي غلافا لديوان عن الرسول(صلي الله عليه وسلم).. وغاب صوته، لياتي صوت ابنه ليقول لي انه متعب قليلا وهو يوافق علي ماطلبت.
وها أنا الآن تجرحني ذكراه، فاقرأ لروحه الخالدة، وفنه الرائع، ونفسه الطيبة، فقرأت من الكتاب الذي أهداه إلي والذي لم يفارقه أبدا... الفتح الرباني والفيض الرحماني لسيدي عبدالقادر الجيلاني.
 
العدد الحالي
  الأعداد السابقة
الصفحة الرئيسية
ساحة الأخبار
ضواحي الفضفضة
رسائل
شرق وغرب
البستان
ساحة الإبداع
كتب
أحداث
جسر الحنين
نقطة عبور

أعلي الصفحة إرسل الصفحة إلي صديق إطبع الصفحة إحفظ هذه الصفحة في المفضلة
   دفتر الزوار   |   دليل المواقع   |   الاشتراكات   |   الإعلانات   |   خريطة الموقع   |   البحث   |   الأعداد السابقة   |   إتصل بنا   |   مساعدة   
   الإعلانات المبوبة  |  أكاديمية أخبار اليوم  |  بلبل  |  أخبار السيارات  |  أخبار الحوادث  |  أخبار النجوم  |  أخبار الأدب  |  أخبار الرياضة  |  آخر ساعة  |  الأخبار  |  أخبار اليوم   :شبكة أخبار اليوم   
All site contents copyright © 2000-2002 Dar Akhbar El Yom.
للأستفسار أو طلب معلومات يرجي مراسلتنا علي العنوان التالي
akhbarelyom@akhbarelyom.org

Best viewed with Internet Explorer 4.0, Netscape 4.0 or above with a resolution of 800 X 600 .

Website Developed By: