|
|
| السنة - | 591 | ه - العدد | 1425 | رمضان | من | 24 | - م | 2004 | نوفمبر | من | 7 | الأحد |
|
 |
| بتوقيت القاهرة |
 |
10:51:46 ص |
 |
الساعة - |
 |
06/11/2004 |
 |
آخر تحديث يوم |
|
| كتب |
 |
|
|
من تحت ركام الضلال والتضليل:
البحث عن جوهرة التمرد!
محمود الورداني
قبل أن يكتب الانسان تاريخه اكتشف التمرد بوصفه قيمة مطلقة سرمدية. اكتشف التمرد فلاحو مصر القديمة في الدولة الوسطي، مثلما اكتشفها عبيد الامبراطورية الرومانية وصعاليك ما قبل الاسلام وجاليليو، بل ان الانبياء كانوا متمردين علي الظلم والطغيان، والحركات الدينية هي في الأساس تمرد علي واقع جائر، والانجازات الفلسفية الفنية والأدبية الكبري هي ايضا تمرد علي الواقع..
التمرد إذن قيمة مطلقة نبيلة، بدونها لايمكن أن يتقدم التاريخ علي هذا الكوكب..
دفتر التمرد وسجله الشامل منذ سيزيف وحتي ملايين الفقراء في عصر الامبراطورية الأمريكية، كان يحتاج لمثل هذا العمل الموسوعي الضخم الذي نهض به فاروق القاضي في كتابه 'آفاق التمرد.. قراءة نقدية في التاريخ الأوروبي والعربي الاسلامي' الذي صدر عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر ومركز البحوث العربية أخيرا.
والحقيقة ان هذا المشروع الفكري بل والانساني الذي تصدي له فاروق القاضي لم يكتف فقط بزيارة جديدة للتاريخ واعادة قراءته ومن ثم تفكيكه واعادة صياغته وفق هذا العنصر الحاكم والحاسم معا، عنصر التمرد، بل تجاوز كل هذا لتأكيد 'حتمية التمرد' في ظل غطرسة امبراطورية القطب الواحد في العصر الحديث: عصر قيصر واشنطن علي حد تعبير الكاتب.
وكما عبر المؤلف أيضا ان كتابه في مواجهة جماعات الدعوة للخضوع باسم العقل، والخنوع بدعوي الواقعية، والاستسلام لمسايرة العصر، لمن باتوا يرون الحرية رومانسية، والعدل خيالا، والنضال مغامرة، كان لابد من تسليط الاضواء علي التمرد. تكثيف مفهوم هذا البعد الاساسي في الجنس البشري والذي نحن احوج ما نكون اليه في هذا الزمان اكثر من اي وقت مضي ان نستخرج جوهر التمرد من تحت ركام الضلال والتضليل.
لم يكتف القاضي ايضا بأن يشمل سجله تاريخنا العربي والاسلامي، بل قام بتأصيل الظاهرة في الغرب الأوروبي، فالتمرد كما اشرت قيمة مطلقة سرمدية، منذ تمرد الانسان الاول علي الفناء ولجأ لاعماق الكهوف أو اعالي الشجر. وإذا كان المؤلف يشير في عنوان كتابه إلي انه 'قراءة نقدية في التاريخ' فقد جانب الحقيقة ربما تواضعا منه، لأنه لم يقم بمجرد قراءة نقدية، بل استعراض شامل وغوص في التفاصيل.
والنضال المتواصل الذي خاضه متمردو الغرب ضد سلطة الكنيسة وكرادلة الظلام لم يكن سهلا، والتحول التاريخي من الاقطاع إلي الرأسمالية مازال جديرا بإعادة تأمله، من اجل اعادة اكتشاف قوانين الثورات المغدورة الكبري في تاريخ الغرب.. وهكذا فإن الوقائع التي يعتمد عليها القاضي ومتون التاريخ معروفة سلفا، لذلك كان عليه ان يغوص في التفاصيل ويعيد النظر من اجل اكتشاف جوهر التمرد، علي النحو الذي فعله مثلا في الفصل السادس من القسم الأول 'حلم الثورة وواقع الدولة' الذي يناقش تاريخ حركات وثورات وانتفاضات الحركة الاشتراكية من كوميونة باريس عام 1871 وحتي كتابات جورج لابيكا وجاك دريدا.
أما القسم الثاني من هذا السجل الشامل عن التمرد في تاريخنا العربي الاسلامي فيتناول ايضا وقائع واحداث معروفة سلفا، ولا يمكن تصور ذلك الجهد التوثيقي وتدقيق واعادة قراءة المناطق الشائكة في التاريخ الاسلامي إلا بكل تقدير، حيث يتداخل الديني مع السياسي، وحيث غيبت اعمال الكتبة وخدم التاريخ الرسمي كثيرا من الوقائع وزيَّفتها.
يكفي الاستعراض السريع لعناوين فصول القسم الثاني. فالفصل الأول 'التمرد علي المجهول' يعيد قراءة التاريخ الاسطوري للجزيرة العربية، بينما يتناول الفصل الثاني 'ابن الانسان' الدور الذي لعبته المسيحية، ويختص الفصل الثالث 'الصعاليك والعبيد وأرستقراطية مكة' بحركة التمرد الضخمة التي كانت ضرورية بعد أن شاخت الارستقراطية وهرمت، وأصبح التمرد حتميا في الفصل التالي من خلال 'ثورة الراعي اليتيم'. وفي الفصل التالي 'التمرد والثورة المضاده' تبدأ صفحة جديدة في تاريخ التمرد باستيلاء معاوية علي السلطة وأغتيال علي ابن أبي طالب وذبح الحسين ابنه.
علي هذا النحو يمضي فاروق القاضي في بقية فصول القسم الثاني ليناقش العقل وتاريخ هزيمته في مواجهة النقل والمسئولية والحرية، ليس بوصفها مطلقات مجردة، بل بوصفها معارك ضخمة خاضها ابن رشد وابن حزم وابن خلدون وافكار المرجئة والمعتزلة، وصولا إلي رؤية محيي الدين بن عربي واخوان الصفا، ويشتبك مع الافكار التي لم تحسم حتي الآن وباتت البديهيات الآن تحتاج للتأكيد.
فالفقه السلفي علي سبيل المثال فقه غير نصي نبع من صراع علي السلطة. وضعه اشخاص عاشوا في تاريخ معين، وسط ظروف اجتماعية معينة، خدمة لنظام معين. ان اسباغ الديمومة والأبدية والصلاحية لكل زمان ومكان علي هذا الفقه فيه افتئات علي الحق بقدر ما فيه ظلم للشريعة نفسها وإهدار لرؤية الأجيال المعاصرة ومصادرة للمتغير الزمني'.
وهكذا نكتشف مرة أخري ان القاضي لم يقم بمجرد قراءة نقدية، بل كان مطالبا أيضا باعادة تأكيد البديهيات بحسم، لأن كل ما هو بديهي تعرض لزلازال وبراكين أطاحت بكل شيء. مازلنا محتاجين مثلا للدعوة إلي تحرير العقل من قيود النقل الفقهي المفروضة منذ ألف عام' وإلي مراجعة نقدية شاملة للفكر الأصولي مع تسليط الأضواء علي ايجابيات مدارسه المختلفة الكلامية والفلسفية'.
لذلك ينتهي القاضي في الخاتمة إلي تلك النتيجة المنطقية:
'ليس لنا خيار غير التمرد، التمرد علي الواقع المهين والمصير الأسود' ويضيف 'التمرد علي كل ما يقيد الانسان فكرا وارادة، التمرد علي هيئة الكومبرا دورية الحاكم وأن سقوطها سيحقق السيادة والخلاص من التبعية' ويضيف أيضا في الجمهورية الديمقراطية تزدهر الحداثة في كل المجالات لتلحق بالعصر. نعود لاحتلال مكاننا في التاريخ عندما ننطلق من الحاضر إلي المستقبل بالابداع وليس بالاتباع'.
بقيت ملاحظة أخيرة علي هذا السجل الموسوعي الشامل، وهي تركيزه وتوجيه الجهد الأساسي للأصول والمنابع والجذور، بينما تاريخ التمرد وخصوصا في العصر العربي الوسيط ممتد ومؤثر وحتي العصر الحديث، فهل يمتد مشروع فاروق القاضي عن التمرد حتي زماننا وأيامنا؟
|
|
|
|