|
|
| السنة - | 591 | ه - العدد | 1425 | رمضان | من | 24 | - م | 2004 | نوفمبر | من | 7 | الأحد |
|
 |
| بتوقيت القاهرة |
 |
10:57:20 ص |
 |
الساعة - |
 |
06/11/2004 |
 |
آخر تحديث يوم |
|
| كتب |
 |
|
|
لأن المرحلة الحالية في الثقافة المصرية تتسم بتعليق الدلالة:
محاورة الغياب
في سياسات الأديان!
 | | للفنان: ماجريت |
|
د. محمد حافظ دياب
قد يحسبه البعض 'ما بعد ياتيا' فقد صلته بالحداثة، مع تآكل عالم السرديات الكبري والانساق الشمولية والتوتالياريات الفكرية، وقد يصنفه آخرون كأحد أبناء عشيرة 'اللاطمأنينة' تلك التي لا تمتلك أمتعتها المعرفية قناعة الأصوبة، أو وضوح الحدود، قرارة الحال، أو وثوق الصيغ، أو امبريالية المعني الواحد، بل أسئلة ما فتئت تكبر لديه، فتخاتله كلما اشتبك مع قضية جديدة، هو في الحالية، أو بالحريٌ في كل الحالات، عصٌي علي التصنيف. إنه، وكما وصفته يوما: باحث مختلف، يسائل وينتقد، بعقل متفتح وتقية مواربة، حين يشير إلي المسألة، أية مسألة، عبر الطواف حولها وتطبيقها، وبدءا من هامشها حتي متنها.
صعوبات
علي أن الكاتب اختار في هذا الكتاب، وضع قطار الهم المصري علي سكة السياسات الدينية، وتعني منظومة الأفكار المتعلقة بأهداف واتجاهات وممارسات يراد تبنيها في الميدان الديني، بوساطة الجهاز المعني بصنع القرار في هذا الميدان، سواء كان مؤسسة دينية وإعلامية أو حكومية أو جمعيات وجماعات دينية، والتي غالبا ما تستدعي في لغة الخطاب الديني والمناظرات السياسية، كتدعيم المطالبة باتخاذ إجراءات عملية، ووضعها حال التنفيذ، بما يشي أن الاهتمام بالسياسة الدينية يمتد ليشمل رجال الدين والساسة والمشتغلين بالعلوم الاجتماعية والطبيعية وناشطي الجمعيات الدينية والجماعات الإسلامية، سيٌما مع تزايد عمليات توظيف الدين ورموزه وتفسيراته وتأويلاته، حتي في العلاقات الدولية مع النزاعات حول الهوية والمصالح والحدود.
وعلي ضفاف، أو في خلل تركيزه علي السياسات الدينية في مصر، لم يغفل الكاتب حديثا عن التخصيصية (الخصخصة) والسياسة التشريعية والنظام الانتخابي وأزمة الدور الإقليمي لمصر، وكلها تشكل فسيفساء الهم المصري ومكابداته وآفاقه الملبٌدة.
ومادام الأمر بهذا التركيب، فثم سؤال استباقي نوعا ما: ما هي الصعوبات التي واجهت مسعي الكاتب في تحريره لهذا العمل؟
إن محاولته تبدو عصيٌة ومحفوفة بالمزالق، مع إمساكه بعصب المسألة، ليطرح عبرها انعكاسات الشرط ما بعد الحداثي علي البني الدينية ومواريثها وأنماطها السلوكية وأنساقها القيمية، وتلك محاولة لا تصلح في سبر غورها الأسئلة القديمة، ناهينا عن أن الأسئلة المستجدة حولها لما تزل بعد في لفائف التكوين.
ذلك أن تعقيدات هذا الشرط. وأصباغ الحيرة واللايقين والنسبية التي يتسم بها، تجعل الاقتراب من هذه المقابلة أشبه بالمغامرة فيما هذه البني لم تتجاوز بعد رهاناتها اليائسة والمتعثرة للحاق بالحداثي، في ذات اللحظة التي انتقل فيها العالم إلي مرحلة جديدة، بتسارع غير مسبوق، وبمتغيرات نوعية، تحمل في طياتها حاضرا ومستقبلا، تحديات مضافة.
ثم إنه، واعتبارا من أن هذه البني وسياساتها ليست ابنة الحاضر، بل وليدة تراكماتها، كان لابد للكاتب أن يستعيد دوما تاريخ رهاناته ومسائله، كي تلتمٌ وتتسع رقعة الترابطات بين حاضرها وماضيها، فتتبدٌي معها مساحة أرحب للتفكير.
ولكن كيف؟ وما الذي تستعيده هذه المعاودة؟ وهنا وجد الكاتب نفسه ملزما بعدم التعامل مع التاريخ علي هيئة من الترديد أو الاسترجاع، بله ضبط لإيقاع المسألة، قصد استكناه أبعادها، وإزاحة غطاء اللامفكر فيه منها، وتبديد النسيان حولها، والعثور علي ارسالها الأصلي.
إلا أن هذه الكيفية تظل مراوحة، دون محاولاته الدائبة في رؤية مسائله انطلاقا من حاضرها، أو بالأوضح من الإنصات إلي مشارطتها الذهنية والموضوعية الحالية، بوعي عدم تطابق حضورها الراهن مع غيابها الماضي، طالما كل ظروف منها يتدبر شئونه عبر سياقه الخاص، هنا تغدو الحاجة مبررة في استعادة التاريخ.
وبهذا المقتضي، مثٌل الالمام بكافة ما أنجزته السياسات الدينية من أفكار ومواقف وممارسات، صعوبة حقيقية، مع توزعها بين الخطاب والحركة، واختلافها في مدي الشمول، وأحيانا في المفاهيم التي استندت عليها، إضافة إلي ما يقتضيه الإلمام بهذه الحصيلة من جهد الاطلاع والاستيعاب، وإن جاز الإقرار رغم انفتاح شهية الكاتب واتساع مدي صفحات كتابه (قرابة سبعمائة صفحة)، بعد إمكانه تقديم تقصٌ شامل، فيما ركز علي رصد خطوط عريضة من خلال الاستعانة بمساهمات لها صفة التمثيل والإبانة.
وزادت عليها صعوبة اختيار صيغة تعامله مع حصيلته: أما تأملها كنسق مغلق، بعيدا عن تحالفها المعقد مع مفردات ووقائع مجتمعها، أو معاينتها كفعالية فكرية، تمتلك توجها ذا معني، وتبتغي غايات بعينها في واقع مجتمعها المصري، وهو ما حدا به أن يضع في اعتباره جملة المعطيات التي صاحبت نتاج هذه الحصيلة.
اضاءة
واعتبارا من أن مقاربة حصيلة السياسات الدينية في مصر، لا يكتمل رصدها خارج الاطار العام الذي يسيجٌها، فإن الانطلاق منها يفترض في الأساس معاينة السياق الذي يؤطر فعاليتها، وبخاصة ما يتصل بنظام الخطاب الثاوي فيها، وظروف الحاضر التي تتلبٌسها، ومجالها الخطابي النوعي:
بالنسبة لنظام الخطاب الثاوي فيها، تحيل هذه الحصيلة إلي ضرورة مجاوزة حدود انشغالها العياني، إلي ضرب من الحفر الابستمولوجي لنظام خطابها الباطن، حال تعلق الأمر بتجاوز التعاطي الكلاسيكي مع الزوج المفاهيمي 'التراثي' و'الحداثي'، واستتباعا، بين الانشداد لأرحام مرجعية في الفقه، وبين عالم ما بعدي ينطوي، لم يزل، علي مكنوناته، والذي تجاوز حدود المجاورة بينهما، إلي التعاطي مع فكر الحرية والتعددية والاجتهاد، علي نحو يسمح باستلهامه وإضاءته.
وفيما يتعلق بظروف الحاضر، ومع الانتقال من 'التاريخي' إلي 'الحيني' تتزامن حصيلة السياسات الدينية مع عصر المابعديات والنزاعات العولمية، وإشكاليات التقدم، وأزمات الاندماج القومي المصري، والتي مثلت مقدمة الكتاب.
فهذه السياسات، والهم المصري في المجمل، يعيش راهنا ظروف تنامي نذر العولمة (تعاظم تكنولوجيا الاتصال والمعلومات المتقدمة، تواتر صعود المجتمع الشبكي أو مجتمع المعلومات الكوني، سطوة الاختراق الإعلامي والقيم التي يبثها، تنامي ثقافة الصورة والمعلومة والحاسوب وبنوك المعلومات، ظهور الثقافة الثالثة كخديم لثورة العلم والتكنولوجيا، هيمنة بعض من طرائق السلوك الوافدة..) وكلها أدعي إلي تهديد الخصوصيات الثقافية، والتلويح بالإطاحة بمرجعيات تعيٌن للجماعة المصرية وجودها الحضاري، وطبع واستدخال قيم جديدة، تهز قواعد ومعايير السائد.
وحول مسألة الاندماج القومي وأزماته، يلاحظ الكاتب أن الحالة المصرية اتسمت تاريخيا بالخصوصية علي قاعدة التكامل، سيما في ظل الدولة الحديثة، مع تبلورها إبان ثورة 1919 والحركة الوطنية الدستورية المعادية للاستعمار، ويوعز بروز بعض مشكلات هذا الاندماج (المعالجات الأمنية للأحداث الطائفية، التعامل السالب مع أقباط المهجر، النظرة الاستثنائية للعرب المسيحيين، ضمان حقوق الأقليات الدينية، العجز عن إدارة التنوع والتعددية بطيوفها المتعددة داخل المكون القومي، إعادة انتاج فتاوي قديمة عن أهل وعقد الذمة، تكفير بعض غلاة الجماعات الإسلامية والراديكالية للمسيحيين..) إلي اختلالات هيكلية في النظامين السياسي والاجتماعي، وفي أنماط التعليم الديني والمدني، والسياسات الإعلامية والثقافية، والأهم سياسات الدين وتوظيفاته واستخداماته، من قِبل الصفوة الحاكمة ومعارضيها من الجماعات الإسلامية السياسية علي اختلافها.
أما معاينة مجال خطاب هذه السياسة النوعي، فيبدو أمر النظر الي حصيلتها، وضمن اطارها العام، لازما، فيما اضحت مؤخرا نهبا لمراكز ومشروعات البحوث الأجنبية، هدفا تتآخذه يد التبعية والتسطيح، أو تقييم الحقائق وحرفها، وهو ما يضاعف تثمين هذا الكتاب، والاشادة بانجازاته، والتوقف عند مساءلاته.
المنطق الثالث:
يعلي من أهمية هذه المسألة، ما تشهده الساحة المصرية راهنا من فوران والتغام حوارية التراث والتاريخ والاجتماع، مع سعة مدارها وتمفصله داخل فضاءات تتشابك فيها قضايا متعددة يوردها الكاتب (عدم القدرة علي انتاج توافقات حول الحدود الدنيا في علاقاتنا بذواتنا وتواريخنا وهوياتنا، الاخفاق في تجدد وتفعيل شكل النظام السياسي الملائم الذي تنتظم حوله فعالياتنا وانتاجنا السياسي، العجز عن ادارة التنوع والتعددية بطيوفها، الخلل في أنظمة تعلينا واعلامنا وثقافتنا ونظرتنا للعالم ولأنفسنا، سيطرة قيود وحدود ذهنية ماضوية طبعت مناهج تفكيرنا الديني وتفسيراته وتأويلاته، سيادة الازدواجية والمراوغة والاضمار والمخاتلة والكذب والنفاق...)، بما يستوجب، بقوله، جهدا دائبا وعزما صارما نحو فتح الأبواب أمام تنشيط عمليات انتاج الفرد كفاعل اجتماعي وسياسي في اطار الحرية، عن طريق اصلاح وتجديد نظم التعليم والاعلام والثقافة، وتطوير البحث العلمي والأكاديمي، والتشريع، وهو ما يرهن مسعي هذا الكتاب في عدم التوقف عند مجرد تعيين حصيلة الهم المصري ومعوقاته، بل يتعداه الي التعامل النقدي معه، بما قد يعين علي فتح امكانات لتخطيه.
ولكن: ماهي الكيفية التي مضي الكاتب علي هديها يرسم بنية هذا العمل واستراتيجيته؟
والأمر هنا يتعلق بمساءلته السياسة الدينية، ليرمي بامتداداته نحو الهم المصري انطلاقا منها، عبر قراءة تباديء عادة من موقع تساؤل معين، ليكن اللغة أو الفكر أو النظام السياسي أو الخطاب الديني، كي يجعل منه موقعا ممكنا لاستيضاح الهم المصري.
علي انه، وفي مطالعته لهذا الهم، يطرح منطقا ثالثا، يبتعد عن تماثل واطلاقية المنطق الأنطولوجي الذي يسلم بجوهرناجز وهوية ثابتة، وعن صورية المنطق الشكلي، ليستبدلهما علي استحياء بتحولات المنطق الجدلي، بمايشي أن الأرضية التي انبثقت منها استراتيجية، تمثل تمرينا في جدل المناهج وصراعها.
فحول الفكر الديني، يلاحظ توزعه بين فكر ماض متحجر، أنماط اخري تبدو علمانية، لكنها تحمل داخلها ذات السمات المحافظة. وفي تعامل الفكر المصري مع أحداث سبتمبر، يسترعي انتباهه استدعاء نظرية المؤامرة، أو التركيز علي نفي المسئولية العربية والاسلامية. وعبر حديثه عن النظام الانتخابي، يعاين تواتره بين القائمة النسبية والنمط الفردي. وحول الخصخصة، يضبط تباين النظر اليها بين انماط تفسير كلية، أو رؤي مدرسية وجزئية.
والكاتب اذ يغفل ذلك، يتحاشي مجرد السعي الي احلال توجه محل آخر، أو الجنوح إلي مغالبة احد قطبي هذه التراثبية، أو قلبها التبسيطي، فمسعاه اعتماد ما يقع خارج هذه المزدوجات، ليصل الي خطاطة تصلح للعمل المصري: بناء مناهجنا الدينية علي محاور الحرية والتعددية والاجتهاد في الفكر الديني، نقد الذات والمراجعة بازاء احداث سبتمبر، تكريس نظام دستوري وسياسي ديموقراطي جديد كمدخل لنظام انتخابي امثل، وتفعيل للانتاج الاجتماعي، تتزاهي فيه قيمة العمل وينتفي الفساد بالنسبة للخصخصة، يسٌيحها كلها تبني عقد سياسي جديد، يعكس الحد الأدني للادارة العامة للمجموع الاجتماعي، دونما استبعاد او اقصاء.
التشكيلة الخطابية
ويتبادر هنا سؤال ماثل: هل ينقضي البحث في سياسة الأديان، لو توقفنا به عند سياقها وبنيتها؟ ام علينا مداومة النظر اليها ضمن دائرة تشكيلتها الخطابية؟ ولدي ميشيل فوكو، تعني هذه التشكيلة مجموع الخطابات التي يدخل معها خطاب معين في علاقة، تحدد شبكة الضوابط الخطابية المتحكمة في انتاجه وتخضعه لمتطلباتها، كشروط سوسيو تاريخية تمكن من وجوده. وتوفر له محاوره.
فماذا وجد الكاتب في تشكيلة سياسات الأديان الخطابية؟ انها لديه حيثيات الوعي القانوني، القيم السياسية، والمعاني المتداولة، اللغة السائدة، والتي ارتآها تتلبس سياسة الأديان:
فالوعي القانوني ضروري، لانه يدور حول السياسة التشريعية، الصراع حول المصالح، ويعكس أوضاع القوي الاجتماعية، واعمال قواعد المشروعية القانونية، من شفافية ومسئولية ومحاسبة، والالتزام بأحكامها. وهنا تتحدد أزمة هذا الوعي، في انقساماته بازاء الشريعة الاسلامية، وبعض تفسيراتها وتأويلاتها الفقهية السائدة، وبخاصة لدي بعض الجماعات الاسلامية السياسية.
أما القيم السياسية، فيسجل الكاتب تدهورها، بسبب من جمود المشهد السياسي واختلاله (رهن الظاهرة الحزبية وانعدام قنوات لها تعكس مصالح قوي اجتماعية مؤثرة، استبعاد الأجيال الشابة من دائرة صنع القرار، خضوع القوي السياسية لتوجهات التعبئة، جمود الفكر السياسي، شكلانية الخريطة السياسية، دعم البني التقليدية في الريف، مركزية السلطة وانتفاء مبدأ تداولها، عدم ملاءمة الأطر الدستورية لدعم عملية التحول الديموقراطي، استمرار العمل بقانون الطواريء وترسانة اخري من القوانين المقيدة للحقوق والحريات، ضعف المشاركة السياسية، توظيف المقعد البرلماني للحماية الشخصية، المناورات الانتخابية، التواطؤ بين الصفوة وبعض أجنحة الحكم، تأثير سلطة رأس المال....)، وكلها لم تسهم في بلورة قيم سياسية ايجابية تؤطرها الوحدة ويثريها التنوع.
ولدي الكاتب، تبدو مسألة اللغة في مقدمة مشكلات السياسة الدينية، حيث ثم من الشواهد الراهنة مايوحي اما بالعمل علي احالتها الي 'مقدس' كي تستعصي علي أي مقاربة، أو بتشظية مدلولاتها كما تتبدي في لوحتها الحاضرة (لغة العنف والتأثيم والتفكير، والتقنيع والتجميل، قول التبرير والشرعية الدينية تسويغا للعنف، الرطانات الاصطلاحية المغلفة ببعض نثار النظريات والمفاهيم، اللجوء الي الابتار المعرفي، والمعلوماتي، كلام السجال والتشدد، صيغة الوعظ والترهيب، أسلوب تبجيل الذات....).
ويوعز الكاتب هذا التشظي، الي شح التناص البادي في العلاقات الحوارية بين النصوص، بين لغة النقل التراثية وقوامها الاصاتة والهزج، وبين اللغة الحداثية وأساليب التأهيل المنهجي للنظريات والمفاهيم والافكار ، علاوة علي شيوع ذائقة لغوية تقليدية ومحافظة في تراث الدرس الديني والشرعي، وغلبة البلاغة الوعظية في بعض النصوص الفقهية والتعليمية، وأسطرة اللغة العربية، وتنامي لغة الحماسة الزاعقة في انتاج الخطاب الديني، وتعظيم هذا الخطاب واعلان أفضليته علي غيره، والماحكة بين الخطاب الاسلامي السياسي الراديكالي وخطاب المؤسسة الرسمية، وكلها عملت في معية علي انسحاب فاعلية اللغة وطاقاتها، وعدم استواء علاماتها في الانفتاح والتجدد.
وبازاء المعاني المتداولة، يلاحظ الكاتب استتباعا لما حدث في مجال اللغة، تشويشا في انتاج المعاني الدينية، بالنظر الي عدم قدرة المؤسسات التقليدية في السيطرة علي عمليات انتاج التغايير والتأويلات والمعاني والرموز الدينية، وهيمنة أجواء حريات التعبير والاعتقاد والضمير علي السوق الديني الكوني، في ظل تزايد المشروطية السياسية وقوانين الحريات الدينية علي النمط الامريكي، واللجوء المتزايد للدين كأداة وقناع لمشروعات التغيير السياسي وصفقات العلاقات الدولية.
ما العمل؟
ومايمكن استخلاصه من هذا الكتاب، هو أن تطور السياسة الدينية في سياق الازمة المجتمعية يبدو معوقا، بسبب من أزمة النظام السياسي، وهو ما أقعدها عن الاستجابة للتحديات التاريخية المطروحة عليها. ويثار عادة في مثل هذا المناخ سؤال: ما العمل؟ وهو سؤال يرد عليه الكاتب برفع راية الاصلاح، بحيثية امتلاك هذه السبيل لخبرة ممتدة، اقترنت بالمحاولات الأولي للصمود أمام أطماع الغرب وسياساته الاستثمارية،. مرجعيته لديه، اطار فلسفي ومفاهيمي، يكرس للعقلانية والنقدية ، سواء تعلق الامر باصلاح سياسي او ديني او تعليميي او تشريعي او اعلامي.
علي ان هذه السبيل تبدو قاصرة ، بسبب من لجوئها الي التقسيم الآلي لكلية الاصلاح، ومعالجة قضاياه معالجة قطاعية تجزيئية، بغية ابراز بعض من وجوهه وابعاده المكونة له، علي حساب التشكل العام الذي يتخذه في بنائه الكلي، او التركيز علي ملامحه الحالية دون امتداداته. ذلك انه من الضروري الوعي بأن تحقيق المخرج، لايمكن ان يفهم من خلال توجهات تعبر عن نوعيات من ردود الفعل (تغيير الوجوه الشائخة فكريا وذات المهارات المحدودة، تجديد بني وسياسات النظام، معالجة الاختلالات الهيكلية علي نحو متدرج ، مواجهة الفساد، اصلاح تشريعي، ادارة الخطاب الديني حول قيم المصرية، دعم المؤسسة الثقافية ، تطوير البني التعليمية، صوغ عقد اجتماعي جديد، مقرطة وسائل الاعلام..).
فهذه ، علي جدواها، صيغ خام، تستوجب تحويلات ومساءلة، حتي تعثر علي انسجامها الدلالي وتبريرها التاريخي وتحقيقها الفعلي، فضلا عن انها قد تستحيل شعارا لقوي اجتماعية تبعية ومغزوة من الداخل، او يقع توظيفها من قبل النظام لاجهاضها، بما يفيد ان تحتوي القصور ذاته يبقي كامنا وقابلا للانفجار، بمجرد ضعف او تراخي تأثير هذه الآليات.
من هنا، لاتبتعد سبيل الكاتب الاصلاحي عن الصياغات الشائعة، تلك التي تدور في فلك البحث عن استراتيجيات لتعظيم مساحات الحرية السياسية والحد من سطوة الدولة القمعية ورقابتها علي المجتمع، من خلال مقرطة وتحديث مؤسساتها ، اما اختلال معدلات توزيع الثروة، وأزمات البطالة والفقر والتهميش المتصاعد، فتتناءي عن هذه السبيل، خاصة مع تصاعد المشكلة الغذائية، وتدني مستويات العيش لدي فئات عديدة، واستفحال البطالة، واتساع نطاق وحجم العمالة المتقطعة وغير الدائمة، وازدياد حدة التفاوتات الطبقية، وتدهور مستوي معيشة المنتجين المباشرين، وتدني اشباع احتياجاتهم، مقابل مظاهر الاستهلاك الترفي والبذخي لبعض الفئات، وهو ماهيأ المناخ للاحتقان الاجتماعي والسلوك الاحتجاجي العنيف.
جرد نقدي
وقد تكون الفرصة سانحة هنا، علي أية حال، أن نضع اليد علي مقولتين ينوس بينهما الكتاب:
فقناعة الكاتب بالحاجة للدين في العالم ما بعد الحديث، كانت بحاجة إلي مزيد من التأصيل، رغم الجهد المقدر الذي بذله في هذا الصدد.
لقد شدد اللاهوتيون طويلا، علي أن الحاجة إلي الدين تظل ضرورية، ورهنوا حيثياتهم بنجاته من الأنظمة المعادية له جهرا، ومن الممارسات اللائكية الملازمة للرأسمالية، ومن قبضة العلم الوضعي، لكنه كان يوضع علي المفترق كلما تعرض لنازلة جديدة، ليعود بقوة إلي ساحة المحاورات المهجورة.
علي أن الأمر مع ملامح العصر المابعدي بدا، وكأن الخطاب الديني يفقد الأفق الرحب لمعناه، إلي الدرجة التي قد يعجز فيها عن الوفاء بالتزامه الانطولوجي، والمفارقة هنا أن كلا من الحركة الاسلامية المعاصرة وشرط ما بعد الحداثة، مثلا نتاجا لاحباطات وعود التحديث الغربي.
وفي هذا الصدد، يذكر باحثون اسلاميون، أن النقد الاسلامي للحداثة يتماثل علي نحو كبير مع نقد شرط ما بعد الحداثة، رغم أن الاسلاميين لايعدون أنفسهم منخرطين في هذا الشرط، لكنهم افتقدوا بصورة دائمة قيم الحداثة القائمة علي سيادة العقل وحده، بوصفها 'صنمية مادية' و'انحطاطا أخلاقيا'، واحلالها التمسك بالحقيقة المطلقة التي يرونها تتحكم بالحياة البشرية، وهو ما يقول به الشرط ما بعد الحداثي، وان عبر طريق مختلف، حين يرفض السعي للأنساق الفكرية الكبري، ويذكر امكان اكتساب المعرفة عبر الطرائق العلمية. اذ يري أن العقل ليس مصدرا موثوقا للمعرفة، طالما هو نفسه جزء من مشروع الهيمنة، وأن الحقيقة المطلقة لايمكن التوصل اليها، لأن لكل فرد حقيقته الخاصة، وفي غياب الحقيقة المعروفة موضوعيا، لايبقي سوي المعتقدات الذاتية، وهو ما يعود بنا إلي الايمان، ويظهر التصادي بين الرفضين الديني وما بعد الحداثي للحداثة، في توجه قطاعات من النخبة الغربية ما بعد الحداثية نحو الديانات والفلسفات الشرقية، سعيا وراء الروحانية (ولنا علي سبيل المثال مؤشر النمو السريع لديانات العصر الحديث)، وان جاز القول أن شرط ما بعد الحداثة، في اعتناقه النسبية، ورفضه الشمولية المطلقة لمباديء الحداثة، يعد كل ثقافات العالم متساوية، ويقود ذلك إلي موقف تعددي، علي حين تتضمن الأديان ايمانا بحقيقة مطلقة.
كذلك يلاحظ الكاتب نقصا في المعاني المتداولة، وعجزها عن تحقيق الاشباع والتوازن النفسي، بسبب من تشظيها، وسيادة أنماطها المتهالكة، وابتعادها عن جهارة النقد، وتضاربها، مع انطوائها علي مصالح وتوازنات.
لكنه، وهو القاريء المتفحص لبورديو، يدرك أن النظام السياسي، يفرض بأكثر من امكانات الأفراد والجماعات، معاني معينة بصفتها معاني مشروعة، عن طريق اخفاء علاقات النفوذ التي هي أساس قوته، فيجمع بذلك قوته الرمزية الخاصة إلي علاقات نفوذه.
يضاف إلي ذلك، أن المرحلة الراهنة في الثقافة المصرية، تشهد ما يمكن تسميته بتعليق أو تعطل الدلالة، وتعني تفكك العلاقة بين الثقافي والاجتماعي، نتيجة تزايد ضعف فعالية الوسائط التعبيرية التقليدية بينهما، والتي كانت تشد أحدهما إلي الآخر عبر الفعل الاجتماعي، حيث لم تعد الأسرة أو البدنة أو المدرسة أو المؤسسة الثقافية أو الحركات الاجتماعية، وسيطا نشطا في هذه العلاقة، بالنظر إلي أن الثقافة السائدة اليوم لم تعد بحاجة إليها، لا كمنتج لها، ولاكمعبر عنها، لأنها ثقافة بدأت تغيم عنها أصولها الاجتماعية، لتندفع نحو تجاوز الهويات الاجتماعية والكليات الرمزية، إلي انتماءات حول نوبات مصغرة.
ونتج عن تزايد هدف تأثير هذه الوسائط، اسقاط الدلالة المعلقة علي غير مدلولاتها، ودون مقابل محدد في الواقع الاجتماعي، بما أدي إلي تواتر التشظي اللامحدود وغير المسبوق للمفاهيم والمعاني:
ها نحن نزاول التحديق في هذا الكتاب كاضافة غنية وجسورة، هزت ركائز كانت تبدو راسخة، وأنصتت لهواجس مواربة، وحاورت الغياب، وحركت الثوابت، وأنتجت حيثيات للخوض في العلني والمضمر، المستحضر والمنسي، وكشفت الصلة بين مقولات كانت تبدو متباعدة، وضوٌءت قوي كامنة في صنوف الصيغ والأفكار، حين طرحت علينا أسئلة، قد نتحدث عنها، نزايد عليها، لكنا، بعد، لا نحياها.
|
|
|
|