دليل المواقع الاشتراكات الإعلانات دفتر الزوار United States Mirror Server United Kingdom Mirror Server Egypt Mirror Server
السنة -597ه - العدد1425ذو القعدةمن7- م2004ديسمبر من19 الأحد
بتوقيت القاهرة 11:30:18 ص الساعة - 18/12/2003 آخر تحديث يوم
      الصفحة الرئيسية
تعليقا علي مهرجان القاهرة السينمائي:
باحب السيما
عزت القمحاوي
من بين المهرجانات وحفلات الكلام التي تتزاحم طوال العام يبدو مهرجان القاهرة السينمائي الدولي المناسبة الأولي بالرعاية، لأنه أقل المهرجانات نخبوية وأكثرها اتصالا بالجمهور، وهو أكثر من كاف لتمثيل الفن السابع المحتضر في مصر، حيث يأتي المهرجان كل عام فلا نكاد نجد فيلما أو فيلمين لتمثيل السينما المصرية، ينالان بعض الجوائز من باب الإحسان ليس إلا!
علي كل حال فقد منحنا المهرجان أحد عشر يوما من الظلمة اللذيذة، وكان إختيار السينما الإيطالية لتكريمها هذا العام قرارا موفقا أتاح عددا من الكلاسيكيات العبقرية التي قادت التغيير في السينما العالمية، بل وكان لها أثرها الكبير علي الرواية أيضا.
كادر أول: الفيلم والحلم!
المجنون العظيم فيلليني كان يعتقد أن الأحلام هي الشيء الحقيقي الوحيد في الحياة، ولابد أنه كان يعرف أيضا أن الأفلام هي الشيء الوحيد الشبيه بالأحلام، ولهذا فقد استطاع أن يصبح فيلليني الذي نعرفه: أعظم من استثمر هبة الأخوين الفرنسيين لومير اللذين أوجدا هذا الضلال المبارك.
وستبقي السينما فنا بوسعه أن يمنح طاقة جديدة علي الحلم لبشرية تنام مفتوحة الأعين كالذئاب.
من حسن الحظ جاءت السينما في الوقت المناسب لتنقل الفن من مماثلة الحياة إلي مماثلة الأعمق فيها: الأحلام.
علي المسرح كما في الحياة نصرخ بالكلمات، ويذكرنا الحضور الواقعي للممثلين بأننا في الواقع لم نبرح، مهما كانت خيالية القصة.. في ظلام السرير نحلم بواسطة الصور، لا الكلمات، وفي ظلام قاعات السينما نشاهد الحياة في صور خفيفة وسريعة الزوال، لا تشبه إلا أحلامنا، أو ربما تشبهنا في أحلام الرب.
الفيلم الأول وليس العرض المسرحي الأول هو ما يتحاور مع الأحلام في ذاكرة طفولتنا، المبالغات اللطيفة ذاتها وسرعة الزوال، كيف كان بشر ماقبل السينما يستدلون علي أحلامهم أو يجدون طريق العودة إلي طفولتهم عندما يصيرون كهولا؟!
المرأة علي الشاشة لا تشبه إلا نساء الحلم، عندما نعود في كل مرة إلي صالة سينما فإننا نعود بحثا عن المرأة التي حلمنا بها ذات يوم، أو تلك التي منحتنا رعشة الملامسة الأولي المبهمة مع غمزة تواطؤ فهمناها تماما وجعلتنا غير قادرين علي البوح باسمها أبدا. بالطبع تعود المرأة إلي الرجل الأولي أو الذي حلمت به ولم تجده في الرجال الفنانين محدودي القدرة والإخلاص حولها.
وأن تحاور الأنثي للمرة الأولي في قاعة السينما كأن تنفرد بها في الحلم، يتبدد الخجل وتجد الأصابع الكلمة التي أعجزت اللسان في الصحو.
كادر ثان: البحث عن شيء ما!
في فيلم سيرته يجمع فيلليني الصبي بالمرأة في قاعة سينما، يجلسه بجوار حلمه الذي ظل بعيدا حتي تلك اللحظة، ويجعل أصابعه تهذي وتتخبط تحت تنورتها القصيرة، فتسأله المستهينة باحتراقه بكل جدية: هل تبحث عن شيء؟!
السؤال يبقي معلقا وسط ضحكات القاعة التي تفجرها سخرية الموقف، لكننابعد مغادرة الصالة ندرك أن السؤال الذي يفجر الضحكات كلما أعيد عرض الفيلم، كان بالإمكان الإجابة عليه بجدية ومنطقية أيضا،الولد في الحقيقة كان يبحث عن الكلمة التي لن يتمكن من قولها لفتاة دون التدريب عليها في ظلام الحلم أو ظلام الفيلم.
ملايين البشر حول العالم يحبون السينما، ويعلنون هذا لكنهم يخفون الأسباب ، البعض من أمثالي لم تفلح السينما في فك زنار خجلهم، ومع ذلك كان تماثل الأفلام مع الأحلام كافيا لحلمي إلي القاعات المظلمة مرة بعد أخري بفرح من يمشي إلي حلم أعده علي هواه، لكن لعنة الكتابة التي ضاعفت في قلبي حب السينما قوضت سلامي معها.
لا شيء يحقق هذا المفعول المزدوج: (تفويض السلام ومضاعفة الحب) سوي الغيرة، وحدها تفعل هذا، وقد دخلت الغيرة بيني وبين الأفلام الجيدة التي أخرج منها نشوان أسفا: لو نكتب الرواية هكذا؟
رغبة مجنونة، هذا مؤكد، فالسينما لم تهزم المسرح فقط بل السحر أيضا. الساحر مهما كان ماهرا يلزمه بعض البخور، بعض التراتيل، لكي تحدث المعجزة، المخرج الجيد يفعل هذا دون بخور أو تراتيل.
كادر ثالث: راكب الدراجة تأخر كثيرا
في أعماق ذاكرتي المشوشة أحتفظ بمشاهد من فيلم لا أذكر اسمه الآن ولا أعرف أكان مصريا أم أجنبيا، وربما لم يوجد هذا الفيلم من أساسه وتطمح أشواقي السينمائية إلي تنفيذه.
المشاهد لرجل يقود دراجته بهلوانية واضطراب عظيمين في شوارع مزدحمة، ينقل البكرة التي انتهي عرضها في إحدي دور السينما إلي دار أخري، وعليه دائما الوصول في اللحظة المناسبة بحيث لا تنقطع الإثارة التي تلقاها الجمهور علي البكرة الأولي. إنه أحد أهم أبطال السينما اللامرئيين، بوسعه أن يحبس بين قدميه بينما يدخن النرجيلة علي أحد المقاهي نصف مصائر الأبطال ويدفع إلي الجنون جمهورا ينتظر لحظة العدالة في النهاية السعيدة.
الساعي كان بوسعه أيضا وقد حدث هذا في أحلامي أو في فيلم نسيته تماما أن يتمرد علي عقلانية ونظام المخرج الواقعي فيدفع إلي مشغل الفيلم ببكرة تحمل الجزء الثاني من فيلم آخر ليصيب الجمهور بإحباط التطابق بين عبثية السينما وعبثية حياته، فيصرخ 'سيما أونطة هاتوا فلوسنا'!
ذكري الساعي التي تزيد الحياة في الأفلام هشاشة علي هشاشتها، صارت حنينا خالصا لدي، بعد أن عرفت قسوة تكنولوجيا البث المباشر التي ألغت السعاة في الفضائيات، وصارت تنقل دون رحمة وقائع القتل مباشرة إلي غرفة نومي في أفلام رقمية يتصاعد منها بخار الدم الساخن..
السرعة غير الإنسانية للفضائيات التي جعلت من العالم ساحة معركة مفتوحة، هي في الواقع ما يعيد لفن صناعة الأحلام عافيته، وهي التي حملتني علي الاختباء عشرة أيام في القاعات المظلمة لمهرجان القاهرة السينمائي، آسفا علي اليوم الحادي عشر الذي لم أتمكن من حضور أفلامه لأسباب يكمن أساسها العميق في الحرب أيضا.
الكثير من أفلام المهرجان لم تكن بعيدة عن الحرب هي الأخري، ولم يكن هذا سيئا أبدا، فالسينما بفضل خياليتها وسرعة زوالها، يمكن استثمارها كتمرين علي إحتمال الحروب، ذلك أنها لا تبث الحرب ساخنة وإنما تقدمها منعكسة علي مرآة مضببة، وتزرع تحت أشجار آلامها الكثير من السعادات الصغيرة التي لا يمكن أن تكون موجودة إلا في خيال مخرجيها الرحماء!
من بين أفلام قسم الاحتفاء بالكلاسيكيات الإيطالية عديد من الأعمال تتصل بالحرب: 'حواس' للمخرج لوكينو فيسكونتي يعود بذاكرة العدوان إلي العام 1866، حيث إحتلال النمساويين لفينيسيا، بينما يأخذنا فدريكو فيلليني علي هامش سيرته وسيرة مدينته إلي لحظة ميلاد الفاشية، نبتة الحرب الخبيثة، وينقلنا فيتوريو دي سيكا في فيلمه 'امرأتان' إلي يوم الحصاد فيضعنا في أجواء الحرب العالمية الثانية، ويشهر فرانشيكو روزي تاريخ أنريكو ماتيه المناضل ضد الاحتلال النازي في 'قضية ماتيه' ولا ننسي الفيلم الشهير 'روما مدينة مفتوحة' لروبيرتو روسيلليني.
ويبدو أن أوروبا الغربية لم تشف بعد من جروح حروبها القديمة، فالأفلام الجديدة لهذه البلاد مشغولة لم تزل بذم حروب ودكتاتوريات النصف الأول من القرن العشرين، لا تخرج منها إلا لنزهة في قصص الحب أو لرفرفة سريعة خوفا من الإرهاب.
الفرنسي إيريك رومير جاء ب 'العميل الثلاثي ' حيث الحرب الأهلية الأسبانية التي أثرت في كل أوروبا، كما قدم اليوناني تاسوس باساروس في 'التراب' حرب بلاده الخاصة بين 1946 و 1948، والايطالي موريشيو بونزي جاء بالحرب أيضا 'أضواء خافتة' بينما تواصل السينما الروسية أبحارها الملغز بعيدا عن قرن الشيوعية منقبة من جديد في السنوات الأخيرة لروسيا القيصرية، التي حظيت بالعديد من الأفلام في السنوات القليلة الماضية.
أوروبا الشرقية من جانبها تلعق جراح التحول الساخنة التي دفعت بأعداد كبيرة من شبابها إلي الهجرة للخارج أو للمخدرات وبناتها إلي أسٌرة الغرباء، 'خليط' المجري الامريكي يقدم فيه ستيفن لوفي عنف حانات الليل في بودابست وصفقات الجنس الصاخبة فيها، ومن رومانيا سينيسا دراجن جاء بمتسوله الغامض 'الفرعون' سجين سيبيريا السابق، بينما يأتي الشاب بيتر كالين نيتزر بمأساة 'ماريا' التي تضطر لبيع جسدها لإطعام أبنائها. أليس هذا ما جري لشباب وبنات الغرب منذ خمسين عاما؟!
الحرب الأهلية الاسبانية قطعت هي الأخري ما يقرب من نصف القرن لتظهر في لبنان وبالتالي في فيلميها: 'معارك الحب' لدانييل أربيد و 'زنار النار' لبهيج حوجيج، وهي نفس المدة التي لزمت للانتقال من ذم الفاشية والنازية في أفلام أوروبا إلي ذم الدكتاتورية العربية في فيلمي جيلالي فراني 'ذاكرة معتقلة' وفيلم 'درب مولاي الشريف' لحسن بن جلون.
هكذا تكلم السينمائيون المغاربة أخيرا عن سجون الحسن بغية التصالح مع التاريخ، والمساهمة في بدء مسيرة جديدة نتمني ألا تنتهي أمالها علي أبواب السينما كما حدث في مصر التي عرفت ظاهرة ذم عبدالناصر في الحقبة الساداتية، وقد ذهبت الأفلام وتعمقت الدكتاتورية!
ليس هناك من ضمانة، لأن التاريخ بحاجة إلي تكرار ذاته.. ببلادة وإنعدام رحمة ، يعيد عرض فيلمه الدموي، لكن راكب دراجة التاريخ يستغرق خمسين عاما لنقل البكرات من ساحة عرض إلي أخري!
 
العدد الحالي
  الأعداد السابقة
الصفحة الرئيسية
ساحة الأخبار
ضواحي الفضفضة
رسائل
شرق وغرب
البستان
ساحة الإبداع
كتب
أحداث
جسر الحنين
نقطة عبور

أعلي الصفحة إرسل الصفحة إلي صديق إطبع الصفحة إحفظ هذه الصفحة في المفضلة
   دفتر الزوار   |   دليل المواقع   |   الاشتراكات   |   الإعلانات   |   خريطة الموقع   |   البحث   |   الأعداد السابقة   |   إتصل بنا   |   مساعدة   
   الإعلانات المبوبة  |  أكاديمية أخبار اليوم  |  بلبل  |  أخبار السيارات  |  أخبار الحوادث  |  أخبار النجوم  |  أخبار الأدب  |  أخبار الرياضة  |  آخر ساعة  |  الأخبار  |  أخبار اليوم   :شبكة أخبار اليوم   
All site contents copyright © 2000-2002 Dar Akhbar El Yom.
للأستفسار أو طلب معلومات يرجي مراسلتنا علي العنوان التالي
akhbarelyom@akhbarelyom.org

Best viewed with Internet Explorer 4.0, Netscape 4.0 or above with a resolution of 800 X 600 .

Website Developed By: