|
|
| السنة - | 597 | ه - العدد | 1425 | ذو القعدة | من | 7 | - م | 2004 | ديسمبر | من | 19 | الأحد |
|
 |
| بتوقيت القاهرة |
 |
11:40:21 ص |
 |
الساعة - |
 |
18/12/2003 |
 |
آخر تحديث يوم |
|
| شرق وغرب |
 |
|
|
جاك دريدا في حوار حول الفلسفة والأكاديمية والدور الاجتماعي للأديب:
لست مفكرا
حوار: إمري سالوزينسكي
ترجمة : فخري صالح
وجلد الفيلسوف الفرنسي، الراحل عنا قبل حوالي الثلاثة أشهر، جاك دريدا في الجزائر عام 1930 وسافر لأول مرة إلي فرنسا عندما ذهب لتأدية الخدمة العسكرية وبدأ الناس يحسون بتأثيره الكبير في مسار الدراسات الأدبية في الولايات المتحدة مبكرا في منتصف السبعينات مع ظهور ثلاثة من كتبه بالإنجليزية كان هو قد نشرها في فرنسا عام 8691 : "الكلام والظواهر" Speech and Phenomena "الكتابة والاختلاف" Writing and Difference، و "الجراماتولوجيا" Grammatology
في عام 1966 دعي دريدا إلي مؤتمر تقيمه جامعة جون هوبكنز في بالتيمور كان القصد منه تقديم البنيوية إلي النخبة المثقفة في الجامعات الأمريكية وفي الحقيقة أن المؤتمر لم يكن يعلن مجيء البنيوية بل كان يعلن، بشخص دريدا، عن وفاتها وحلول بديل لها ولقد تمثل تأثير دريدا علي الدراسات الأدبية ولا نستطيع هنا أن نلخص مساهمته الواسعة في حقل الفلسفة عبر صيغة من القراءة دشنها هو وسماها "التفكيك"، وقد أصبحت هذه الصيغة من صيغ القراءة شريحة أساسية من شرائح الحركة الثقافية التي تدعي "ما بعد البنيوية" كانت ورقة دريدا في مؤتمر جامعة جون هوبكنز نقدا لفكرة "البنية" في الأنثروبولوجيا لدي كلود ليفي شتراوس وتصف الورقة البنيوية بأنها اللحظة الأخيرة ضمن سلسلة متوالية من البنيويات الفلسفية، وبما أنها الأخيرة فإنها تعمل راضية علي "اختزال" نفسها وتحييدها برد بنيتها إلي نقطة محددة من نقاط الحضور، أو إلي أصل ثابت، أو إلي مركز : "لم تكن وظيفة هذا المركز أن يوجه ويوازن وينظم هذه البنية ولا يستطيع المرء في الحقيقة أن يفكر في بنية غير منظمة ولكن وظيفته كانت فوق ذلك كله هي أن يتأكد ويؤكد علي أن المبدأ المنظم للبنية سيكون قادرا علي الحد مما يمكن أن نطلق عليه لعبة البنية، إذ أن مركز البنية، بتوجيه تلاحم النظام وتنظيمه وعضونته، يسمح بلعب عناصر معينة ضمن الشكل التام الكامل وحتي هذه اللحظة تمثل فكرة البنية التي لا مركز لها الشيء غير المفكر به " (الكتابة والاختلاف ص : 278 279)
يقرأ دريدا تاريخ الفلسفة بوصفه علم أنساب هذه المراكز التي تعمل علي إحداث التوازن والاستقرار في البنية أو علم أنساب genealogy "المدلولات الإعلائية" transcendental، ويطلق علي هذا التاريخ وصف "ميتافيزيقا الحضور" أو "مركزية الكلمة" Logocentrism
إن التفكير ب "غير المفكر به" يتضمن التفكير عبر الجدل وبتجاوزه، وتتمثل هذه الإيماءة علي نحو شديد الوضوح في معالجة دريدا للمفهوم الأكثر أساسية من مفاهيم البنيوية، أي العلامة إن اللغة، في النظرية اللسانية البنيوية أو السوسيرية، نظام "متزامن" من العلامات، وهذه العلامات تتألف من وحدة الدال (أي المظهر الملموس، أو المسموع، أو المادي) والمدلول (أي المفهوم المدرك أو المعني) إن العلامات اعتباطية ومتواضع عليها، ولذا فإنها تعرف بالعلامة لا بالجوهر ومن ثمٌ فإن العلامة "قلم" علي سبيل المثال، لا تنشأ بربطها المباشر مع أداة ذات وظيفة كتابية بل من عدم كونها "ألم" أو "علم" يأخذ دريدا هذه الفكرة عن العلاقة التفاضلية بين العلامات أو يعيد إدراجها ضمن العلامات نفسها فلا يمكن أن يظل التعارض ثابتا بين الدال والمدلول، الذي يعمل علي تحقيق وحدة العلامة، ما لم نكن راضين عن تقبل نسخة أخري من نسخ "المدلول الإعلائي" الفلسفي أو اللاهوتي الذي سيكبح أي لعب للدلالة يدفعنا نقد دريدا إلي إدراك أن كل مدلول هو نفسه يحتل موقع الدال، ومن ثمٌ فإنه لا يعمل علي تثبيت العلامة في أي واقع خارج لغوي إذن كيف، بعد هذا كله، يمكن أن نتوصل إلي مدلول خالص ما قبل لغوي؟ لا نستطيع أن نشرح ما "تعنيه" أية علامة أو أي نص دون إنتاج نص آخر أي إنتاج طقم مواز من الدوال إن العلامات لا تختلف عن بعضها فقط بل تختلف عن نفسها أيضا، ومن ثمٌ فإن طبيعتها لا تتألف من الاختلاف الجوهري أو الاختلاف العلائقي بل من الإنزياح أو الأثر الأثر الذي تتركه سلسلة غير محدودة وغير ثابتة من إعادة التدليل تسم فكرة الأثر حضور العلامة بالغياب المتحقق علي شكل اختلاف وإرجاء داخليين الإرجاء الذي لا نهاية له، لأي معني نهائي ولقد قاد هذا الفهم دريدا إلي ابتداع اصطلاحه الجديد : diffe'rance أو الأثر الذي يعيد فيه التعارض إنتاج نفسه داخل كل عنصر مشكل من عناصره ويتعلق الاصطلاح بالفرنسية بين كلمة "يختلف" وكلمة "يرجئ" ويتضمن فكرة أن المعني هو دائما مرجأ حيث إن هناك دائما عنصرا إضافيا تكميليا سيستوعب فيه
حيث يواجه دريدا أي تعارض ثنائي يعمل علي معالجته بالطريقة نفسها التي عالج بها التعارض بين الدال/ المدلول والمثال الأكثر شهرة وأهمية هو معالجته في "الجراماتولوجيا" للتعارض التقليدي بين الكلام والكتابة وهو تعارض كان يستخدم منذ Phaedrus (1) لتفضيل الكلام علي الكتابة مرة أخري يقوم دريدا بحل التعارض، لا بعكسه أو التخلص منه وإلغائه بل بإظهار أن هذا التعارض لا يمكن الحفاظ عليه بوصفه تعارضا إن الكتابة، عبر كونها خارجية وثانوية، تحتل الموقع نفسه الذي يحتله الدال في الزوج الشهير دال/ مدلول ولكننا سنري باستمرار كيف يتحول الكلام إلي مظهر أو نوع من أنواع الكتابة بالطريقة نفسها التي يصبح فيها المدلول دالا آخر في اللحظة التي نحول وجوهنا عنه: وضعف المراقبة الذي يسمح بهذا الانعكاس يحدث بصورة ثابتة في النصوص نفسها التي تريد دائما تفضيل الكلام علي الكتابة إذا بحثنا عن مواز لهذا الجانب المتشكك في عمل دريدا في الفكر البريطاني الراهن فينبغي أن لا نتجاوز رغم غرابة ذلك الأمر عمل أي جي آير A.J.Ayer (2) إن تحليل آير للقضايا الميتافيزيقية، بوصفها عبارات واستنتاجه النهائي بأنها في الحقيقة لا عبارات Statements تتحدث عن لا شيء حيث تتضمن غيابا مكان الموضوع ، ذو نزعة تفكيكية أولية ان آير يتقدم قليلا ليميز بشكل صارم بين المعرفة التجريبية، أو المعرفة التي يمكن التحقق منها، والميتافيزيقا وقد يكون الامتداد التفكيكي الممكن لعمله هو أن يسأل أسئلة عن وضع نظام المعرفة المؤسس علي التعارض مع الغياب ويسأل فيما إذا كان هذا الغياب سيكون التعارض كله بدلا من تلويث عنصر من عناصره فحسب إن سحر نصوص دريدا هو، إلي حد كبير، نتيجة لحقيقة كونه هو نفسه نتاجا للتقليد الفلسفي الاستدلالي التحليلي الذي يعد عمله نقدا شديد القوة له عبر هذا الانتساب وعبره وحده يمكن مقارنته بنورثروب فراي إن النصوص العظيمة الصادرة عن التقليد تفتن وتؤثر، لأنها تحمل لنا وعدا دائما بإمكانية اكتشاف أشياء شديدة الأهمية عن العالم عبر تأمل معني كلمات شديدة البساطة في عمل أفلاطون هذه الكلمات هي كلمات من قبيل "التقوي" و "الخير" وفي عمل فراي فهي الاصطلاحات المتداولة في النقد الأدبي مثل "الكوميديا" و "الرمز" و"الصورة": أما في عمل دريدا فهي كلمات بسيطة مثل "الكتابة" و "الإضافي أو التكميلي" و "الاختلاف" ولقد أشار دريدا نفسه إلي حقيقة أن هؤلاء الذين حاولوا تدمير الميتافيزيقا، مثل نيتشه وهايدجر، قد "وقعوا في فخ دائري" يصف "شكل العلاقة بين تاريخ الميتافيزيقا وتاريخ تدمير الميتافيزيقا"، (الكتابة والاختلاف، ص : 280) وفي الفارق بين الرغبة في "تدمير" الميتافيزيقا والرغبة في "تفكيكها" يوجد نوع من الوعي والتنبيه علي الأقل بسبب وجود إمكانية تتيح للمرء الاقتراض من المصادر التي يبغي حلها وتفكيكها لكنني لا أعرف حتي الآن فيما إذا كان دريدا يريد أن ينكر أنه يقيم داخل تلك "الدائرة" أو أنه "الافلاطوني الأخير" في السلسلة.
لقد سجلت هذه المقابلة وهي الأولي التي يدلي بها دريدا بالانجليزية في جامعة ييل في مارس 1985 فبعد أن يجاهد المرء طويلا مع صرامة نصوص دريدا وصعوبتها يتخوف من الصورة الذهنية التي يتخيلها عن لقائه بالرغم من أنه قد برهن لي علي كونه من أكثر الرجال هدوءا ولطف معشر هناك إحساس عميق بالحيوية والنشاط : إنه يتململ دوما وغليونه ملازم له، كما أن ابتسامة دائمة تومئ بالظهور علي شفتيه إنه يبدو وكأنه يحس بمتعة أن يسأل حتي تلك الأسئلة الغبية وهو يتذوق تلك الأسئلة الأقل غباء والإحساس الذي تولد لدي هو أن الرجل يحس بسعادة تحقيق التواصل مع ما هو غامض مبهم وإضاءة ما هو معتمأحب أن أتحدث عن الجامعة ومكانة الجامعة في المجتمع، وفي البداية أود أن أسألك سؤالا عن التعليم : فمن المفترض أن يكون لأنواع الخطابات التي تدرس في الجامعات أثر ينعكس علي الممارسات التعليمية في المدارس والمعاهد الأخري، إذا لاقت هذه الخطابات نوعا من النجاح أرجو أن لا يكون سؤالي مبتذلا، لكنني أتساءل فيما إذا كان ممكنا أن نتخيل ما يمكن أن تصبح عليه "الجراماتولوجيا" و "التفكيك" في مرحلة التعليم المدرسي وأنا افترض في تساؤلي ما يلي : كيف تكون المدرسة التي يكون فيها المعلمون واعين بمفاهيم مثل الأثر، الاختلاف، ومركزية الكلمة Logocentrism أو مركزية الصوت Phonocentrism؟ هل فكرت مرة بما يمكن أن تكون عليه افكارك مطبقة في النظام التعليمي خارج الجامعة؟
في المدارس الثانوية؟
نعم .
ليس لدي جواب واضح لذلك بالطبع أنا قلق بشأن ذلك، بشأن توضيح مثل هذه الأسئلة خصوصا في فرنسا، فأنا لست مطلعا علي وضع المدارس الثانوية في هذا البلد أو أية بلاد أخري غير فرنسا ولكنني في فرنسا كنت واحدا من جملة أصدقاء وزملاء وتلاميذ لي أيضا يحاولون أن يضعوا مقررا دراسيا يتعلق بهذا لقد أنشأنا مجموعة عام 1975 سميناها "جماعة البحث في التعليم الفلسفي" وهي لا تعالج فقط تعليم الفلسفة في المدارس الثانوية فنحن في فرنسا، كما تعلم، ندرس الفلسفة في المرحلة الثانوية في هذا الوقت تفكر الحكومة بإلغاء تعليم الفلسفة بمعني أنها تحاول تقليص تعليم الفلسفة في المدارس الثانوية، ولذا علينا أن نقاتل ضد هذه السياسة لقد دافعنا عن تعليم الفلسفة قبل المرحلة الثانوية، أي البدء في تعليمها في سن العاشرة أو الحادية عشرة ولا يتضمن هذا الأمر تغيير الوضعية التعليمية الحالية بل التحويل العام للتعليم في المدارس الثانوية من جميع المناحي، أي إرساء بنية جديدة للتعليم لم تكن بالنسبة لنا أمرا خاضعا للقرارات السياسية الآتية من فوق لتنفذ، بل كانت نوعا من الرغبة في تحويل عقول المعلمين والعائلات والأطفال أيضا لقد فكرنا أنه مجرد تحيز أن نظن أن تعليم الفلسفة ينبغي أن يبدأ في سن معينة فقط، وحاولنا أن نحلل أسس هذا التحيز علي أية ارضية أو لا أرضية، أو تهيؤات، أو مخاوف، قام هذا التحيز وهو ما تضمن، في الوقت نفسه، دراسة بنية المؤسسات، وخصوصا في فرنسا، ولكن ليس فيها فقط.
ومن ثمٌ فقد تضمن ذلك تحليل المؤسسات، والفلسفة، أيضا، للوصول إلي جذور هذا التحيز في تاريخ الفلسفة : لأية أسباب، اجتماعية أو جنسية، كان يعتقد، منذ أفلاطون، أن دراسة الفلسفة، لنقل قبل السابعة عشرة أو الثامنة عشرة، مستحيلة أو خطرة إننا نظن أنها ليست كذلك لقد اجرينا تعليما تجريبيا للفلسفة في الصفين السادس والسابع، أي سن العاشرة أو الحادية عشرة، وحققنا نجاحا واضحا فلم يكن الأولاد والبنات في هذين الصفين مهتمين بالفلسفة فقط بل كانوا شديدي التطلب ويستمتعون بدراستها، وكانوا قادرين علي قراءة ما نسميه نصوصا صعبة إن هذه الخطوة لن تكون ممكنة قبل مرور زمن طويل، لكن فكرتنا حققت بعض النجاح إنها تتضمن تحولا عاما في كل شيء : لا في المدارس فقط بل في العائلة والدولة والمدينة.
هذا لا يعني أن لدي فكرة دقيقة عما يمكن للناس أن يطلقوه علي تطبيق "التفكيك" أو "الجراما تولوجيا" في التعليم لقد كنت أنا مؤسس هذه المجموعة وكتبت البيان الأول لها، ولكنني لا أريد أن أحولها إلي مجموعة خاصة بي أو إلي مذهب ولذلك أحجمت عن فرض آرائي لكنني كنت طوال الوقت أسأل نفسي السؤال الذي سألتني الاجابة عليه، وليس لدي أية إجابة واضحة فيما يخص المناهج والمؤسسات التعليمية لا أستطيع القول إنه قد يصبح هناك تعليم تفكيكي حتي في الجامعة أنا أظن أن علي التفكيك، إلي الحد الذي يمتلك فيه بعض الإثارة والاهتمام، أن يتغلغل في كل مكان لا أن يصبح منهجا أو مدرسة لذا ليس لدي أية اجابة قاطعة علي هذا السؤال خصوصا إذا كانت الإجابة مرتجلة بالانجليزية! ولكنني متأكد أنه سؤال مهم، وإذا كان للتفكيكية أن تصبح مثار اهتمام فينبغي أن يكون لها آثار علي التعليم في جميع المراحل ويمكن أن أقول دون تردد : من الآن إلي مرحلة قادمة لا أستطيع أن أخمن.
أردت أن أوجه سؤالا آخر متصلا بمقالتك "مبدأ العقل" وقد بينت قبل قليل أن تلك المقالة توحي لنا بمشاركة كل عمل جامعي في سلطة الدولة وبتواطؤه مع الأيديولوجية التي تعتنقها الدولة، كما توحي بتعليق أي تمييز، في هذه المشاركة، بين البحث الخالص والبحث ذي الغرض إذن أي نوع من الاستقلالية تأمل الجامعة أن تكتسبه؟ كيف تستطيع الجامعة أن تكون حريصة، كما تقترح في مقالتك (ص : 91)، علي فتح ذاتها علي السلطة الخارجية، بصورة كاملة أو إغلاق نفسها تماما في وجه هذه السلطة؟
أود أن أقول إنه ليس لدي جواب عام علي هذا السؤال (لن أقول إن هناك معايير تجريبية فقط لمثل هذا الوضع فعندما تقول إنه ليس هناك جواب عام فأنت تقول حسنا، إن علينا أن نحلل كل وضع في كل بلد وفي كل لحظة إن الوضع في الولايات المتحدة يختلف عن الوضع في فرنسا، وفي فرنسا يختلف الوضع بعد عام 1891، وهكذا) ومع ذلك فحتي لو كان لديك مبدأ واضح فيما يتعلق بالاستقلالية الذاتية للجامعة فإن عليك، ابتداء من ذلك، أن تأخذ استراتيجيا في الحسبان وضعا معينا وأن تقدم بعض التنازلات، فأنت لا تستطيع تجنب مسألة الحلول الوسط.
لا يمكن أن يكون الجواب متجانسا، وأنا متأكد أن المؤسسة، أو الجامعة، لا يكون رد فعلها دائما بهذه الطريقة إن الجامعة جسم غير متجانس هناك مستويات مختلفة مراحل مختلفة للتطور، كما سيقول الماركسي تبعا للأفراد الموجودين في الجامعة، وتبعا للكليات والأقسام والجماعات ولذا فإن كل شخص في موقعه سيتفاعل بناء علي هذا الموقع الذي يحتله إن مفهوم الاستقلالية، وهو مفهوم شديد الكلاسيكية، ينبغي إعادة دراسته وتوسيعه لقد حاولت أن أبين في نص آخر، عن كانط في "نزاع الملكات العقلية" كيف أن مفهوم الاستقلالية هذا كان دائما ملتبسا، غامضا وهدفا لبعض الحيل.
بخصوصي أنا الآن فإنني في وضع صعب، فليس لدي أية فكرة واضحة عما ينبغي عمله إنني اتصرف حسب هذا المبدأ الموجه وهو يعتمد علي اللحظة والمكان الذي يشدد علي أن من واجبنا أن نتساءل وأن لا نسترخي للنوم وأن لا نأخذ أي مبدأ بوصفه مسلمة لا يمكن مساءلتها بالطبع فإن علينا أن لا نسلم بأي مشروع ذي نهاية محددة وموجهة، ولكن علينا أن لا نسلم بأي مبدأ للاستقلالية كذلك، لأنني لا أؤيد أية جامعة تقطع علاقتها بالمجتمع فنحن نعلم أن علينا أن ندرب الناس علي مهنة يعملون بها أنا شخصيا ضد بعض الأنواع من التخصص، لكن من السخف أن نفكر بأنه ينبغي علي الجامعة أن تقطع صلتها بأية مهنة وأي تخصص عليك أن تدرب الناس كي يصبحوا أطباء أو مهندسين أو أساتذة جامعات، وفي الوقت نفسه عليك أن تدربهم علي مساءلة ذلك كله لا بطريقة نقدية فقط بل إنني سأقول : بطريقة تفكيكية أيضا وهذه مسؤولية مضاعفة : مهمتان لا تتلاءم الواحدة منهما مع الأخري أحيانا في مهنتي كمدرس، وفيما يتعلق بمسؤولياتي الخاصة، علي أن اقوم بعملين في وقت واحد : أن أدرب الناس، أن أعلمهم، أن أعطيهم معلومات، أن أكون معلما جيدا، أن أدرب معلمين وأمكنهم من الحصول علي مهنة، وفي الوقت نفسه أن أجعلهم واعين، في حدود قدراتي، بمشكلات التخصص عليك أن تقوم بإعادة كتابة هذا كله.
أتساءل إذا كان بالإمكان أن تعلق علي بعض الاختلافات القومية الاختلافات المتعلقة بالمؤسسات وتلك المتعلقة بالثقافة بهذا الشأن وخصوصا أنك تقوم بالتدريس الجامعي في الولايات المتحدة وفرنسا ففي الولايات المتحدة، أكثر مما في بريطانيا وفرنسا، تبدو الدراسات الإنسانية في الوسط الأكاديمي معزولة بطريقة خاصة عن السياق الثقافي عن الثقافة الشعبية والسياسية في الوقت نفسه تبدو الجامعة في بريطانيا مناهضة بشدة للخطابات النظرية: وبالمقابل يبدو في فرنسا أن هناك جمهورا عريضا للفلسفة والخطابات النظرية حتي خارج الوسط الأكاديمي.
إلي حد ما إن الوضع مختلف إلي حد بعيد لن أقول خارج "الوسط الأكاديمي" بل "خارج الجامعة" لأن هناك في فرنسا معاهد لا تتبع الجامعة ولكنها أكاديمية إن لدي الناس خارج فرنسا شعورا بأن الأشخاص الفرنسيين الذين يعرفونهم يعملون في الجامعة، وهذا غير صحيح إن الأشخاص الذين تعرفونهم خارج فرنسا، الأشخاص الأكثر شهرة، لا يعملون في الجامعة : إنهم يعملون في معاهد هامشية بالنسبة للجامعة إن الوسط الأكاديمي في فرنسا هو جسم غير متجانس إلي حد كبير لديك الجامعات، ولديك معاهد مثل الكوليج دي فرانس ومعهد العلوم الاجتماعية والمعهد العالمي للفلسفة ومعهد المعلمين العالي في بعض الأحيان يكون المعهد شديد المحافظة، وعلي هامشه يوجد شيء مختلف تماما إن من الصعب الحديث عن "أكاديمية فرنسية".
أظن أنني كنت أسأل فيما إذا كانت فكرة "الفيلسوف غير المحترف" ممكنة في فرنسا ولكنها غير ممكنة التصور في الولايات المتحدة أو بالأحري إن في فرنسا جمهورا غير محترف يربط الفيلسوف بخلفيته الاجتماعية.
هذا صحيح، هذا الاختلاف موجود لكن غير المحترف في فرنسا، حتي وإن لم يكن داخل الجامعة، ليس ببساطة شخصا ذاتي التعليم إنه ينتسب إلي الشخص غير المحترف وليس منقطعا تماما عن الوسط الأكاديمي
بالطبع، فإن الثقافة أو الحياة الثقافية في الولايات المتحدة مقصورة علي الجامعة إلي حدي ما ليست هذه الحالة موجودة في فرنسا خصوصا في باريس، وهذا بالنسبة لي اختلاف مهم هنا أجد أن الناس الذين أعرفهم، الناس الذين أتبادل معهم الحديث، هم أشخاص يعملون في الكليات، أما في فرنسا فإن الأمر عكس ذلك تماما إن من تربطني بهم صلات من الزملاء وأساتذة الجامعة قليلون جدا حسنا إن لهذا الأمر حسناته وسيئاته أيضا لأن أولئك الأشخاص في فرنسا الذين ليسوا من الوسط الأكاديمي، ولكن لهم اتصالا بالفلسفة، لا يكونون أحيانا ذوي صلة بالموضوع، أو مؤهلين فيه إنهم يكتبون في الصحف ويتنبأون أحيانا وبصورة غير جدية مما قد يكون له أثر خطير إن لكلا النظامين أخطاره.
تتحدث في المقالة نفسها "مبدأ العقل" عن إمكانية محددة : عن إمكانية وجود أمل بتعلم "كيفية النظر إلي النظر" و "كيفية الاستماع إلي السمع" وأنت تعمل ضمن النظام الجامعي (ص : 91) هل تعتقد أن هذا الموقف إعلائي Transcendental؟
آمل أن لا يكون كذلك إنها مجرد صيغة، لا أستطيع أن أصادق عليها وهي معزولة عن سياقها لقد كانت طريقة لقول إن مشكلة النظر والسمع هي مشكلة، وإن علينا أن نقوم بتأمل هذه المشكلة، لكن ليس بالبساطة التي نتأمل فيها بطريقة انعكاسية عملية النظر إلي النظر أو الاستماع إلي السمع
أنت تتحدث أيضا في الموضوع نفسه عن "حرية الجامعة" "الحرية النفسية التي تمتلكها بقدرتها علي اللعب والذين قرأوا عملك يعرفون أنك عندما تستعمل كلمة "لعب" فأنت لا تتحدث عن شيء يتسم بعدم الجدية أو عن نوع من الحرية الظلامية المفتوحة للجميع هل يمكن أن تحدثنا قليلا عن "حرية اللعب" التي تمتلكها الجامعة؟
ليست الجامعة مجرد مكان للعب ليست ملعبا لكن المشكلات والقيود وعمليات البحث التي يقصد منها الحصول علي نتائج معينة تكون أقل قسرا في بعض المراكز التي تضمها الجامعة خصوصا وأن الجامعة ليست حقلا متجانسا لذا فباستطاعتك أن تدرس دون أن تنتظر أية نتيجة فعالة أو آنية قد تبحث من أجل البحث فقط وقد تحاول من أجل المحاولة فقط لذا فإن هناك إمكانية لما يمكن أن أطلق عليه اسم اللعب لربما تكون الجامعة، إذن، المكان الوحيد في المجتمع الذي يمكن فيه اللعب إلي حد معين أنا متأكد طبعا أن الجامعة ليست حرة حرية تامة : أنت لا تستطيع أن تفعل ما تريده في الجامعة، وفي بعض الأحيان تكون القيود أكثر قسوة، أكثر فعالية لكننا في الإنسانيات، في الفلسفة، أكثر حرية من حقول البحث الأخري إن هذا القدر من الحرية نفيس لأنه الموضع الذي يمكن لنا أن نحاول فيه التفكير بما تمثله الجامعة لنقل إن وعي الجامعة قد يَتَموْضَع هنا لكن الحالة لا تظل دائما كما هي، لأن بعض العاملين في أقسام الفلسفة أو أقسام الإنسانيات لا يهتمون بهذا المفهوم الخاص للجامعة، وذلك باستثمار فرصة اللعب هذه
ومع ذلك فليس الأمر مستحيلا إن بعض المجتمعات عندما تتقبل فكرة وجود أقسام للفلسفة وهو أمر لا نراه في المجتمعات كلها، تعطي نفسها إمكانية التفكير لا في جوهر الجامعة فقط بل في جوهر المجتمع أيضا ذلك هو المكان الذي يكون فيه الفكر حرا، وذلك هو ما أدعوه "حرية اللعب"، اللعب، لا بمعني المقامرة أو اللهو، بل ما ندعوه بالفرنسية Jouer، وهي كلمة تعني أن بنية الآلة أو نوابضها ليست مشدودة تماما إن هذا المكان، بالطبع، يضيق أكثر فأكثر الآن لأسباب لها علاقة بالمال إن الأموال المعطاة لأقسام الإنسانيات، لأقسام الفلسفة تتضاءل يوما بعد يوم.
تعقيبا علي ذلك، فمن المفترض أن المجتمع رفض سقراط، لا بسبب أسلوبه الافتراضي في الفلسفة بل بسبب أسلوبه الاستجوابي (الاستنطاقي)، كما أشارت هيئة المحكمة : بسبب طرحه الأسئلة الخاطئة لست أول من لاحظ أن التفكيك، كأسلوب فلسفي، هو أسلوب استنطاقي أكثر من أن يكون أسلوبا افتراضيا؟
ليس أسلوب التفكيك أسلوبا افتراضيا، ولكنني لا أستطيع القول إنه أسلوب استنطاقي بصورة تامة بالطبع إنه استنطاقي أكثر من كونه افتراضيا، لكن شكل الأسئلة، والبنية النحوية للأسئلة، ليست أمورا مسلما بها، ليس الشكل الأول والأخير لعملية التفكير ومن ثمٌ فإن علينا أن نسأل عن شكل المساءلة أود أن أقول إن التفكيك هو إثبات أكثر من كونه مساءلة، بمعني ليس إيجابيا وسوف أميز هنا بين ما هو إيجابي، ما يشكل موقفا، وبين ما هو إثبات، ولذلك أظن أن التفكيك إثبات أكثر من كونه مجساءلة: لكن هذه الحالة الإثباتية تمر عبر نوع من المساءلة الجذرية، لكنها ليست تساؤلية في التحليل النهائي
إذا وافقنا إذن، بأن التفكيكية، في بعض إيماءاتها، هي صيغة تساؤلية، فلسوف يبدو، علي الأقل في الغرب، أن الفيلسوف الذي يطرح أسئلة الآن هو فيلسوف محتمل الوجود إلي حد بعيد وفي الحقيقة أن الفيلسوف الذي يجسائل ويتساءل يتلقي المكافأة وله موقع ثابت في المجتمع ليس هذا بالطبع هو الوضع المألوف في كل مكان، فمن الصعب أن يتخيل المرء أن تعيش فلسفة استنطاقية لمدة زمنية طويلة في معظم الأقطار الأوروبية خصوصا في أوروبا الشرقية أتساءل إذا كان ممكنا بالنسبة لك أن تعلق علي مقدار تقبل نمط عملك الفلسفي ومقدار تحمله، وذلك بالنظر إلي الحدود الجغرافية، بالمعني الذي لا تستطيع فيه أن تفعل ما تفعله في كل مكان، وأيضا بالنظر إلي الحدود النهائية الممكنة التي لا يمكن للغرب أن يتجاوزها في تحمله المساءلة.
لقد قلت في بداية سؤالك إن الفيلسوف الذي يسأل يجتقبٌل في فرنسا ويكافأ، ولكن الأمر ليس بمثل هذه البساطة وحتي لو كان هناك فيلسوف معين قد تجقبل وكوفئ فلا يعني هذا أن أسئلته قد تلقت الدعم لا يعني تحمل المرء أو مجرد مكافأته ببساطة إعطاءه كرسيا ليحاضر أو إعطاءه ميكروفونا في بعض الأحيان حتي هذا الشيء لا يحدث، وحتي لو حدث فإنه ليس كافيا إذا لم تجدرج أسئلة الفيلسوف في المعاهد والمؤسسات إذا لم تكن لديه الوسائل، إذا لم تكن لديه أو لدي المجموعة إمكانيات للتعليم والتساؤل حول المناهج ولطباعة كتبه وأبحاثه إن مسألة الطباعة مهمة جدا بالطبع فإن ما هو ممكن في فرنسا ممكن فيها أكثر مما هو في البلدان الشرقية، ولربما أكثر مما هو في بعض البلدان الغربية الأخري لكن المسألة ليست مفتوحة تماما ومتسامحا بشأنها بصورة تامة عليك أن تحلل أشكال عدم التحمل والتسامح كافة، والتي هي أحيانا زائفة شديدة النفاق بدءا من المال وسلطة الطباعة ووسائل الإعلام وغيرها دون أن أنكر أن الفيلسوف في فرنسا يجميز بطريقة أفضل مما هو في أقطار أخري فإن هناك بعض الحدود والتضييقات وعوامل الكبح هناك لا أريد أن أقول رقابة بل تقييد لعملية انتشار هذه الأسئلة هذا ما يهمني : الطرق التي لا تعمل فيها المجتمعات الصناعية الليبرالية علي المراقبة والمنع بالمعني الحرفي للكلمة، ولكنها تعمل في الحقيقة علي ذلك باستخدام بعض الآليات الخاصة بالمؤسسات والمعاهد أو آليات التوزيع التجاري أو تلك المتعلقة بالوسائل التقنية مما يحد من فاعلية عملية التساؤل والمساءلة.
وفي الولايات المتحدة؟
أولا، إن هذه الاسئلة في الحقيقة تبقي ضمن النطاق الأكاديمي ثم إن في الأكاديمية قوي مضادة، حتي بين الفلاسفة أنفسهم، ولذا فإن الحدود والتقييدات عديدة وشديدة التعقيد.
هل يمكن لي أن أسألك بضع أسئلة عن ثيمةي معينة في واحدي من أحدث أعمالك، الثيمة المتعلقة ب "النبرة الرؤيوية" وإمكانية توظيفها في الجدل الخاص بالأسلحة النووية؟ في مقالة لك بعنوان "لا سفر رؤيا، ليس الآن" تقول عن الرؤيا : "لا يستطيع الأدب والنقد أن يتكلما عن أي شيء آخر، ليس بإمكانهما امتلاك أية مرجعية نهائية خلالهما إن باستطاعتهما أن يجضاعفا خططهما الاستراتيجية لكي يمثلا ويستوعبا الآخر الكلي الذي لا يمكن تمثله واستيعابه لا يستطيع الأدب، بسبب قدرته علي الكلام عن ذلك فقط، إلاٌ أن يتكلم عن أشياء أخري ويبتدع استراتيجيات للكلام عن أشياء أخري لكي يؤجل المواجهة مع الآخر الكلي لقد بهرني ذلك وجعلني أتساءل فيما إذا كان الدور الاجتماعي النهائي للأدب والنقد أو صلته الوثيقة بالمجتمع هي، إلي حد ما، متمثلة في مواصلة الحديث عن أشياء أخري.
حسنا، إن مواصلة الحديث أفضل من التوقف عنه واستعمال هذه الألعاب الرهيبة إن الشيء الوحيد الذي أنا متأكد منه هو شيء شديد العادية : هو أن من الأفضل أن نتباحث ونتكلم ونؤجل استعمال هذه الأسلحة، وأن نحلل ماهية هذه الخطابات الخطابات السياسية وأن نحاول تحريك الناس ضد ما يهدد وجودهم في هذه الخطابات حسنا ما هي الوسائل البلاغية للإقناع لدي السياسيين، لدي العسكريين، لدي العلماء الذين يعملون في هذا المجال؟ أنت لا تستطيع أن تفصل بعد الآن بين بعض العلماء والسياسيين وصانعي القرار العسكري إن من مهمات المؤسسة الجامعية في الوقت الراهن أن لا تدع هؤلاء الناس يفعلون كل شيء وحدهم هذه هي مشكلتنا أننا مؤهلون لذلك، وإذا لم نكن كذلك فإن علينا أن نصبح مؤهلين لطرح مثل هذه الأسئلة والتحدث بصوت عالي، لكي نجعل المحادثة تدوم وتبقي.
هل يشبه النقد بطل فيلم يقوم بمشاغلة المجرم، الذي يضع يديه علي فتيل التفجير، حتي تأتي الشرطة التي لن تأتي أبدا؟
حسنا قد يكون هذا رمزا مناسبا
في مقالة لك بعنوان "عن نبرة رؤيوية مجتبناه حديثا في الفلسفة" تقول "عندما لا يعود المرء قادرا علي معرفة من يتكلم أو يكتب يصبح النص رؤيويا" أود أن ألتمس في هذه الجملة العجذر لكي أسألك عددا من الأسئلة المتعلقة بسيرة حياتك، أسئلة خاصة بظروف كتابتك لنصوصك أتساءل عما تراه أحداثا أساسية في حياتك الفكرية من الزاوية التي تتصل بسيرتك الذاتية.
أولا وأنا لا أقول ذلك لأتجنب سؤالك عندما تسألني عن الأحداث الأساسية في حياتي الفكرية أقول لك إنني لا أعرف بالضبط ما هي "حياتي الفكرية" كيف أستطيع الفصل بين حياتي الفكرية وحياتي؟ سيكون هذا هو جوابي الأول.
لست مفكرا لم يكن لدي في يوم ما شعور بأنني مفكر بمعني أن تكون مهنتي هي التفكير، وأن تكون حياتي الفكرية مفصولة عن حياتي الخاصة، ومن ثمٌ فإن الأحداث في حياتي ليست أحداثا فكرية حتي الكتب التي كتبتها فإن مصدرها قد يكون بعض الأحداث ولكنها ببساطة ليست أحداثا فكرية.
إذا كان بوسعي محاولة الإجابة علي سؤالك بطريقة أكثر تقليدية فسأقول أن حياتي الفكرية تتمثل في قراءتي لروسو، وهيدجر وجويس، ومالارميه، وآرتو ثم وبما أنني كنت دائما مهتما بالأدب إذ أن رغبتي العميقة هي أن أكتب أدبا ، أكتب روايات كان لدي شعور بأن الفلسفة هي مجرد انعطافة للعودة إلي الأدب لربما لا أصل إلي هذه النقطة أبدا لكن كانت هذه رغبتي حتي عندما كنت صغيرا جدا ولذا كانت إشكاليات الكتابة، إشكاليات الكتابة الفلسفية، انعطافة للإجابة علي سؤال "ما هو الأدب"؟ لكن حتي هذا السؤال كان مجرد توسط للوصول إلي كتابة الأدب ومن ثمٌ فإنني عندما حاولت التفكير بماهية الكتابة، خصوصا في "الغراماتولوجيا"، كان لدي شعور بأنني اقترب من التوصل إلي شيء ما بالطبع، فقد كانت اللحظة التي كتبت فيها "الغراماتولوجيا" اللحظة التي شعرت فيها أن شيئا ما أصبح غير واضح بالنسبة لي لكنه بدأ يمنحني مدخلا لمعرفة ما كان عليه التأويل المهيمن للكتابة في الثقافة والفلسفة الغربيين كان هذا حدثا بالنسبة لي، في تاريخي الفكري لقد ساعدتني جميع النصوص التي كنت أقرؤها وقد ذكرتها سابقا ولكنني نسيت فرويد ونيتشه بالطبع علي امتلاك رؤية متماسكة للثقافة الغربية وعلاقتها بالكتابة ثم أصبح لدي شعور أن بإمكاني أن أكتب بصورة مختلفة، وهذا ما فعلته إلي حد ما عندما كتبت Glas و"بطاقة بريدية" لكنني في هذه اللحظة أشعر وكأنني أظل دوما في تلك المرحلة الابتدائية التي أرغب فيها أن أكتب بصورة مختلفة : وهذا يعني بصورة أكثر اتصالا بقدرات الخيال، وبصورة أكثر اتصالا بالذات وسيرتها (إذا كان لي أن أضع ذلك بين قوسين) لا أعرف فيما إذا كنت قادرا علي فعل ذلك لكن ذلك هو ما أرغب في فعله دون أن أكف عن تعليم الفلسفة وقراءتها بالمعني التقليدي للكلمة
عن كتاب : Imre Salusinzky, Critcism in Society , Methuen, New York, 1987
الهوامش :
1 Pherdrus : كتاب لأفلاطون ويعد من مؤلفاته غير الفلسفية المترجم
2 الفريد جولز آير : فيلسوف انجليزي ولد في لندن عام 1910 وتوفي في بداية التسعينات نال شهرته في عالم الفلسفة بعد أن نشر كتابه "اللغة والحقيقة والمنطق" (1936) الذي قدم فيه الفلسفة الوضعية المنطقية للجمهور الإنجليزي عمل آير أستاذا للفلسفة في جامعة أكسفورد كما عمل مذيعا أيضا من بين كتبه المميزة الأخري "مشكلة المعرفة" (6591) المترجم
3 جان فرانسوا ليوتار (1924 0002): فيلسوف فرنسي وهو مدافع بارز عن فكرة "ما بعد الحداثة" من أبرز كتبه "شرط ما بعد الحداثة" (9791) المترجم
|
|
|
|