|
|
| السنة - | 597 | ه - العدد | 1425 | ذو القعدة | من | 7 | - م | 2004 | ديسمبر | من | 19 | الأحد |
|
 |
| بتوقيت القاهرة |
 |
03:22:51 ك |
 |
الساعة - |
 |
18/12/2003 |
 |
آخر تحديث يوم |
|
| البستان |
 |
|
|
الخارج دائما:
الكتابة بلا مكياج !!!
كتبها بخط مرتعش كأنه يتدرب علي الكتابة لأول مرة ... كانت الرسالة للدكتور سمير سرحان رئيس هيئة الكتاب:(الصديق العزيز الأستاذ الدكتور سمير سرحان ...رئيس الهيئة...أكتب لك عشمانا فيك.... بأن ترفع أجري عن أيام الإنسان السبعة المترجمة إلي ألف جنية وأن يتم الصرف بسرعة .... إنني محتاج وأنت زميلي وقاضي الحاجات لي ......)!
بين الرسالة الأولي والأخيرة مسافة كبيرة ، عمر من الكتابة والتمرد، وسيرة حياة لمبدع كبير اسمه عبد الحكيم قاسم !!!
*****كان أندريه جيد يتوقع العثور علي
( إله) في رسائل دوستويفسكي ، ولكنه اكتشف أنه أمام إنسان بائس، متعب،مريض،محروم من هذه الصفة التي يعيبها هو نفسه علي الفرنسيين وهي البلاغة!!
أما (كافكا) فقد بدا في رسائله العاطفية إلي ميلينا إنسانا عذبا، يتبدي عاشقا قد استرخي، في غير انتباه،إلي حين، لآلهات النقمة اللائي يطاردنه كما يقول أحد نقاده تشارلز أوسبورن.وكانت رسالته إلي الوالد بمثابة محاكمة رهيبة لوالده تستحضر فيها جميع عذابات الطفولة التي لم يكن بالإمكان تخطيها. وكذلك الأمر بالنسبة لرسائل رامبو كانت وكما يقول مترجمها شربل داغر محاولة للبحث عن الجذور بعيدا عن إلزامية الوطن، وعن الحياة بعيدا عن طمأنينة الإقامة فيها، أي البحث عن أجوبة جديدة لأسئلة قديمة، أي العيش خارج الأجوبة المطمئنة والمنغلقة... أما رسائل ريلكه فقد كانت أشبه بوصيته الغير رسمية!!
هكذا عرفت الثقافة الغربية فن الرسائل ،فن البوح ، أما الثقافة العربية فقد همشته، ربما لأنها لم تعرف بعد فضيلة البوح فغابت أجناس أدبية كثيرة عن ثقافتنا الحديثة:السيرة الذاتية التي لا يتجاوز عددها أصابع اليد الواحدة في الثقافة العربية ... و(الرسائل) إلا بإستثناءات قليلة،فالمناخ الثقافي لا يسمح دائما أن يقول الإنسان ما يريد ويضطر أن يفصح عن رأيه في (حديث مجالس ) يختلف كثيرا عما يكتبه ، يصبح باختصار للمثقف العربي كلامين كما يقول أحد المثقفين العرب كلامان للورق وكلام عليه ، وتتسع الهوة بين ¢المسكوت عنه¢ و¢المعلن¢!!!
وربما يرجع غياب فن الرسائل إلي (الفروق الحضارية) بين المجتمعات العربية والغربية. الثقافة الغربية تهتم بكل ما يكتبه مبدعوها،تحولهم أحيانا إلي (سلع) ثقافية، تهتم حتي بنفاياتهم من أوراق تركوها،ومخطوطات ورسائل و....
*****عبد الحكيم قاسم من هذه الاستثناءات القليلة في الثقافة العربية!
تسأله المحاورة: أين وجدت نفسك أكثر... في القصة أم في الرواية؟
فيجيب: (في الكتابة، حتي إذا كانت الكتابة رسالة أو نص نقدي، أنا أستمتع بالكتابة وأتذوق الكلمة وحينما أكتب أنتشي ولا أستقر علي مكتبي أبدا، أتمشي وأهتف بالكلمات وأرقص)!
من هنا تكتسب كتاباته جميعها قيمتها، ليس فقط الروايات أو القصص، وإنما تمتد إلي الرسائل التي تركها ، التي كان يكتب كل كلمة فيها أجل متعته الشخصية ،مما يقربها من أن تكون إبداعا أو كتابة موازية أو مفسرة للعمل الأدبي !!
أو هي روايته في حالتها الخام ، أقل تكلفا وأكثر عفوية ، رواية بلا مكياج ،قبل أن تمتد لها يد الفنان حذفا وتزينا!
يصف هذه المراسلات التي كانت تتم بينه وبين أصدقائه بأنها (جديرة بأن تسجل وأن يحفظها تاريخنا) كما يقول في رسالة لصديقه محمد روميش، حتي طلب من روميش أن يعيد له رسالة كان قد أرسلها له يوما أو ينسخ له صورة منها!
احتفظ قاسم إذن بكثير مما أرسله من خطابات،كتبها علي أوراق شفافة، كان يبدو أن الكثير منها ليست أصولا وإنما صورا كربونية (لم يكن قد انتشرت في ذلك الوقت أوائل السبعينيات آلات التصوير) ...
وتسرب لنا الرسائل _ أيضا الكثير من الضوء حول أراء قاسم حول الفن ،الدين، السياسة، والمرأة وغيرها من التصورات حول الحياة والموت،ويبث فيها الكثير من آرائه ، أقرب لأن تكون كتابة بلا مكياج وخاصة وأن قاسم اشتهر بعنفه وصدقه الجارح في أوقات كثيرة!
معظم الرسائل قادم من ألمانيا، التي سافر إليها في بدايات السبعينيات تحديدا في 1974 بدعوة من معهد العلوم الإسلامية بجامعة برلين الحرة، كان من المفترض أن يظل هناك وقتا محدودا، ولكنه قرر أن يخوض المغامرة لنهايتها ...(سافرت بعزم البقاء في أوروبا مدة طويلة،فنحن جيل من الكتاب لم تتوفر لنا الفرص التي توفرت للأجيال السابقة، أقصد البعثات المدعمة ماليا من الجامعة أو من الدولة. قررت أن أبقي في برلين كنوع من المغامرة الشخصية تحملت تبعاتها فيما بعد كاملة)
بعد النجاح الذي حققته روايته الأولي (أيام الإنسان السبعة) التي صدرت عام 1968، شعر قاسم كما يوضح في إحدي رسائله أنه: (لم أحدث شيئا عبقريا في شبابي أفرضه علي المجتمع،لكنني لا أريد أن أتحول إلي نموذج متكرر مصبوب في قالب معروف سلفا وعليه سافرت . هنا في ألمانيا لا يعرفني أحد. بدأت اعمل أتعلم. استعدت شبابي وقدرتي علي القلق. وبدأت أري مصر من بعيد واري ألمانيا من قريب تجربة خارقة. بقيت مدة طويلة لا اكتب. لكنني حين بدأت اكتب أدركت أنني ولدت من جديد) في ألمانيا تنقل قاسم بين عده مهن كان أكثرها استقرارا: حارسا ليليا في قصر شارليتنبورج ببرلين الغربية ، وأثناء ممارسته لمهنته كان يسجي وقته كما يقول في الكتابة . مقاومة الغربة،والرغبة في البوح دفعته أن يكتب محاورا أصدقاؤه في رسائل طويلة . وهناك أيضا كتب العديد من أعماله:
( المهدي،الأخت لأب، طرف من خبر الآخرة، سطور من دفتر الأحوال، قدر الغرف المقبضة، رجوع الشيخ ... وغيرها).
وفي ألمانيا حاول أن يعيد اكتشاف نفسه من جديد!
***** (الريفي والخواجاية) ثنائية انشغل بها قاسم في أعماله حتي قبل سفره إلي ألمانيا. وقد جاءت تسميته لها كما يحكي في رسالته لمحمود الورداني : (كان في بلدنا عمدة والعمدة له ابن والابن تزوج من عيلة سالم من الدقهلية وانجب صبيانا وبنات عماليق بيض شقر لم يكونوا يأتون البلد إلا في عربات، ويأتون نادرا ولا يخرجون من بيتهم ذي الحديقة الشاسعة إلا لماما. لكن مرة جاءت(توتو) اسمها هكذا، جاءت بالقطار لأول مرة في حياتها. نزلت في محطة سابقة، بلد اسمها القرشية.. المهم نزلت توتو تسأل عن البندرة وتاهت في الحقول وخرجت من وسط أعواد الذرة وعلي جماعة من العيال وهي طويلة شقراء علي رأسها أجمة من الشعر الذهبي.. طار العيال ذعرا يقولون: عفريتة !!!)
الثنائية هنا هي تعبير عن (الأنا والآخر) والتي احتلت في أعماله الروائية مساحة كبيرة ، منذ ( أيام الإنسان السبعة) ...كان الآخر فيها هو صاحب الثقافة الثابتة المتكلسة، وهو الأمر الذي يلاحظه الناقد علي عفيفي في دراسته (الرواي والمروي له في روايات عبدالحكيم قاسم) حيث : يبدأ عبدالعزيز _ بطل الرواية ، يقرأ كتبا أخري غير التي يقرأها أهله، و عندما يمتلك عبد العزيز كتبه الخاصة التي تختلف عن كتب الدراويش يبدأ في الانفصال عنهم مكانيا وعقليا فيستقل بغرفة له علي السطوح ويبدأ وعيه في التغيير، بينما يظل الجماعة علي حاله، ملتصقة بعاداتها التي تتكرر حتي النهاية).
المحاولة تكررت فيما بعد في (محاولة للخروج) كان الآخر الذي يقصده قاسم هو الغرب هذه المرة... وإٌذا كان أبطال طه حسين وتوفيق الحكيم ويحيي حقي والطيب صالح قد ذهبوا بأنفسهم إلي هناك وعادوا ليحكوا عن تجربتهم، فإن قاسم يعكس الوضع ، فتأتي إلزبث الفتاة السويسرية إلي الشرق نفسه ، ويبدأ التصادم بينها وبين عالم كريم الشرقي منذ اللحظة الأولي.
الراوي كما يلاحظ عفيفي مشغول طوال الوقت بما يعتمل داخله وكيف يراه الآخر ، إلي الدرجة التي تجعله ينطق بما يظن أن الآخر الأجنبي يريد النطق به (نحن فقراء ... ومتخلفون) في حين لم يطلب إليه أن يقيم المصريين، ولكن شعوره بوجود نموذج متحضر من وجهه نظره، وإلي أن هذا النموذج يري الأشياء عارية الآن ربما دفعه إلي هذا الاعتراف الذي تشي به المرئيات...)
لكن قاسم في رسائله يصف الرواية بأنها غير منتحلةوأنها تتناول أزمته الشخصية : (إن ثنائية الريفي والخواجاية شديدة التعقيد، لذلك فإن (محاولة للخروج) تضم قطبا صامتا هو البنت وقطبا متحركا هو الولد الريفي. لذلك فهي قصته هو وليس القطب الآخر سوي المثير والمحرك)... قاسم هنا لا ينفي أسطورة التناقض المطلق بين الشرق والغرب (اللذين لا يلتقيان) وينفي كذلك (المصالحة الرومانسية) بينهما، إذا ينجح الحب في التأليف بين العالمين المتناقضين!
عندما يسافر قاسم إلي برلين يصبح في مواجهة الغرب ذاته!
ينبهر بالغرب :(عشت في برلين الحياة الأوروبية نظيفة ، لامعة أنيقة ، مرتبة ، فعالة، متفوقة، متدفقة ، متقدمة) .... ولكن بعد عودته يعلن في حوار معه : (إنني غير مستعد للتصالح مع النموذج الأوروبي علي أي مستوي من المستويات)!!
المحبة الخالصة والكراهية المطلقة هنا هما وجهان لعملة واحده ،كليهما انسحاق قد يحجب الحقيقة!
عاد قاسم من الغرب بعد أن قضي أثني عشر عاما في برلين، مطالبا باحترام قرارات مجمع اللغة العربية وإتباع قراراته حتي وإن بدت غريبة وغير معتادة وكان ذلك ردا علي من هاجموه لأنه استخدم كلمة مرنأة بدلا من تلفزيون .... بدا الأمر لكثيرين وكأن هجوم قاسم جزء من دفاع عن هوية مهتزة!!!
*****عبدالحكيم قاسم هو خارج دائما، لم يكن (محاولة للخروج) عنوانا لرواية كتبها، بقدر ما كان تلخيصا لمسيرة حياته، لأزمته في البحث الدائم عن ذاته، في الشيء ونقيضه معا.
في التصوف أحيانا وفي الماركسية أحيانا أخري. كان دائما يحاول التحرر من أسر المكان ووطأة جدرانه.
في السجن، تركت السنوات الأربع التي قضاها فيه في منتصف الستينيات مرارة لم ينسها طول حياته، ولكنه كتجربة: 'توشك أن تكون استحالة هي من أعظم ما شهدته في حياتي.. تعلمت فيه كيف يقترب الواحد من ظاهرة اقترابا علميا حتي يفهمها'.
وفي السجن أيضا تعلم أن الماركسية ليست هي 'بدلة العمال الزرقاء'، بل هي 'علم'، وعندما هجرها بقي من آثارها معه تلك النظرة العلمية لتفسير الأشياء.
إلي برلين سافر بحثا عن ذاته، ولكنه عاد إلي قريته، عاد مدافعا عن قيم اجتماعية كثيرا ما كان يهاجمها، حتي زملاء جيله الذين تفيض رسائله حبا لهم، وكانت أطروحته للدكتوراة التي لم يستكملها عنهم، لم يسلموا من هجمومه.
يسأله عزت القمحاوي: لماذا تخسر أصدقاء والخلاف بينكما غير جوهري، لقد عرفت قلبك أخضر يحب ويكره.
فيجيبه: أليس من حق هذا القلب الأخضر أن يغضب مرة أو يثور!
وعندما قرر خوض الانتخابات وهزم منافسا نماذج من البشر لا يملك شطارتها ونفوذها، هزم، وكان الأمر بداية لهزيمة الجسد تحت وطأة الروح.
*****
هذه الرسائل ليست كل ما ترك قاسم، فهناك الكثير.
والكتابة عنه هي مجرد (خربشة) في جدار هائل شيده قاسم إبداعا!!
|
|
|
|