دليل المواقع الاشتراكات الإعلانات دفتر الزوار United States Mirror Server United Kingdom Mirror Server Egypt Mirror Server
السنة -597ه - العدد1425ذو القعدةمن7- م2004ديسمبر من19 الأحد
بتوقيت القاهرة 03:28:12 ك الساعة - 18/12/2003 آخر تحديث يوم
      البستان
القلب كبير والهم أكبر
مع يحيي حقي اثناء زيارته لالمانيا
مع يحيي حقي اثناء زيارته لالمانيا
إلي محمد روميش
برلين الغربية 25/3/81
أخي محمد بن عم الحاج صادق
أرجأت الرد علي رسالتك طويلا منتظرا رسالة أسامة الغزولي لكنها لم تصل فقررت أن أجلس لأكتب يأسا من وصول رسالة أسامة. والحق أن الرد علي رسالتك يعيش في داخلي فور انتهائي من قراءتها.تصطدم الكلمات وتتضارب وتتبادل مواقعها. وإذا ما جاء الليل نام العيال فإنني أتيح لنفسي أن أحيا.. المنفي ضار والرفاق شتي..أتمشي في ردهة صغيرة مستطيلة بين الغرف.. أقفز، أرقص، أكلم نفسي، أحدث أصحابي أشكو لهم و أعظهم و أحذرهم.. أصرخ في الصحراء حتي ترخي قبضتها الحديدية الموحشة عن قلبي. وفي الآونة الأخيرة تشغلني رسالتك وتسيطر علي جزء الأماسي الكئيبة كبير. إنني يا روميش أحب كتابتك إلي البكاء بدموع دافئة تغسل الجروح ذلك بأنك نجوت بقلبك أن يكون فريسة للنغمات الزائفة والمشاعر المضللة
وذلك أمر لا يتاح إلا لقليلين تقول في خطابك أنه(.. في مشهد آخر من الفيلم.. حين نهق حمار.. خفق القلب الصغير.. وأحس وسط المدينة المنصورة بلحظة رفقة وأمان).. ويقرأ القارئون هذه الكلمة.. وليتندر بها الكثيرون منهم ويضحكون عليها.. وأنا لا.. القلب كبير والهم أكبر .وذلك بأن مدننا تكوينات خلاسية. تراكمات شائهة غريبة بلا شخصية ولا تاريخ ولا فكر ولا اتجاه. إن منظور هذا التراكم شائهة قذر.والصورة الصوتية لهذا التكوين تثقل علي القلب والعقل وتعجزهما عن الدخول في حوار معها. ذلك بأنها لا تقول إنما تهرف وتخلط.. النجاة إذن هي الفرار منها.. ويكون نهيق الحمار دلالة علي العالم المقابل..ليس فقط نهيق الحمار بل آذان المؤذن العجوز المتهدم الصوت في فجر المدينة النائمة.. نامت ضجتها وستر الظلام قبحها وصمت قلوب ناسها تنصت لصوت آخر يمت إلي تاريخنا وشخصيتنا وقلوبنا. أليس هذا بالضبط هو منطلق الجماعات الدينية التي تنمو بعد ذلك وتتطور إلي الفاشية وتحطم كل شئ.حاربهم بكل ما تستطيع لكنك لن تستطيع أن تنتزع من قلوب الناس كرههم لخلاسية حياتنا في منظورها وصوتها.. نحن في هروب مستمر من قدر قبيح والدين تركيبة صوتية وبصرية متناسقة ومتينة وجذابة لكل قلب. إنها تجمع لهم الناس مستعدين للإنصات ..عندئذ يقولون لهم ما يشاءون. بعد ثلاثين عاما لازلت تذكر قصة نهيق الحمار لأن التناقض عندك لم يحل وهو لم يحل عند أحد منا.. لكنك تحلم.... و الأسبوع ليس وقتا يعاش أو وعاء يتسع للأعمال و الإنجاز بل هو انتظار أليم طويل ليوم يتم فيه لأم التمزق ورأب الصدع والعودة إلي حيث الصورة لا تزال تحمل الصفاء القديم. والمسالة عجيبة فيها تجاوز الأم بلا حرج والبحث عن الأب بشوق، إنني أتشكك في هذا الشوق بمعني إنني لا أجد فيه آثارا كبيرة لوجد عاطفي بل هو بحث عقلي عن دعامة لعالم ينبغي أن يوجد وأن يبقي وأن ينمو في وجه الزيف و الخلاسية وأن رمز العباءة الإمبريال رمز عبقري.وفي كن العباءة وحجر الأب يأتي صوته بالغناء الريف.
أهلا وسهلا باللي لقاهم عيد وزيادة... وبعدهم يوم كأنه عام وزيادة
من منا ليس في حياته عباءة إمبريال ولقاء حار وأغنية ريفية.. من باب الغيرة سأقول لك أغنيتي
أصل الحلاوة عسل ومخَلطة بعجين... وأصل العسل مالقصب وأصل القصب مالطين
كان علينا أن نرحل إلي مدينة خلاسية .. وأن نتعلم في مدرسة خلاسية.. وكان من النعمة علينا أن كان لنا مآب.. عالم لازال بعد لم يتفسخ.. عالم عماده أب كبير..الحاج صادق.. الحاج كريم.. لكن كيف كان المدخل إلي جمال عبد الناصر.. وقبله سعد زغلول.. وقبله عرابي وقبله الآباء إلي أول الزمن.
سيقول العارفون إنه المجتمع الزراعي والنهر الواحد والمناخ الحار ومن ثم يكون الدين توحيدا ويكون الزعيم في كل مرة موشكا أن يكون رسولا. وأنا أخاف العارفين وعليه أصدقهم لكنني أستميحهم في أن أقول كلمة صغيرة مؤداها أن ثمة شيئا ما، روحا ما أعلي من الأرض والنهر والجغرافيا والمناخ ربما هي خالصة من كل أولئك. يغذوها كل ما كتبناه وكل ما قرأناه، تغذوها وما تزال كل الكتب التي أغرقت في نهر دجلة. تلك الروح أحست منذ قفل باب الاجتهاد أنها تعجز أجنحتها عن التحليق.. ومنذ أواخر القرن الثامن عشر وأوائل القرن التاسع عشر إلي الآن تلقي هجوما ساحقا من الثقافة الغربية.. لن أتكلم عنه كثيرا..لكنني فقط أرصده في المدينة التي رحلنا إليها أنا وأنت والمدارس التي تعلمنا فيها.
إن قريتنا هي تجربة الأرق ومعاناة التزييف وكراهيته.. عندئذ يكون الفرار إلي عالمنا القديم الذي يكون ملاكه الأب ويكون ولعنا بالأب ولعا عقليا يلغي حتي إمكانيتنا العاطفية..أنت تنحي الأم ببساطة ولا تجد ذلك غريبا بعد كل هذا العمر ويكون دورها أن تشير لك علي مكان وجود الأب.
فأنا أتذكر أن أمي لم تضمني إلي صدرها أبدا.. وأن هذه الحقيقة لا تزال إلي الآن تلون ­ ولا أقول تشكل­ علاقتي بالمرأة وعلاقتي بالحياة، وتبرز العلاقة العقلية بسمتها الحاد.ومن يقرأ ¢الليل الرحم¢ يجدها أغنية عبقرية في الحوار مع كيان الأب الهائل، القصة تعرض معلق في جوانبه هيئة صورة للأب و لنحاول الآن إحصاءها ،الأب، العمة وهي جانب آخر من الأب، رجل الليل الذي قتل، الباشا. أب تلك العائلة من الفرع تلك صور مختلفة من الأب وثمة صور مختلفة للابن..عبد الشاطر.. والولد الآخر وابن الباشا علي قدر ما أذكر. الآن فما يؤدي هذا الحوار في ظروفنا الروحية و الثقافية العامة الآن فكرة الأب كإطار من التيارات العاصفة فكرة لازمة. وبهذا الشكل أفهم الكلمة التي جاءت في خطابك (هل لك عبد الحكيم أن تقنعه بأن بنات الدنيا جميعا فداء موطئ قدمه..!) إنني غير موافق علي الصياغة وإن كنت لم أفهم العبارة بما يوحي ظاهرها بل أدركت أن الوعي بقضية الأب هو قضية عقلية أعلي من أي قضية أخري في ظروفنا الحالية ومجتمعنا الحالي.
لكن الجانب الآخر من القضية هو بشاعة وقع الأب علي مجتمعنا. إن وطأه ثقيل ثقلا مدمرا يكاد يلغي كل ما فينا من طموح وقدرة علي الحب. انظر العلاقة بالأم.. وعليه يرحل محمد الصادق روميش ويتزوج من المدينة. إن هذا ليس ثورة ضد الأب. إنها محاولة لتحرير جزء من وجدان الواحد من أبيه.. وأنت لازلت تقف جنب البنت إلي الآن ضد الأب..(كانت تمد يدها للسلام.. لكن أنَّي يا عبد الحكيم للعصفورة أن تواجه أسد الغابة).. أنت تجهش بالبكاء، ليس ضعفا لكن محاولة حارة مبلولة لدفع الكفر عن القلب المؤمن.. الذي يريد أن يتحرر.
تلك هي قضيتنا إذن أننا نؤمن بالأب..ونري أن ذلك هو ضمان أصالتنا ضد أي تيارات تعصف بنا..ونحن ثائرون علي نظرية الأب لأنها معوقة لنمائنا... وعلي الفور أجدني في منطقة السؤال عن ماهية الكتابة. والجواب يشحن قلبي يكاد يسابق الكلمات السائلة من قلمي.. إن الكتابة بالنسبة لنا أبناء الثقافة العربية التي تكافح من أجل مكانها علي الأرض .. الكتابة بالنسبة لنا هو جهد من لا يكل ليل نهار.. هم لا يرحم للصراع لتوضيح قضايانا.. لأنفسنا أولا لتعميق فهمنا لها.. ومن مجري هذه العملية سيجد القارئ الكريم ساعة وقت يزجيها مع كتاب ليتفرج علي كرهنا المؤلم لتعميق إدراكنا لعالمنا.. في أخذ فكرة.
ولذلك فإنه أكثر ما يؤلمني هو ما يتردد أحيانا من باب التظرف من شعار مؤداه (أن يقول الواحد كلمته ويمضي..) عزائي أن من يقولون هذا لا يؤمنون به وأنهم يكتبون ويكتبون ويثرون حياتنا الروحية والفكرية. لكنني أجد الشعار بالرغم من ذلك خطير والخطورة فيه صياغته التي تحمل رائحة تراثية والواقع أنه من الناحية الفكرية مزيف علي التراث. فالمؤمن غير مطلوب منه أن يصلي ظهرا واحدا (ويمضي..) أو يصوم شهرا واحدا(وخلاص) بل أن الأمر أمر عبادة..أو مجاهدة، وعليه فشعارنا ليس أن نقول كلمة ونمضي. بل (أن نجاهد لتعميق وعينا بعالمنا) وعليه فإنني لم يكفني أنك كتبت (الشمس في برج المحاق).. إنني أطالبك بأن تكتب وتكتب وتقول وتقول حتي ما يبقي في المحبرة مداد.
تقول (بالنسبة للكتابة.. لعلي لست كاتبا محترفا ولعلي كنت ­وأطمع أن أظل صاحب هم عام سمه ­تسامحا­ هم إنساني). والقضية ما هو الاحتراف؟ هل هو العيش من الكتابة .. إنني أكتب من عشرين عاما وانشر.و جميع ما كسبته من كتابتي لا يطعم أولادي شهرا.. وأنا هنا أعيش من تنظيف المراحيض.. فهل أنا منظف مراحيض محترف.. وكاتب هاو أو صاحب هم إنساني..؟ إنني كاتب محترف رغم أنني لا أعيش من كتابتي تماما مثل ناس يعيشون من الكتابة وليسوا كتابا محترفين بل ليس لهم بعالم الكتابة صلة أيا كانت.
أنت يا روميش كاتب محترف.. أعرف هذا إذ أقرا لك..كما أعرف المعلم من صنع يديه، وكلمتك التي ذكرتها حالا تعكس وعيا حرفيا ناضجا مؤداه أنك تنأي بالحرفة عن أن تكون صورة محزنة للكاتب في عالمنا العربي أحيانا.. انظر لنجيب محفوظ وتوفيق الحكيم.. كانا كاتبين لامعين في عصر جمال عبد الناصر.. وحصل انقلاب علي كل شئ من العصر الذي مضي.. وهما ما زال نجمين جالسين علي قمة ( الأهرام ).. هذان ليسا كاتبين محترفين..إنهما مرتبطان بمؤسسة فكرية سائدة في المجتمع مهما تغيرت مبادئه.. هذه المؤسسة هي الإيمان بضرورة وجود النظام بصرف النظر عن محتوي هذا النظام، علي عكس صلاح عيسي أو إبراهيم فتحي الذي كان في عهد عبد الناصر مطاردا وهو الآن مطاردا أيضا.. إنه كاتب محترف ليس بمعني أنه يعيش من كتابته بل بمعني أنه يعيش لها، وينأي بها ­ عن أن تكون أداة لفكرة ما، بل هي وسيلة لصنع الفكرة.
بهذا تعود، بقلمك تعود لتجاهد مع المجاهدين من أجل تعميق وعينا بعالمنا.. من أجل أن تكون الكتابة في ثقافتنا العربية حرة من الارتباط بالمؤسسات الفكرية المستقرة وأداه لها بل لكي تكون أداة لخلق الفكرة المتناسقة المتناغمة في مقابل مجتمع تعصف به القيادات وتؤدي به إلي الخلاسية وفقدان اللون والطعم والشخصية..وإنني الآن لأحس الفرحة التي سأقرأ بها عملك القادم. لدي خوف صغير..أنك ياروميش إنسان ذو كبرياء شديد... وأنك لو كتبت بعد انقطاع طويل ربما لن يكون الأمر يسيرا.. ذلك بأننا لسنا عباقرة.. بل صنايعية لنا أصابع من ذهب.. وبطول الانقطاع تكون العودة أحيانا صعبة..
لو حدث هذا...فلا يحزنك.. بل يملؤك ثقة.. سيكون العمل الذي يليه عملا عملاقا
انظر إلي يديك واعرف ما فيهما من قوة.. إنها قادمة من ينابيع العقل والقلب لتدفق وتثري
أخي... تحية لك.. هذا جواب متواضع علي رسالتك العظيمة التي فرحت بها فرحا لا يقدر.. وإنني لأناشدك أن تكتب لي دائما وسأرد عليك فورا.. إن حدثا كهذا نحتاجه كلانا فلا ندع الكسل يردم الآبار العظيمة التي تنشر الخصب في أيامنا.
سلامي لأسامة و أسفي لرسالته التي لم تصل.. حبي لكما.. وفي انتظار.

عبدالحكيم

 
العدد الحالي
  الأعداد السابقة
الصفحة الرئيسية
ساحة الأخبار
ضواحي الفضفضة
رسائل
شرق وغرب
البستان
ساحة الإبداع
كتب
أحداث
جسر الحنين
نقطة عبور

أعلي الصفحة إرسل الصفحة إلي صديق إطبع الصفحة إحفظ هذه الصفحة في المفضلة
   دفتر الزوار   |   دليل المواقع   |   الاشتراكات   |   الإعلانات   |   خريطة الموقع   |   البحث   |   الأعداد السابقة   |   إتصل بنا   |   مساعدة   
   الإعلانات المبوبة  |  أكاديمية أخبار اليوم  |  بلبل  |  أخبار السيارات  |  أخبار الحوادث  |  أخبار النجوم  |  أخبار الأدب  |  أخبار الرياضة  |  آخر ساعة  |  الأخبار  |  أخبار اليوم   :شبكة أخبار اليوم   
All site contents copyright © 2000-2002 Dar Akhbar El Yom.
للأستفسار أو طلب معلومات يرجي مراسلتنا علي العنوان التالي
akhbarelyom@akhbarelyom.org

Best viewed with Internet Explorer 4.0, Netscape 4.0 or above with a resolution of 800 X 600 .

Website Developed By: