|
|
| السنة - | 597 | ه - العدد | 1425 | ذو القعدة | من | 7 | - م | 2004 | ديسمبر | من | 19 | الأحد |
|
 |
| بتوقيت القاهرة |
 |
03:46:19 ك |
 |
الساعة - |
 |
18/12/2003 |
 |
آخر تحديث يوم |
|
| البستان |
 |
|
|
زينب.. لهذا أحب الاسم!!
 | | علي المصطبة بين أهل قريته |
|
إلي بطرس الحلاق
برلين الغربية في 6 /5/1981
أخي بطرس .. تحيات قلبية .. آن الأوان أن أكتب لك. كنت أؤجل ذلك كل حين حتي أقرأ مقالتك التي أعطيتها لي كرما منك وفضلا فوجدتني إزاء هذا الكرم مدين بأن أقرأها وأن أحدثك،اعترافا بقدر هذا الإهداء الكريم.
قبل ذلك أشكرك علي اهتمامك بي في باريس اهتمام أخ وصديق لم أكن أتوقع منه أقل من هذا. ولقد كان الوقت بين طلابك سعادة لي. أعدت قراءة مقال برنارد لوكاش وكتبت له. كذلك كان وقتي في دارك في سو وقتا سعيدا. خرجنا من عندك نحمل أمير النائم حتي المحطة فوصلناها محطومين وعدنا إلي الفندق لننام دون وعي. في الصبح التالي كنا نعلم أنكم في طريقكم لقضاء أجازتكم. نرجو أن تكونوا قضيتم أجازة سعيدة وأن تكون الآن في أتم صحة أنت وأسترد وأياد وأن تكون مقبلا علي عملك المثمر لنا وللأدب العربي عامة.
ولقد قرأت مقالتك (نشأة الرواية العربية بين النقد والإيديولوجية) قراءة مهتمة ولا أزعم بأي حال أن في وسعي التعليق عليها وإن قلت شيئا الآن فإنني أعتذر عنه مقدما وأرجوك أن تعتبره نوعا من حرص الصديق علي أن يكون ما يكتبه صديقه علي درجة من الكمال لا يطولها الانتقاد. تلك هي النية والنية وإن لم تبرر التجاوز إلا أنها توجد مجال للفهم والغفران.
والحقيقة أنني أريد أن أقول بضعة تعليقات صغيرة حول المنهج دون أدني تطرق للموضوع ذلك أن رواية (زينب) ليست تحت يدي وأنا قرأتها منذ زمن طويل وما أذكره منها لا يصلح أساسا لمراجعتك فيما تقوله عنها. كذلك لا أستطيع أن أقول أنني محيط بالنقد الأدبي المصري إحاطة تبرر لي مراجعتك في أحكامك عليه. الأمر في هذا هو ذكريات لا تصلح مرة أخري أساسا علميا لموقف مناقض لموقفك..
تبدأ مقالتك بأن اثنين لا يختلفان في أن ¢ الرواية العربية نشأت في العصر الحديث فنا مقتبسا من الغرب أو أقله متأثرا به تأثرا شديدا¢... وأنا أختلف مع هذا... إعذرني ولا تشتم حماقتي وجهلي، ذلك هو الطريق السهل لكن تسامح معي وعلمني قلبي مفتوح لأن أفهم وأنا وحياة أولادي مخلص شديد الإخلاص لكنني أري الأمر رؤية أخري. وسأوضح فهمي بمثال من مصر،لا تعصبا قوميا لمصر... ولكن لأن معرفتي بها أكثر من معرفتي بغيرها، أقول إن الكتاب يكتبون لناسهم.. تلك قضية بسيطة لكنها أساسية في فهمي... وعليها ينبغي نفي أي تأثير خارجي بين الكاتب وجمهوره وإلا فإن الكاتب يفقد هذا الجمهور... والناس قد تقرأ كتابا مترجما من لغة أخري مكتوبا لناس آخرين لكنهم يقرأونه بهذا الشرط... وإذا عجرب الكتاب وأعطي أسماء مصرية فهو يقبل بقدر مطابقته لحال الناس وكلامه عنهم.
أنتقل خطوة أخري حصرا فأقول إن مجتمعات المدينة في مصر (القاهرة والإسكندرية علي الأخص) نشأت تحت تأثير السفر والتأثير الأوروبي بشكل عام من أيام محمد علي و إسماعيل والاحتلال الإنجليزي، لكنها لم تكن مدنا أوروبية، وهذه هي قضية جوهرية جدا، وعليه فإن المجتمع الجديد يفرز أشكالا أدبية جديدة تحمل سمات أشكال أدبية في مجتمعات أخري لأنه يوجد تشابه بين بنية المجتمع الأول والمجتمع الثاني... لكن الرواية المصرية ليست الرواية الأوروبية وليست متأثرة بها.
إنك بالقوة تستطيع أن تنشئ شارعا تجاريا في القاهرة ملئ بالمجلات الأوروبية وعلي غرار المدن الأوروبية وتلغي تماما الشارع التقليدي أو السوق القاهري القديم، وقد تستطيع أن تنشئ دار نشر وتمولها وتترجم.. لكنك لا تستطيع أن تنشئ بالقوة أثرا في وجدان الناس،تلك المنطقة الخاصة هي التي تستطيع أن تنشيء أدبا وإلا لما كان ثمة حاجة للتأليف وطوفان الرواية كاف جدا لحاجة القارئ عندنا.
بنية الرواية المصرية والرواية الأوروبية تتشابه نتاج من تشابهة مجتمع المدينة في مصر ومجتمع المدينة في أوروبا لكن التأثر بهذا المعني غير وارد (في رأيي) وإذا تسألني ما الفرق بين القول بالتشابه والقول بالتأثر أقول إنه كبير جدا. ذلك بأن المجتمع الخارجي هو بالنسبة لي كتاب ومجتمعي هو الحقيقة والعملية الفكرية هي حواري مع الواقع وليست حوارا مع الكتب. هذا الفهم هام جدا في ممارسة العمل النقدي. وهو هام كذلك لممارسة نقد العمل الفني.
هذا النقد هو بلورة لتلقي الجمهور وليست قوة مفروضة من أعلي. وهو يعزل العناصر المضافة إلي العمل الفني من خارج التجربة اليومية المعاشة ثم يمارس تقييم محاولة السيطرة علي التجربة من قبل العمل الفني ويلاحظ العسر الذي مرت به أو الاضطراب أو الشعور الفردي أو الذي يغلب شعورا غير شامل في المجتمع أو يفسر العملية الاجتماعية تفسيرا خاطئا.
وعلي ذلك تبدو كلمات مثل الرومانسية والبرجوازية وغير ذلك من المصطلحات غير منطبقة تماما علي العمل الفني. إن هذه مصطلحات تدل علي تجارب فنية واجتماعية نشأت في غير مصر ولها تاريخها ومعناها الدقيق الذي لا ينطبق أبدا تماما في تفسير عمل فني مصري.أري أن النقد الذي يستعملها يعرف أن الجمهور القارئ غير عالم بها تماما، وهو يقوم بتطبيقها علي العمل الفني استسهالا وتغاضيا عن الفروق التي تنشأ من هذا التطبيق.
إن ما في (زينب) مما تسميه رومانسية ليس رومانسية، إنه شئ يشبهها لكنه ليس هي، تسألني ما هو... أقول لك أنت الشاب الفتي القوي الأمين لماذا تطرق الطريق السهلة وتطلب من العجائز أمثالي أن يشيروا لك علي الطريق الصعبة... صغ لنا كلمة جديدة يا رجل... فإن لم تجد فصف الحالة وصفا دقيقا ولو في كلمات كثيرة... لكن لا تطلب مني أن أصدق أن الرومانسية الأوروبية فتحت لها فرعا في مصر.
تلك ملاحظة علي الكلمات ربما تكون غامضة غموضا لم يضايقني كثيرا لأنني أدرك أنك ستفهم مني ما لم أقله فأنا أتكلم معك همس صديق محب لا محاورة مناقش يريد أن يبز مناقشه وهذه الكلمات هي كلمات رسالة إخوانية وليست كلمات مقالة أدبجها لأدحض بها رأي خصم يواجهني.
أخطو خطوة أخري فأتساءل عن الهدف العلمي من هذه المقالة. لم يكن من السهل عليٌ أن أراه.. ذلك أنه كان مختفيا وراء بخار هائل لعاطفة ملتهبة فائرة ثائرة. إنني مفتون دائما بالشباب القوي الفائر العاطفة... لكنني أحب منه قبل أن يرفض رفضا نهائيا أن يسأل نفسه مرة واحده وأن يدعني أري أنه سأل نفسه... من ذلك أعطيه الحق في السخط.
العاطفة الساخنة الملتهبة الفائرة تبدو في كلمات مثل (ويحطون الرحال عند زينب أنت تعرف أن زوجتي اسمها زينب ولهذا أحب الاسم وكأن كل ما سبق لا يتعدي كونه مدخلا لهذا الحدث الذي يأتي كأنه ثورة فلكية في عالم الأدب... لا يبررون حكمهم هذا وإن فعلوا فبعبارات مبهمة لا تدخل في باب النقد الصارم وبإضفاء هالة من القدسية علي العمل الأدبي تحول نقدهم إلي ما يشبه الحفل الديني الخاشع فكأننا أمام ولادة عجائبية)
إنك إذن تري النقد المصري كأنه حركة من البله والتأتأة والانبهار من 1914 حتي عام 1979 تاريخ كتابة المقالة وأنه أعمي معصوب العينين يقدس كتابا واحدا ويقيم له (طقوسا) في اليوم ذلك بأنه يصف المناظر الطبيعية المصرية وليست اللبنانية... أليس هذا كثيرا... إنه كثير بل إنه لون من احتقار الشعوب، أعتقد أنه ليس في قلبك ولا روحك شئ منه علي الإطلاق. لكنك قلته ومستمر فيه حتي تصل إلي قمة أرعبتني... أقول بالحرف أرعبتني.
مؤدي المقولة التي وصلت إليها أن النقاد المصريين منذ عام 1914 وحتي عام 1979 تاريخ كتابة مقالتك، لبواعث قومية أقصد إقليمية ظلموا رواية ( الأجنحة المكسورة) لجبران لحساب رواية هيكل وأن هذا موقف ثقافي وجهه السياسي هو اتجاه أنور السادات.
لقد ارتعبت لأن الذي يقول هذا هو بطرس الحلاق الأخ الصديق الذي أعتز به وسأظل أعتز به دائما.
الأمر ليس كذلك يا بطرس... إن كل ما سقته من نقد علي رواية (زينب) أتذكر أنني قرأته لنقاد مصريين... وزينب كتاب صدر في مصر وصدرت غيره من 1914 وحتي الآن آلاف الكتب، عشرات منها كانت هامة وهذه الكتب صادفت الرضا والقبول والسخط... والمصريون شعب ينكر.. يخطئ ويعيب... لكنهم ليسوا بالصورة التي تصفهم بها والسادات ليس وجه مصر... أحيلك علي تصريحات الساسة الإسرائيليين في هذا الصدد.
نقطة أخري أثارت حيرتي هي ما تقوله من أن المغاربة كثيرا ما شكوا من أن المشارقة لا يأخذون الجهد العلمي في اعتبار جاد...فعجبت لأن موضوعك موضوع مشرقي خالص هو نزاعك في قيمة (زينب) وإيثارك (الأجنحة المكسورة) عليها... الأمر أمر لبنان ومصر.. فما دخل المغرب... أنا لم أفهم هذا التلميح لماذا ؟
هذا البخار الحاجب من عاطفة ملتهبة (يا أسفي) ضد المصريين حاولت أن أري خلالها القضية التي تناضل من أجلها. فإنه أن تجلس أياما لتقرأ (زينب) وتبحث عن عيوبها ذلك حقيقة لا يستأهل ذكاءك وقوتك... جدير بك أن تصرفهما في شئ آخر.. هذا موضوع مستهلك.. هناك أمر مهم أعتقد أنك كنت تقصد إليه وهو أنك تريد أن تحول الأدب المصري عن اعتقاده بأن رواية هيكل هي البدء وأن (الأجنحة المكسورة) لجبران هي البداية الحقيقية للرواية العربية...ذلك موضوع جيد... والسكة لذلك أن تعقد مقارنة بين العملين والرجلين والبلدين في إطار ثقافة عربية واحدة وظروف عالمية ومحلية في البلدين متقاربة ثم تخرج بنتيجة هادئة قيمة ستجد بالقطع صدي في مصر بين معارض وموافق مما يخضع مرة أخري للبحث العلمي.
لكن الهدف العلمي لديك كان أكثر غموضا من العاطفة المتأججة ولذلك كانت المقالة أقرب شئ بالدعوة إلي تعليق المثقفين المصريين علي أعمدة النور في باريس فهم يجعلون (زينب) بدء الرواية العربية ثم يعقدون صلحا مع إسرائيل.
هذا الغموض في الهدف العلمي في المقالة وتأجج العاطفي فيها حدا بك إلي استخدام لغة غير أكاديمية، لن أضرب لك أمثلة عليها فهي شائعة في كل سطر. ثم حدا بك مرة أخري إلي الكلام باستخفاف شديد عن يحيي حقي وعن عبدالمحسن طه بدر. هذان رجلان أحبهما شخصيا... من كل قلبي لكنني لا أنصب نفسي مدافعا عنهما ولا أحسبهما أيضا في حاجة لهذا الدفاع إزاء مقالتك... لكنني أتصور أن ثمة ما يسمي بالأسلوب الأكاديمي... وثمة ما يسمي بالزمالة في العلم... وأنت وبدر أساتذة في الجامعة...وإذا أخطأ بدر فمن حقك أن ترد عليه من غير أن تفترض أنه متعصب أو ضيق الأفق أو.....إلخ!
ثم إذا صادفت كلمة (النقد الصارم) علمت عليها بالأحمر في صدر رسالتي...ولم أفهمها جيدا....ما هو النقد الصارم ؟... إنني أفهم أن النقد عملية فكرية محلها العمل الفني تهدف إلي تعميق وعينا بالواقع من أجل السيطرة عليه...هذه العملية ينبغي أن تكون مخلصة عميقة جادة بصيرة... لكن صارمة ما معني هذا ؟!
أم من قبيل النقد الصارم مقالة فيصل دراج (المناضل الفلسطيني) الذي سماني عبدا ورواية (محاولة للخروج) ثقافة عبيد... أمن قبيل النقد الصارم مقالتك التي تنتقد فيها رواية (زينب) ثم تتهم النقد المصري بضيق الأفق.
القضية أخطر : ما يهدد الناقد هو إساءته لفهم دوره وهناك فرصة نادرة للناقد العربي أن يسئ فهم دوره منابعها : أولا أنه أكثر اتصالا بالثقافة الأوروبية من الفنانين وهو يسئ استخدام هذه الإمكانية باتهام الجمهور دائما بغبائه رغم أن النقاد أكثر الناس حديثا عن وجوب اعتزازنا بثقافتنا العربية. ثانيا : نتيجة لتفرق التجمعات الثقافية في عالمنا العربي ليس علي أساس ثقافي فكري بل علي أساس التبعية لتجمعات سياسية تكاد تكون قبلية مما يستتبع أن يكون الناقد العربي لديه إمكانية وصول هائلة دون أن تكون فكرته ذات وزن كبير. ثالثا : أن السلطة في عالمنا العربي وسادتها الخوف والمثقفون أكثر الناس مهانة في عالمنا والواحد منهم يريد أن يثير رعبا فيما حوله عله يصل إلي شئ من السلطة حتي ولو موهوم.
إن قراءة المقالة أحزنني أقول لك الحق... لكنني كنت دائما واثق أن بطرس الحلاق ليس هو هذه المقالة.... إنه شئ أكبر وكل ما في الأمر أن حمية الشباب لها بعض الأحيان مسالبها.
هذه الحمية حملت المقالة بطاقة من العاطفة أفسدت لغتها العلمية وبناءها العلمي وضيعت هدفها حتي حولها إلي هجوم صارخ لا لزوم له علي رواية ضعيفة دون أن تقول لنا لماذا هي ضعيفة كرجل قوي عظيم القوة ينهال لكما علي رجل مريض فلا يثير في الناس إلا الشفقة عليه وهو كان يريد أن يبرهن علي مرضه، ثم اتهام العروبيين بالشعوبية وهو إتهام كل ما يثيرني فيه أنه من صديق يعز عليٌ أما لو جاء من غيرك فلا يهمني.
أتذكر أنه كانت مقررة عليٌ في الثانوي رواية (نداء المجهول) لمحمود تيمور وهي رواية تدور في لبنان وشخوصها لبنانيون وكلها تمجيد في لبنان... لماذا لم تلغ هذه الرواية ويفرض بدلها (زينب) التي تمجد الطبيعة؟!
حكاية تافهة حكيناها لك مداعبة... سامحك الله
تحياتي لك ولأستر ولإياد وتمنياتي لكم بالصحة والسعادة....تحياتي لبرهان ولكل من يسأل عنا.
أرجو أن تعمل علي نشر (سطور من دفتر الأحوال) وإن فكرت في الكتابة لي فليكن في خطابك سطران عنها.عبدالحكيم
|
|
|
|