|
|
| السنة - | 597 | ه - العدد | 1425 | ذو القعدة | من | 7 | - م | 2004 | ديسمبر | من | 19 | الأحد |
|
 |
| بتوقيت القاهرة |
 |
03:49:21 ك |
 |
الساعة - |
 |
18/12/2003 |
 |
آخر تحديث يوم |
|
| البستان |
 |
|
|
الوجاهة ليست من نصيب الفنان
إلي سامي خشبة
برلين الغربية مساء الاثنين 13/3/1978
أخي سامي
في خطابك رنة الحديث عن الأيام الخوالي، أتراها تعود والشباب؟ إنني لأحس الفرح ويندر أن تكذبني الرؤيا. أكتب لك من مساء برليني عجيب، ومن موقع الخدمة، فأنا أعمل حارسا ليليا في قصر شارليتنورج، وهو تقليد ألماني لفرساي، ومحتوياته تقل عظمتها عن اللوفر ولكن ليس كثيرا. فإن تر هذا القصر وتعاين كنوزه ذلك رائع. أتمني أن تتجول فيه ليالي بطولها، وأن تقف أمام كل قطعة علي حدة حتي تنسي نفسك، ثم تمضي عنها، ثم تعود إليها، فإن هذه التجربة شئ لا ينسي.
كنت قد اتصلت حالا بالبيت، كما أفعل كل مساء من الوصول للعمل لأطمئن عليهم، وثرثرت قليلا مع خيرية، لم تكن مصادفة سعيدة لها أنها لم تجد محلا علي الطائرة المسافرة الخميس 9 / 3 واضطرت للبقاء إلي الخميس 16 /3، وأعتقد أنها لم تسعد بذلك كثيرا بسبب الزوج والعمل والعيال، لكننا سعدنا بوجودها بيننا، ومن ناحيتي وجدت بيني وبينها قرابة غريبة، قرابة أبناء القري الريفيين القدامي، وأعتقد أنها المرة الأولي في حياتنا وفي حياتها أيضا فيما أظن أن يقترب منا إلي هذا الحد من لا تجمعنا به قرابة، وسوف نفتقدها بعد سفرها كثيرا، وسوف يظل لها عندنا مكانة الأخت العزيزة.
أضع أمامي خطابك الأخير، أقرأه وأحس من خلال ما حكته لي خيرية عن دوامة العمل التي تغرق فيها، ويثير إعجابي حقيقة انشغالك بموضوع نظري علي جانب كبير من الأهمية هو البحث عن مفهوم قومي خاص بنا للدراما، وإنني لشديد الحماس لعملك هذا، ويسعدني أن نتبادل حوله الرسائل، وإن كنت لم تشر له في خطابك إلا عابرا، إلا إنني فهمت أنك تغرق في ركام من أعمال فنية وروائية وأنَ في حسبانك الابتداء بالسيرة الهلالية وسيرة الزير سالم، وهذا منهج صحيح إلا أنَّ لي تحفظين، وقد تعجب من تحفظي وأنت لم تقل شيئا تقريبا، الأدني للصواب أن تحفظي وارد علي تصوري أنا للموضوع:
واحدة: أن السيرة الهلالية والزير سالم من جنس الملاحم تقريبا والبحث فيهما عن مفهوم الدراما قد يكون مضللا.
الثانية: إنني أري أن يكون البحث عن مفهوم للدراما في أعمال مصرية بحتة، أقول هذا رغم علمي أنك تعني السيرة الهلالية والزير سالم في صياغتهما المصرية، لكنني أجد أن تاريخ الأدب المصري يبدأ بالشعر الجاهلي عند كثيرين، والصحيح أنه يبدأ بحكاية الفلاح الفصيح مع ملاحظة الزمن وما صار بمصر من تغيير العصور واللغات والديانات.
والشعر الجاهلي بدء رديء ومغلوط لتاريخ الأدب المصري، وحتي القرآن، وإن كان عاملا عظيم التأثير علي عقليتنا ولغتنا وكثير من مفاهيمنا وتصوراتنا.
ولا أدري إذا كان هذا سياق منطقي لكنني أمضي إلي ما حكيته لي عن الأبنودي وجهده العظيم في جمع السيرة الهلالية وإذا كنت لم أفطن تماما إلي ما يريد بعمله هذا إلا أنني أظن أنه يحاول أن يكتب ملحمة.
ولست أزعم أن ظني هذا صحيحا، كما أنني لا أستطيع أن أصادر علي رغبة الأبنودي في كتابة ملحمة، لكن من حقي أن أتشكك كثيرا في عمل كهذا، وألا أتوقع أن يثمر خيرا كثيرا.
الملحمة قد اختفت تماما من الأدب الغربي كما تعلم في العصور الحديثة، بل إنها لم تظهر في الأدب الإنجليزي أو الألماني أصلا إلا في صورة هزيلة بالمقارنة إلي جلالها في أدب الإغريق أو عند الفرس أو الهنود وأنت سيد العارفين بهذا ولقد حلت الرواية الآن كجنس أدبي محل الملحمة التي لم يعد الذوق الحديث ولا قيم المجتمعات القائمة تحتملها.هكذا في الأدب الغربي، وهذا الأدب الغربي هو واجهة الأدب في العالم وقيمه ومدارسه ونظرياته هي الحاسمة لكل كتاب العالم. والعالم الشيوعي لم يستطع أن يقدم الأدب (الآخر) وكل ما قيل عن قيم جديدة وعن بطل اشتراكي ورؤيا متفائلة وأشياء من هذا القبيل طار كالهشيم، والنظريات الماركسية في علم الجمال والتفسير الاجتماعي للأعمال الأدبية، هذه النظريات الماركسية دخلت في ظاهرة الأدب الغربي كتيار من تياراته الأساسية و أصبحت مدرسة من مدارسه في التفسير، ويدرك الدارس أنها بذاتها ليست كافية لفهم عمل أدبي كبير.وغني عن البيان أن العالم الثالث أيضا لم يقدم شيئا يخرج عن ذلك الأدب الغربي.
والخوض في التفسير لهذا الظاهرة ممتع، ويسرني أن أتبادل معك حوله الرأي، فعلم الجمال الآن أضيق من هذا، وهو غير ضروري حيث أن القضية لا تحتمل الملاحاة وعليه فإذا كان الأدب الغربي قد هجر الملحمة فلا أظن أن أدبا (آخر) بقادر علي أن يخرج هذا الجنس الأدبي من مخازن التاريخ ويعيد له بهاؤه وقدرته علي القول، لكن حيث أن الله لم يصدر عنه بيان بانهيار عصر الخوارق، فربما كان الأبنودي قادر علي أن يكتب ملحمة وأن يغري العالم بالاستماع إليها.اشك في هذا، وأجد أن السكة التي سلكها جمال الغيطاني في تثوير أهل الوري بما جري في المقشرة وغيرها مما علي شاكلتها، هذه السكة أسلم، فهي لا تبتعد عن الأجناس الأوروبية الحديثة (القصة القصيرة الرواية القصيرة الرواية) لكنها تستخدم شخوصا مضمخة بعطر التاريخ شديدة الثراء وقيمتها الرمزية عالية، وهي حبيبة إلي قلب القارئ المصري وفاتنة إلي قلب القارئ الغريب.
سكة محمد الصادق روميش أيضا، حيث حاول أن يستبعد من لغته الفنية (في قصة الليل الرحم) تماما مصطلح المثقفين، وأن يصطنع خيال ورؤية القرويين للغة وأن يثبت أن هذا قادر علي أن يقدم (في حدود تجربة القصة) عالما شعوريا حافلا وعظيما، وهذا ما فعلة الأبنودي بنفسه إذ يستحضر لغة الناس في مصر العليا ويكتشف جمالها وكمية الشعر فيها وقدرتها علي الوصول إلي قلوب الناس الذين زهدوا لأسباب شديدة التعقيد القوالب اللغوية التي سادت في الأدب المصري مدة طويلة.
وتصوري إذن أن الأبنودي ليس لديه إلا إمكانية واحدة هي أن يفكك هيكل السيرة الهلالية الهائل إلي أجزاء صغيرة يستخدمها في كتابة عصرية، أي أن يحيل السيرة إلي شخوص ولغة ورموز وحوارات يبني منها قصائده أو مسرحياته أو قصصه وأنا أكاد أكون علي يقين أن الأبنودي بحسه المرهف سوف يصل، أو ربما يكون قد وصل فعلا إلي مثل هذا الحل من خلال معاناته للكتابة، ومن خلال معاناته للقراءة أو الاستماع.
ومن المؤسف أن أقول أن الأبنودي سوف يصل إلي حل قضية الذاتية، قضية الإبداع عنده، سوف يصل إلي الحل بنفسه، وكان المفروض أن يكون عونه في ذلك حركة نقد قصائده موجها في الحياة الثقافية المصرية، لكن الأمر مؤسف وحركة النقد باهتة وفقيرة، وأنا أري أن هذا طبيعي من ذات المقدمة التي انطلق منها، فإذا كان الأدب المصري لم يخرج بشكل عام عن الأدب الغربي عجزا، إلا أننا في ذلك نجد فارقا في الإنشاء والنقد ونجد أن الأخير صورة باهتة لمدارس النقد والتفسير في الغرب بينما الإنشاء استطاع أن يتمايز ولو إلي حد قليل.
فإذا كان الراوئي المصري والإنجليزي مثلا يستخدمان الشكل الفني نفسه، إلا أن كلا منهما يستعرض واقعا مختلفا، لكن الناقد المصري وهو يفسر أدب بلده يستخدم أدوات النقد الغربية، وهو لهذا باهت وفقير وعاجز عن القيام بدور قيادي في عملية الإبداع ومن هنا تكون مسئولية الفنان في مصر أن يتخذ لنفسه وعلي قدر جهده نظريته النقدية ومفهومه الجمالي وسائر العدد المطلوبة، وهو كثيرا ما يخطئ وكثيرا ما ينقطع نفسه ولا يكمل سكته الفنية (يوسف الشارونيعادل كامل........وكثير) وكثيرا ما يكرر نفسه حتي تصبح قادرا علي التنبؤ بما سوف يقول.
وفي موضوع الكتابة بالعامية شعرا ونثرا، والشعر علي وجه الخصوص، رغم أن هذا الشعر كثير جدا، ورغم أن لدينا شعراء عامية مجيدون (جاهين حداد الأبنودي حجاب وغيرهم كثير) ورغم أن الشعر العامي في مصر قديم جدا، رغم هذا نجد أن الأعمال النقدية والتنظير و الترشيد والتنبؤ كل هذا فقير فقرا مدقعا.
قيل إن مفهوم اللغة العامية حتي الآن لم يتناول تناولا علميا حقيقيا (في حدود علمي ) وليس فيه سوي رسائل دكتوراه مضجرة تتكلم عن العامية كدسيسة من الاستعمار لمحاربة القرآن الكريم، وإذا كان الأمر كذلك فإن حركة الشعر العامي تأخذ شكل التجميع الحرفي ولم تتحول إلي تيار يخصب ثقافتنا وخيالنا الفني.
أنني أحيَّ في الابنودي اتجاهه للدراسة الأكاديمية، إنها تعبير عن احتياج الفنان المصري لان يعرف بنفسه لأن النقد لن يقدم له ما ينبغي أن يقدمه للفنان من ترشيد وتبصير، فلنسأل أنفسنا ماذا قدمت مقالة لويس عوض عن أمل دنقل لهذا الشاعر، لم تكن سوي إعلان غال الثمن في الأهرام وسع شهرة أمل ، وقدم له علي سبيل المنحة من لويس عوض بعد إلحاح ناس كثيرين عليه... هكذا..وعلي هذا الشكل حالات كثيرة.
شئ في الأبنودي أقوله لك وأنت تعرف ذلك هو حبه الشديد للشهرة وللمال وللتقرب إلي السلطة ولا ألومه كثيرا، فالوجاهة في مجتمعنا ليست من نصيب الفنان مهما كان إبداعه إلا إذا أضافت له السلطة من لدنها شيئا، وأنا في الحقيقة بيني وبين نفسي ابتسم، إن الابنودي ريفي ماكر وهو فنان حقيقي وهو في ظني علي قدر من الموهبة اكبر من ضعفه، بل قادر علي تجاوز هذا الضعف وأن يحقق شيئا.
لقد ثرثرت كثيرا، أرجو أن تكون لديك طاقة نفسية علي هذا الخليط من الأشياء، وأن تعذرني فإن الحديث مع الأصدقاء مازال يلذ لي، وأنا هنا أعاني من الوحدة والضجر وعليه فإنني فرح جدا بقدومك في هذا الصيف وسوف أرتب مع خيرية الوسائل الكفيلة بجعل إقامتك في برلين الجميلة مثمرة وممتعة.
سوف تحكي لك خيرية (بالتفصيل الممل الذي عاشته معنا) إنني حصلت علي منحة دراسية صغيرة، ولن أضطر بعد ذلك للعمل لكسب عيش، وسوف يكون لدينا عند حضورك كثير من الوقت لأنفسنا، في انتظار أن تقدم إلينا أو أن تكتب لي. لك ولكريم ولحسين شعلان كل حبي وتحياتي.عبدالحكيم
|
|
|
|