|
|
| السنة - | 597 | ه - العدد | 1425 | ذو القعدة | من | 7 | - م | 2004 | ديسمبر | من | 19 | الأحد |
|
 |
| بتوقيت القاهرة |
 |
01:44:18 ك |
 |
الساعة - |
 |
18/12/2003 |
 |
آخر تحديث يوم |
|
| ساحة الإبداع |
 |
|
|
لا شيء يومِض في هذه المدينة
خالد الرويشان
رائحة غريبة تملأ المكان .
المكتب بسيط وعتيق ، أوراق متناثرة ، أزهار صناعية فقدت ألوانها ، نسيج عنكبوت في أحدي الزوايا أثقله غبار متراكم . ¢ راديو ¢ قديم قابع علي طاولة صغيرة لا يبدو أنه نطق منذ سنوات . علي الحائط صورة تكتم أنفاس المكان ، مرسومة بالرماد ، تمثٌل كائنا متعدٌد الرؤوس والذيول ، في كل رأس عدة عيون ، وكل عين تري في اتجاه .
بتثاقل ، فتح درج مكتبه ، أخرج أوراقا وضعها أمامه ، فتح درجا آخر ، وأخرج ختما وضعه بعناية ، أصابعه الرشيقة تشرع بفرز الأوراق ، يرفع وجهه بحركة حذرة ، أتأمل الوجْهَ فتلمعج بروقج الذاكرة .. أعرف هذا الوجه ! أجعيدج التحديق ، إنه هو ، لا شيء تغيٌر فيه ، فقط هزةج الرأس الآلية تلك كأنها تعمل بالزنبرك . كما أن عنكبوت الزمن قد نسج تجاعيده علي ملامح الوجه ، الذي كان يوما ، طافحا بطفولة الأحلام ، ومنعما بشباب المواعيد .
الأصابع الرشيقة ما تزال تعمل بدقة وحرص ، ومرة أخري ، تلمع بروق الذاكرة من بين تلك الأصابع ، وتتطاير حولها ذرات الطباشير الملونة .
كانت الحصة الأولي ، وكان أنيقا كعادته . بدا جادا متجهٌما ، اتجه صوب السبورة ، ورسم دائرة كبيرة وأخري صغيرة ، ثم ثالثة أصغر . لوٌن الدوائر بالأحمر ، والأخضر ، والأصفر .
كتب بجانب كلٌ دائرة علي التوالي : الشمس ، الأرض ، القمر . التفت إلي تلاميذه ، واجههم صامتا . تحوٌل تجهٌمه إلي ما يشبه الحجزن .
¢ تعرفون ما حدث البارحة "
قال وهو يتقدم خطوة إلي الأمام :
لقد كان مجرد خسوف عابر . أضاف وهو يشبك أصابعه الملونة . وابتسمت السخرية علي وجهه وهو يقول : ¢ لم يلطمه أحد . ما حدث ، هو أن ضوء الشمس حججب عنه لبضع ساعات .. وكما ترون هنا علي السبورة .. ¢
تذكٌر التلاميذ ليلة الفزع الفائتة . فما تزال أصوات الرجاء بالدعاء في آذانهم وهي تطلب الرحمة للقمر الجميل الذي أمسي فجأة قاتما كرغيف محترق . ليلتها ، لم يَبْدج أن القمر اهتم أو حتي سمع نحيب النساء والأطفال يشقٌ صمتَ الليل البارد . كان مشغولا بنفسه ، فأثرج اللطمة واضح علي وجهه ، ولم يكن أحد يعرف سببا للعقاب الذي أنزل عليه . بيد أن ¢ سيدنا العزٌي ¢ قال إن خطيئة ما كان قد اقترفها القمر ، وإن اللطمة هي العقاب . كان ذلك هو ما حمل المدينة علي التعاطف مع القمر الذي يداري وجهه بين السحب خجلا وحزنا ، لكن المدينة تراه . شاء أم أبي . تراه وتشفق عليه ، وتدعو له . ولقد سَفَحَتْ من الدموع ما يكفي لأن تغرق فيها خطايا القمر والأرض معا !
وينتصف ليلج المدينة ، وقمرها ما يزال في دياجير محنته . وبدا أن الدموع تبخٌرت في فضاء من اللامبالاة ، وأن بكاء الأمهات وصراخ أطفالهن تبدٌد في آفاق من اللاجدوي . ويقترب القمر من سحابة كالجبل الكبير ، فتطويه في غياهبها ، وحين يغوص في جوفها ، يغوص قلبج المدينة في جوف الفزع الأسود .
وتقلب المدينة وجهَها في سماء الصمت ، باحثة عن قمرها المغيٌب ، فلا تزداد إلا شعورا بالحزن والفجيعة ، وتترقب الأعين سحابة الظلام علٌ القمر يخرج من بين أعطافها فلا تري بارقة ضوء .
بجحٌ صوت المدينة ، وتعبت عيناها ترقبا ولهفة لقمرها المكتمل بوجهه البهي الساحر . وتناقلت الألسن ما قالته العمة ¢ سعود ¢ من أنها تسمع تأوهاته وهو يجلد خلف تلك السحابة .
وفجأة أطل القمر ، كان مكتملا . ولكنه كان ملطخا بالرماد . وما يزال معتما . ولم تنم المدينة ، بل ظلت شاخصة بأحداقها المتعبة صوب قمرها راجية عودة سَناهج ، واكتمال بهائه .
الأصابع الرشيقة ما تزال تعمل بدقة وحرص ، وبروق الذاكرة ما تزال تلمع من بين تلك الأصابع ، وعنفوان ضحكته يضجٌ وهو يجري خلف الكرة ، ويجري خلفه التلاميذ فلا يدركونه ، ويزوغ بالكرة ، ويتراقص أمامهم فلا يتعب ولا يتعبون .
في تلك الصباحات المشرقة ، كانت وعود صوته النديٌة تنثال في حوش المدرسة الواسع ، وهو يرتجل كلمة الصباح ، ثم يجلس إلي ¢ البيانو ¢ الأخضر الصغير ليعزف نشيد بلاد العرب أوطاني ، ولتعزف معه قلوب وأكفٌ تلاميذه .
ما يزال الوجه منكفئا ، أتأمل صورة الكائن متعدٌد الرؤوس والعيون والذيول فتحتلني الوحشة ، وتصفق في صدري أجنحة الخوف . كائن مرعب ، متورٌم بالكراهية ، وعيونه تنطق بالصٌمم .
أنظر إلي الوجه المنكفئ أمامي ، فألمح قطرة عَرَقي تتكوٌر منحدرة من عارضِهِ الأيمن ، وأمام شحمةِ أذنه تقف حائرة لبرهة ، .. ثم تواصل انحدارها لتمتصها ياقةج القميص . يبدأ في إمضاء الأوراق بعد فرزها ، يختمها بالخاتم الحديدي الكبير . يضع الخاتم متبرٌما ، ويحاول أن يتنفس فلا يستطيع ، كأن المكان محتقن بغاز الضيق ، مزدحم بالأشباح والكوابيس .
الرائحة الغريبة تملأ المكان ، شعور جارف بالاختناق يسيطر علي كل شيء .
وفجأة يهتزٌ الحائط ، يرتعش الكائن المرعب ، تهتز الرؤوس وتتحفٌز الذجيول . أحاول أن أصرخ ، تتلاشي الصرخة وسط أنفاس الخوف والترقب . تنقضٌ الرؤوس والذيول علي بعضها . تسقط رؤوس . تعلو ذيول . تعلو رؤوس . تسقط ذيول . قهقهة كالعويل ترجٌ المكان .
يتناثر الحبر الرمادي من جسم الكائن المرعب . يعوم المكان في بحر من الحبر الرمادي ، تطفو رؤوس وأنياب مهشٌمة ، ينساح الحبر من النوافذ . تسقط شلالات الرماد فتغطي الأرصفة والطرقات . أخرج هاربا لأجد أن أسماء من الرماد تطبق علي المدينة . كائنات رمادية تقبل وأخري تدبر .
الرماد عالق في النوافذ والأبواب والعيون . العتمة تسد الجهات الأربع . لا شيء يومض في هذه المدينة . وحدها تلك الأصابع الملونة ما تزال تبرق في مغارات النفس ، وحنايا الضلوع .
وزير الثقافة والسياحة اليمني
|
|
|
|