دليل المواقع الاشتراكات الإعلانات دفتر الزوار United States Mirror Server United Kingdom Mirror Server Egypt Mirror Server
السنة -597ه - العدد1425ذو القعدةمن7- م2004ديسمبر من19 الأحد
بتوقيت القاهرة 02:02:33 ك الساعة - 18/12/2003 آخر تحديث يوم
      ساحة الإبداع
الخطوط العريضة
عبدالصبور بدر

(1)

بيوت متلاصقة، متباعدة كرسومات أطفال لا يجيدون الرسم، مائلة كأنها ستقع بعد قليل. شوارع ضيقة موفورة بالتراب المخلوط بالقش والماء وريش الدجاج ورماد الفرن والأكياس الفارغة المثقوبة، وأطفال يلهون بالعصي وإطارات السيارات البالية، حفاة بملابس ممزقة فقدت ألوانها بعد أن تراكم عليها الوسخ، يتقافزون، يصرخون، ويتمرغون في التراب الناعم الذي يصير طينا لزجا حين يمس وجوههم ومخاطهم السائل، ونخيل طويل يتمايل وينتشر في الزروع أو يقف في الشوارع أو يطل من أعماق الدور. نخيل يهدد به أمشير الناس حين يضربه الهواء فتتماوج جذوعه وتزيق جذوره فيهرعون من تحته وهم يسحبون بهائمهم أو يسوقون أنعامهم.
فؤوس ممددة علي أعناق رجال يبكرون في الصحو، يسيرون بأقدام مشققة وكفوف ميتة الجلد، فؤوس ستعمل بعد قليل حتي تغيب الشمس فيعود بها أصاحبها ليركنوها في السقيفة بجوار أجولة السماد وجرار الماء.
زروع ممتلئة بأشجار الموز والقمح والشعير والبرسيم والجراد والفلفل والباذنجان والكرنب والطماطم والذرة والسيسان والعنب والحراز والسنط والدفرة مقسمة بنسب غير متساوية ينتشر فيها الأخصاص والحيات والفئران والسحالي والثعالب والشوك المدبب.
سوق أسبوعي مكتظ بالناس والبضائع والثمار والسيارات القديمة والنساء العجائز والمراهقين يبيعون فيه أجود ما عندهم ليبتاعوا بثمنه كناسة ما تبقي.
مآتم ممتدة برجال يروحون ويجيئون وأيديهم معقودة خلف ظهورهم. يشقون جلاليبهم ويمخطون في مناديلهم ونساء متشحات بالسواد يصرخن ويولولن وهن يشوحن بمناديلهن فوق رؤوسهن. خيام تستقبل المعزين علي دكك مفروشة بسجاد رخيص. علي ظهورها مساند محشوة بقطن مغشوش وصوت مقريء يتلو آيات الله فتخرج من بوق أثري بين فروع شجرة.
أفراح قصيرة يجمع فيها الرجال السجائر ويوزع عليهم الشاي في أكواب قصيرة ضحلة وهم يستمعون الي الربابة ويثرثرون عن أحوالهم المعطوبة ونساء معزولات بالقرب منهم ترتدي المراهقات منهن ملابس بألوان غير منسجمة ومتزوجات يطلين وجوههن السمراء بمساحيق رخيصة فتصنع كيمياء الألوان في وجوههن لونا آخر بغيضا، وعجائز ضامرات بلا أسنان يحشرون أقدامهم في أحذية بلاستيكية مقطوعة فتبدو سيقانهن كعظام متربة.
مدرسون احتفظوا بملابسهم التي تقاوم الزمن، في أيديهم دفاتر وعصي وعلي رؤوسهم طواقي وشمل وفي جيب قميصهم قلم أحمر بارز وفي جيب البنطال منديل متسخ.
ضريح لشيخ قيل انه من بغداد يحلف به الرجال والنساء والأطفال والشيوخ ويدعون ببركته في كل طلب يستعينون به علي من ظلم ويحتفلون به ليلة كل عام تطبخ فيها البيوت اللحم والدجاج ويشترون فيها الفول السوداني ويلعب فيه الأطفال بالزمامير والمسدسات والطراطير والكور.
عائلات تتشاجر ورجال شرطة يقتحمون عليهم دورهم في الليل ويصفعونهم علي أقفيتهم ويجرونهم أمامهم وهم يسبون أمهاتهم ويلعنون آباءهم.
أناس بوجوه منتفخة وأوداج محمرة وبشرة بيضاء صافية، لهم أسنان منتظمة وجلاليب مكوية مضمخة بالعطور بداخلها كروش ممتدة يتحدثون فيصمت الجميع، يأمرون فيطاعون، يتعاركون فينتصرون يعيشون في أبنية خرسانية بشرفات ملونة وأعمدة ملساء مدورة وستائر من خلفها نور نيون ونساء جميلات. هم الأسياد يملكون حوانيت في المدينة ويبيعون التمر في العاصمة وأمام بيوتهم جرارات وسيارات صغيرة مغطاة وحوش يربي فيه جواد أو مهرة أفراحهم كمولد الشيخ تقطع فيه رقاب البقر ومآتمهم يأتي اليها الضباط والعسكر وضيوفهم غرباء بسيارات تلمع.
ليل ساكن معتم بأبواب مغلقة وضفادع تنق وكلاب تنبح وعفاريت تتعملق.

(2)

حتي هذه اللحظة لا أعرف من الذي أعادني للبيت.
استيقظت فوجدت نفسي ­ فجأة ­ راقدة علي الفراش ارتدي بيجامة، نظرات أمي وأبي وشاهر مصوبة علي وجهي وحزن طازج يثمر في الوجوه الثلاثة. بدا وجه أمي متوهجا بحمرة بكاء يشتد احمراره كلما تجمعت الدموع من نواحي عينيها المحمرة أيضا. الهاتف الصغير لا يكف عن الرنين في يد أبي، الذي يتحدث بعصبية زائدة، يهدد، ويتوعد، وشاهر جالس علي المقعد في جمود صنم يحدق في وجهي بأسف وخجل واستياء.
'ظلام حالك يدثر المشهد وبقعة ضوء مدورة علي وجهه وهو يقترب مني في إصرار، ظننت في البداية انه لص سيخطف حقيبة اليد ويعدو بكل عزمه، فقدمتها اليه حتي أتفادي منطق اللصوص وعقوبتهم الفورية لمن يبدي أمامهم الشجاعة.. عيناه العسليتان توحيان بالطيبة المطلقة وارتعاش جسده الواضح يدل علي خوف صادق....'
­ كيف حالك الآن يا بونا!
شعرت بألم حاد بين فخدي فأدرت وجهي للناحية الأخري. خرج شاهر من الحجرة تزييق الباب صنع شرخا ممتدا في حائط الصمت الصلد. انحني أبي ليقبلني علي جبهتي وهو يمسك بيدي ويضغط عليها برفق، وحين صرخت اكتشفت كمية الخدوش الممتدة علي ذراعي. كان علي أن انهض قليلا لأعرف بدقة مكان الكدمات المنتشرة علي جسدي.. اندفع أبي وهو يغمغم بكلمات غير مفهومة وخرج أيضا.. أخذت أمي تمسح بيدها علي شعري.. وشعرت أنه سيعود ادراجه حين توقف قليلا، كنت أراهن علي عسل عينيه وبراءة وداعتهما، احتميت بهما منه وأنا أتراجع، لكنه حاد بنظراته إلي شيء آخر غير عيني فخسرت الرهان في لحظة غير مفهومة، لم أصدقها، ولم احتمل صلابة جسده الحديدي فهويت علي الاسفلت الصلب وهو فوقي.. يحاول تمزيق البنطلون بنحافة أصابعه الطويلة.. أغمضت عيني لأوهمها بأنني استأنف النوم، غطتني وخرجت، أزحت الغطاء و جلست، لم احتمل ثني الجلد الذي يزيد من ألم الكدمات، استرخيت.. وكنت اصرخ بشدة كلما فشلت في العثور علي عينيه، وحين وجدتهما صوب إلي تلك النظرة التي جعلتني متأكدة بأنه لابد أن ينهي ما بدأه. فطنت انه اختياره الوحيد، فاستسلمت له!
لقد كان مؤدبا بما يكفي لامرأة أن تعرف ذلك، داور وجهه في خجل وهو ينتزع القطعة الأخيرة.. بعدها غبت عن الوعي.
كنت متأكدة أن شيئا ما سيحدث في هذا اليوم، أغلقت الهاتف في وجه طارق وجعلته مغلقا طيلة اليوم فلم أحس بفحيحه يملأ أذني. ماذا سيكون شعوره حين يعلم أن رجلا ما اغتصبني في غفلة منه، لابد أنه سينهي ارتباطه بي. لقد نجح صاحب العيون العسلية في هدم المعبد، فهل يكون غريمه أو مأجور من غريمه؟؟ ليذهب الجميع إلي الجحيم!
يدهشني أنني لا أحس بضيق أو فزع مما حدث ولولا هذه الكدمات التي تؤلمني لرقصت من فرحة مؤكدة متدفقة في روحي.. الآن باستطاعتي الاستمتاع بوحدة طويلة تعصمني من رؤية طارق، يمكنني أن أمزق صورة خالد في رضا. مسكين هذا الشاب الذي اغتصبني حقق لي كل ما تمنيته ولم ينل سوي الخسارة.. ربما هو الآن محتجز في قسم الشرطة، يحققون معه، ويلهبون جسده ضربا.. ماذا ستفعل ضرباتهم في جسد حديدي لا ينثني!؟ لابد أنه كان مستعدا لتلقي جزاء ما فعل، ربما يكون الجزاء جائزته التي سعي إليها وهو الآن ينالها بلذة.. أحيانا كثيرة يكون الألم هو العلاج الوحيد لألم أكبر.. فلتنعم يا صاحب العيون الرائعة بعقابك منهم، مثلما انعم أنا بعقابك لي.. سيلقونك في السجن، لكن السجن لن يمتد بدون محاكمة عادلة.. لكن.. هل تكفي عيون عسلية لتبرئة رجل من ساحة القضاء!؟
هو الرجل الوحيد الذي فض بكارتي أمام الناس جميعا فعل ما فعل بارادة كاملة منه وربما تم الحدث بارادة كاملة مني، كان شجاعا وجريئا وصلبا، منطلقا كالسهم لا يدور ويلف ويلدغ كالدبور. خالد هو الدبور وصورته التي أمزقها الآن بكامل ارادتي كانت مستوطنة قلبي كيف رضيت ­ كل هذا الوقت ­ أن يكون قلبي عشا للدبابير؟ من حطامي سأبني عشا جديدا يزقزق فيه عصفور بريش ناعم ملون، وعيون عسلية كما أفضل!
يا صاحب العيون العسلية لم اسمع صوتك؟ هل تجيد الغناء والطرب علي ألحان عينيك الشجيتين!؟
من جديد فتح الباب، دخلت أمي، أضاءت المصباح اقتربت مني.. سأحتمي بالاكتئاب، سأدعي الحزن والفظ دمعتين من عيني.. الآن تبكين علي يا ماما، ما الفرق بين ما كان يفعله طارق في وجودك وما فعله الرجل؟.. هل غشاء البكارة الصغير الرقيق هو ما يهمك فقط؟ ألم يكن ينتزع طارق روحي أمامك؟.. يدوس علي قلبي بسنابك ابتساماته ويجمد عواطفي في ثلاجة عقلانيته؟ يلغي وجودي بوجوده؟ يضعني في إطار مذهب يعلقه علي حائط قلبه؟ قلت لك انه رجل مزخرف: زخرفة بلا ذوق وأناقة بلا جاذبية، وثرثرة بلا تأثير.. حنق شديد يا ماما يملأني تجاهك، من يدك الثقيلة علي البيت.. إصرارك علي خطبتي من طارق رغم اعتراض والدي.
­ البنت ترفضه ياشهيرة..
­ وماذا تفهم هذه الطفلة يا فهمي؟
­ لكنها ليست طفلة.. لبني..
لبني يا بابا رفضت أن تبتسم وهي جالسة علي عرش خطبتها، لم ترقص مع خطيبها مع المطرب المشهور، كانت تشفق علي ضعفك المتواصل أمام زوجتك ­ أمها ­ استحت منك وأنت تعيد علي مسامعها منطقها المشوه بعبارات السلطة والثراء والشهرة. اكتفت بنظرة قصيرة الي وجهك الحنون تستعطفك بها، هي المدللة عندك لماذا تصفعها علي قلبها في قسوة بالغة؟ تجردها من أحلامها دون أن تواري وجهك وأنت تنتزع القطعة الأخيرة؟ هل تدرك الآن يا بابا أن السيارة التي أهداها لي طارق في عيد ميلادي هي التي أوصلتني للميدان وسلمتني لمن اغتصبني بلا مواربة؟ هل أدركت الآن طول المسافة بين قمتكم التي تتشبثون بها والأرض التي يقف عليها الرجل الذي لا يمكن أن ترونه من أعلي؟ إن القمم وحدها هي التي تهوي يابابا!!
­ بونا.. لبني حبيبتي!
آه يا ماما لو تدركين معني الكلمة التي تلفظينها.. فالحب يا ماما هو الصورة التي ترفضين في حسم أن نعلقها علي جدران بيتنا المزدحم بصور المناقصات والمزايدات والعقارات والسيارات ورئيس الدولة الذي يصافح والدي وأنت بجانبه.. تشقين فمك لصنع ابتسامة ثم تخيطينه بعد أن تنصرف الكاميرات!
الحب هو الشيء الوحيد الذي لم احسه تجاه طارق رغم كل أحاسيس النفور والازدراء والعصبية والشقاء والألم في وجوده.. يأتي الي البيت فنجلس سويا معك في الهول الواسع، يسترخي علي مقعده وهو يضع ساقا فوق أخري وبينهما فرجة كبيرة، يثرثر بصوت واهن، أملس، مخجل عن مشاريع والده، وصفقاته التي لا تنتهي، يسألك عن المشروع الاخير لوالدي فتتغلب الأرقام علي الكلمات، ودائما يرن المحمولان في أيديكما فيعلو صوتا كما بأرقام جديدة وأوامر واجبة وأنا بينكما لا أدري ما الذي علي القيام به.. كلمات مقتضبة يمن علي بها صاحب السعادة عن الفيلا التي سنعيش بها وثمن تكلفتها.. يا أبله ماذا سيفيد لو كان القبر فيلا!؟ إن الموتي لا يحسون وأنا بجانبك أحس أني أموت مرات في اللحظة.. اطفيء سيجارك وانهض ­ كعادتك ­ فالوقت معك ثقيل كدمك..
­ أنا ماما يا حبيبتي.. لماذا لا تردين علي!
لم يخف الرجل منك يا ماما، لم يخش نفوذك، لم ترهبه حجم معاملاتك في البورصة، لا يمتلك سيارة فارهة أو محمولا يرسل الصور، لم يعدني بفيلا مسكنا ، ولم يقدم لي ماسا غاليا.. لقد ارادني في لحظة وحقق ما يريد في نفس اللحظة علي أرض جافة صلبة في العراء، لا يملك غير هدومه التي عليه لكنه هزمك بكل بساطته وتواضع مظهره، وضع اصبعه في عينك.. اطمئني يا أمي العين التي لا تري ابنتها عين عمياء. لن يضيف إليها الاصبع المغروس فيها جديدا.
الآن سيخبو وهج النجوم علي كتفي ابنك ­ شاهر ­ ستنكسر عيناه أمام زملائه.. فهل ذهب الآن ليقضي علي الرجل وينهي حياته، حتي ولو محاه من صفحة الحياة، مزق سروالي المتناثرة علي الاسفلت ستفضحكم من جديد أمام الجميع، وميدان روكسي سيشهد بالحقيقة، كل الناس رأوه، فليضرب ابنك الضابط الميدان بطلقات مسدسه ان اراد! هاتفك يرن يا أمي.. ردي عليه..دعك مني فأنا لست رقما تتقنين تذكره وترديده. أما أنا فسأمحو صورتك من ذاكرة الروح وأمحو خالد وطارق وبابا.. روحي الآن خالية من كل شيء. مضمخة برائحة تراب الشارع الذي مرغني عليه ذلك الشاب!
في الماضي كان خالد ­ ابن خالتي ­ صافيا رقراقا كماء النافورات، يأتي الي الفيلا مع خالتي بشورته القصير فنلهو معا بين أشجار الحديقة، نجري علي النجيل المقصوص نطارد الفراشات الملونة. نفرح بالبيضتين الصغيرتين اللتين ترقد عليهما قمرية بنية بمنقار قصير، تطير حين تشاهدنا، وتعود حين نبتعد. وشعر خالد ناعم يطير به الهواء وهو يلعب بالكرة، يحدثني عن مهاراته وتعلق مدرب النادي به، أتفرج عليه وأنا اصفق له واهتف باسمه وحين اعود للبيت اصف لماما وبابا وشاهر كيف صوب خالد الكرة من مسافة بعيدة فعلت في الجو وهبطت لتستقر في الشبكة بينما وقع الحارس ممددا وأخذ يضرب الأرض بقبضته فلا أشعر بنفسي إلا وأنا اضرب طبق السلاطة بقبضتي فيتفرق ما به علي المائدة وقميص بابا الذي ينظر نحوي في تركيز وفم لا يكف عن الابتسام.
فهل يذكر خالد ­ الآن ­ حين دخل علي الحجرة فجأة ­ كعادته ­ فوجدني علي السرير بقميص نوم كحلي قصير، ممدودة علي بطني استذكر، نظرت إلي بزرقة عينيه وأنا أرفع نصف ساق، وأهبط بالنصف ساق الآخر واقضم القلم الذي بيدي ، ندت جبهته وتلاحقت أنفاسه، اقترب وزحفت يده علي ظهري ومؤخرتي فشعرت بتلك الدغدغة ودارت رأسي، تلامست شفاهنا وأنا مغمضة العينين ثم نهرته وأنا لا أود أن ينتهي ابدا فهمس لي بتلك الكلمة التي أودعته القلب.. هل يذكر لون القبعة التي ابتاعها لي من خان الخليلي؟ كلمات الأغنية التي صدح بها المطرب ونحن متخاصران علي ظهر المركب المندفع، ملامح بائع الفل الذي كسا رقبتي بعناقيده، أما زالت آثار الخدوش في ساقه اليمني موجودة منذ أن تسلقنا الهرم. صورته في أول مباراة اشاهدها له في التليفزيون طيرت برجا من رأسي شعره الناعم الذي يتدلي علي عينيه في الشاشة أزيحه بأصابعي. ابتسامته الناصعة محت الليل من ليلي، طيران جسده في الهواء كنت اظنه سيستقر في حضني، زينت حوائط الحجرة بصوره، فظلت الصور معلقة بينما صاحبها في غياب مستمر.. أراه في الجامعة فترات قصيرة محاطا بالمعجبات وقلم صغير بيده يوقع به في دفاتر صغيرة يصوب صاحباتها عيونهم المفتونة نحوه بهيام وتقديس، زرقة عينيه الداكنة لم تعد تشف حنينا كاملا، أصابعه المتشابكة في أصابعي لا تحكي السر، قبلاته صارت نادرة، قصيرة، فاترة، يقبلني كأنما يقبل رجلا، يطول صمته معي وهو يتلفت هنا وهناك كأنه وحيد ينتظر أحدا غيري. حين واجهته بجفاف مشاعره ادعي ثبات وجودي بين ضلوعه بجملة باهتة نمقتها بخيال عواطفي.. يوم ميلادي: تلك الساعة الذهبية التي انفرطت علي الاسفلت الصلب الذي طرحت عليه! قدمها لي بأقمار ابتسامة وسماوات عينيه، لفها حول رسغي وهو يحتضن يدي، في ذروة الحفل بحثت عنه فلم اجده، قلبي البوصلة حدد مكانه، قادتني أقدامي الي الحديقة، تحت الشجرة التي رحل منها القمري منذ زمن يعصر بين يديه صديقه لي وتأوهات متداخلة، متراصة، منطلقة منهما باتجاهي، تصطدم بي، أكاد أن اقع علي الارض ممددة مثل حارس الشباك، تمنيت ساعتها أن أضرب الأرض بقبضتي!
عدت إلي الداخل ورأسي ككرة مصمتة، عيناي مفتوحتان لا تطرف وصفير حاد يملأ أذني، ما إن انتهي الحفل وأغلقت علي باب حجرتي حتي اندفعت الدموع من عيني وبللت وجهي.
ضحكت بملء صوتي حين وقف خالد بجانب ماما متبنيا وجهة نظرها: يصف لي مكانة طارق وشخصيته الفذة!!.. يحرضني علي قبول خطبته، يتحدث باشارات يديه ويستطرد بلا توقف وأنا جالسة علي المقعد، راحتي أسفل ذقني وصراخ محتد، محاصر داخل أوردتي.. وافقت ساعتها لأتخلص منه ومن نفسي.. لكنه كان ملتصقا بقلبي.. ان حاولت انتزاعه سيدمي القلب، وإن ظل علي حاله أشعر بثقله وضعفي.. كنت ادلل طارق حتي أغيظه.. لكن الغيظ لا يصل إليه، ورجل لا يغتاظ رجل لا يحب، رجل لا يتذكر من كان يحب.. رجل يضع سلة مهملات في ركن القلب لينظف له كناس القلب دائما بقع الذكريات.
الفرق بينك يا خالد وبين الرجل الذي اغتصبني أن الرجل خلصني لنفسه، فجعلني مقترنة به للأبد، هو تاريخي وأنا جغرافيته، جعل الخلق جميعا يشهدون علينا، فعل ما أراده أما الجميع غير منكر لما هوي.. صادقا في قسوته جادا في هدفه. انفرطت ساعتك علي الارض فانفك من رسغي القيد، جسده الحديدي طرحني علي الارض فارتج القلب ووقعت صورتك في بئر سحيق.. عيناه عسليتان وعيناك زرقاوان، شعره أكرد قصير وشعرك ناعم متدفق، وجهه يشبه الصخرة ووجهك عجينة رخوة، رقبته طويلة نحيفة ورقبتك ممتلئة مدورة.. ان الرجل لا يشبهك أبدا يا خالد.. ان الرجل ضدك وهذا ما يهمني.. ستملأ الآن صوره الجرائد فيبدأ الناس قراءة الجريدة بصفحة الحوادث: يتأملون وجهه ويتتبعون أخباره بينما يهملون صورتك في صفحة الرياضة.. تفوق الرجل عليك وصارت له شهرة أكثر من شهرتك.. الحلق جاف والريق مر وأنا مستسلمة للألم الذي ينبض في جسدي، هذه أول مرة يصاب فيها جسدي بخدش يا ماما، دائما أطيع نصائحك في السير والوقوف واللعب بحذر وعدم اللعب، شرب اللبن، النوم المبكر، تهذيب أظافري وقص شعري.
­ يا ماما أريد أن اصنعه ضفائر..
­ قصة أفضل
­ ضفائر.. مثل بنات المدرسة!
­ الضفائر تناسب الشعر الطويل
­ إذن اتركيه حتي يطول!
­ وبعدين!
يتعاظم طول شقي المقص أما وجهي فاحني رأسي، يصطك الشق بالشق فاشعر بانك تقصين رقبتي، وحين تتركيني انهض فاجد العروسة بجانبي، شعرها الاصفر يمتد علي ظهرها ضفيرتين، لا يروقان لي!! فأقصهما بالمقص وامددها جانبي وهي تبكي.
قاومت الرجل فشدني من شعري.. طول ذراعه بيني وبينه اوهمتني انه شعري. هذه أول مرة يا ماما تزور فيها يدك شعري بلا مقص، لا تمسحي يا ماما بيدك علي شعري فلا رقة في يديك ولا مسحة منها ستخفف ألم مشاعري.
الألم يا ماما حين يوقظني المنبه، أصحو فلا أدري ماذا افعل واقف أمام المرآة فلا أعرف لمن اتجمل، ارفع سماعة الهاتف بعد أن ألمس بعيني رقم خالد، اخرج من البيت فلا اعرف وجهة تصلح للذهاب غير مكانة، لقد اعتد امكنته، القي السماعة واعود للبيت. ليس من السهل علي أن اتجاوب مع طارق، اتجاوب مع شخص يشبهك يا أمي، يكرر علي مسامعي مصطلحاتك ويعيد طرح نفس أفكارك .. وحين اغضب يسترضيني بك!!
حين نخرج معا يظل مشغولا بمهاتفاته التي لا تنتهي، ومعارفه التي في كل مكان، يتحدث عن مستقبلنا المفروش بالمصانع والشركات والقري السياحية.. وعن ابننا الذي سيولد امبراطورا علي عرش الامبراطورية. ربما يكون الرجل قد وضع في رحمي بذرته واختصر سنوات أحلامه في لحظة. يا طارق انت تخطط وتمهد وتعد وتهييء أما الرجل فقد نفذ بالفعل، ورثت عن أبيك مملكته وتريد أن يرث وليدك مملكتك وهو ­ ربما ­ لم يرث من أبيه شيئا ولا يريد أن يرث وليده شيئا.. هو خلصني منك.


جزء من رواية
تصدر قريبا بالعنوان نفسه

 
العدد الحالي
  الأعداد السابقة
الصفحة الرئيسية
ساحة الأخبار
ضواحي الفضفضة
رسائل
شرق وغرب
البستان
ساحة الإبداع
كتب
أحداث
جسر الحنين
نقطة عبور

أعلي الصفحة إرسل الصفحة إلي صديق إطبع الصفحة إحفظ هذه الصفحة في المفضلة
   دفتر الزوار   |   دليل المواقع   |   الاشتراكات   |   الإعلانات   |   خريطة الموقع   |   البحث   |   الأعداد السابقة   |   إتصل بنا   |   مساعدة   
   الإعلانات المبوبة  |  أكاديمية أخبار اليوم  |  بلبل  |  أخبار السيارات  |  أخبار الحوادث  |  أخبار النجوم  |  أخبار الأدب  |  أخبار الرياضة  |  آخر ساعة  |  الأخبار  |  أخبار اليوم   :شبكة أخبار اليوم   
All site contents copyright © 2000-2002 Dar Akhbar El Yom.
للأستفسار أو طلب معلومات يرجي مراسلتنا علي العنوان التالي
akhbarelyom@akhbarelyom.org

Best viewed with Internet Explorer 4.0, Netscape 4.0 or above with a resolution of 800 X 600 .

Website Developed By: