دليل المواقع الاشتراكات الإعلانات دفتر الزوار United States Mirror Server United Kingdom Mirror Server Egypt Mirror Server
السنة -597ه - العدد1425ذو القعدةمن7- م2004ديسمبر من19 الأحد
بتوقيت القاهرة 11:56:04 ص الساعة - 18/12/2003 آخر تحديث يوم
      كتب
قصيدة تقودنا من منازل القمر في
لندن إلي خرافات الطفولة وحكايا الجدات:

الحياة كسرد متقطع !
صبحي حديدي
تسجل هذه المجموعة نقلة مميزة، وذات أهمية خاصة، ليس في سياق تطور تجربة أمجد ناصر الشعرية الشخصية فحسب، بل علي صعيد تطورات قصيدة النثر العربية المعاصرة بصفة أعم، وفي تفصيل مركزي بالغ الحساسية وشديد الإشكالية: هاجس الشكل إجمالا، وقلق الشكل الراهن تحديدا، ولم يعد خافيا، الآن وقد انقضت أربعة عقود ونيف علي ولادة 'قصيدة النثر' العربية، أن الشكل الذي يسقط الوزن ويعتمد النثر ولكنه يحافظ علي تقطيع للأسطر شبيه بشكل 'قصيدة التفعيلة'، وقع أسير الرتابة والتماثل، وبات ساكنا جامدا محافظا، هو الشكل الذي رفعت له رايات التجديد والتجاوز والحداثة.
وأن إحدي أبرز مشكلات هذه القصيدة هي عزوف معظم شعرائها عن مواجهة سلسلة مفارقات تكتنف هذا الشكل في الكتابة الشعرية: إنها تستخدم النثر، ولكنها لاتعترف تماما بكامل الطاقات الهائلة التي يمكن أن يفجرها هذا الوسيط النبيل اليومي والإنساني والقاعدي، وتطالب بالحرية القصوي، ولكنها تصم الآذان (والأدوات التعبيرية!) عن حركة القيود الحريرية المتينة التي يرتبها النثر في انقلاباته الشعرية، وتهاجم الطبول والصنوج في الوزن، لا لشيء إلا لكي تتمترس خلف خرافة 'الايقاع الداخلي'، كمن يهرب إلي الأمام نحو 'وزن' من نوع ما، ويجحف بحقوق المخزون الإيقاعي والموسيقي الثري في النثر بوصفه نثرا، وهي، أخيرا، تراهن علي زمن ميتافيزيقي يختزن قارئا 'نموذجيا' مصنعا وقراءة 'راقية' وهمية، متناسية أن الزمن إنساني، وأنه زمن القاريء الذي لايمكن أن يظل فأر تجارب إبداعية، ولكنه لايمكن إلا أن يكون حاضنة صالحة لاستقبال توتر القديم والجديد، السكون والحركة، والتنويعات داخل الحركة الواحدة قبل ذلك كله وبسببه.
وفي 'حياة كسرد متقطع' يحاول أمجد ناصر مواجهة معظم هذه المفارقات، وتذليل ما تسفر عنه عادة من عوائق قراءة وإيصال، وتكريس 'أعراف' شكل متفتح ومفتوح في آن، إنه، أولا، ينحاز مباشرة وبوضوح تام إلي النثر كوسيط تعبيري، وإلي شعرية النثر أو الشعر في النثر بالأحري، لكي يكسر دائرة التضاد القاتلة التي وقع فيها الشكل من حيث التسمية والمصطلح في الأساس، قبل الاعتبارات الأخري التي تخص اختلاق صراع قطبي بين 'وزن' و 'نثر' داخل 'القصيدة'.
وهو، ثانيا، يتوغل عميقا في باطن الجدل المحتدم أبدا بين 'اللغة اليومية' و'اللغة الشعرية'، هذه الأخيرة التي كانت علي الدوام امتياز الشعر عن النثر، التي هبطت من عل بقرار إرادي من الشاعر نفسه، الحريص علي 'الهامشي' و'المجاني' و 'اليومي'، ولكنها فشلت إجمالا في أن تمس شغاف قاريء يعيش هذه اللغة كل يوم لأنها ببساطة لغته الهامشية والمجانية واليومية! معادلة الشعر ليست هكذا، بالضرورة ودائما، والذين يكتبون قصيدة نثر عربية ممتازة (وأمجد ناصر بين أبرزهم) هم وحدهم الذين يدركون آلام تركيب اللغة الشعرية الحقة. وليس قانونا مقدسا، والحال هذه، أن تكون تلك اللغة هامشية ومجانية ويومية.
وهو، ثالثا، لا يأتي إلي هذه المواجهة من فراغ، أو دون عدة متينة مجربة ومجرٌِ به. لقد بدأ شاعر تفعيلة، وكتب نماذج متقدمة في هذا الشكل خلال السنوات الأخيرة من عقد السبعينيات. وفي مجموعته الأولي 'مديح لمقهي آخر'، 1979، نقرأ عددا من القصائد التي تفاجئنا، وتفعل اليوم أيضا، في مستوي نضجها الفني، وهدوء نبرتها الإيقاعية، وذكاء استكشافها للطاقات الموسيقية الكامنة في تشكيلات تفعيلية متعددة ومتغايرة، وبراعة تملصها من تبعات الشكل الأخري (أنظمة التقفية، علي سبيل المثال). وفضيلة هذه البدايات التي تعتمد التفعيلة أنها أتاحت لأمجد ناصر طورا من التدرب المبكر علي خفايا موسيقي الشعر، الأمر الذي أسفر عن دربة إيقاعية، وحس يقظ بالشكل، وتنبه إلي مواطن القوة (وهي، أيضا، مواطن الجمال) في تصميم الأبنية الإيقاعية في القصيدة. هذه العوامل، في مجموعها، أتاحت له أن ينتقل بخطي ثابتة، وبأمان ملموس، نحو شكل قصيدة النثر، هذا الذي يحاول الانتقال به في 'حياة كسرد متقطع' نحو مرحلة أرقي.
***

كما يشير عنوان المجموعة، ثمة حياة (تتكاثر في مضاعفات بعدد القصائد في الأقل)، تتوالي وتتبدل وتتغاير في هيئة سرد متقطع لأنه، هنا أيضا، لاينحصر في صيغة واحدة. وذات يوم حين تحدث شارل بودلير عن الشاعر بوصفه 'الحالم العمومي'، أي ذاك الذي يحلم نيابة عن العموم وفي سبيلهم، كان في الواقع يصف ذلك الطراز الخاص من الشعر الذي يثقل كاهل الشاعر بأحمال الحياة، حياته مثل حياة الآخرين، ويضخ في القصيدة تلك التفاصيل العجيبة التي تبدو للوهلة الأولي عابرة ثانوية، وسرعان ما تتكشف عن ثراء إنساني وكوني مدهش. واذا كان الحلم هو النموذج الصالح لسيرورة انتاج ذلك النوع من التخييل الشعري، فكيف ينجح أمجد ناصر في مصالحته مع العالم الخارجي باديء ذي بدء، ومع مكوناته الأسطورية بعدئذ، في لغة شعرية وسيطها التعبيري هو النثر.
الجواب كما يقودنا إليه العنوان: القصيدة الدرامية، أو القصيدة بوصفها سردية قصيرة حول لقطة إنسانية بالغة الخصوصية، ليست مع ذلك متجردة من عوامل الماضي والحاضر والمستقبل، وليست في منجاة من ضغوطات المعني والتاريخ والبلاغة والأسطورة. إنها القصيدة التي تروي عدٌ النجوم في بلدة المفرق الأردنية لكي تقودنا إلي أسطورة مغربي في فاس القديمة، ثم من منازل القمر في لندن إلي خرافات الطفولة وحكايا الجدات. وهي القصيدة التي نقرأ فيها عن منديل السهروردي أو الخاتم القيرواني أو الرّجقم الطينية، ولكننا في الباطن العميق نواصل النواس بين الحلم والحقيقة، بين الرؤيا واليقين، وبين الدلالة في الرمز والمدلول في الحكاية.
ولاريب في أن أمجد ناصر يقامر هنا علي مدي ما يمكن للقصيدة أن تحمله، وتتحمله، من صياغات درامية لوقائع يمتزج فيها الفعلي بالأسطوري، جري نبشها من باطن حياة تعاش في الوعي تارة وفي اللاوعي طورا، وتحتفظ بشحنات توترها في إطار التجربة الفردية مثلما تعكس كثافة تجسيداتها المحتملة في حياة البشر العامة. والجانب الثاني من هذه السيرورة يدور حول قدرة الشاعر علي استدخال الدراما، بنفسه، إلي وقائع حياة لن تظل شخصية بعد أن تخرج إلي العلن في القصيدة، وبعد أن تدخل في سرد متقطع غير منتظم (عن سابق قصد!). وطامح في الآن ذاته إلي تحقيق قيمة جمالية إنسانية.
ولعل هذه النصوص تعكس أكثر من أي وقت مضي نزوع أمجد ناصر إلي الغنائية الدرامية، حين لاتقتصر 'أنا' القصيدة علي ضمير المتكلم الناطق باسم الشاعر وسارد حكاياه، بل تكون بمثابة 'النفس' التي تدير وتيرة الدراما علي نحو يحول مختلف تجليات الذات إلي مفردات شعورية قابلة لصناعة الحلم الانساني العمومي، كما مر أولا في مخيلة الشاعر... الحالم العمومي دون سواه.
وهذه الغنائية الدرامية تنهض علي ثلاثة أركان:
الحياة، أي تلك الوقائع الذاتية والموضوعية التي يقف عندها الشاعر ويأخذنا إليها (في دمشق حيث ضريح ابن عربي أو في '54 سربنغ غروف كرسنت' في لندن، علي السبعة جسور قرب الزرقاء في الأردن، أو في بيت كفافي بالاسكندرية...).
الأسطورة، أي ذلك المستوي من الحكاية البشرية التي يمكن أن نشترك فيها ضمن هذا المستوي أو ذاك، والتي تكتسب بالتالي سمات كونية أقرب إلي الأنماط العليا (الأم، الجدة، المسز مورس، نيويورك، فاوست...).
التحويل، الذي ينطوي علي سيرورة ديناميكية تغاير بين الحياة والأسطورة، والأسطورة والحياة، حيث يكون الخيال علي أشده، وحيث ينفرد الشعر عن جميع أنساق التعبير الكتابي (جميع القصائد بلا استثناء، ولكن في 'منديل السهروردي'، 'مساءلة ابن عربي'، 'نجوم لندن'، 'الشخص الآخر'، 'عد عكسي' و'استعداد للطيران' بصفة ملموسة).
والنقطة المركزية في البنية الجوهرية التي تنتظم هذه الغنائية الدرامية هي أن الحكاية (التي تتضمن غالبا شخصية الشاعر ومحاوريه، أفرادا أو جماعات، بالإضافة إلي المناخ والمشهد وتفاصيل العالم الخارجي) تقوم بعقد دراما من نوع ما تتمحور في الوقائع وتتكثف في اللغة من جانب أول، وهي من جانب ثان تسير بالحكاية في الزمن (ولكن أيضا علي الصفحة: في فقرات نثرية لاتتقطع في سطور، علي نقيض السرد الذي يتقطع!) نحو انفراج للتأزم، هو غالبا بمثابة خاتمة بديعة للقصيدة. وبهذا المعني فإن أكثر القصائد تأثيرا هي تلك التي يجري فيها تحويل اتجاه أحاسيس الرثاء والحزن والفقد الشخصي، وذلك اعتمادا علي نقلة مباغتة في بؤرة الانتباه، أو إدخال مفاجيء لتفصيل غير محسوب.
وكما عودنا أمجد ناصر، في مجموعاته الأخيرة بصفة خاصة، نقف في قصائد هذه المجموعة الجديدة علي تلك الفصحي العالية التي تميز بها، وعلي ذهابه أبعد من ذي قبل في استثمار الطاقات الابحاثية لمفردات غير دارجة ولكنها عالية البوح بسيرة الإدراك في آن معا، واشتداد جملته الاستعارية المميزة التي تمزج بين الرعوي الغنائي الشفيف والبدوي الحار الملحمي.
وفي سبل معالجتها للمعني تأخذ لغة القصيدة مسارات حرفية أو مباشرة أو مستقيمة، وهي أحيانا تعتمد العامية والمفردات الأجنبية. ولكنها شديدة الاتكاء علي المجاز، وتحديدا علي ذلك التشويش الإيحائي المدروس الذي تصنعه الاستعارة كما في 'كنت أخف من ريشة طائر نفق وهو يعود إلي موطنه علي آخر نفس'، أو 'لاحظت بعد ذلك أن الصحو الصباحي لم يعد مهموزا بالبروق، التوقعات، الترانيم، الوعود الطائشة، وأنني جعلت أشيب بسرعة من دون أن تظهر علي عوارض الحكمة، الصمت الدال، التولي عن السبق الضاري علي الموقع والمكانة'.
وهنا أتوقف عند السمة التي لا أكف شخصيا عن الإشارة إليها كلما قاربت شعر أمجد ناصر. تلك البنية البارعة التي تجعل العناصر المجازية تبدو وكأنها تتجمع علي نحو عشوائي أولا، لكي تباغتنا بعدئذ حين تتنافر دلاليا حتي تكاد تقترب من الهلوسة البصرية الحرة، قبل أن تلتئم مادتها أخيرا لتصنع علاقة مجازية مدهشة في ائتلاف خطوطها التشكيلية.
ونحن هنا أمام تجسيد موفق لما أسمته سوزان لانغر 'مورفولوجيا الإحساس' في الشعر، حيث تصنع القصيدة رباطا بين الشاعر الذي يكتب، والقاريء الذي لايعيش نوعا من ديناميات الإحساس التي سعي الشاعر إلي إيقاظها واستنفارها فحسب، بل يمارس أيضا ذلك النوع الفريد من الإقرار بأن مدلولات العالم الواقع خارج القصيدة، وخارج برهة القراءة أيضا، حية وحاضرة ومشتركة بين الشعر والشاعر والشعور.
وغني عن القول، ختاما، أن هذه القصائد لاتسعي إلي منافسة أجناسية مع ذلك الطراز المسمي ب 'القصة القصيرة جدا'، التي لاتقل جمالا عن معظم أنماط السرد القصصي. وهذه القصائد لاتسعي، من جانب آخر، إلي كتابة 'نص مفتوح' لأنها ببساطة لاتغادر أرض الشعر أبدا، وهي من نسل الشعر وحده. هي، مع ذلك، تنافس كل كتابة إبداعية أخري في محاولة توحيد فنون الرؤية والسرد (وهي هنا عديدة متنوعة)، وإقامة معادل مشترك بين الإدراك الحسي والصياغة اللغوية، حيث تكون المهمة الأولي للشاعر هي رؤية نفسه في موقع رائي العالم. وهي تجهد للانتقال بشكل قصيدة النثر العربية المعاصرة إلي مصاف أخري مختلفة وإشكالية أكثر مشقة وتعقيدا في تقديري، وأكثر قدرة علي تخليص الشكل من سكونيته وجموده، وأكثر حيوية في بناء تعاقد صحي مع قاريء لايضل طريقه إلي الشعر الحقيقي.


الكتاب:الحياة كسرد متقطع
المؤلف: أمجد ناصر

 
العدد الحالي
  الأعداد السابقة
الصفحة الرئيسية
ساحة الأخبار
ضواحي الفضفضة
رسائل
شرق وغرب
البستان
ساحة الإبداع
كتب
أحداث
جسر الحنين
نقطة عبور

أعلي الصفحة إرسل الصفحة إلي صديق إطبع الصفحة إحفظ هذه الصفحة في المفضلة
   دفتر الزوار   |   دليل المواقع   |   الاشتراكات   |   الإعلانات   |   خريطة الموقع   |   البحث   |   الأعداد السابقة   |   إتصل بنا   |   مساعدة   
   الإعلانات المبوبة  |  أكاديمية أخبار اليوم  |  بلبل  |  أخبار السيارات  |  أخبار الحوادث  |  أخبار النجوم  |  أخبار الأدب  |  أخبار الرياضة  |  آخر ساعة  |  الأخبار  |  أخبار اليوم   :شبكة أخبار اليوم   
All site contents copyright © 2000-2002 Dar Akhbar El Yom.
للأستفسار أو طلب معلومات يرجي مراسلتنا علي العنوان التالي
akhbarelyom@akhbarelyom.org

Best viewed with Internet Explorer 4.0, Netscape 4.0 or above with a resolution of 800 X 600 .

Website Developed By: