|
|
| السنة - | 597 | ه - العدد | 1425 | ذو القعدة | من | 7 | - م | 2004 | ديسمبر | من | 19 | الأحد |
|
 |
| بتوقيت القاهرة |
 |
01:29:03 ك |
 |
الساعة - |
 |
18/12/2003 |
 |
آخر تحديث يوم |
|
| كتب |
 |
|
|
سيد البحراوي بعد نصوص 'صباح شتاء'
أريد أن أكون نفسي!
يعمل د. سيد البحراوي كما هو معروف أستاذا جامعيا في قسم اللغة العربية، حيث يعلم طلابه النقد الأدبي والدراسات الأدبية منذ بضع سنوات، وأصدر بالفعل عددا من كتب النقد، لكنه لم يقرب الكتابة الإبداعية مطلقا إلا منذ عامين تقريبا حيث أصدر روايته الفاتنة 'ليل مدريد' التي كانت مفاجئة للجميع، وكشفت عن كاتب كان قد قمع طاقاته الإبداعية طويلا، ثم أصدر مجموعته القصصية الأولي 'صباح شتاء' أخيرا، فتأكدت امكاناته ككاتب للرواية والقصة القصيرة بامتياز.
سألته أولا عن العلاقة بين النقد والإبداع.. كيف يراها؟
المستقر تقليديا أن النقد ينتمي لمجال معرفي مختلف عن الأدب، فالنقد يسعي للانتماء لمجال العلم، بينما ينتمي الأدب لمجال الفن. لكن ثبت حتي الآن أن النقد لم يستطع الوصول للحدود العلمية بالمعني الدقيق، وظل الحس الفني ضروريا للناقد. فالنظريات النقدية الحديثة مثل البنيوية والأسلوبية كشفت عن تحويل النص الأدبي لمجموعة من المعادلات والأرقام التي لا قيمة لها ما لم يستطع الناقد أن يدرك دلالات هذه الأرقام والمعادلات، وهو الأمر الذي يحتاج للحساسية الفنية بالضرورة، وبالتالي فإن الناقد الجيد هو من لا يصادر علي حساسيته الفنية، أي الجانب المبدع فيه.
بعبارة أخري مقولة 'الناقد مبدع فاشل' غير صحيحة، لأن الناقد الحقيقي لابد أن يكون مبدعا حقيقيا.
 وماذا عن علاقتك أنت بهذه المقولة؟
بالنسبة لي الكتابة الإبداعية أسبق زمنيا من النقد.
 لكن القارئ لا يعرف هذا..
أكتب منذ 35 عاما، وأضع ما أكتبه في الدرج لذلك فقدت منه الكثير خاصة كتابات المرحلة المبكرة. ولاحظت أن كثيرا من كتاباتي النقدية يتسلل إليها كثير من العناصر الإبداعية الكامنة، لكن انشغالي بالتدريس والكتابة النقدية وعدم نشر نصوصي الإبداعية.. كل هذا جعلني أتوقف عن الكتابة الإبداعية فترات طويلة.
وفي لحظة مفاجئة وجدت نفسي تلقائيا ودون وعي أكتب روايتي 'ليل مدريد' علي مدي ثلاثة أشهر قمت خلالها بتحطيم كل تقاليدي في الحياة اليومية، فأنا مثلا معتاد علي نوم القيلولة فأجبرني استغراقي في الكتابة علي الإقلاع عن هذه العادة، كما وجدت نفسي أستيقط عند الفجر دون سبب إلا لمواصلة الكتابة.
هذه التجربة جعلتني أدرك أنني كنت أمارس الديكتاتورية علي نفسي طوال ربع قرن وأنني أقمع طاقتي الإبداعية بل وأدمرها، فعدت إلي نصوصي القديمة، والموجود بعضها في مجموعتي القصصية الأخيرة (صباح شتاء) وبدأت في إعادة النظر فيها، واكتشفت أنها تستحق النشر، ونشرت بعضها بالفعل في أخبار الأدب وغيرها.
فجٌرت هذه التجربة القمقم الذي كان بداخلي، وبدأت انتبه إلي أنني كنت أخون مقولة لكاتب فرنسي لا أذكر اسمه الآن مضمونها أنك إذا كنت تستطيع أن تعيش بدون كتابة، فلا تكتب.. لذلك قررت أن أكف عن هذه الخيانة!
 لاحظت أنك حرصت علي أن تضع بجوار العنوان علي مجموعتك كلمة 'نصوص'.. لماذا؟
أثناء الكتابة الإبداعية لا أكتب باعتباري سيد البحراوي، ولا أستطيع أن أمزق نفسي إلي أجزاء: الناقد أو المناصل أو الانسان. أكتب بكل كياني ودون وعي تقريبا. أكتب بكل المكونات التي شكلتني: تجربتي الشخصية وظروفي الاجتماعية وخبراتي، وبعد انتهائي من العمل لا أستطيع التعرف عليه نقديا، فلا أستطيع مثلا أن أحكم علي روايتي 'ليل مدريد' بأنها رواية بالحدود التي أدرس بها التنوع الروائي لطلابي، ولا أستطيع الحديث عن مجموعة 'صباح شتاء' بإعتبارها نوعا أدبيا محددا مثل القصة القصيرة وقصيدة النثر أو السيرة الذاتية، لذلك اضطررت لتسمية هذا العمل 'نصوص'.
إلي جانب هذا أود أن أشير إلي أن النصوص الموجودة في صباح شتاء لا تشكل إلا ما لا يزيد علي 1 بالمائة من النصوص المكتوبة بالفعل، وأظن أن الناقد سيد البحراوي قد تدخل هنا ليحدد أن بعض النصوص صالحة ليقرأها المتلقي، وبعضها الآخر لا يصلح، وقد يتدخل في ترتيب النصوص بحيث تحقق بنية ما سواء بنية متكاملة أو مشتتة، والمهم أن يكون هناك نسق تتتابع فيه النصوص لتحقق رؤية لدي القارئ.
حتي هذان الجانبان أظن أن كل مبدع يمارسهما حتي لو لم يكن ناقدا. ومع ذلك فلاشك أن عملي كناقد أفادني بشكل غير مباشر في الكتابة الإبداعية، وأسهم بشكل مباشر في تأخير اهتمامي بهذه الكتابة ونشرها.
 لكن هناك تفسيرا آخر لاهتمامك بنشر عملك الإبداعي الآن، ففي ظل حالة سقوط الأحلام والانهيار السياسي اهتممت بالكتابة الإبداعية؟
مع تراجع الحركة السياسية في مصر والعالم العربي، وتفاقم الهيمنة الأمريكية والسلطوية علي مقدرات أمورنا، والتهديد الواضح لوجودنا، جعلني أشعر شخصيا بأمرين: الأول أن ما كنا نمارسه من أنشطة وطنية لم يكن كله في الاتجاه الصحيح، وقد دفعني هذا لأوفر لنفسي بعض الوقت في التفكير والبحث في هذا الاتجاه الصحيح، مما أثر علي الكتابة. الأمر الثاني انني وجدت أن هذه الكتابة يمكن أن تساعدني وقد تساعد من يقرأها علي المقاومة.
في 'ليل مدريد' و'صباح وشتاء' أظن أن القيم الجمالية والانسانية فيهما يمكن أن تساعد القارئ علي أن يكون في وضع مختلف، وهذه قيمة مقاومة، قيمة رفض، قيمة مزيد من الفهم لتناقضات العالم، وبالتالي مزيد من تدعيم القدرة علي البحث عن عالم أفضل.
ناهيك عن أن في بعض النصوص دعوة مباشرة لا أنكرها للقتل! هناك نص بعنوان 'طفولة' يمسك فيه الراوي بمسدس لعبة ويطلق النار علي كل من يري أنه مسئول عن مأساة العالم.
 يبدو أنك تريد أن تضيٌق من مسعي عمليك لأن أهم ملامحهما انفلاتهما من كل ما هو مباشر..
لقد تمثلت وهضمت تجارب الآخرين سواء في الحياة أو الكتابة، لكني لا أحب أن أكرر هذه التجارب، وأريد أن أقدم تجربتي أنا كما أعيشها وأراها، وكما تساعدني أدواتي علي صياغتها، وبالتالي ليس لدي أي قلق من أن أكتب بالشكل الذي يرضيني ويجعلني قادرا علي تقديم خصوصية هذه التجربة دون قيود مسبقة.
وكما سبق أن قلت: أكتب بكل كياني، وجزء من كياني أنني أرفض مايحدث، وأسعي للوصول للأفضل، وبالتالي أنا سياسي رغم أنفي بحكم انتمائي الطبقي والفكري وبحكم الدين الذي أحمله في عنقي ازاء أهلي الفقراء الذين ربوني وعلموني ، ولذلك لا أرفض ابدا ان تكون احدي الرسائل التي أبثها سواء قاصدا او غير قاصد في كتابتي رسالة سياسية.
 يري البعض ان هناك وشائج ولا أقول تأثرا بين 'صباح وشتاء' وبين نصوص ناتالي ساروت التي ترجمت للعربية تحت عنوان 'انفعالات' .. مارأيك؟
لم أقرأ ناتالي ساروت تحديدا، إلا أن هذا النمط من الكتابة شائع، وهذه ليست المرة الاولي التي يكتب فيها كاتب بهذه الطريقة.. ومعظم نصوص صباح وشتاء حين أحكم عليها الأن أري أنها تمتلك كل مقومات القصة القصيرة بالمعني الكلاسيكي، وفي نفس الوقت تحتوي علي حيل وتقنيات لغوية وبنائية تجعلها لاتخضع فقط لتصنيف القصة القصيرة.. ولو لم أكن ناقدا لما صنفت العمل تحت عنوان نصوص، وكنت سأكتفي بنشرها تحت عنوان: 'صباح وشتاء' بقلم سيد البحراوي، دون اي تصنيف، لكنني خشيت ان يتعامل معها القاريء باعتبارها عملا نقديا.
هذا جانب، والجانب الاخر انني شعرت بالحيرة، هل أنشرها كنصوص منفصلة، أم نص واحد متواصل. كنت أميل للرأي الثاني، لكن القلق هنا علي المتلقي، لان بعض اصدقائي خشي الا يستطيع استيعاب العمل الا المتلقي الخاص، بينما رأي اصدقاء آخرون ان عنوان كل نص عنصر اساسي في بنيته، ومن هنا جاء الاختيار.
ومع ذلك، فمازلت غير مستريح لكوني سميت هذه الكتابة نصوصا، ان مصطلح النص في الفترة الاخيرة أصبح بلا معني، وقد يساء استخدامه في احوال كثيرة جدا، ومايهمني بصفة اساسية هو ان تكون هذه الكتابة قد مثلتني، أي أن تكون نجحت في ان تقدمني أنا، وطبعا كلما أوغلت في خصوصيتك ، فأنك تصل الي مايسميه لوكاش النمطي اي جوهر الانسان في تناقضاته التي هي تناقضات كل البشر، ومن ثم فإن حرصي علي خصوصيتي وصياغة هذه الخصوصية بدقة أسعي من خلاله لان يدرك كل قاريء خصوصيته ويغوص فيها ويتألم ألمه الخاص مثلما تألمت أنا أثناء كتابتي لهذه النصوص.
 بين تيارات الكتابة الحالية.. أين تضع هذين العملين؟
لا أستطيع الاجابة عن هذا السؤال علي الاطلاق.
 لماذا ؟
لأنني لا أعرف..
 عندما تحدثت عن الخصوصية قبل قليل هل تعتقد ان هناك كتابة حقيقية غير خصوصية.
لا .. أنني أتحدث هنا كناقد.. سبق لي ان اتهمت كثيرا من الكتاب أن عيونهم كانت مسلطة علي الموضات الادبية في الغرب، وأدخلت هذا في اطار ما أسميته التبعية الذهنية للنموذج الرأسمالي الغربي، حيث أري أن مثقفينا والبورجوازية المصرية منذ النشأة وحتي الان وقعوا في أسرها. هذه التبعية ضد الخصوصية. وبالتالي ضد الابداع ذاته، وهذا احد الاسباب الرئيسية في أزمتنا الراهنة علي اصعدة مختلفة.
بعبارة اخري، فان اصراري علي مسألة الخصوصية في الكتابة ليس فقط تحقيقا لما احلال ان أعيشه بصفة عامة في حياتي علي المستوي الشخصي، بل هو تحقيق لمفهوم الابداع من وجهة نظري، وهو في نهاية المطاف تأكيد للحل الوحيد لوطننا فكريا وسياسيا.
 هل المقصود بالخصوصية التي تعنيها الاستفادة مثلا من الكتابة التراثية او السير الشعبية او الفنون التي عرفناها منذ القدم؟
سبق أن قلت أنني حين أكتب احاول ان أكتب نفسي وبكل كياني . من أنا؟ انا سيد البحراوي المصري القديم الافلوطيني القبطي المسلم الفاطمي الصوفي الذي قطعته عن ماضيه أربعة قرون من الحكم المملوكي والتركي دون ان تستطيع ان تقضي علي جيناته الوراثية.. وأنا أيضا المتعلم تعليما (كتابيا) في البداية، ثم مدنيا بعد ذلك.. والذي يقرأ بالانجليزية والفرنسية ويدرس بها، مما جعلني أعيش في عالم مليء بالاضطرابات داخليا وخارجيا وأطمح طوال الوقت ان أستطيع ان أقدم الأفضل.
هذه هي خصوصيتي . الشيء الوحيد المرفوض هو أن أكون تابعا لاي شخص اوجهة او نموذج.
 هذه الخصوصية أين نجد نماذجها؟
ليست موجودة الا في اعمال قليلة جدا ومهملة.
 هل هناك أمثلة محددة؟
كتابات عبدالله النديم، ورواية 'البلد' لعباس أحمد و 'الرحلة' لفكري الخولي.. والمهم في هذا الخصوصية ليس المضمون فقط، بل ان الخبرة التاريخية للانسان المصري تتضمن بالضرورة نسقا من القيم الجمالية مثل استخدام اللغة، وتفضيلات نمط معين من الجمل علي غيرها، الاهتمام بألوان وأذواق وخيالات معينة دون غيرها، وكذلك الاساطير.
فالمهم ليس الشكل ولا المحتوي ايضا بل محتوي الشكل، اي مايفرضه هذا التكوين من قيم جمالية تتضح في صياغة الكتابة.
|
|
|
|