|
|
| السنة - | 597 | ه - العدد | 1425 | ذو القعدة | من | 7 | - م | 2004 | ديسمبر | من | 19 | الأحد |
|
 |
| بتوقيت القاهرة |
 |
01:23:53 ك |
 |
الساعة - |
 |
18/12/2003 |
 |
آخر تحديث يوم |
|
| كتب |
 |
|
|
يلزم بعض الوقت:
أوجاع البحر الواحد!
 | | للفنان: أرشيمبولدو |
|
كمال العيادي
عن اصدارات الهيئة المصرية العامة للكتاب، وضمن سلسلة كتابات جديدة، صدرت مجموعة شعرية للشاعرة زهرة يسري في طبعة انيقة من الحجم المتوسط تحت عنوان: يلزم بعض الوقت وتضمنت المجموعة عشرين قصيدة مقسمة الي قسمين رئيسيين هما:
1 فرصة لن تعوض لقتل الوقت، واحتوي علي سته عشرة قصيدة مستقلة ومتفاوتة الطول. وهي: جوار كل قبر كبير مقعدك الان تصدر حجرتي في الذاكرة ليس الا حتي حكاياته الغريبة لن تغري الغرباء يلزم بعض الوقت لافتعال مايحدث كل هذه التعاسة من اجلك عرائس قطنية ليس من السهل اقتحام وحدتك الكاملة قبل ان تنام الاكورديون خلفية ناصعة لذكريات قديمة وردة علي قبر امي بقعة داكنة علي المفرش حتي لو قابلونا صدفة صورة جانبية للبحر لالزوم لاعمدة الانارة من وحي الخان.
2 اناصب نفسي العداء، وضم اربعة قصائد طويلة نسبيا بالمقارنة مع قصائد القسم الاول.
وهي: سأم آخر لن يكون القارب مثقوبا لاأحد في الغرفة العلوية ليسوا وحيدين في غرفة الموتي 'جاءت القصيدة الاخيرة مثلا، موزعة علي خمسة عشرة صفحة'.
لم نورد عناوين المجموعة دونما مبرر مشروع فعناوين القصائد فخاخ وبؤر من الدلالات الماكرة، وعظام دقيقة منغرسة في لحم معانيها تحيط بها فكأنما هي متورطة ومشدودة اليها، ولايمكن بالتالي ان تكون غطاء خارجا عنها الا ان تتداخل وتنصهر فيها او ان تحتويها. تماما مثل مصابيح الشارع الباهتة تفضح الظل في حين، وتبدد الظلام بمقدار، ولكنها لا تكشف خبايا الضوء الممكن، الكامن فيها وكم من مصباح باهت، كان اولي من الورد بالعشق وكم من عمود ثابت بارد منسي، يغلي كالمرجل ويهم حينا بالارض، من ثقل اوجاع الحكايات التي تسربت اليه ليحفظها، من قسوة الاهل وفطنة الوشاة وابر الصقيع واظافر الوقت النزق.
***
لااسم.. لامسمي.. ولادليل فكيف تراها، تسيل دموع تلك الشمعة البائسة، الضحية، دون ان تحرق بياض اطراف الفتيل؟
الشاعرة 'زهرة يسري تتوجه في مجموعتها الاخيرة الي قارئ عارف بخبايا الامور. يقف حيث ينبغي عليه ان يقف ويدور حيث ينبغي له ان يدور.لا تحاول ادهاشه ببخور العبارة ولا تحرق له اللوز والبرتقال لتضلله لاتلتفت لتستدر عطفه. ولاتنتظر منه مساندة ورضا كونها لاتبيح لحضوره في عوالمها، غير ما قد يبيحه لنفسه، بنفسه من خطوات الي معانيها، انها تنثر بذور ذكرياتها الحميمية، العارية، في حرث تربته المبللة، كما ينبغي ان تكون. وليكن بعد ذلك، ان تتعفن وان تتحلل فيه، ثم لعل مشيئة تنفخ الروح، فتسمو عشبة خضراء يانعة مخترقة رحم الارض، ومزهوة بعروقها، الصغيرة، الندية، المليئة بالحياة والاحلام والوعود.فالشاعرة لاتتحدي القارئ لاتتوجه اليه ولاتتعداه لاتصده ولاتفتح له ابواب مقابرها السرية لاشباك. لاكوة لافتحة، يسار او يمين الجدار. ولكنها تترك له ان شاء، ان يري البياض في ظلال الاشياء. وله ان يلحق بها بعد ذلك، او يحلق ويفرد جناحيه فيها وإليها. ذلك ان القارئ المفترض هنا، ليس غيره. هو المعني بالأمر في القصيدة وانعكاس صورة وجهه في زجاج السطور، ليس اكثر من عملية فيزيائية رتيبة، كقولك ستسقط التفاحة ولن تطير.
... قطعة خشب بين الظفر واللحم.
ألمها يشبه الانتظار
انتهاء ساعات العمل مثلا
شئ لاقيمة له
إذا دققت في عيني
ستجد لاشئ.. 'قصيدة كل هذه التعاسة من اجلك'
فالصورة مربكة، ولكنها غير مركبة متداخلة، ولكنها تؤدي بتداخلها الي انسجام بديل، تماما مثل صورة مائية، انتشرت فيها الالوان وتشابكت الخطوط. فتحلل اللون الداكن عند بقع اللون الباهت المقابل له من الجهتين. وتورط اللون الباهت في نسيج المساحات الداكنة عند بقع اللون الباهت المقابل له من الجهتين. وتورط اللون الباهت في نسيج المساحات الداكنة فاز داد قتامة وعادت الصور. كما الشخوص، مترادفات وامكانيات لاحدود لغرابتها، فالاب ظل وانعكاس لصورة الحبيب. وكان استحضار الاخر، الغائب، خلوة، لاتباح بدون مشاركة الاب له المكان. فاذا الكلمات رموز تفيض عمدا عن معانيها. او هي تضيق فتشرق بها لبوح خفي، عن طريق الايحاء. ضرب من تأكيد الحضور بالاصرار علي ثقل وقع الغياب. فاذا الدال لايكتفي باختزال صفة المدلول وصورته، واذا التابع دليل المتبوع، والمرتحل محل ببرنس المقيم.
...... كعجوز يجلس في القبو وحيدا
وميض سيجارتك يدل عليك
تعرف المواضع جيدا، رغم ظلام عينيك
ذقنك ناعمة دون خدش
اناء بصاقك، تلقيه في الصباح
تنزع المسامير لموضع جديد.. 'قصيد مقعدك الان تصدر حجرتي'
وكأنما الشاعرة تدفع القارئ عنوة، وبقسوة مطالبة إياه بفرز بقايا الغائب البعيد من صندوق ادوات الحاضر المتكور ابد الدهر عند العتبة، وفي القبو، وكل زوايا الغرف الضيقة الداكنة.
اي وقع هذا، واي ثقل وحضور متغلغل لصورة الاب. وبقدر ماتدفعه بشقاوة مرة للرحيل، عبر تضخيم اعباء حضوره، مثل صبية تسود بتوتر وعصبية اطار صورة جناح لشكل ارادته ليظهر عصفورا، فخانتها الخطوط، فلا الجناح اكد مفاصل العصفور، ولاالعصفور استأنس خطوط الجناح الثقيل. ولاسبيل للتدليل علي الجسد المرئي، غير علامات مستجداة من الذاكرة المرهقة فحضور الثاني الغائب مشترط بغياب ورحيل الاول الحاضر والكامن، المدقوق فيها.
جدلية الاول الاب الذي لايترك للباب ان يفتح من جديد، والثاني الغائب المرابط عند حدود الممكن البعيد. والحضور. كما الغياب سوط يسوط، ولحاف من الرصاص والريش.
***
مثل دبيب النمل، يتصاعد، متخثرا، لزجا، بطيئا حينا. ثم كمثل صعقة الكهرباء تنتفض منها ولها، من اعلي رأسك الي اخمصي قدميك ثم تعود ثقيلا، مشدوها، مشدودا، منبهرا لاتملك ان ترفع برأسك فوق مستوي رأسك. ولكنك تفيض في كل مكان وفوق كل الحدود ذلك هو الشعر حين يكون خارج قوالب الشعر وصناديقه الخشبية وما ينبغي عليه ان يكون الشعر، هو ذلك الذي يفترض وقعه ان تحس وأنت تمسح حبات العرق المتجمعة فوق جبينك، بأنك المعني بالامر. وبأن الخطاب يعنيك ذاك الهمس الخفي، حولك، تدينك او يدعوك الطيف طيفك تراه وتستشعر فيك خطاه. والعتمة والظلال والمعلن والمضمر، شفرة لايفهمها سواك ضاربة بعروقها وممتدة خيوطها في تفاصيل مداك.
الشعر هو ذلك الوسط بين الاضداد، والمتميز بلا ريب، في زحام التعدد الممكن والاحتمالات الشعر هو الداحض لمشروعية نقده، هو الدوائر اللولبية المتراوحة بين الفقاعات بين المناديل المعقودة لغاية حلها، ورضوض القلب المتورم بنشيج لاسبيل معه للمواساة هو الازرق المحلول والبنفسجي المنقع في كل الالوان.
ذلك هو الشعر خطاب منك اليك دال لايدل علي غير مدلول يشع حينا منك: ويشير حينا عليك يقشرك مثل رمانة فجة، فاذا بك الف حبة ملتصقة، تحضن قلبها وبذرة سرها بطعم مرة وحوامض مواده المتفردة والدالة، حين لادليل عليها.
قصائده زهرة يسري اصوات متوغلة بعمق مشروع في تلك الاحراش البعيدة، حيث لاخيار للتاريخ إلاحفظها. لغتها مليئة، صور بكر، خطوط مشحونة، تفاصيل متدافعة بدون صخب او تزوير. تكتب كمن يسلخ جلدته ليدخلها من جديد.
وانا علي يقين بأن قصائدها ستكون من العلامات البارزة والمضيئة في تاريخ الشعر المصري والعربي الحديث. واعتقد بانها سائرة ببطء ولكن ايضا بثبات لرسم تضاريس ملامح تجربتها المتميزة والواعدة.
ميونيخ
الكتاب: يلزم بعض الوقت
المؤلف: زهرة يسري
الناشر: هيئة الكتاب
|
|
|
|