أهم ما سيبقي من احتفالية المجلس الأعلي للثقافة بمئوية يحيي حقي تلك الكتب التي صدرت له وعنه. فما يبقي من أي احتفال هو المطبوعات التي تصدر عن محور الاحتفالية وليت ذلك يصبح هو الأساس في تلك الاحتفاليات حتي تخلف أثرا، أما أهم تلك الكتب فهذه المجلدات الثلاثة التي تضم أعماله الإبداعية، ولكم أتمني أن يواصل المجلس إصدار أعمال يحيي حقي، خاصة ما قام بترجمته، ويمكن صدور تلك الأعمال في المشروع القومي للترجمة الذي أتمني أن يتفرع عنه سلسلة جديدة بعنوان 'ذاكرة الترجمة' تعيد تقديم الأعمال المترجمة منذ القرن التاسع عشر وحتي نهاية القرن العشرين والتي لم تعد متوافرة للقارئ والتي بدأت بعض دور النشر العربية تنتبه إلي أهميتها وتسعي إلي شراء حقوق نشرها أو لا تشتري، وللأسف يعاد إصدار هذه الترجمات وكأنها تصدر لأول مرة، هكذا تفقد مصر جزءا مهما من ذاكرتها الثقافية. غير أن أعمال يحيي حقي تثير قضية أخري، مثل كثير من الأدباء المصريين وأنا منهم لم يكن لهم ناشر، فقط نجيب محفوظ، وتوفيق الحكيم هما اللذان ارتبطا بناشرين كفلا حضورهما المستمر، فما أن ينفد كتاب حتي يعاد طبعه، أما معظم الأدباء فقد توزع دمهم بين القبائل، أعمال يحيي حقي نشرت في سلسلة اقرأ وكتب للجميع ودور أخري غامضة (صح النوم مثلا)، هذا الوضع نجده في أعمال يوسف إدريس التي لا توجد الآن في المكتبات، بالنسبة ليحيي حقي. فقد كانت كتاباته الصحفية لا تقل أهمية عن أعماله الإبداعية، وكان ينشر في مطبوعات محدودة، أشهرها جريدة المساء، وهذه نقطة تحتاج إلي فحص. لماذا كان يفضل النشر في منابر محدودة الانتشار؟ كان يمكن لهذه الكتابات أن تمضي إلي النسيان، إلي الفقد، لولا عمل جليل قام به محب ومريد ليحيي حقي هو المرحوم فؤاد دوارة. إذ أقبل علي عمل مضن وشاق، فراح يتعقب ما كتبه الأديب الكبير في تلك الدوريات المجهولة وبعضها محدود جدا. لم يكتف بجمعها بل راح يصنفها ويفهرسها. وهكذا قدم للمكتبة العربية آثارا نفيسة، وكنزا أدبيا تدركني رعدة خوف كلما خطر لي أنه كان من الممكن ألا يظهر إلي الوجود، لم تكن كتابات يحيي حقي كتابات صحفية عادية، إنما كانت نصوصا عميقة في شتي جوانب الحياة والثقافة، لذلك يظل فضل فؤاد دوارة عظيما ونموذجا لعلاقة فريدة في الأدب العربي لا نظير له، ولكم تأثرت عندما علمت أنه أتم ذلك وقام به بدون أن يتقاضي أي مقابل، أخبرتني بذلك السيدة نهي كريمة يحيي حقي، طبعت هذه المجلدات في الهيئة المصرية العامة للكتاب ونفدت وبالتالي لم تعد مؤلفات يحيي حقي موجودة في المكتبات، لذلك أتمني أن يعاد إصدارها من الهيئة، واقترح ذلك علي الدكتور وحيد عبدالمجيد، فإذا تعذر ذلك فليتم المجلس الأعلي ما بدأه وليكمل إصدار المجلدات، وأتمني من الدكتور سمير سرحان أن يصدرها في مكتبة الأسرة هذا العام كاملة. غير أن هذا يثير قضية تلك الأعمال المبدعة لكبار المبدعين لذلك اقترح انشاء سلسلة علي غرار السلسلة الذهبية (البلياد) الفرنسية، والتي لا تنشر إلا الأعمال الكلاسيكية التي استقرت تماما في الحياة الثقافية. في فرنسا يمكن من خلال هذه السلسلة أن يجد القارئ جميع المؤلفين الكبار منذ القرن الخامس عشر وحتي القرن العشرين، آخر من دخل إليها اندريه مالرو. يمكن أن تتبني الهيئة العامة للكتاب أو المجلس الأعلي هذه السلسلة علي أن يشارك في إصدارها أكثر من ناشر، وان تتوزع مطبوعاتها علي المكتبات العامة التي تبباهي كبار المسئولين في وزارة الثقافة بأنهم شيدوها، ولكن إذا دخلها القارئ بحثا عن العلامات الأساسية في الأدب المصري الحديث فلن يجد أعمال الكبار، إنما هي مكتبات أشبه بديكورات ضخمة أعدت للاحتفالات بافتتاحها ثم نسي أمرها، بينما المكتبة مثل الكائن الحي، يجب رعايته وتزويده باستمرار. مثل هذه السلسلة يمكن أن تصون وأن تحمي الذاكرة الإبداعية للوطن، فهل من مذكر؟
استدراك
وقع سهو في مقال الأسبوع الماضي حيث لم يذكر أسم الفنان عمرو فهمي كمبدع لبورتريهات أخبار اليوم وذكر بدلا منه الفنان مصطفي حسين لذا لزم التنويه.