|
|
| السنة - | 608 | ه - العدد | 1426 | محرم | من | 25 | - م | 2005 | مارس | من | 6 | الأحد |
|
 |
| بتوقيت القاهرة |
 |
12:11:37 ك |
 |
الساعة - |
 |
04/03/2004 |
 |
آخر تحديث يوم |
|
| جسر الحنين |
 |
|
|
صنع الله إبراهيم في رؤيةألمانية:
صورة كاتب عربي رافض
ترجمة: عبده عبود
 | | صنع الله إبراهيم
|
|
في 26 نوفمبر 2004 منحت جائزة ابن رشد للفكر الحر للمرة السادسة في برلين: وهي منحت هذا العام لصنع الله إبراهيم: أي لواحد من أهمٌ الكتاب العرب، لكاتب دعا طوال حياته، سواء في أعماله الأدبية أم عبر سلوكه، بجرأة وبلا تنازلات، إلي صدق لا هوادة فيه، وإلي حرية الرأي والديمقراطية في العالم العربي. لقد اختير من قبل هيئة تحكيم مستقلة مؤلفة من خمسة مثقفين وعلماء أدب معروفين ينتمون إلي أقطار عربية مختلفة، ليكون حامل الجائزة لعام 2004. وإنه لشرف لي ومدعاة لسرور خاصٌ أن سمح لي بأن أهنئه وأن أعبٌر عن تقديري له.
ومع أن الكلمة التكريمية يجب أن تتمحور حول الفائز بالجائزة، فإنها دائما تتأثر إلي هذا الحدٌ أو ذاك برؤية مقدٌم تلك الكلمة. لذا اسمحوا لي في البداية ببعض الجمل المتعلقة بي شخصيا: لحسن الحظ كنت قد تعرٌفت علي الأستاذ صنع الله إبراهيم في أواخر الثمانينيات في برلين ضمن نشاطات أدبية، انطلاقا من الاهتمام بأعماله الأدبية. وفي إطار بحثي العلمي الأدبي زرته بعدئذ عدٌة مرات في (مصر الجديدة) بالقاهرة، وأجريت معه مقابلات، حيث أجاب عن أسئلتي بصبر واهتمام، كما اصطحبني إلي حلقة بحث وعرفني إلي أصدقاء له من أساتذة جامعة القاهرة. إني أشكره علي كلٌ تلك اللقاءات.
وبذا يتضح، لماذا أركٌز اهتمامي علي الأعمال الأدبية للمؤلف، وهي أعمال وثيقة التشابك مع سيرته من جهة، ومع تاريخ مصر السياسي من جهة أخري. ففي عام 1981 عبٌر صنع الله إبراهيم بنفسه عن هدفه الجمالي الأدبي قائلا إنه يسعي إلي الوحدة بين الرواية والواقع والمؤلف. إلا أن أكبر خطأ يمكن أن يرتكبه القارئ هو أن يساوي من دون تمحيص بين الشخصيات والتفاصيل الموصوفة في الروايات وبين المؤلٌف وظروف حياته، ولكن نادرا ما توجد توازيات كثيرة بين الشخصيات الأدبية وبين سيرة المؤلف، ونادرا ما يتكٌون لدي القارئ بهذه الشدٌة الانطباع بأنه يطلع علي أمور أصلية حول المؤلف وعصره، مثلما يحدث في روايات صنع الله إبراهيم. إنها تطرح مشكلات مراحل وظواهر حاسمة في تطور المجتمع المصري منذ الستينيات إلي اليوم. لذلك دعونا نلقي معا نظرة علي محطات منفردة في حياة المؤلف وبلاده.
تمثل سيرة صنع الله إبراهيم بصورة نموذجية إلي حدٌ ما، حياة عدد كبير من المثقفين العرب الذين ينتمون إلي ما يجدعي جيل الستينيات، كما كان يسمي آنذاك الكتاب الصاعدون جيل ما بعد نجيب محفوظ . فقد بدؤوا في أعوام الستينيات يكتبون وينشرون، وقد سيٌسوا جميعا بشدٌة من خلال تنشئتهم في شبابهم. ولد صنع الله إبراهيم في القاهرة سنة 1937، أي في زمن كانت فيه مصر مستقلة من الناحية النظرية، ولكن القوات البريطانية ظلت تحتل منطقة قناة السويس طوال عشرين سنة أخري. لقد عايش كشابٌ وككثير من أبناء جيله مرحلة النهضة التي أعقبت الاستعمار وآمال الديمقراطية والعدالة الاجتماعية التي عجلقت علي الاستقلال، وعايش عام 1952 إسقاط النظام الملكي عبر انقلاب الضباط الأحرار، المعروف في مصر ب (ثورة يوليو)، وعايش سنة 1954 استيلاء جمال عبد الناصر علي الحكم، مما فتح الباب لتحولات سياسية واقتصادية واجتماعية عميقة. في تلك السنوات بدأ صنع الله إبراهيم دراسة الحقوق، ولكنه ما لبث أن انصرف إلي الصحافة والسياسة. لقد كانت تلك السنوات سنوات القومية العربية وسياسة الاشتراكية العربية، ولكن الحكومة كانت لا تسمح بتوجيه أي نقد إليها. وبسبب عضويته في حزب شيوعي منشقٌ سججن صنع الله إبراهيم عدٌة مرات لفترة قصيرة، إلي أن سججن خمس سنوات ونصف السنة، من 1959 إلي 1964، وذلك في سياق حملة شنٌها جمال عبد الناصر ضدٌ اليسار. وإلي فترة الاعتقال هذه ترجع الصداقة التي نشأت بين صنع الله إبراهيم وبين الكتاب كمال القلش و رؤوف مسعد وعبد الحكيم قاسم، وكذلك مع الصديق شهدي عطية الشافعي الذي مات تحت التعذيب.
وبعد تسريحه من السجن اشتغل صنع الله إبراهيم في البداية صحفيا لدي وكالة الأنباء المصرية (مينا) عام 1967، وفي برلين الشرقية لدي وكالة الأنباء الألمانية (أ.د.ن) التابعة لجمهورية ألمانيا الديمقراطية سابقا من 1968 إلي 1971. وتلت ذلك إقامة في موسكو لمدٌة ثلاث سنوات، اشتغل خلالها علي فنٌ الفيلم، وذلك ضمن دراسة علم التصوير السينمائي، ليحزم أمره بوضوح لصالح الكلمة المكتوبة. وبعد عودته عام 1974 إلي القاهرة في عهد السادات، عمل صنع الله إبراهيم لدي دار نشر، قبل أن يتخذ في عام 1975 قراره بأن ينذر نفسه للكتابة بصفته كاتبا حرٌا.
***********
نشر صنع الله إبراهيم حتي اليوم ثماني روايات هامٌة، وقصصا قصيرة، والعديد من الروايات البيئية الموجهة إلي الشبيبة كشكل من أشكال توصيل المعرفة، وعدٌة رسومات قصصية ملتزمة. وفي مقالته الذكية المنشورة ضمن الكتاب المصوٌر القاهرة من الحافة إلي الحافة (1999) برهن صنع الله إبراهيم بطريقة أخري علي قدراته كمحلل مستفزٌ وثاقب النظر للأوضاع السياسية والاجتماعية، مثلا عندما أثبت أن الرجل العربي هو في الحقيقة من يرتدي الحجاب، وأنه غير قادر علي أن يتكيف مع خسارة موقعه المهيمن، ومع التحول الاجتماعي السريع. إن هذا الكتاب، الذي يربط فيه صنع الله إبراهيم طوبوغرافيته الشخصية بالجوانب العامة لتاريخ المدينة، هو إعلان حبٌ مرير لمدينته القاهرة.
ومع أنٌ الأعوام التي قضاها في السجن، وهو في الثانية والعشرين إلي السابعة والعشرين من العمر، ومارافقها من تعذيب وأشغال شاقة، قد شكٌلت تجربة تراوماتية بالنسبة إليه، فإن صنع الله إبراهيم نجح في أن ينظر إلي ذلك الزمن نظرة إيجابية، وقد وصفه ذات مرٌة ب جامعته: من نزلاء السجن الآخرين، كالكاتب المصري المعروف محمود أمين العالم، ورفقاء آخرين، تعلمت المعني الحقيقي للعدالة والتقدٌم وحبٌ بلادي. وفي المعتقل اتخذ صنع الله إبراهيم قرارا بأن يصبح كاتبا. إن روايته الأولي تلك الرائحة الصادرة عام 1966، والتي تعالج تجربة الاعتقال والأيام الأولي التي أعقبته، قد وضعت معايير لمجمل أعمال صنع الله إبراهيم اللاحقة. لذا نودٌ أن نتوقف قليلا عندها:
في هذه الرواية يسرَّح كاتب لا يجذكر اسمه من السجن في القاهرة، بعد أن اعتجقل عدٌة سنوات بسبب التزامه اليساري علي ما يبدو. ونظرا لعدم وجود مكان إقامة قابل للمراقبة، يضطر هذا السجين لأن يقضي في الزنزانة ليلة أخري، وفيما بعد يخضع للتفتيش كلٌ مساء من قبل شرطي، وللاعتقال المنزلي ليلا. وفي اليوم التالي تأخذه أخته إلي غرفة استأجرتها له في (مصر الجديدة)، وفي الوقت اللاحق يقوم الكاتب نهارا بزيارة واستقبال أصدقاء وصديقات سابقين، وأقارب، ورفاقا سياسيين، وزملاء عمل، ويحاول أن يكتب، ويدخن، ويسرح مع أفكاره. إلا أن كل محاولات الانطلاق من علاقاته السابقة في الحب والصداقة، أو في العمل، تفشل بسبب حالة الاغتراب والعزلة التي يعيشها، ولكن أيضا بسبب موقفه الانتقادي الرافض من المجتمع. فبعد أن كافح من أجل مجثله السياسية العليا، وتعرٌض للاعتقال والتعذيب وموت أحد الأصدقاء، يواجَه الآن بالقمع والفساد والكذب واللامبالاة والتقاليد المعيقة. إنه يلاحظ التناقض بين دعاية الاشتراكية العربية الناصرية من جهة وبين الفساد والعقلية الاستهلاكية من جهة أخري. فعنوان الرواية تلك الرائحة، والأفضل هذه الرائحة الكريهة، يتعلق بمياه المجاري التي تتدفق من المجاري المهترئة، تماما كما يتعلق بالتفسخ الأخلاقي للمجتمع. وهذا ما يحاول بطل الرواية أن يتصدي له، من خلال سعيه إلي الطهارة الجسدية والأخلاقية، وعبر إيمانه بقيم محددة. إلا أنه يعاني من فقدان اللغة ومن أزمة إبداع يترالاسلان مع عجز المجتمع عن التواصل الحقيقي ومع ضياع المعني في الواقع.
وللتعبير عن أزمة الهوية والاغتراب لدي الشخصية الرئيسية تستخدم الرواية مستويين مختلفين من القصٌ: فعلي مستوي الواقع الخارجي يخبرنا الراوي الأنا، وهو بطل الرواية، طوال عشرة أيام، عن أفعاله وأقواله وملاحظاته اليومية التافهة، بصورة تبدو محايدة وخالية من العاطفة، وغالبا بلا تعليق أو تقييم. إلا أنه تولَج في هذا المستوي السردي ذكريات عن الاعتقال والماضي والطفولة، وتأملات في الحب والزواج وأسباب الألم... وما إلي ذلك. إنٌ هذا المستوي الثاني يقدٌم جانبا من وعي البطل، ألا وهي آماله ومثله العليا، التي لم يزل يتماهي معها، ولكنه لا يستطيع أو لا يريد أن يصرٌح بها.
وفي هذه الرواية يتم التطرٌق إلي كلٌ المحرٌمات الجنسية والسياسية بصورة جذرية مستفزة. فكما يراقب البطل في مشهد اليوم الأول في السجن الاستغلال والعنف والمثليٌة الجنسية، فإنه يتمٌ فيما بعد التطرق إلي البغاء والعٌنة، والعادة السرية، والحب السحاقٌي. وللمرٌة الأولي يصبح سلب الحريٌة والتعذيب موضوعا أدبيا (وهذا ما عاد صنع الله إبراهيم إليه في أعمال أخري ولا سيما في روايته شرف الصادرة سنة 1997). إنه يريد أن يعبٌر عن الحقيقة كلها، بكل أطيافها، بدلا من التمجيد الدعائي للواقع. يقول المؤلٌف بهذا الخصوص: ألا يتطلب الأمر قليلا من القبح للتعبيرعن القبح المتمثل في سلوك فزيولوجي من قبيل ضرب شخص أعزل حتي الموت ووضع منفاخ في شرجه، وسلك كهربائي في فتحته التناسلية؟ وكل ذلك لأنه عبٌرعن رأي مخالف أو دافع عن حريته أو هويته الوطنية؟ ولماذا يتعين علينا عندما نكتب ألا نتحدث إلا عن جمال الزهور وروعة عبقها ، بينما الخراء يملأ الشوارع ومياه الصرف الملوثة تغطي الأرض، والجميع يشمٌون الرائحة النتنة ويتشكون منها؟ وبذلك استبقت هذه الرواية الصادرة سنة 1966 مرحلة التحليل والنقد الذاتي الجذريين، اللذين سيكون علي العالم العربي أن يشهدهما علي أوسع نطاق، نتيجة الصدمة التي أحدثتها الهزيمة العسكرية والسياسية في حرب حزيران 1967 مع إسرائيل.
وانسجاما مع السعي إلي الأصليٌة والحقيقة فإن اللغة أيضا تتجرد في هذه الرواية من كلٌ المكوٌنات التي تزيٌن الواقع وتزوٌره، فتتمٌ عملية تنظيف من خلال تقشف جذري واقتضاب ودقة مطلقة في الأسلوب. ويتجلٌي ذلك علي مستوي القصٌ المتعلق بالواقع الخارجي في جمل قصيرة جدا، كثيرا ما لا تحوي سوي أفعال وأسماء مصدر، ولكنها تستغني بصورة شبه كاملة عن الصفات والمجازات والأشكال البلاغية. وبذلك ينشأ أسلوب مقطٌع رتيب يعبٌر عن علاقة الاغتراب القائمة بين البطل والمجتمع. وبالمقابل فإن طريقة التعبير علي مستوي المخيٌلة، الذي يطلعنا علي تفكير الشخصية الرئيسية وشعورها، شديدة التنوع من حيث بنية الجملة، وتستخدم فيها كل الأشكال البلاغية الممكنة.
***********
عندما صدرت رواية تلك الرائحة كانت الجدالات حول التزام الأديب قد تجاوزت ذروتها. فقد كان مذهب الواقعية الأدبية، ولاسيما الواقعية الاشتراكية العربية، التي رجوٌج لها عموما،مذهبا أدبيا واسع الانتشار، ولكنٌ الأدباء الشباب من جيل الستينيات شعروا بأن في إيمانه بالتقدم وفي أسلوبه نفاقا وجمودا. وبما أنٌ رواية تلك الرائحة قد قطعت علاقتها بالتقاليد الأدبية السائدة، وأدخلت استراتيجيات قصٌ تجديدية تضع القارئ في مواجهة نظرة جديدة صادقة إلي الواقع، وأمام تصور جمالي جديد، فقد عجدٌت تلك الرواية طليعية. وهكذا اكتسبت هذه الرواية الصغيرة الشديدة الاستفزاز أهمية مركزية في تاريخ الأدب العربي: لقد غدت نصا معياريا لتحوٌل النسق من الواقعية الأدبية إلي حداثة أدبيٌة عربية.
ومن ناحية تاريخ النشر أيضا شكلت هذه الرواية قضية سياسية: فقد كان لا بدٌ من أن تنقضي عشرون سنة قبل أن يجسمح سنة 1986 بنشرها بالعربية دون اختصار أو حذف. ففي عام 1966 اتّجخذ تصوير الأمور الجنسية ذريعة لمنع كتاب لمؤلٌف ما زال غير معروف، بغية الحيلولة دون حدوث نقاش حول الاعتقال والتعذيب، كما يري صنع الله إبراهيم. وفي عامي 1969 و 1971 صدرت في القاهرة وبيروت صيغتان ملطٌفتان بشدٌة، ولكن الكتاب في شكله الحقيقي كان يجتداول سرٌا كنسخة مصوٌرة، وقد نجشرت مراجعات له، حتي أنه أصبح في أوائل السبعينيات جزءا من منهاج امتحان الماجستير في الأدب العربي. ولم ينجشر الكتاب بنصٌه الكامل إلاٌ سنة 1971 مترجما إلي الإنكليزية، وقد قامت الباحثة ماريا ستاغ بتوثيق هذه القضية وغيرها من قضايا الرقابة وسلب الحرية في دراسة هامٌة بعنوان: حدود حرية التعبير، الصادرة بالإنكليزية سنة 1993.
وفي روايات صنع الله إبراهيم الأخري كثيرا ما تطالعنا شخصية المثقف الانتقادي، الذي يراقب الأوضاع والعلاقات الاجتماعية والسياسية وكذلك النفسية، ويتفكٌر فيها، بمنأي انتقادي واندهاش واستغراب، وتنعكس عليه تلك الأوضاع والعلاقات بصورة سلبية: إنٌ علي القارئ أن يكون باستمرار مستعدا لتقبل تقنيات تأليف تجديدية متميٌزة ومركبة إلي أقصي حد. فرواية نجمة أغسطس المنشورة سنة 1974، علي سبيل المثال، بأقسامها الثلاثة المختلفة من حيث الصوغ، تحاكي بنية سدٌ أسوان العالي، الذي كان المؤلف قد كتب حوله تحقيقا صحفيا بعنوان إنسان السدٌ العالي، بعد أن زاره سنة 1965 برفقة اثنين من أصدقاء زمن السجن، وقد نجشر ذلك الريبورتاج سنة 1967. وتتحدث هذه الرواية عن التناقض بين صورة بناء السد المرسومة في وسائل الإعلام وبين الواقع القمعي اللا إنساني في مكان البناء، وتبرز أوجه التطابق بين جمال عبد الناصر وبين الملك الفرعوني رمسيس الثاني، الذي بني معبد أبو سمبل. فقد شيٌد كلٌ منهما لنفسه نصبا تذكاريا عبر أعمال بناء ضخمة. وعلاوة علي ذلك تورد الرواية، في إضاءات إلي الخلف، ذكريات أكثر تفصيلا تتصف بطابع السيرة الذاتية، عن إقامة في السجن، وعن صديق يذكر بالاسم، ألا وهو شهدي عطيٌة الشافعي، كما تورد مقتطفات من كتاب حول ميكلانجيلو. وفي القسم الأوسط من الرواية، الذي يتراسل مع الجزء الأساسي من السدٌ، يتمٌ تكثيف كل مستويات المعني، حيث تتشابك كل أنواع النصوص مع بعضها بعضا دون تمييز.
ومن أشهر روايات صنع الله إبراهيم رواية اللجنة الصادرة سنة 1981، وهي هجاء ساخر لسياسة الانفتاح التي انتجهجت في عهد السادات (19701981)، وفتحت مصر اعتبارا من عام 1974 للبضائع والاستثمارات الغربية، وأدٌت بسرعة إلي اغتناء طبقة صغيرة عليا، ولكن إلي إفقار أقسام كبيرة من الطبقة الوسطي والشرائح الدنيا. وفي هذه الرواية يقف مثقف يساري أمام محكمة عبثية كافكاوية، حيث يتعرٌض لامتحان علي ثلاثة مراحل، يوضٌح من خلالها دور الشركات الكبري المتعددة الجنسيات، كشركة كوكاكولا، والآثار السلبية لسياسة السادات الاقتصادية، كالفساد والاستغلال، وتزايد النفوذ الأمريكي. ومن باب التهكم تجعل الرواية القاصٌ يلتهم نفسه في النهاية بدلا من أن يتمرٌد. إلاٌ أنٌ هذه النهاية تدعو القارئ لأن يفضح تلك العلاقات وأن يقف ضدٌها. وتصاعد استخدام التهكم والفكاهة السوداء في رواية ذات الناجحة جدا، التي صدرت عام 1992، وهي رواية تصوٌر حياة امرأة من الطبقة الوسطي المصرية خلال حكم الرؤساء الثلاثة: عبد الناصر، والسادات، ومبارك، وما رافقها من تدهور للظروف المعيشية، وانحلال للأخلاق العامة، وصعود للتعصب الديني. وفي هذه الرواية، كما في أعماله الروائية الأخري، لجأ صنع الله إبراهيم إلي التناصٌ، وذلك بأن ركٌب أحيانا بكثافة شديدة قصاصات من صحف ونصوص علمية، وحوٌلها إلي كولاجات تكمٌل القصة من ناحية، وتسخر منها من ناحية أخري. وبذلك يواجَه القارئ بالأوضاع العبثية، وبالتيارات والنقاشات الفكرية المعاصرة، ويدعي علي مستوي رفيع من التأمل إلي محاورتها واتخاذ موقف منها.
وكثيرا ما اتهم الكاتب صنع الله إبراهيم المسؤولين السياسيين العرب بأنهم يقبلون السياسة الأمريكية وينفذونها في بلدانهم، دون أن يراعوا مصالح شعوبهم بصورة كافية. فهو في أحدث رواياته أمريكانلي، الصادرة سنة 2003، والتي يشكل عنوانها صياغة جديدة تعني أمريكي، يعالج جوانب من التاريخين الأمريكي والمصري، انطلاقا من النظرة الانتقادية لأستاذ مصري للتاريخ المقارن يعمل في معهد أمريكي. (كان صنع الله نفسه سنة 1998 أستاذا زائرا للأدب العربي الحديث في قسم الشرق الأوسط بجامعة بيركلي في كاليفورنيا). ونظرا لأنٌ أمريكانلي قد صيغت علي نمط الكلمة التركيةالعثمانية عثمانلي، أي عثماني، فإن الرواية تتوصل إلي أن هناك تطابقا بين السيطرة العثمانية السابقة وبين التأثير الأمريكي المعاصر في الاقتصاد والسياسة المصريين، علما بأنٌ عنوان الرواية يمكن أن يقرأ أيضا: أمري كان لي، أي كنت ذات يوم سيٌد نفسي.
وبصفته مؤرخا لزمانه صوٌر صنع الله إبراهيم أيضا الحرب الأهلية اللبنانية في روايته بيروت بيروت الصادرة سنة 1984، كما عالج في روايته وردة الصادرة عام 2000 الثورة المخمدة التي نشبت في سلطنة عجمان في بداية السبعينيات.
سعي صنع الله إبراهيم دائما لتحقيق وحدة القول والفعل. فقد استغني عن أيٌ وظيفة في مؤسسات الدولة، وذلك من أجل أن يحافظ علي استقلاله ككاتب حرٌ. وعوضا عن ذلك حصل علي دخله الأساسي من كتابة سيناريوهات سينمائية وتلفزيونية، وروايات بيئية للشبيبة، ومن الترجمات: فقد ترجم مثلا رواية العدو لجيمس دروت، ورواية حمار بوريدان لغونتر دي بروين إلي العربية، بالإضافة إلي مجموعة من النصوص النثرية لمؤلفين غربيين مختلفين، صدرت بعنوان التجربة الأنثوية.
كذلك لم يسمح صنع الله إبراهيم للجهاز الثقافي الحكومي بأن يستوعبه. ومع أنه قد حصل علي العديد من الجوائز التقديرية _كجائزة غالب هلسا التي منحته إياها رابطة الكتاب الأردنيين سنة 1992، وجائزة سلطان العويس المعتبرة التي تمنحها دولة الإمارات العربية فقد سمح لنفسه بأن يرفض دعوات وجوائز، إذا وجد فيها أدني شبهة بأنها توظَّف لغرض سياسيٌ، مثلما فعل سنة 1998، عندما رفض جائزة نجيب محفوظ التي تمنحها الجامعة الأمريكية في القاهرة، أو في عام 2003، عندما رفض الجائزة التقديرية ذات القيمة المالية العالية، التي تمنحها وزارة الثقافة المصرية لأفضل رواية عربية. فالحكومة المصرية، حسب قوله، تفتقر إلي المصداقية التي تخوٌلها منح جائزة كهذه، وذلك نظرا لأن تلك الحكومة تتغاضي عن مساعي السيطرة الأمريكية علي المنطقة، وعن احتلال العراق، وعن الاحتلال الإسرائيلي وما يمارسه في مناطق الحكم الذاتي الفلسطيني من تدمير، وعن الفساد وتدني مستوي المعيشة في مصر.
وعلي الرغم من كلٌ ما لحق به من أذي، وما ووجه به من عداء، ظلٌ صنع الله إبراهيم طوال حياته وفيا لمثله الأعلي، ألا وهو البحث عن الحقيقة، وبقي منوٌرا ومنذرا لا يكلٌ، وضمير الأمة الذي لا يهاب. إنٌ هذا البحث الجسور عن الحقيقة والمعرفة، وميزة أنه لا يعرف الخوف من التعامل مع الغريب أو الفكر الغريب ومحاورته، هما ما يربط صنع الله إبراهيم بابن رشد. فجائزة ابن رشد تمنح اليوم لرجل وقف عبر كتابته وتصرٌفه ضدٌ كلٌ أنواع الوصاية والكذب والتعسف والعنف وانتهاك حقوق الإنسان. إن اسم صنع الله إبراهيم يرمز إلي حرية الفكر وكرامة الإنسان.
ألمانيا
|
|
|
ناصية
لأي سبب يغلق المتحف الوحيد في سيناء ؟
أحمد الخميسي
وعندما دخل الالمان باريس وهاجموا مرسم الفنان العالمي 'بيكاسو' وشاهدوا لوحة 'الجيرونيكا' التي تصور فظائع الحرب، سألوا بيكاسوا: هل أنت الذي رسمت هذا؟ فأجابهم: بل انتم، وقد أنتهت الحرب، وظلت المتاحف والآثار واللوحات شاهدا علي ان قدرة البشر علي صيانة التاريخ وحماية عقل الامة من العدوان عليه أقوي من أي شيء،
في أثناء الحرب العالمية الثانية وتحت قصف القنابل ووهج النيران وتساقط العمائر والبشر شكلت القيادات السياسية في باريس وموسكو ولندن مجموعات خاصة للإشراف علي المتاحف وحماية كنوز التراث ووضع الخطط لتهريب تلك الآثار اذا تمكنت جيوش الغزاة الالمان من غزو العواصم الاوروبية واقتحامها. ولم يكن لتلك المجموعات من عمل سوي متابعة أوضاع المتاحف وسلامتها.، ولم ينس أحد في غمرة القصف المتصل الذي أحال سماء أوروبا إلي صفحة مشتعلة من الجحيم أن الحرب، وكل حرب، تستهدف في نهاية الأمر: ثقافة الأمة وعقلها وتاريخها..
وعندما دخل الالمان باريس وهاجموا مرسم الفنان العالمي 'بيكاسو' وشاهدوا لوحة 'الجيرونيكا' التي تصور فظائع الحرب، سألوا بيكاسوا: هل أنت الذي رسمت هذا؟ فأجابهم: بل انتم، وقد أنتهت الحرب، وظلت المتاحف والآثار واللوحات شاهدا علي ان قدرة البشر علي صيانة التاريخ وحماية عقل الامة من العدوان عليه أقوي من أي شيء، وفي أوربا تتم صيانة كل حجر صغير مرتبط بالتراث، وكل ماسورة مدفع شارك في مقاومة، وكل صورة، وأثر، وتحاط كل تلك الأشياء بعناية فائقة واهتمام بالغ، اما عندنا فإننا ، من دون قصف او عدوان نتولي بانفسنا في عهد السلم تدمير المتاحف واغلاقها وتخزين تراثنا القومي لحين اشعار اخر هذا ماحدث في شمال سيناء، وتحديدا في العريش، فقد قامت مجموعة من المثقفين المخلصين عام 1983 بمبادرة ذاتية بانشاء جمعية الحفاظ علي التراث السيناوي لحمايته من النهب الاسرائيلي لذلك التراث ونسبته لليهود.
وأسس الجمعية كمال الحلو ومحمد عبيد عايش وسعيد ممتاز والمرحوم مصطفي بكير وآخرون.. وشرعت تلك المجموعة بجهودها الذاتية في جمع نماذج من البيت العرايشي القديم، ومن الأعشاب الطبية المستخدمة في سيناء، وحيوانات محنطة من المنطقة، وادوات العمل والطعام والقتال والملابس التي يستخدمها المواطن في سيناء، وجمعت مصنفات تاريخية من عهد الاتراك والمماليك، ووثائق كثيرة تسجل تاريخ المنطقة.. ثم اشهرت تلك المجموعة جمعية. متحف التراث السيناوي.. واتخذت له مقرا بالقرب من مبني المحافظة.. واصبح ذلك المتحف احدي العلامات الحضارية في العريش وصار مزارا لكل من يتردد علي المنطقة يتعرف من خلاله الي تاريخ سيناء وشعبها، إلا أن أحمد عبدالحميد محافظ شمال سيناء فاجأ المثقفين هناك بقرار منذ عشرة أيام باغلاق المتحف! وأعرب الأدباء والكتاب هناك عن غضبهم.. ورفضوا التكريم الرسمي الذي رتبته لهم لجنة الإعلام التابعة للمجلس المحلي ما لم يتم التحقيق في مسألة المتحف.. مجموعة كبيرة من الكتاب والشعراء منهم أحمد سواركة، وحاتم عبدالهادي، وأسعد الكاشف، ومحمد ناجي، وأحمد ابحج، وغيرهم، سجلت احتجاجها الرسمي واستنكرت أن يتم تخزين 'التراث' في غرف مغلقة معتمة وأن يترك هذا التاريخ نهبا لظلام الاهمال وغباره. لقد تأسس المتحف بجهود ذاتية طويلة ومضنية. بذل خلالها الكثيرون من وقتهم ومالهم وعرقهم فقط من أجل الحفاظ علي تراث سيناء حيا وملهما ومشعا، فاذا بجرة قلم تحيل أعظم مالدينا إلي عدم. جدير بالذكر أن هذا المتحف هو الوحيد في مصر المتخصص في التراث والبيئة المحلية، كما انه واحد من سبعة متاحف علي مستوي العالم العربي تعني بشئون البيئة.
السيد المحافظ أحمد عبدالحميد برر قراره بأنه في حاجة إلي قاعة مؤتمرات كبري دولية لتنشيط العلاقات مع الدول الاخري، ويقول ادباء سينا: 'لسنا ضد ان تقام قاعة لاية مؤتمرات، لكن لماذا يتم ذلك علي حساب ثقافتنا وتراثنا؟..
وهل اصبحت المؤتمرات وحشا يلتهم الثقافة والتراث؟! . انني اناشد السيد المحافظ مع ادباء وشعراء وكتاب سيناء ان يتراجع عن قراره، وأن يثبت لنا أننا قادرون علي حماية تراثنا من انفسنا. خاصة ان العريش وكتابها هي احدي نقاط المواجهة التي تقع في الخط الامامي.
|
|
|
|