|
|
| السنة - | 609 | ه - العدد | 1426 | صفر | من | 3 | - م | 2005 | مارس | من | 13 | الأحد |
|
 |
| بتوقيت القاهرة |
 |
11:00:10 ص |
 |
الساعة - |
 |
11/03/2004 |
 |
آخر تحديث يوم |
|
| شرق وغرب |
 |
|
|
اتفاق معمد بالدم
قصة: ماريو بنيديتي
ترجمة: د. طلعت شاهين
في هذه اللحظات لم يعد أحد يناديني باسمي: "اوكتابيو". ينادونني جميعا بلقب "الجد". حتي ابنتي لم تعد تقول لي "يا أبي". عندما يبلغ الواحد منا، مثلي أنا، الرابعة والثمانين، ماذا يمكنه أن يطلب أكثر من هذا. لا اطلب شيئا. كنت ولا زلت معتزا بكرامتي. إلا أنني اعتدت منذ سنوات البقاء في الكرسي الهزاز أو في السرير. لا أتكلم. اعتقد الآخرون أنني فقدت القدرة علي الكلام، حتي الطبيب اعتقد هذا. لكني أستطيع الكلام، أتحدث في الليل، أتحاور مع نفسي، بالطبع أتحاور مع نفسي بصوت منخفض، حتي لا يسمعوني. أتكلم فقط عندما اشعر بأنهم لن يسمعوني. المهم، لماذا كل هذا؟ لحسن الحظ، يمكنني الذهاب إلي الحمام بلا مساعدة من أحد. تلك الخطوات السبع التي تنتظرني ما بين الحمام ومكاني لا زلت أستطيع القيام بها بمفردي. أما الاستحمام فلا أستطيعه بمفردي، هذا ما لا أستطيع أن افعله دون مساعدة، لكن نظافتي العامة يقوم بها ممرض مرة واحدة في الأسبوع (أتمني أن تكون لأكثر من مرة، لكن يبدو أن هذا مكلف ماليا جدا). فالممرض يحممني في السرير. لا يفعل ذلك بشكل سيئ. أنا أتركه يفعل ذلك، لا أملك إزاءه شيئا آخر. إنها طريقة مريحة إضافة إلي انه يمارسها بمهارة ممتازة. عندما يمرر في النهاية المنشفة المبتلة والباردة ما بين خصيتي، أشعر انه يفعل هذا بشكل جيد، وان كان بالطبع لا يستطيع أن يحيي ما مات. أحيانا، عندما اذهب إلي الحمام انظر إلي مواضع خجلي في المرآة، انه اسم علي مسمي، مواضع خجلي. تبدو كذقن تيس عجوز، هذا هو ما يمكن تسميته. لكني اعترف بان منشفة الممرض الباردة تجعلني اشعر بالتحسن. انه يشبه "الحمام الحيوي" الذي أشار عليَ به أحد المختصين في الأعشاب الطبية قبل ستين عاما. لقد كان (هو وليس أنا) عجوز، ونحيف، ومجعد الشعر تماما، نظراته شاحبة لكنها مليئة بالحكمة وصوته محايد إلا انه بشوش. أجلسني أمامه، ألقي عليٌ نظرة لم تدم أكثر من دقيقة واحدة، وعلي الفور بدأ في الكتابة علي الآلة الكاتبة، آلة قديمة من طراز "ريمينجتون" تبدو كما لو كانت تراما. كانت بطاقتي كمريض جديد لديه. فيما كان يكتب، كان يقرأ النص بصوت مرتفع، ربما ليتأكد من أنني قد أصحح له بعض المعلومات. كان مدهشا. كل ما نطقه كان دقيقا بشكل كبير. أجصبت مرتين الحصبة، ومرة باحتقان الجلد ومرة بالحمي القرمزية، والدفتيريا، والتيفود، مارست ألعاب القوي في طفولتي، كان هذا من حسن الحظ وإلا أصبت اليوم بضيق التنفس، ودوالي الشرايين المبكر، والانزلاق الغضروفي، وكانت لدي أسنان قوية وأشياء أخري إضافية. لم انتبه إلي ذلك اليوم أنني كنت احتوي علي كل هذه الأشياء. ولكن بفضل ذلك الرجل ونصائحه تحسنت صحتي شيئا فشيئا. لكن السيئ جاء فيما بعد، بمرور سنة فأخري، فأخري. سنوات. لا يمكن لطبيب أعشاب أو حتي قاتل أحياء يمكنه إنقاصها عنك. والآن يجب علي أن أظل معظم الوقت ساكنا وصامتا (السكون فأنا مجبر عليه، أما الصمت فهو هوايتي)، كانت تسليتي استرجاع أحداث حياتي، والبحث وإعادة البحث عن تفاصيل اعتقدت أنني نسيتها ولكنها ظلت مختبئة في أركان الذاكرة. أري بعيني الدامعتين معظم الوقت (ليس بسبب البكاء ولكن بسبب الشيخوخة) واستعيد رؤيته خطوط كفوف يدي. التي لم تعد تحتفظ بذكريات النساء اللاتي دغدغتهن، ولكن لا تزال ذاكرتي تحتفظ بذكراهن، وأستطيع أن امرر أجسادهن كمن يستعيد فيلما وأستطيع إيقاف اللقطات حسب رغبتي لأدقق في عنق (ربما يكون عنق آنا؟) الذي أثارني دائما، ادقق في نهد (ربما كان نهد "لويسا"؟) الذي جعلني اعتقد في وجود الله طوال عام كامل، أو ادقق في خاصرة (ربما تكون خاصرة "كارمن"؟) التي كانت تشتاق إلي ذراعي اللذين كانا قويين وقتها، أو ادقق في عانة محاطة بعشب أشقر كنت اسميه وقتها الغرة الذهبية (ربما تكون عانة "ايما"؟) التي كانت تبدو في أحلامي (أعشابا شهوانية) وفي كوابيسي. انه أمر مثير، دائما ما أتذكر تفاصيل صغير من الجسد ولا أتذكر الوجوه أو الأسماء. أحيانا أتذكر اسما دون أن امتلك أدني فكرة عن الجسد الذي ينطبق عليه. أين هن الآن هاتيك النساء؟ هل لا زلن علي قيد الحياة؟ هل ينادون عليهن بالجدات، فقط جدات؟، ولا يوجد هناك من ينادي عليهن بأسمائهن المجردة؟، الشيخوخة تغرقنا في عالم من التجهيل. يقولون في إسبانيا أو كانت تقول الصحف: مات عجوز في السبعين من عمره. الملعونون. إذن أي صفة يطلقونها علينا نحن من بلغنا الثمانين؟، هل يطلقون عليها حطاما؟، بقايا؟ بلا ملامح؟. عندما كنت في الستين كنت أي شيء إلا أن أكون عجوزا. كنت ألعب الكرة علي الشاطئ مع أصدقاء أبنائي وكنت أفوز عليهم بقليل من الجهد. في السرير، كانت ماكينتي تكمل عملها خلال الحوار الجسدي بكرامة تحسد عليها. وأنا عقليا كنت أكمل مهمتي أيضا. في العمل لا أستطيع أن أقول أنني كنت الأول ولكني كنت أفوز علي الجميع دائما. دائما ما عرفت كيف استمتع، نعم ولكن دون أن أسيء إلي تريسا. آه أخيرا هناك اسم اذكره مع جسده. بالطبع فقد كانت زوجتي. ظللنا معا لسنوات طويلة، علي المرة وكنا معا أكثر في اللذة. هي، كانت تقوم بواجبها بما استطاعت. من الممكن تخيل أن لي مغامرات أخري هناك، لكنني لم افعل أبدا ما يستوجب الغيرة، من تلك الأشياء التي تسيء إلي حياتي الخاصة. بالمقابل، كنت حريصا دائما علي الحفاظ عليها. ألا أشعرها بالخجل أبدا، ألا أجعرضها للسخرية (وهذا أول واجبات الزوج الطيب)، لأن هذا هو ما لا أسمح به لنفسي. أحببتها كثيرا، بالطبع كان حبا مختلفا. كانت تمثل نصفي الثاني المكمل لي بشكل ما. وكانت أيضا مساعدتي في تخطي لحظات غضبي. هذا كاف. أنجبت لي ثلاثة أولاد وفتاة. هذا كاف. نوبة الربو التي قتلتها كانت بداية للنوبة القلبية التي أصابتني. كانت في الثامنة والستين، وأنا كنت في السبعين. أي منذ حوالي أربعة عشر عاما. ليست بالكثير. من حينها بدأت حالة الجذر لدي. ولا تزال تتواصل. مع من يمكنني أن أتكلم؟. اعرف أنني بالنسبة لابنتي ولزوج ابنتي لست أكثر من حمل ثقيل. لن أقول أنهما لا يحباني، ربما كان حبهما لي كمن يحب أثاث أثري أو ساعة سويسرية قديمة أو (مثل هذا الزمان) حب امتلاك فرن كهربائي. لن أقول أن هذا ليس أمرا طيبا. كل ما أريده هو أن يتركاني أفكر. تأتي ابنتي مبكرا كل صباح ولا تقول لي كيف حالك يا أبي بل كيف حالك يا جد، كما لو لم تكن من نتاج حيواناتي المنوية ما قبل التاريخية. يأتي زوج ابنتي في منتصف النهار ويقول كيف حالك يا جد. عندما تأتي منها فإنها لا تبدو خطأ بل تعبيرا عن محبة. وأنا اقدر هذا التعبير، لأنه جاء نتيجة حيوانات منوية مختلفة، ربما كانت نطفة إيطالية لان اسمه "آلدو كاجنولي". يا للسعادة لقد تذكرت اسما كاملا. سواء تحية ابنتي أم تحية زوج ابنتي أجيبها بابتسامة، أو هزة رأس بالموافقة ونظرة، نظرة حانية كما هي العادة، لكن بذكاء. هذا ما أقوله لنفسي، بما يعني انه ليس عطفا من جانبي ولا حتي تظاهرا بذلك، وهو من الأمور المعتادة اليوم. أقول بذلك، لان الأمر يحدث علي هذا النحو. وأنا أيضا لدي انطباع أنهم يحمدون الله علي أنني لا أستطيع الكلام (هذا ما يعتقدونه). اعتقد أن هذا ما يعتقدون: كم من تخريفات عجوز استطاعوا التخلص منها. ومع ذلك، فأنا أري أنهم يخسرون الكثير. لأنني اعرف انه يمكنني أن احكي لهم أشياء لطيفة، ذكريات هي جزء من التاريخ. ماذا يعرفون هم عن الحروب العالمية، عن أول سيارة فورد، أو الألعاب الأولمبية، عن موت "باتل" أو "اوردونييث"، أو وداع "رودوو" عند ذهابه إلي إيطاليا، ماذا يعرفون عن احتفالات المئوية. بما أنني احكي ذلك لنفسي فليس علي أن أحافظ علي تسلسل الأحداث التاريخي، هذا لحسن الحظ. ماذا يعرفون؟، فقط يعرفون نبأ أو هامشا أسفل الصفحة، أو إشارة يذكرها سياسي في أحد خطاباته. لا أكثر من ذلك. لكن المناخ المحيط بتلك الأحداث والناس في الشوارع، مشاعر الحزن أو تعبيرات الوجوه، الشمس أو الأمطار التي كانت تعلو رؤوس التظاهرات، سقف الشماسي الذي غطي الجماهير عندما فازت أوروجواي علي إيطاليا بثلاثة أهداف مقابل هدفين خلال مباراة نصف النهائي في امستردام، وطريقة التعليق علي المباراة التي لم تكن تأتي كما يحدث الآن عن طريق القمر الاصطناعي بل تأتي عبر التلغراف (أوروجواي تهجم، كورنر لإيطاليا، يضغط الإيطاليون علي مرمي "مزالي"، شوطة ل "ساكروني" بعيدة عن المرمي، الخ..) إنهم لا يعرفون ويخسرون كثيرا. عندما تأتي ابنتي وتقول لي كيف حالك يا جد، كان يجب أن أقول لها هل تتذكرين يا ابنتي عندما كنت تأتين باكية لأن ابن الجيران قال لك يا سوداء وأنت كنت تعتقدين انه يحقرك لأنك بيضاء، وأنا شرحت لك أن ابن الجيران يقول لك ذلك لأن شعرك غامق اللون، إضافة إلي أن السود مثلنا تماما في كل شيء ما عدا لون البشرة، ولذلك كلمة ابن الجيران لا تعني شيئا مخجلا، بل أن السود يمكن أن يكونوا طيبين بل أكثر من البيض جدا. وكنت أقول لك لا تقلقي يا ابنتي الحلوة جففي دموعك، فتعودين إلي اللعب مع الأطفال من جديد وتضعي ابن الجيران في موقف محير عندما تقولين له باحتقار: أيها الأبيض. يمكنني أن أجذكرك بذلك، لكن لمَ. ربما تقولين، دعك من هذه الترهات يا جد. وربما لا تقولين ذلك، ولكني لا أريد أن أخاطر بسماع ذلك. إنها ليست ترهات، "تريسا" (اسمك علي اسم أمك، يبدو أننا كنا قصيري التفكير ولم نكلف أنفسنا عناء العثور علي اسم آخر) علمتك أنا أشياء وأمك أيضا. ولكن لماذا عندما تتحدثين عنها تقولين، عندما كانت أمي تعيش، وأنا تسأليني كيف حالك يا جد. ربما، لو كنت قد مت قبلها، تقولين اليوم عندما كان أبي علي قيد الحياة. المؤسف أن الأب لا يزال يعيش، لا يتكلم لكنه يفكر، لا يتكلم لكنه يشعر.
الوحيد الذي يملك كل الحق في أن يناديني بلقب الجد هو حفيدي بالطبع، الذي اسمه "اوكتابيو" مثلي (يبدو أن ابنتي وزوج ابنتي لم يكلفا أنفسهما مشقة التفكير ليبحثا له عن اسم آخر). هنا يكمن سر الحقيقية، عندما أناديه "اوكتابيو"، لان حفيدي هو الإنسان الوحيد الذي أتكلم معه، إضافة إلي كلامي مع نفسي. بدأ هذا قبل عام مضي، عندما كان "اوكتابيو" في السابعة من عمره. عندما كنت مغلق العينين ومعتقدا أنني وحدي قلت بصوت منخفض ولكنه مسموع: "تؤلمني كليتي". لكني لم أكن وحدي، فقد دخل حفيدي دون أن انتبه لوجوده فقال بدهشة أثارت مشاعري: جدي أنت تتكلم. سألته إن كان هناك شخص آخر في البيت ولأنه قال لي لا، انه ليس هناك احد، عرضت عليه اتفاقا. أن يحافظ علي سر أنني أستطيع الكلام، وبالمقابل أن احكي له حكايات لا يعرفها أحد غيري. قال حسن، ولكن علينا تأكيد هذا الاتفاق بالدم. خرج وعاد علي الفور بشفرة حلاقة وزجاجة كحول وربطة قطن، انه يتصرف جيدا ويعرف القواعد الصحية منذ مجموعة الحقن التي حقنوه بها كتطعيمه ضد الإصابة بالحساسية. وبكل هدوء أحدث في ساعدي وساعده جرحا بسيطا جدا كاف لخروج بعض القطرات من الدم، بعدها ضممنا جرحينا إلي بعضهما وتعانقنا. بلل بعدها "اوكتابيو" القطن بالكحول، وضغط به علي الجرحين لمنع الدم من الاستمرار وخرج مسرعا ليترك كل شيء في مكانه في صيدلية البيت. منذ ذلك الحين عندما نكون وحدنا في البيت، وهذا كان يحدث كثيرا، يأتي ويطلب مني أن احكي له حكاية من تلك الحكايات المجهولة تنفيذا للاتفاق. عندما تخرج ابنتي وزوج ابنتي من البيت يقولون له هل لك أن تحرس الجد، ويقول هو انه موافق بنوع من التذمر لإخفاء حقيقة مشاعره، ولكنه يغمز لي علي الفور بعينيه، وما أن يسمع انصفاق الباب الذي يؤكد وجودنا وحيدين، يأتي بكرسي إلي جوار كرسي الهزاز أو السرير منتظرا سماع حكاياتي كجزء لا يمكن التنازل عنه من الاتفاق المعمد بالدم. ويجب أن تكون الحكايات دائما جديدة. ومن هنا تأتي المشكلة، لأنني أقضي معظم وقتي بالنهار مغمض العينين، كما لو كنت نائما، لكني في الحقيقة أفكر في الحكاية القادمة وأحاول أن احفظ أدق تفاصيلها، لأنه في حكايتي السابقة إن قلت أن الثعلب أصيب في قدمه بعد وقوعه في فخ فيما يجري الآن بحثا عن الدجاجات. فيلفت "اوكتابيو" نظري علي الفور بان الثعلب لم يكن لديه الوقت الكافي ليشفي فيجري وحينها علي أن ابحث عن حيلة لتصحيح الواقعة عن طريق اللجوء إلي مشاكل الحكي الشفوي وأعترف بأنني أخطأت وقلت يجري بينما كان يجب أن أقول يعرج. وإذا كان ساحر الجبل العجوز فقد شعر رأسه بسبب العرق الذي أصابه أثناء ضربه لأقزام الغابة في قصة سابقة وأقول في القصة اللاحقة انه كان يمشك شعر رأسه وهو ينظر في سطح البحيرة، يلاحظ "اوكتابيو" علي الفور: "كيف ذلك يا جدي ألم يكن أصلعا؟". وهنا يمكنني أن انجح بشكل أفضل في تصحيح الموقف، فهو ساحر، والساحر يمكنه استعادة شعر رأسه باستخدام ترياقه السحري، ويسأل الحفيد إن كان يمكنه استعادة شعر رأسه هو أيضا لو فقده في يوم من الأيام، لا، أنت لا، اخدعه، لأنك لست ساحرا. ويقول هو إنه مؤسف وفي الحقيقة لديه بعض الحق، لأنني لو كنت ساحرا أنا أيضا كان يمكنني أن استعيد بعض شعر رأسي الذي فقدته قبل أن أكمل الخمسين من عمري. أنا لست الوحيد الذي يحكي الحكايات، هو أيضا يحكي لي ما يحدث في المدرسة، وفي الشارع، وفي التليفزيون، وفي الملعب. فهو من مشجعي نادي "الدانوب" ويندهش لأنني أشجع "الوندورز". ويحاول أن يجذبني إلي ناديه ولكن بالطبع لا يملك أحد الإمكانيات ليجعلني أغير رأيي، عندها أقص عليه حكايات عن مباريات كرة قدم قديمة، أو بعض الألعاب الشهيرة، مثل لعبة "بيندبيني" الذي سجل هدفا شهيرا في حارس المرمي الإلهي "ثامورا"، أو عندما تمكن النحيف "جارثيا" من الحفاظ علي شباكه نظيفة (بالطبع كانت اللعبات الخلفية بكرة القدم لا يمكن أن يلعبها سوي "نازاسي" و"دموينجيس دا جيا") من خلال الدوران دورة ونصف، أو عندما سجل "جيجيا" هدف الفوز في إستاد "ماراكانا" البرازيلي، أو عندما أو عندما أو عندما. كان يستمع إلي ككلام مقدس وان أفكر بأنني حسن الحظ لأنني لا أزال أستطيع الكلام ويمكنني إثارة دهشته وهذه كانت لذتي الوحيدة.
في الحقيقة لا اذكر كيف كان شكل أبنائي عندما كانوا في عمر حفيدي "اوكتابيو". أكبرهم توفي. كم من الوقت مضي علي وفات "سيمون"؟. مات بعد وفاة "تريسا" زوجتي. علي أي حال ما أهمية تاريخ الوفاة؟ لقد مات وانتهي الأمر. لم يكن لديه أولاد، فيما اعتقد. أو ربما نسيت أنا هذا؟ لست متأكدا من حجم فقداني لقدراتي علي التذكر، التي تبدو أحيانا بحجم المحيطات. الابن الثاني، "براوليو"، نعم لديه أولاد، لكنهم يعيشون جميعا في "دنفر". تري لماذا ذهب إلي هناك؟، في الحقيقة لا اذكر سبب ذهابه ليعيش هناك. يرسل أحيانا بعض الصور، التي يلتقطها بآلته "البلورايد"، أو يرسل بعض البطاقات البريدية، مع قبلات للعجوز، الذي هو أنا، هو لا يطلق عليٌ لقب الجد، يسميني العجوز، ويا له من اختلاف. اعترف انه أرسل لي مرة راديو صغيرا لا يزال معي واسمعه أحيانا. ولكن كثيرا ما يبقي بلا بطاريات وكان يجب عليٌ أن اطلبها. لكني لا اطلب شيئا. لم اطلب شيئا علي مطلقا. اعترف أنني متعجرف كثيرا. ولكن بعد كل هذا الزمن من الصعب أن أغير عاداتي. أليس كذلك؟. علي أي حال الخاسر هو أنا، لأن الراديو لو كانت دائما به بطاريات أمكنني سماع بعض مباريات كرة القدم، علي أي حال لن تكون كثيرة لان معلقي هذه الأيام بشكل عام يتصنعون المشاعر ويخطئون كثيرا في اللغة. يمكنني أيضا سماع برامج الموسيقي الكلاسيكية، وهي الموسيقي الوحيدة التي استمتع بها. يا لها من سعادة التي شعرت بها تلك الأمسية خلال سماع السيمفونية السابعة. كانت عندي اسطوانتها منذ زمن، من يعرف أين هي الآن؟. ربما كانت حجارة الراديو تحل لي تلك المشكلة، لولا عنجهيتي الغبية، إذن فلأقل ذلك لحفيدي، انه جزء من اتفاقنا المعمد بالدم بالحفاظ دائما علي أسرارنا، سأقول ذلك لحفيدي، انظروا راديو الجد بلا حجارة وعندها يرسلون به إلي حانوت عند الناصية لإحضارها. ربما بها أستطيع تحقيق رغبتي. أنا اعرف كيف أضعها في مكانها، وان كنت في بعض الأحيان أضعها بالمقلوب فلا يعمل الراديو. في إحدي المرات قضيت أكثر من ربع ساعة وأنا أحاول وضع الحجارة الأربعة 1.5 فولت في مكانها الصحيح. علي الأقل تسليني لبعض الوقت. أي شيء آخر أستطيع القيام به؟. القراءة، لم اعد أستطيع القراءة، ولا حتي التليفزيون أستطيع مشاهدته. لكن سماع الراديو أو تغيير حجارته، نعم أستطيع ذلك. ابني الثالث اسمه "دييجو" ويعيش في أوروبا، يعلم هناك في زيوريخ، اعتقد انه يعرف الألمانية وأشياء أخري. عنده طفلتان تعرفان اللغة الألمانية أيضا، لكنهما لا تتحدثان الإسبانية. يا له من حظ سيئ، أليس كذلك؟ يكاتبني "دييجو" أقل من "براوليو"، وهذا برغم أن تخصصه هو الأدب، لكنه بالطبع متخصص في الأدب السويسري. يرسل لي بطاقات بريدية في أعياد الميلاد، وعليها تحيات ابنتيه مكتوبة بالألمانية. وأنا لا أعرف الألمانية، اعرف بعض الإنجليزية التي كانت تساعدني في الرد علي الرسائل خلال عملي في شركة "سور" للاستيراد والتصدير. يمكنني القول أنني اعرف بعض الجمل: "استلمنا الرسالة"، "شكرا لتعاونك" وأشياء من هذا القبيل. ابني الصغير يرسل من وقت لآخر ببعض الهدايا، أرسل لي مرة سلسلة مفاتيح سويسرية من الذهب عيار 18. ابتسمت في تلك المرة، كما لو كنت أريد أن أقول هدية جميلة، ولكن في الحقيقة كنت أفكر في سوء الهدية، ما حاجتي أنا لسلسة مفاتيح من الذهب عيار 18، إذا كنت أجلس هنا شبه مقعد.
علاقتي بالعالم تتحدد في ابنتي عندما تدخل وتسألني كيف حالك يا جد، وزوج ابنتي الذي يكرر السؤال نفسه، وفي بعض الأحيان الطبيب، أو الممرض عندما يأتي لتجفيف خصيتي المتقاعدتين. وأيضا لغسل باقي جسد هذه الجريمة. حسن، بالطبع هناك حفيدي الذي اعتقد انه الوحيد الذي يساعدني علي البقاء حيا. أريد أن أقول كان يساعدني، لأنه في صباح أمس جاء وقبلني وقال لي سأسافر يا جدي إلي "دنفر" لمدة خمسة عشر يوما عند عمي "براوليو"، وأنني حصلت علي تلك الإجازة بعد أن تمكنت من تحقيق نتائج جيدة في الامتحانات. أنا لا أستطيع الكلام (ولا اعرف إن كان يمكنني الكلام بالفعل، لأن صوتي احتبس في حلقي) وكانت معي في الحجرة ابنتي وزوجها ولم يكن حفيدي قادرا علي خرق اتفاقنا المعمد بالدم. فأعدت له القبلة وضغطت علي يده ووضعت ساعدي إلي جوار ساعده كتأكيد علي اتفاقنا، اعرف انه فهم أنني متأسف لأنه لن يجد من يحكي له حكايات جديدة. ثم ذهبوا. بعد ثلاث أو أربع ساعات عاد "آلدو"، فقط "آلدو" وحده، وقال لي، بص يا جد "اوكتابيو" لن يذهب في إجازة لخمسة عشر يوما بل لمدة عام وربما أكثر، نريده أن يدرس في الولايات المتحدة، وهكذا يتعلم الإنجليزية منذ طفولته ويمكنه أن يحصل علي دراسة تفيده أكثر. وهو لم يقل لك ذلك لأنه لا يعرف عن هذا الأمر شيئا، لم نكن نريده أن يبدأ في البكاء، لأنه يحبك كثيرا يا جد، كان دائما ما يقول لي ذلك، واعرف أيضا أن حضرتك تحبه، أليس كذلك؟، سنقول له هذا في خطاب نرسله له بعد سفره، بعد أن يكون عمه قد أعده لذلك. آه، أيضا هناك شيء آخر، بعد أن ودعنا عاد وقال لنا قبلوا لي جدي وقولوا له إنني سأنفذ ما تواعدنا عليه، وخرج جريا. أي اتفاق هذا يا جد؟، أغلقت عيني خجلا، ورغم أنها كانت مغرورقة بالدموع كعادتها إلا انه لن يعرف أحد مطلقا أنها كانت دموعا حقيقية هذه المرة. أشحت بيدي كمن يريد أن يقول: إنها أشياء طفولية. بقي زوج ابنتي هادئا ثم غادرني، وتركني وحيدا في عزلتي، لأنني منذ هذه اللحظة لم يعد لي أحد أتكلم معه. لقد فاجأني كل هذا. لكن ربما كان هذا هو الأفضل، لأنني لو كانت لدي رغبة في الموت الآن سأنفذها، وهو أمر طبيعي لمن في الرابعة والثمانين، في مثل سني ليس طيبا أن يعيش الإنسان، علي أي حال الموت سيأتي برغم انه يبدو فجائيا. أما بالنسبة لي فلن يكون كذلك. لدي رغبة في الرحيل، حاملا معي كل هذا العالم الموجود في رأسي، والحكايات العشر أو الإثنتي عشرة التي كنت قد أعددتها لأحكيها ل "اوكتابيو"، حفيدي، لن انتحر، ولو فرض أنني فكرت في ذلك فبأي شيء انتحر؟، ليس هناك أكثر أمنا من إبداء الرغبة في الموت. كنت أعرف هذا دائما. الواحد منا يموت عندما يريد أن يموت. ولن يعرف أحد السبب. ولا حتي الطبيب. (تري هل انتبه الطبيب مرة إلي أنني أستطيع الكلام؟) ولا حتي الممرض ولا "تريسا" ولا "آلدو". سيعرفون بموتي عندما يفتقدوني فقط لخمس دقائق. ربما تقول لي "تريسا" وقتها أبي، لكن سيكون الوقت قد فات. وأنا بالمقابل لن أقول لهم وداعا، ربما ألقي عليهم وداعا بآخر نظرة. لن أقول وداعا، ليعرف "اوكتابيو" حفيدي انه حتي في تلك اللحظة لم أخرق اتفاقنا المعمد بالدم. وسأذهب بحكاياتي إلي مكان آخر، أو ربما إلي لا مكان.
* ماريو بنيديتي: كاتب من الأوروجواي عاش كلاجئ سياسي في فرنسا وإسبانيا لسنوات طويلة، يعتبر من أهم كتاب القصة القصيرة في جيل "البوم" أو الواقعية السحرية.
|
|
|
|