دليل المواقع الاشتراكات الإعلانات دفتر الزوار United States Mirror Server United Kingdom Mirror Server Egypt Mirror Server
السنة -609ه - العدد1426صفرمن3- م2005مارس من13 الأحد
بتوقيت القاهرة 11:27:30 ص الساعة - 11/03/2004 آخر تحديث يوم
      شرق وغرب
بيكاسو
(صانع الاكتشافات)
ديفيد هو كني ترجمة:مرفت عمارة
بابلو بيكاسو أحد أعظم فناني العالم عبر التاريخ، منذ بداياته الأولي نظرا إليه النقاد كفنان معجزة، كانت أعماله الأولي تحمل انطباعا تأثيريا، وقد تم تقسيم أعماله زمنيا إلي المرحلة الزرقاء 'التي طغي عليها مجموعة اللون الأزرق، وأبدع خلالها رؤية تدور حول الفقر' والمرحلة الوردية، وهي مفعمة بالالوان المشرقة، تلعب علي تيمه عالمي المسرح والسيرك، وقد حطم بيكاسو التقاليد وكسر الحواجز في سنة 1907 حين رسم لوحة 'عذراوات افينيون' التي صور فيها منظورا للتشريح الآدمي من الأمام والخلف في نفس الوقت وفي سنة 1912 رسم أول لوحة تكعيبية صدمت معاصرية وكانت بورتريها بدائيا يمثل وجه امرأة متعدد الزوايا، علاوة علي ابتكاره مع الفنان جورج بيريك نوعا جديدا من الفن وهو 'الكولاج'.
وكاتب هذا المقال هو 'ديفيد هوكني' وهو فنان حاصل علي جوائز عديدة في فن الجرافيك من بينالي باريس، يتميز بخبرته العالية في فن التصوير الفوتوغرافي، وقدرته الفائقة علي ادماج عديد من الصور لنفس المشهد من زوايا متعددة تذكرنا بمذهب التكعيبية، ورغم اكتسابه خبرة واسعة في كثير من أساليب الفن والتصوير التأثيري والفن الشعبي، والتعبير التجريدي لبيكاسو، إلا أن ولاءه الفني في أعماله التي ابدعها خلال بداية نضجه الفني كانت لأستاذه الايطالي 'بييرو ديللا فرانسيسكا' وفي بداية ستينات القرن الماضي ظهر تحوله التدريجي نحو اللوحات المصورة، حتي أن لوحته 'حمام سباحة كاليفورنيا' أصبحت تميمة الثقافة الفنية الدائمة في ذلك الوقت، ومادة للبحث والدراسة.
تعرض مجموعة مختارة من أعماله في 'بالود ولافيرينا' وبرشلونة والاكاديمية الملكية للفنون في لندن، والمتاحف الكبري بما فيها متحف الفن الحديث، المتروبرو ليتان للفن بنيويورك، وبومبيدو بباريس.
وفي كتاب ضخم ضم مقالات متخصصة حول فناني العصر الحديث كتب 'ديفيد هوكني' انطباعاته حول 'بابلو بيكاسو' خلال رحلة قطعها من لوس انجلوس الي باريس سنة 1988، من أجل زيارة معرض بيكاسو في مركز بومبيدو، وعرضا آخر في 'جراند باليه' لكل من 'ديجا' و'زورباران' مما أتاح له الفرصة لزيارة متحف 'أورساي' لأول مرة فكتب عن ذلك:
'مضيت صباح أول يوم في متحف 'بيكاسو' حيث يقدمون عرضا للتخطيطات الاولية للوحة 'عذراوات 'افينيون' مع عرض اللوحة الاصلية، وكان عليٌ الوقوف في صف طويل من أجل رؤيتها، وهو شيء يستحق العناء، فاللوحة غاية في الروعة، وهي أصل التكعيبية الحقيقي.
وفي المساء زرت معرض بيكاسو وكان مذهلا، لكن قبل التحدث حول ذلك أريد التحدث قليلا حول متحف 'اورساي' فقد سمعت نقدا كثيرا يدور حوله، من أصدقاء لي أخذوا عليه أن تصميم قاعاته واتساعها كانا غير مناسبين تماما للعرض، وكنت واثقا من صواب حكمهم، ولم أكن متحمسا لزيارته، في الحقيقة توقعت ألا يعجبني.
وهناك كان أول انطباع لي حول اتساع المكان، قفز الي ذهني ما قاله أحد أصدقائي من انه يحمل شيئا من المثالية البصرية، كما لو كان صورة علي كارت بوستال، فشعرت بالتنافر. لكن فور دخولي القاعة التالية الاصغر حجما، ومع رؤوس البرلمانيين الرائعة 'لدوميير' نسيت كل ما يتعلق بالمبني نفسه، اشتريت دليل المعرض حتي لا يفوتني أي شيء، وقررت اتباعه 'بحذافيره' ذكر في الدليل أن المتحف مرتكز علي أعمال القرن التاسع عشر، بادئا من سنة 1840 ومنتهيا بسنة 1907 حيث رسمت به عذراوات دافينيون قبل الثورة التكعيبية مباشرة شاهدت 'انجرز' ثم تقدمت ببطء حتي قاعة عرض لوحات 'فانتين لاتور' التي كان قد سبق لي رؤيتها، كنت احفظ عن ظهر قلب متحف 'جودي بوم' واستطيع تحديد أماكن لوحاته بكل دقة، لكن في ترتيبها الجديد بمتحف 'أورساي' بدت مختلفة تماما، بدأت ادرك وجود ما يمكن أن نطلق عليه لوحات متناغمة، فالجو العام للقاعة يبدو فوتوغرافيا، الألوان قليلة، والأبيض والأسود يمنحان الصور تأثيرا ملموسا، لا أقصد هنا التحدث عن الكاميرا 'كاناليتو رغم كل شيء يمتلك ذلك' لكن عن الصور المرسومة، شعرت بالقتامة تسيطر علي صور 'فانتين لاتورز' بل وعلي قاعة العرض كلها.

***

كلما توغلت داخل المتحف وحجراته التالية حيث اللوحات الشرقية التي تحمل مشاهد من شمال أفريقيا وما إلي ذلك إزداد إحساسي بالقتامة، وعند وصولي الي قاعة عرض 'مانيه' لاحظت رداءة العرض، وسوء ترتيب للوحات، فأعظم قطعتين فنيتين في القاعة من الصعب رؤيتهما بوضوح، خاصة في حالة امتلاء القاعة قليلا، ولما كان بها عدد قليل من الزوار، جلت ببصري وفكرت 'حسنا سأتجول هنا وهناك ثم أعود'.
عندما تصعد للدور العلوي تصبح محاطا بجو من التأثيرية، ففي القاعة الاولي 'سيسلي مونيه' و 'بيسارو' اكتشفت انني أصبحت أكثر اهتماما بالالوان بطرق مختلفة، دلفت الي قاعة 'سيزان' هناك صعوبة في رؤيتها بطريقة ما، ثم الي قاعة 'فان جوخ' لم تكن شديدة الاتساع، لكني شعرت بشيء عجزت عن تفسيره، الصور متوهجة، تكاد تقفز من علي الجدران، لم أرها كذلك من قبل.
لمحت لوحة لفان جوخ لحجره نوم، هي واحدة من ثلاث لوحات، وأظن أنها الافضل، تدرك فور رؤيتها مدي روعتها الفراش البرتقالي، مجرد وجوده يتغني بالحياة، شعرت أثناء تأملي فيها كأنني تجولت في المتحف بكامله، وأصبحت الي حد ما شاعرا باختفاء القتامة، بل متأكدا من ذلك، عدت مقتفيا خطواتي السابقة متجولا داخل المتحف عائدا بذاكرتي الي الوراء اكتشفه وأحسه من جديد.
في الحقيقة عندما كنت افعل ذلك كنت مدركا لما انشده واتوقعه، وبدأت أراه اكثر وضوحا، كنت متلهفا، فلم أمر بمثل تلك التجربة من قبل، ولم افهم في حياتي لوحات بمثل تلك الكيفية، عندها أدركت أن أمناء متحف 'دورساي' غاب عنهم شيء، وأن ثقافتهم المتحفية عليها بعض التحفظات، فقبل وصولي الي قاعة فان جوخ، كان يجب تخصيص قاعة مزدحمة باللوحات اليابانية، حتما سيكون لها دور في تخفيف حالة القتامة عن القاعة التالية لقد كان ذلك شيئا ضروريا للوحات الاوروبية، لكن فقط في أوروبا، أما اللوحات الشرقية فلا تستخدم القتامة قد تجد فيها بعض الظلال هنا أو هناك، وأحيانا يحدث تقييمها بالاشارة الي ما تحتويه من ظلال، بالرغم من عدم وجود أي منها علي الاطلاق، الا انهم لا يجدون في ذلك اية غضاضة، ربما لاعتقادهم أن كل شيء ماهو الا ظل.
رغم كل شيء اكتشفت ان تلك الجولة هزتني من الاعماق كما لم يحدث في أي متحف زرته من قبل، مما دفعني للنظر الي متحف 'أورساي' علي نحو مختلف، فعدت اليه في اليوم التالي، تجولت داخله ساعتين، مقتفيا آثار خطواتي السابقة، ورأيته بنفس الطريقة كنت مصدوما من طريقة الاوروبيين في حصر فكرة المعرض، انهم يفترضون وجوب أن يكون متحفا لفن القرن التاسع عشر، وليس بالضرورة أن يكون فرنسيا، علي الرغم من أن معظم المعروض به فرنسي، ورغم أن هناك بعض اللوحات اليابانية المعروضة علي الجدران المخصصة لخزفيات نهاية القرن والمرسومة علي أطباق مصنوعة في باريس الا انها لا توضح ما يحمله الفن الياباني من تأثيرات!
الا انها شدتني وجذبت انتباهي اكثر للفن الشرقي، حيث ظهرت اكثر تنوعا مما كنت اظن، هناك تجاهل لهذا النوع من الفن، حتي ان بعض المؤرخين والدارسين يجهلونه تماما، كنت اريد تكرار الجولة لكن الوقت كان قد تأخر.
دائما أرغب في منح فنان مثل 'بيكاسو' الحماية ضد سوء الظن، عندما يقول البعض: 'في الواقع بعض أعماله دون المستوي المطلوب' اعتدت علي الرد: 'كيف توصلت لهذا؟ لأي مدي استطعت فهمها بحق؟'
علي أي حال لقد تعرضت كتالوجات 'زيرفوس' لأعماله الاخيرة بعد سنة 1976 أو 1977 ولدي المجموعة الكاملة منها تحوي 32 مجلدا، وهي وثائق نادرة تغطي 75 سنة من أعمال بيكاسو، يمكنك التجول فيها بادئا بالجزء الاول فاحصا اعماله بدقة سواء بطريقة فردية أو منهجية، قليل من الفنانين يمكن معهم اتباع ذلك، والاقل لا يتسببون في إضجارك حتي الموت! لقد فعلت ذلك مع بيكاسو ثلاث مرات، كل مرة كانت بمثابة رحلة بديعة، عندما تفكر كيف كانت أوروبا خلال فترة اعماله الاولي سنة 1895 ثم كيف أصبحت مع لوحته الاخيرة سنة 1973 تكتشف انه شيء مذهل، لقد حصلت علي آخر عشرة مجلدات لزير فوس منذ عشر سنوات بغرض الدراسة، تلك هي الطريقة الوحيدة التي يمكنك بها رؤية ما فعلته أعماله الاخيرة، عليك فقط اجراء عملية 'تنصيل' لها حتي تصبح بالابيض والاسود، فهي الطريقة الوحيدة لرؤية أشياء كثيرة.

***

لقد اكتشفت ان بيكاسو نفسه لابد أنه كان شديد الادراك لما كان يفعله مستر زيرفوس الذي يحتفظ بسجلات لا بأس بها لجميع اللوحات ومعظم الصور، سجلها زيرفوس بوضوح اذا انجز بيكاسو خمس لوحات يوميا، يمكنك معرفة أيها رسمها نهارا وأيها رسمها ظهرا وايها مساء. كل شيء تمت جدولته حتي يمكن اعتبار هذا الكتالوج نوعا من اليوميات المدهشة وقد ترك انطباعا شديدا لديٌ قادني لفحص أعمال فان جوخ بطريقة مغايرة، فاذا احصيت الوقت الذي قضاه في انتاج تلك اللوحات والرسوم المصورةو الخطابات خلال الثلاث سنوات الاخيرة من حياته، لادركت انه كان يجد بصعوبة وقتا كافيا لأي شيء آخر في حياته، وكل ما كان يفعله هو الرسم، والكتابة، والاكل، والنوم، وأن ما تركه لنا حقيقة هو ثلاث سنوات من الوثائق الانسانية المكثفة.
كتالوج زيرفاجو عن بيكاسو أيضا جدير بالانتباه، ووثيقة فريدة علي طريقته، فلم اشعر بالملل من تصفحه، لا أطوي صفحاته بسرعة. كل واحدة منها تستحوذ علي اهتمامي، انها تعبر عن تجربة تعصف بالعقل، لست ذلك القاضي الذي يصدر أحكاما فاصلة، ولا اقترح أن عمله الاخير يشهر فيه كل أسلحته، لقد رأيت تلك اللوحات للمرة الاولي سنة 1973 بمعرض في 'باليه دي باب' في أفينيون كنت في المعرض بصحبة 'دوجلاس كوبر' الذي استشاط مرددا ان جميع اللوحات فظيعة، اجبت 'أود رؤيتها وحدي ان لم يكن لديك مانع اعتقدت ان 'دوجلاس' لم يرد أن يفهم لان بعضها كان يبدو كما لو كانت تعبر عن رجل عجوز، وقد اخبرته بذلك، في الحقيقة كانت رائعة كلوحات معبرة عن التقدم في السن!
علي أي حال عدت مع دوجلاس وناقشنا اللوحات، وجاء نقده شديد القسوة: 'لا.. لا.. لقد اصيب بخرف الشيخوخة ولم يعد يدري بما يفعله، لكنني لم اقتنع، لا اصدق ان فنانا بكل هذا الثقل يظل يعمل عشرين عاما لمجرد تكرار نفسه خاصة اذا كان بيكاسو، فرسومات الستينات لايمكن انجازها في الخمسينيات انها شديدة الاختلاف الاشياء تصبح أكثر تحررا وانطلاقا يحدث ذلك مع الفنانين الاستثنائيين كلما تقدموا في العمر اكتسبوا ثقة بالنفس لا تصدق، وأصبحوا اكثر تحررا وانطلاقا، أمثال تيتان ورامبرانت وجويا، حدث ذلك معهم جميعا كذلك بيكاسو.
اعتقد أنه عثر علي نوع جديد من التكعيبية مختلفا عن تكعيبية الستينات لكنها ظلت برغم ذلك تكعيبية والآن أصبح هناك أنواع كثيرة منها، فتكعيبية بيكاسو تعتمد علي الفرشاة تبدو لي ذات صلة بالفن الشرقي في أن الفرشاة تقوم بكل العمل، دون اخفاء أي شيء علي الاطلاق، يمكن ملاحظة آثار قوته وطاقته، رؤيته الفنية صاعقة مذهلة، اعتقد انها أكثر صدقا مما نطلق عليه لوحات واقعية.
 
العدد الحالي
  الأعداد السابقة
الصفحة الرئيسية
ساحة الأخبار
ضواحي الفضفضة
رسائل
شرق وغرب
البستان
ساحة الإبداع
كتب
أحداث
جسر الحنين
نقطة عبور

أعلي الصفحة إرسل الصفحة إلي صديق إطبع الصفحة إحفظ هذه الصفحة في المفضلة
   دفتر الزوار   |   دليل المواقع   |   الاشتراكات   |   الإعلانات   |   خريطة الموقع   |   البحث   |   الأعداد السابقة   |   إتصل بنا   |   مساعدة   
   الإعلانات المبوبة  |  أكاديمية أخبار اليوم  |  بلبل  |  أخبار السيارات  |  أخبار الحوادث  |  أخبار النجوم  |  أخبار الأدب  |  أخبار الرياضة  |  آخر ساعة  |  الأخبار  |  أخبار اليوم   :شبكة أخبار اليوم   
All site contents copyright © 2000-2002 Dar Akhbar El Yom.
للأستفسار أو طلب معلومات يرجي مراسلتنا علي العنوان التالي
akhbarelyom@akhbarelyom.org

Best viewed with Internet Explorer 4.0, Netscape 4.0 or above with a resolution of 800 X 600 .

Website Developed By: