|
|
| السنة - | 609 | ه - العدد | 1426 | صفر | من | 3 | - م | 2005 | مارس | من | 13 | الأحد |
|
 |
| بتوقيت القاهرة |
 |
09:06:27 ص |
 |
الساعة - |
 |
11/03/2004 |
 |
آخر تحديث يوم |
|
| كتب |
 |
|
|
حين يتحول العالم إلي غابة مليئة بالجثث:
ترنيمة ماقبل الزوال
د. محمد السيد اسماعيل
كل شيء في طريق إلي الزوال، إلي التلاشيء البطيء، الي الانتهاء، في هذه الحالة وهي احدي حالات ديوان 'قبل مايردمو البحيرة' للشاعر مسعود شومان الظاهرة او احدي دلالاته المهيمنة يصبح الشعر محاولة 'يائسة' لكنها ضرورية لتسجيل هذه اللحظة الاخيرة هذا المكان الأخير قبل أن يتم ردمه، قبل أن يتحول إلي 'مكان لمجرد التذكر والحنين الغامض.
يبدو 'الشاعر' علي مدار الديوان وكأنه يقف علي حافة شيء ما، علي شفاه 'حفرة' من 'الفراغ' المطبق بصحته وظلمته، في هذه الحالة ايضا يصبح 'الشعر' كأنه 'العطاء' المفاجي او الهبة غير المنتظرة وغير المتوقعة وسط نقائضها العديدة:
' لا كان فيه خف جمل / ولا كانت ريح بتصفر وما كنا أوان برتقان/ وكانت الضلة كاسيه ضهري/ فجأة لقيت برتقانة في إيدي/ ومن يومها بقيت أقول الشعر '
من البداهة أننا لانعني 'المكان' فحسب او 'الخرائط' التي تحاصر الشاعر لكننا نعني 'الزمن' اساسا أو الزمن أولا، فلم يعد 'الاوان' بتعبيرات الشاعر او ان ازدهار شيء اوتفتح شيء، ينسحب ذلك علي ماضي 'اللحظة / المكان'.
( فلم يكن هناك مايدل علي وجود حركة حياة سابقة، ولتتأمل دلالة السطر الاول في هذه الصورة)
لقد تجاوز الامر مجرد 'الطلل' القديم واسمحوا لي أن استخدم هذه المفردة العتيقة هذا 'الطلل' الذي كان يغالب 'الزمن' والذي كان يلوح 'كباقي الوشم في ظاهر اليد' مؤكدا من خلال ذلك حضوره الدال علي ذاته وعلي أصحابه الغائبين، اما 'الآن وهنا' فلاشيء ، لاشيء ابدا 'لا خف جمل'، ولاريح تصفر، او بتعبير الشاعر في موضع اخر 'مفيش غير مفيش'
*****وسط هذا الفراغ، الظلمة، الصمت الثقيل، تنشط آلية 'التذكر' بوصفها رد فعل مغاير شأنها شأن الشعر (العطاء المفاجيء المغاير) الذي كان اشبه ب 'صوت' الصمت، صمت الكون بأسرة وليس الانسان فحسب، هل نحن بتأويل آخر امام لحظة 'ابتداء' محاولات 'ابتداء' برتقاله الشعر' توحي بذلك، كأننا امام الانسان الاول الذي وجد نفسه 'وحيدا'.. وسط صمت الكون' فكان 'الشعر/ الخيال/ الفن' أداته لاكتشاف الاشياء، لاعطائها المعني، وهذا كله 'ابتداء' محاولات 'ابتداء'.
لكن 'التذكر' يوحي ب 'النهاية' بالماضوية: كانت هنا 'حياة' مظاهر 'حياة' لكنها لم تعد:
'كان فيه جبل/ كان تحته حبه خضرة/ كان فيه غنم/ بيجو تحت الجبل/ ويرعو وسط الخضرة/ وكانوا بيسيبو طابور تراب/ بيلف بالبياداتها كان فيه جبل/ كان فيه (ص78).
يأتي هذا النص في نهاية الديوان كأنه لحين الختام، لجن الرثاء الأخير لعالم ينتهي ثم لايعود، ثم لايبدأ من جديد طبيعة لحن كهذا لابد ان يتوفر فيها الايقاع، لانه ترديد لما في النفس وتوقيع لحزنها الاخير الممتد (غير المنتهي) ! تمثل هذا الايقاع في 'تكرار' فعل 'الكينونة' في افتتاحيات السطور الشعرية كلها تقريبا (كان فيه) كان، كان فيه، كانوا، كان فيه، كان فيه'.
ثم تمثل فيما يسميه 'البلاغيون' ب 'الازدواج' أي تساوي السطور الشعرية، لكن الامر يتجاوز 'الازدواج' الي ماكان يسميه د. محمد مصطفي بدري ب 'تكرار البناء النحوي' او 'التدويم النحوي' ولتتأمل مثلا (كان فيه جبل/ كان فيه غنم) أو (بيجو تحت الجبل/ ويرعو وسط الخضرة).
*****لايمكن ان أذهب مثلا الي وجود صلة مابين 'كفيف قاعد بيتأمل البحر' والشيخ 'حسني' في 'مالك الحزين' لابراهيم اصلان، لكن الأشكال الادبية يستدعي بعضها بعضا، يذكر بعضها ببعض، وهذا الاستدعاء جيد، لانه يضع ايدينا علي احدي المفارقات الاسياسية بين الشخصيتين، فشخصية 'الرواية' تؤكد الرغبة في الحياة، تصنعها ، تؤدي فعلها وأفعالها غالبا خارجية، 'تحدث' في الواقع، أفعال تتحايل علي 'الآفة' وتتجاوزها. اما شخصية القصيدة فأفعالها داخلية: فعل 'تأمل' عقلي فيما هو كائن او فعل 'حلم' بالمستقبل. من هنا تصبح الاستعانة بطاقات 'الداخل' امرا طبيعيا (الحزن / الحنين / القديم/ الحنين/ الغامض' كما يصبح 'الخيال' هو الفاعل الذي يحرك الخطوة 'الداخلية' 'وخيالات / بتشاور علي الطريق قدامه'، ولايبعد عن هذا استدعاء الغيبيات والمكتسبات الشعبية التي تغذي 'الخيال' وتمنحه قوامه المتماسك ومشروعيته او تمنحه قابلية التصديق (النفسي/ الداخلي).
تفعيل 'الخيال'، 'التأمل'، 'الحلم' ، 'الاساطير الشعبية'، 'الغيبيات' لايتم تحقيقا لهدف كبير : هدف ان تتحقق 'خطوة الشخصية' علي 'الارض' ان تثبت فوقها، بل لهدف بسيط لايتجاوز لملمة 'الذات'.
'في نفس المكان/ كان بيجاول يلم روحه/ اللي فضلت تتنتورع الأرض'.
هل نحن امام 'استعارة' ذكية، استعارة تؤكد اننا جميعا نفعل الشيء ذاته مجرد 'لملمة الذات' ؟ أترك لكم فقط مجرد مشاهدة مايحدث او 'تأمل' مايحدث.
*****'التحليق / الاختباء' ثنائية محلولة لانها تؤدي وظيفة واحدة هي الرغبة في الابتعاد قد يوحي 'التحليق' بالرغبة في 'العلو'، الارتقاء، لكنها هنا في هذا 'الديوان' في هذه الحالة' تؤكد الرغبة في 'الفرار' الرغبة في الانعتاق'.
'يابخت الورقة اللي طارت فجأة/ من عربية الزبالة/ نفسي اكون زيها/ فاصية/ مفيش حروف مسوده قلبها/ ولاحرق في طروفها/ قدرت تطير وغادلت الكناسي / طارت بقالها جناح ورفرفت/ قدرت تتخلي عن تاريخها المضحك' 'ص30'
محاولة 'التماهي' محاولة الرغبة في المشابهة واضحة منذ البداية: لكن الدلالة تتقلب ربما بشكل جذري مع السطر الاخير مع ذكر 'التاريخ المضحك' علي وجه التحديد، هل نحن أمام ورقة؟!
هكذا تحدثنا القصيدة ، وأمام شاعر ايضا يتمني ان يكون مثلها علي نحو مايبدو ومنذ السطر الثالث، لكن الوارد ايضا او الوارد اساسا أننا أمام بناء 'ليجوري' يتحدث فيه الشاعر عن 'شيء' وهويعني شيئا. اخر، وتظل هذه المراوغة دائمة، هذه المراوغة التي تكمن فيها شعرية القصيدة.
'الاختباء' فعل اخر، اتجاه الي العمق، انزياح عن السطح وابتعاد عنه، انخلاع من وطأة العلاقات، ربما لهذا تكثر الاماكن العمقية، الاماكن ذات العمق (البحر، الجبل. الكهف، الحفرة).
'مش كهف مهجور/ اللي رجلي راحت له/ ماقصدتش اجرح الجبل اللي نايم بعيد/ انا كنت ماشي/ ورجلي اللي جابتني هنا/ كان نفسي اركن ضهري ع الصخرة/ اللي طرطش طروفها الموج/ وابل قلبي لحد ماينشف عليه الملح/ وياخد لون الحجارة البني الناعمة/ وساعتها اقدر احضر قلب بجناح/ او كهف مهجور/ اروح له وقت مااحب'.
هذا النموذج شديد الدلالة علي ماأريده لقد اصبحت الثنائية محلولة بالفعل وليس علي سبيل الافتراض او علي سبيل الغاية الوظيفية، فالسطور الثلاثة الاخيرة تجمع بين طرفيها او ادواتها (الجناح/ الكهف المهجور).
الامر يبدو بلا ارادة واعية تقريبا. انه أشبه الي الاهتداء ب'الحدس' الي اللجوء الطبيعي، كأننا امام حركة من حركات الطبيعية 'أنا كنت ماشي/ ورجلي اللي جابتني هنا'.
الصورة هنا تجنح إلي 'الحقيقي' وليس 'المتخيل' علي عكس الصورة السابقة التي كان 'الخيال' فاعلها الاساسي، نحن هنا أما 'موج' وليس حنينا غامضا أمام ولع باستقصاء الصفاف رغبة في التحديد او بتأويل قريب اشباعا للحنين 'وياخد لون الحجارة البني الناعمة'.
هل نحن امام عودة 'معكوسة' الي 'الطبيعية' الي 'الموت في الطبيعة'.
هل نحن امام 'محاكاة' ساخرة لاحدي سمات الرومانسية القديمة؟
كأننا امام 'انقلاب' داخلي علي الرومانسية . من قبلها هذه المرة، من نقطة ارتكازها الاساسية من خلال العودة إلي مايبدو فقيرا داخل الطبيعة : الصحراء، الرمل، الصخر، الملح، انها مرة اخري شعرية المراوغة 'لو استرحنا لمثل هذه التسمية.
*****في الصورة السابقة يتمني الشاعر لو يصبح 'قلبه' 'حفرة' وان يأخذ لون الحجارة البني الناعمة. هذه رغبة في 'التشيؤ'.. درجة من درجاتها. لكن ا لضرور ة (ضرورة الحديث عن هذه السمة) تأتي من قصيدة 'المكتب' حين يتحول 'التشيؤ' الي حقيقة يعايشها الشاعر او يتكيف معها:
'تحت منه رجلين لابسين صندل/ فوق منه رأسي شعرها بيلمع/ بينهم لوح خشب/ قلبه خمسة درج.
أولي علامات 'التشيؤ' ذلك الخلط المقصود او التراوح المستمر بين صفات المكتب وصفات 'الشاعر' ثم افتقاد الصورة كلها من ضمائر الملكية 'ضمائر المتكلم تحديدا' كل شيء في صيغة التنكير 'رجلين' 'راسي' او منسوب الي ضمير الغيبة 'شعرها/ قلبه'، لافرق بين 'الشيء' و'الانسان' / بين 'الانسان' و 'الشيء'. الصورة نفسها لاتفرق بين 'الراس اللي شعرها بيلمع' و'الورود البلاستيك' كلاهما يتخذ موقعه من المكتب (الشيء الاكبر البارز الذي يتصدر العنوان). كلاهما موصوف بانه فوق المكتب، و'الرأس' يبدو كما لو كان غير محمول علي 'شيء' فهناك تغييب متعمد ل 'ذات' الشاعر الذي اصبح 'خيالا' بتستخبي تحته الشمس وبتحرق ايده السيجارة.
وربما كان من تمام هذا التداخل ان يقوم الشاعر بهذه الأنسنة الظاهرة.
'الحيطان/ مريضة بالسل/ ابنها داقق مسمار في كتفه/ شايل علي ضهره قربه/ وبيدور علي ميت/ سكك مفتوحة علي بعضها/ مبقاشي يعرف يقول.. 'أنا'
نعم، هذه بالفعل/ سكك مفتوحة علي بعضها.. الانسان، الاشياء، الطبيعة، الاوهام، الأساطير، عالم متداخل/ مزدحم لايتسطيع احد فيه ان يقول 'أنا'.الكتاب: قبل ما يردمو البحيرة
المؤلف: مسعود شومان
|
|
|
|