|
|
| السنة - | 609 | ه - العدد | 1426 | صفر | من | 3 | - م | 2005 | مارس | من | 13 | الأحد |
|
 |
| بتوقيت القاهرة |
 |
08:08:55 ص |
 |
الساعة - |
 |
11/03/2004 |
 |
آخر تحديث يوم |
|
| جسر الحنين |
 |
|
|
هناك مشكلة حقيقية ولاداعي لإخفاء الرؤوس في الرمال:
الجماعة المسيحية لاتحتاج لإثبات توحدها مع الجماعة المصرية
فاروق القاضي
آثرت التريث حتي تهدأ النفوس المحتقنة وينقشع غبار المعركة المشبوهة كي أدعو بني وطني للعودة للصفاء وإلي كلمة سواء. يحدوني إلي هذا تجارب مريرة، شاء قدري أن أعيشها في بلدان اخري، وخطر معربد لقوة متفردة غاشمة أدمنت إمعان السكين تقطيعا وتمزيقا، خاصة في الكيانات الصامدة لتقلب الأزمان، والأوطان التي استعصت علي كل غاز أيا كان. وينقلب العام خاصا أمام الظواهر الغريبة عندما تقترن بالظروف المريبة في صورة أحداث سرعان ما نعلقها علي مشجب 'الفتنة'. ويا لهذه 'الفتنة' في تاريخنا.. كم من الآثام اقترفت باسمها. قالوا 'فتنة' عندما انتفض الحق العقائدي في وجه الباطل الفاسد، فتحولت الخلافة الراشدة إلي الملك العضوض في دولة الأمويين والطلقاء..
جميع هذه الظواهر الغريبة عن مجتمعنا، وسط تلك الظروف المريبة، تنبيء عن تخبط ضال مضلل وعدم وضوح رؤية تفيد منه دوائر معادية معروفة، وثيقة الارتباط تاريخيا بعناصر محلية ذات مشروع خاص لاتخفيه، استقطبت جموعا تندفع بحسن النية والوهم، وشراذم انتهازية تحترف ركوب الموجة واستغلال الفرصة.
أخذت هذه الظواهر في الحدوث ابتداء من أوائل سبعينات القرن الماضي. كان حادث 'الزاوية الحمراء' ملفتا للنظر لأن ظاهرة التناقض الاسلامي المسيحي دخيلة علي المجتمع المصري، وأكاد أقول مفروضة مغروسة من دوائر لم تعد خافية علي أحد. ومن البداية أعلن أنني لا أدعي الحياد أبدا في قضايا أمن الوطن. أنا منحاز، كل الانحياز، لمصر، شعب مصر، وأرض مصر. متمسك بكون الرسالات ظهرت من أجل الأنسان وخير الانسان. لذا كان درء الضرر خيرا من جلب المنفعة. أو ليس لنا في النبي القائد أسوة حسنة وهو يرسي قواعد التعامل مع العدو القرشي في 'الحديبية'، ومع اليهود في كتابه للمهاجرين والأنصار في المدينة. فما بالنا نجهل أسلوب التخاطب بين أبناء الوطن الواحد، شركاء المصير الواحد!! ما الذي حدث خلال ثلاثة عقود، من 'الزاوية الحمراء' حتي حيطة قرية 'دمشاو'؟ ما هذه الشرارة التي تتقافز وسط الهشيم من أسيوط الي القاهرة الي المنيا؟!
نعم، من أجل مصر وحدها أجد نفسي مضطرا لتذكير المصريين بأصلهم الواحد. اسم بلدنا في الأصل 'كبت' ونطق بالعربية 'قبط'. لهذا وجه النبي المعصوم خطابه الي المقوقس عظيم 'القبط'، أي عظيم أهل مصر. كانوا مسيحيين، مع أقلية لا تذكر تمسكت بعقيدة الفراعنة. بقي البعض علي دينه بعد مجيء عمرو بن العاص، وأسلم البعض الآخر. ثم وفد عليهم من الشرق والغرب، نتيجة الغزوات الاسلامية، موجات من أصول ومنابت مختلفة. لكن الشعب العريق والنهر الخالد والبلد المضياف استوعب الجميع. صهر كل القوميات، هضم كل الثقافات، فرض طابعه وأسبغ بصمته علي الجميع لعبقرية المكان. أصبحوا جميعا قبطا، لكن درج استعمال الاسم التوراتي 'متزرايم' و'متزريم' أي مصر ومصريين. ربما نشأت جماعة شركسية (المماليك) ذات قوة اقتصادية الانصهار، حتي قام محمد علي باشا بمذبحة القلعة، فلم يبق لغير المصرية والمصريين مكان. نظرة واحدة الي الأمة العربية، من المغرب الي البحرين، لانجد بلدا واحدا له من التماسك الاجتماعي والاندماج والوحدة الثقافية الوطنية ما لمصر. تلعب الجيوب الكردية والبربرية والزنجية والمذهبية دورها الخاص ويلعب بها في كل مكان لظروف وأوضاع نجمت عن إخفاق الدولة في التعامل مع كل المواطنين علي قدم المساواة، ما عدا مصر.
ظاهرة غريبة علي بلدنا وعلي مجتمعنا هذا التناقض المزعوم. كتب سير افريل بارنج لورد كرومر في مؤلفه الشهير 'مصر الحديثة' انه لم يجد في مصر غير شعب واحد يذهب بعضه للكنيسة والبعض الآخر الي المسجد. هذا الاستعماري العتيد لم يلحظ بين أهل البلد، بعد البحث والتنقيب، فروقا في التقاليد والعادات ولا في مواقفهم من الأجنبي. هذه الوحدة وهذا التجانس لم يمنع بالطبع من قيام خلافات، لكن علي أسس وخلفية سياسية. قد يطلق الورداني النار علي بطرس غالي لموالاته للانجليز، لكن هذا لايمنع ابنه واصف باشا غالي من مغادرة باريس علي عجل لمجرد سماعه بان سعد باشا ضمه للوفد وليشارك في الثورة. وعندما يسأله الانجليز مذهولين: كيف تنضم لقتلة أبيك؟' يجيب بكبرياء الشعب العريق: 'أفضل أن انضم لمن قتلوا أبي علي أن انضم لمن قتلوا وطني'. ويغادر مكرم عبيد، دون ان يدعوه احد، منصب سكرتير المستشار الانجليزي لوزارة العدل لينضم للثورة. ليس هذا فحسب، بل انه عندما يختلف سعد مع عدلي يكن حول 'مشروع ملنر'، ينفض السبعة المسلمون من حول سعد ولايبقي معه متمسكا بالحق الوطني غير واصف غالي وسينوت حنا بك. وعندما ينذر سعد بضرورة ايقاف نشاطه أو النفي (7 ديسمبر 1921)، لايرفض الإنذار غير مصطفي النحاس وويصا واصف وسينوت حنا وواصف غالي ومكرم عبيد. لأن كان هذا ما سجله التاريخ، فإن شهود العيان أمثالي لم يروا منذ الاربعينات غير شعب واحد مناضل ضد القهر الاستعماري والظلم الطبقي. بهذه الوحدة الوطنية انتصرت ثورة يوليو وحققنا الجلاء لتردد سماوات مصر 'الله أكبر' وتدق أجراس الكنائس في ايقاع متجانس ويعم البلاد، من ساحل البحر الي اقصي الجنوب، شعار 'الدين للديان والوطن للجميع'. هكذا استطاعت الملايين ان تنطلق كتلة واحدة نحو العمل والبناء. التاريخ وشهود العيان سجلوا هذه الحقيقة الراسخة سواء في ظل الشرعية الدستورية، عندما كان المرشح المسلم ينجح في دائرة معظمها مسيحيون، أو الشرعية الثورية عندما أصبح بلدنا قاعدة التحرر، وقلعة الحياد الايجابي وعدم الانحياز لكل العالم الثالث. شهدنا خلافات ضارية، ككل المجتمعات، كانت كلها علي أسس سياسية، قائمة علي اختلاف المصالح لا الطوائف.
في كومونة الفكهاني
لم نكن وحدة واحدة في ثورة 1919 ولا ثورة يوليو فحسب. بل كنا سويا في الثورة الفلسطينية. كان المناضل عدلي فخري، رحمه الله، هو منشد الثورة علي قمم الجبال، داخل الكهوف والمغر، مع المقاتلين في كل مكان، في الخنادق ووراء المتاريس. يحمل قيثارته تحت القصف المدفعي والغارات الجوية شاحذا الهمم محرضا علي القتال. انخرطوا في الثورة باذلين جميع التضحيات بكل إنكار الذات للذات. حتي الاسم الحركي 'محمد حمزة' لم أعرف حقيقته إلا عندما تزوج أرملة شهيد مسيحي. وكان في 'كومونة الفكهاني' ايضا الكاتب الصحفي نبيل زكي. أسماء أوردها علي سبيل المثال لا الحصر الي جوار عشرات الأمثلة من جنود بواسل تسللوا بعد 'كامب دافيد' ليواصلوا القتال في معارك جنوب لبنان، أو وراء مضادات الطائرات لحماية المخيمات من غارات الصهاينة. كانوا نجارين ونقاشين، حرفيين في مقدورهم جمع المال لو عملوا في الخليج، لكنهم فضلوا القتال، وما كنت لتتعرف عليهم إلا من وشم علي الذراع أو البحث عن 'قس' يعقد القران علي العروس التي وصلت من مصر، واشترط أهلها أن يكون الإكليل وفق أصول الكنيسة المرقسية. لأن كان لافضل لعربي علي عجمي إلا بالتقوي، فانه لا فضل لمصري علي آخر إلا بحب الوطن والتضحية في سبيله. ولا يمنن أحد علينا بإسلامه، بل ليحمد الله ان هداه للإيمان. لكم كنت متفائلا عندما ظننت بعد غياب جمال ان اقصي ردة عن مقولته ،،لا أستطيع أن أفرق بين الجزائري أو العراقي.. بين الأردني أو السوري... بين التونسي والمصري... لقد جمعتهم تحت اسم واحد،،. تفاءلت لدرجة الظن بأن أقصي ردة عن العروبة هي العودة إلي القطرية البغيضة!! ولم أكن أعرف أن الردة ستبلغ حد الاستعلاء الطائفي داخل الوطن الواحد، والعزة بالكثرة.
أعلم جيدا ان الجماعة المسيحية ليست في حاجة وما كانت يوما في حاجة لاثبات توحدها مع الجماعة المصرية العامة في السراء والضراء والتصدي لجميع صنوف الزمان. لكنني أجد نفسي مضطرا لتأكيد هذه المسلمات عندما تغيب الحقيقة ويصبح المعتدي عليه معتديا!!
وامضطهداه.. وإسلاماه!!
ملفت جدا للنظر ما حدث مؤخرا. ضآلة الحدث وتضخم ردود الأفعال. تدفق العناصر المشاركة والدوي الذي احدثته. لا يصدق أحد أن كل ما حدث كان لأن مواطنة راشدة رغبت في تغيير دينها لتحقيق مصلحة شخصية بحتة. عشرات من حالات تغيير الدين تحدث، في مختلف الاتجاهات ولمختلف الأسباب، ولايشعر بها أحد. كثير من الزيجات تعقد مدنيا في الشهر العقاري لاختلاف الملة. حالات فردية لاتزيد ولاتنقص من الاسلام أو المسيحية. وكان يمكن ان تمر حالة السيدة وفاء بسلام ولا يلتفت اليها احد لو لم تلعب الأصابع الخفية في الظلام. يظهر هذا الأمر جليا عندما يجتمع رأس الكنيسة مع السيدة المهندسة التي تخطت العقد الرابع لانهاء القضية، فتدق طبول الحرب من جديد.. كيف تسلم المثقفة الراشدة للكنيسة؟! الدولة بكل صلاحياتها وجدت ان السيدة لاتمانع في لقاء البابا. ربما كان هذا، علي العكس، التصرف العاقل الوحيد الذي اتخذته الدولة. فما كان هناك داع بالمرة لحصار المعتصمين في الكنيسة. الناس تعتصم بدور العبادة عندما تضيق بنوازل الزمان ولاتجد غير الله تلجأ له. لدور العبادة حرمة يسجل الاعتداء عليها اقتحاما أو حصارا في أسود صفحات التاريخ. حتي لو ضاق رجال الدين بالمعتصمين واستنجدوا بالسلطة، كان علي الدولة ان تتسلح بالحكمة ولاتلجأ للقوة. نعم، أخطأت الدولة عندما حاصرت فتناوشت مع المعتصمين مما أدي الي القاء القبض علي بعضهم. رغم كل شيء كان من الممكن أن يمر الحدث كسوابقه، إلا أن ما لفت نظري وداهم وجداني تحميل الأمور أكثر مما تحتمل. اعتدنا في الماضي تعليق ما يحدث علي مشجب الخطأ الفردي، أما هذه المرة فقد تضخم الأمر حتي طال رأس الكنيسة، رغم ما دأب عليه من تغليب الحكمة والغض عن الصغائر والتمسك بالثوابت الوطنية. ولمن لايعلم، كسبت كنيستنا احترام كل العرب لمواقف البابا شنودة القومية، حتي سمي 'بابا العرب'. وبدلا من تقدير موقف البابا حق قدره والاعتزاز مثلا برفضه استقبال لجنة التفتيش الامريكية، يقال ان مواقفه ليست منحة من الكنيسة لأنها جزء من مصر وينالها من الصالح الوطني نصيب. أما عند الكلام عن الوحدة الوطنية فيزعم بأن الجماعة السياسية الوطنية العامة تفرض نفسها علي كل محتوياتها من ذوي أديان وطوائف وأقاليم ومهن ومذاهب 'وتراعي في كل ذلك الأحجام والمقادير التي تتكون منها الجماعة الوطنية وإلا اختلت الموازين وفقد المجتمع توازنه' المعروف علما ان الوحدة الوطنية (الإرادة العامة) عقد اجتماعي يتوافق فيه المواطنون علي تحديد وضمان حقوقهم الطبيعية وواجباتهم، ويكون 'الرضا العام' هو المعيار الوحيد لتحققها.
لو لم يصدر هذا الكلام عن أقلام محل اعتبار لما كان جديرا بالحوار. لهذا لم أجد، أقل غرابة، ما خرجوا به علينا من احتكار الكنيسة العمل السياسي، وإنها ضد نشأة أحزاب ذات مرجعية دينية، لتحتكر وحدها أعمال السياسة! لو صح لخيرا فعلت. ويا ليت الأزهر اتخذ نفس الموقف محددا المؤسسات الجديرة بالدعوة الدينية، فيريحنا من كل من هب ودب متاجرا بالدين لأهداف سياسية. ولن يكون في النشاط السياسي للمرجعيتين الدينيتين جديدا. فالكنيسة كان لها دورها السياسي منذ القرن التاسع عشر علي الأقل، زمن البابا كيرلس الرابع والخامس، لحل مشاكل 'المياه' في الحبشة، و'الدين' مع اوروبا.
علي ضوء كل هذا، لا نري مجالا للنظر نظرة جد الي زعم الحجر علي سيدة في 'السادسة والأربعين'، جامعية ذات أهلية، وكانت دوما في حوزة الحكومة التي حددت مكان لقائها مع الكنيسة. أما عن اعتصام الشباب في البطريركية فقد أججته الشائعات، لأن رجال الأمن تمهلوا كثيرا في توضيح الأمور عندما كانت السيدة وفاء في حوزتهم من 28/11، فانتهز دعاة السوء الفرصة، فكان الحصار والتناوش!! القضية كلها أن سيدة راشدة مثقفة في العقد الخامس ارادت ان تغير عقيدتها لسبب خاص، ثم عادت بعدما حققت ما تريد، لأن المؤمن عن عقيدة لايعود عن قراره تحت أي ضغط خاصة في حضور سلطة تحميه. لكن شاء ما بلغناه من انحدار ان تكون وفاء خطفت يوم حاولت ان تسلم، وخطفت يوم عادت الي مسيحيتها.. ولا عزاء لمصر.
ولايسع الانسان إلا أن يشعر بمزيد من الريبة والتوجس عندما لا تكاد تهدأ في الشمال حتي تشتعل في الجنوب، في قرية 'دمشاو'. قامت الدنيا ولم تقعد عندما أراد مواطنون بناء كنيسة في قريتهم، ويا أيها الخجل أين حمرتك. كنت أظن ان الدستور ينص صراحة علي أننا متساوون في الحقوق والواجبات. كلنا خاضع لضريبة الدم والمال. إلا أنه يحق لأي مواطن بناء مسجد في بنايته، وتقوم القيامة إذا أراد آخر بناء كنيسة في قريته. لا أظن أن 'الخط الهمايوني' الذي سقطت الامبراطورية العثمانية ولم يسقط أقوي من الدستور. مع ذلك يظل من حقي أن اسأل عن السلطات المكلفة بتطبيق القانون... المحافظ، المجلس المحلي، جهة رسمية ما.. أم ان جميع الجهات التي حددتها اللوائح والقوانين قد سلمت سلطاتها للغوغاء. من أعطي الحق لجماعة، أي جماعة، أن تجعل من نفسها سلطة مطلقة، لا تعترف بشرطة ولا تلجأ لقضاء؟! وعندما تستيقظ الدولة تزيد الطين بلة، ليطلق ضابط النار عشوائيا ويقتل مواطنا ثم يلقي القبض علي الجميع مسلمين ومسيحيين سواء بسواء!! يا من تعودتي علي الدوام جمع أبنائك في هذه المناسبات في بيت أحد وجهاء القرية ليتعاون الجميع في اقامة المشروع. المسلمون يساهمون في بناء كنيسة، والمسيحيون يساهمون في بناء مسجد. أشياء فرضتها عبقرية المكان، فالفيضان لم يكن يميز، ولا الحريق يفرق. يكفي ان يجأر صوت 'غيتوني ياهوه' حتي يتراكض الجميع، رجالا ونساء لاقامة السدود، لإطفاء الحريق ولإغاثة المتضرر، غير معنيين بمن، أرض من، ولا بيت من؟! فيا أيها الخجل أين حمرتك، ويا أيها العقل أين حكمتك. ألا ترون معي أن خروج مثل هذه القضايا عن حجمها الطبيعي، وعما اعتاد عليه الناس، إنما يعلن عن جديد طاريء وله خبيء.
الزعيم المعبود والمجاهد المحسود
نظرة سريعة علي صفحة واحدة من جريدة واحدة تكشف بوضوح ما يحاك بين طرفين قلت مرارا أنهما وجهان لعملة واحدة. يعلم جيدا من يلطمون الخدود ويشقون الجيوب خوفا علي مصر من 'الخطر القبطي' المزعوم أن المسيحيين في مصر ليسوا هم من أفرج عن عزام عزام، وليس لهم دخل في ربط صادرات مصر بالصادرات الاسرائيلية (7.11 % علي الأقل من المكونات) ولا من يشجع دول البترول علي التطبيع مع اسرائيل، ولا من شجع أبومازن علي الاعتذار للكويت تمهيدا لاعتذاره لاسرائيل عن الانتفاضة المسلحة.. هم يعرفون كل هذا لكنهم يلعبون دورهم بجدارة لالهاء الناس عن الاخطار الحقيقية المحيطة. حتي لانري الجثث المتفحمة في الفالوجة، ولا الدبابات تجتاح القري في فلسطين، ولا نري غير خطة امريكية معادية للاسلام، مؤيدة للمسيحيين.
اذا كان لواشنطن خطة قادمة في مصر فهي ليست إلغاء الشريعة كمصدر للتشريع. فقد جري العرف واستقر منذ أزمان سابقة علي هذا العصر الرديء، علي اعتبارها كذلك. علمنا في كلية الحقوق المرحومان الشيخ الدكتور علي الخفيف والدكتور وديع فرج أن 'المعروف عرفا كالمشروط شرطا يجري بين المتعاقدين مجري القانون تماما'. وقد جري العرف واستقر منذ عدة قرون، في مصر المحروسة، علي قواعد للمعاملات المدنية لها مصادرها الشرعية، ولا علاقة لها بشرائع كولان وكابيتان. ثم تظهر حالة التلبس باستغفال القاريء عندما يربط المشروع المزعوم بين الغاء الشريعة وضرورة ان يكون النائب الأول للرئيس مسيحيا.. يا للهول!! لو عني الكاتب بدراسة تاريخ مصر، منذ آل امرها اليها وأصبح شعبها مصدر سلطاتها، لوجد أن حزب الأغلبية (82 % ) الذي ساد الحياة المصرية طيلة 29 عاما كان علي قمته 'الزعيم المعبود' مصطفي النحاس و'المجاهد المحسود' مكرم عبيد، سكرتير عام الوفد المصري. كانت هذه الألقاب نياشين زين بها شعبنا صدر الزعيمين الكبيرين في أمجد معارك مصر الديمقراطية، طيلة خمس سنوات، ضد دستور 1930 لاعادة دستور 1923. وعندما ضاق الملك بحكم الأغلبية سنة 1937 عين علي ماهر رئيسا للديوان، وكان شقيقه احمد ماهر رئيسا لمجلس النواب الوفدي متآمرا مع القصر. عندها أقدم القصر علي اقالة حكومة مصطفي النحاس وصدر مرسومان واحد بوزارة جديدة وآخر بتعليق جلسات مجلس النواب لمدة شهر. طلب أحمد ماهر من المجلس الموافقة علي المرسومين دون مناقشة، لكن مكرم عبيد وقف مؤيدا من غالبية المجلس مصرا علي عدم دستورية المرسومين. عندها لم يجد رئيس المجلس بدا من أن يأمر بقطع كهرباء القاعة ليمنع مكرم عبيد من الكلام. هنا وقف مكرم شامخا وقال للرئيس: ،، أنت وأخوك تتآمران علي.. أنت وأخوك والسراي تتآمرون علي.. أطفيء الأنوار، فان نور الحق ساطع،، فسقط رئيس المجلس وطرد من الوفد وبقي 'المجاهد المحسود' مناضلا هو و'الزعيم المعبود' طيلة أربع سنوات عجاف غاب فيها الدستور. وعندما تفرض الأحداث عودة الأغلبية (1942) يضع مكرم عبيد بصمات الرجل الثاني في الزعامة المصرية، مشيرا الي خطورة ديكتاتورية رأس المال قبل الثورة بعشر سنوات. تحدث كوزير المالية في بيان الميزانية، 'فقد عملنا لتخليص المصري من الاستعمار الأجنبي، وبقي علينا ان نخلص المصري من الاستعمار المصري!!' اقول هذا لعل من عاشوا هذه الأحداث يعلمون ان الرجل الثاني في حزب الأغلبية كان أهم من نائب رئيس جمهورية، وضعه بروتوكولي وحامل رسائل في معظم الأوقات. فلست أدري ما الطامة الكبري في أن يكون نائب رئيس الجمهورية مسيحيا. ما أرفضه من حيث المبدأ أن يكون المنصب مخصصا ومفروضا بناء علي 'كوتا'. التخصيص يتيح الفرص للمتصيدين في الماء العكر للتهويل بالفرض من الخارج، أو التمييز في أحسن الأحوال.
الإسلام السياسي وصراع السلطة
واضح للعيان تكرار حدوث هذه الظواهر منذ بداية السبعينيات، إثر انكفاء المشروع الوطني والحلم القومي بغياب خالد الذكر. لست بصدد المقارنة بين نهجين، فمن حق الخلف أن تكون له رؤيته المخالفة للسلف. ما يهمنا هو أن المشروع الناصري كان يقوم علي ويستند الي تجمع قوي الشعب العامل، أما المشروع الاقتصادي البديل فكان يقوم علي قوي اجتماعية في طريق التكوين وبلا سند شعبي. كان من الخطر ترك الشارع المصري لتحالف الجماهير الناصرية واليسار. ولتلهف النظام الجديد الي سند شعبي سريع، سواء في الريف المؤمن، أم في قاهرة الألف مئذنة، بادر الرئيس الجديد، ولأول مرة في تاريخ مصر، باعلان أنه 'رئيس مسلم في بلد مسلم'، ثم اطلق العنان للجماعات الاسلامية. شهدت الجامعات صراعا داميا، بدأ فكريا ضد صحف الحائط الداعية للاشتراكية، ثم تطور عدوانيا باجتياح الجامعات والمعاهد بالخناجر والجنازير.
في نفس الوقت عاد من السعودية من كان فيها من اللاجئين الأثرياء. وهكذا توفر لهذه الجماعات كل وسائل وامكانات الحركة المريحة: المال والرجال والسلطة المساندة. وقع النظام في غلطة الشاطر ونسي أنهم كانوا دائما في سعي للاستيلاء علي السلطة دون شريك. سايروا الملكية ورفعوا شعار 'الله مع الملك'، فلما قويت الشوكة انقلبوا عليها ليهيمنوا علي كل شيء من مركز القوة. ودفع من اطلق لهم العنان حياته ثمن هذه الغلطة. يضربون عندما يكون الحليف في حالة ضعف. كانت محاولتهم الأولي إثر هزيمة الجيوش العربية في فلسطين، ووجهوا ضربتهم الثانية إثر كامب دافيد. جاء العهد الحالي ليدخل في مواجهة دامية مع هذه الجماعات علي الصعيد الأمني والديني في نفس الوقت. فقد النظام الجديد القاعدة الاسلامية، أو الدعم الاسلامي الذي حاول الرئيس السابق الاستناد اليه، فتطلع الي كسب جموع المؤمنين غير المسيسين ليقع في خطأ لا يقل فداحة عن خطأ سلفه. دخل مع الجماعات في مناظرة حول ايهم اكثر ايمانا: النظام أم الجماعات: أيهم أقرب الي الله. انطلق الاعلام المقروء والمسموع والمرئي يتحدث عن صحيح الدين. انتشر رجال الدين في كل مكان، يشرحون ويوضحون. جددوا في الشكل، وليس في المضمون. ارتدوا الحلل، حلقوا اللحي، وقدموا الشباب. كان لابد أن يتطرف الطرفان في دعاواهم، فسادت السلفية في النهاية. سادت البلاد ثقافة دينية متصارعة. ولما كانت المعارضة دائما هي الأقرب للشارع غير المنتمي، شاع بين الناس الاستخفاف ب'الإسلام الرسمي' و'مشايخ السلطة'. كانت المحصلة ان اتسعت رقعة السلفية أكثر فأكثر. بعد المال والرجال حققت السلفية الانتشار الإعلامي، وانفردت بالعمل السياسي. حرم قانون الطواريء الأحزاب السياسية الشرعية من ممارسة أي نشاط خارج جدران مقارها، أما النشاط الديني، وهو في الحقيقة سياسي، فكان مسموحا به في كل مكان. وكان طبيعيا ان تهيمن القوي السلفية علي الجامعات والنقابات المهنية. أن يصبح لها لأول مرة شارعا جديرا بالاعتبار، كفيلا بان ينافقها الانتهازيون ويركب موجتها الأصوليون. خاصة وقد صاحب هذا الحراك استثمارات اقتصادية وبنوك 'تقوي' تقدم القروض وتضمن الزبائن. ولا يكون عجبا ان يرتدي الشارع المتأسلم 'يونيفورم' للرجال والنساء لاتخطئه العين، وكلها أمور تميز ولا توحد، تفرق ولاتجمع. ولا يكون مناص من أن ينتاب القلق كل عاقل مهما كانت عقيدته، خاصة عندما يستشعر نوعا من التمييز، أو يهمس في أذنه بأنه مستهدف.. لا لن انساق وراء ديبلوماسية انتقاء الكلمات، الأمر أخطر من مجرد 'القلق' و'التمييز'، من تناوله بقفازات من حرير، أجل من أن يعالجه المثقفون بفذلكة المرتاحين، بلسان الطائفة التي ينتمون اليها لا بلسان مصر. تطلع علينا مانشتات الصحف وعينها علي قاعدة القراء الأوسع. ندوات الفضائيات تبرز نشاطات المهاجرين في أمريكا وهم فئة ناشزة، وتضرب كفا بكف لشعارات آثمة اطلقتها أفواه يائسة كان جسد الطائفة السليم أول من استنكرها. لكنهم ينسون تماما من كانوا يذيعون من جنوب فرنسا أبان حرب القناة: أفراد معهد فرانكفورت سييء السمعة الذي كان يدرب الكوادر التي يرشحها القادة القابعون في بلاد النفط، من مولتهم جميع الأجهزة للتآمر علي مصر الثورة، ثم استقبلناهم بالأحضان كضحايا العهد السابق!! كان هذا الكيل بمكيالين وحده كفيلا بإثارة الخوف والشعور بالاضطهاد.
لايستطيع عاقل أن يبريء الاسلام السياسي من افتعال الأحداث المؤسفة التي تضرب الأمن القومي في الصميم. ابتداء لأنني مؤمن بأن الوعاء الكبير هو الذي يحتوي الصغير وليس العكس. لذلك لامناص من أن ننحو باللائمة علي من أخذته العزة بالكثرة، من ظن أن الكبر والغلواء يقربه الي الله، ولو تمعن وصدق لعرف ان الفظاظة وغلظة القلب تبوء علي صاحبها بالخسران. ألوم جماعة دون اخري، لأنني أتحدث عن الجماعة المنظمة الساعية لهدف لا تنكره، لا عن أفراد شذوا وتنكبوا الطريق. نعم حدث أن وضع العدو مذياعا في يد من ارتضي مهاجمة مصر، والمهاجر الذي يتهجم علي بلاده طمعا في الجنسية، وليملأ جيوبه بحفنة دولارات. لكن أمثال هؤلاء كانوا وظلوا أفرادا. لكل هذا لا أستطيع أن أنحو باللائمة إلا علي القوي ذي الشوكة. الذي يتحرك علي أرضنا، بيننا، وأفعاله تصمنا جميعا بلا استثناء: الذي يغض النظام الطرف عن نشاطه لأنه المبرر الوحيد الباقي لوجوده... أنني أتهم التأسلم السياسي وإليكم الأسباب:
أولا:التيار الاسلامي صاحب مشروع سياسي لايخفيه. لايكف اناء الليل وأطراف النهار عن ترديد أنه يسعي للوصول الي السلطة، وإن هذا حقه لأن الاسلام دين ودولة.
ثانيا: المشروع الديني، وإن ادعي بأنه لايميز بين المواطنين مهما اختلفت طوائفهم، فهو في أحسن الظروف، حتي إن صدق، سيفرض عليهم شرائع ومباديء لايرضون عنها، مما يسلتزم اضعافهم حتي لايتمكنوا من مقاومة المشروع. لايقتصر هذا الأمر علي الطوائف غير المحمدية، بل علي كل المسلمين اذا اختلفت مذاهبهم هذا الأمر علي الطوائف غير المحمدية، بل علي كل المسلمين اذا اختلفت مذاهبهم عن فئة الجماعة. هذا ما حدث في الدولة الأموية بالنسبة للشيعة وآل البيت والمعتزلة وكل من عارضهم. استباح مسلم بن عقبة مدينة رسول الله ثلاثة أيام في عهد يزيد بن معاوية 'حتي ساخت الأقدام في الدماء!!' وضرب الحجاج الكعبة بالمنجنيق حتي احترقت في عهد عبدالملك بن مروان. لئن ادعوا ان دك هذه الأماكن المقدسة كان لثتبيت سلطة خلافة الطلقاء وامارتهم للمؤمنين، فلماذا كان لعن بن أبي طالب وكل آل البيت من علي المنابر طيلة ثمانين عاما بعد ان استتب لهم الملك. ولم يكن العباسيون، وهم من آل البيت، أرحم بالعلويين آل البيت، ناهيك عن الاضطهاد والبطش بكل من تمرد علي جور الخلفاء مهما حسن إسلامه.
ثالثا: يقوم أصحاب المشروع الديني بتعبئة البسطاء حول مفهوم الخير كل الخير فيهم، والشر كل الشر في الآخر، وتضعهم في حالة استنفار دائم ضد هذا العدو الوهمي.
وفي المناهج..أيضا
يردني هنا حديث هام للمفكر المعروف د. عبدالحميد الأنصاري، العميد السابق لكلية الشريعة واصول الدين في قطر، عن ضرورة 'تهذيب المناهج بقيم التسامح والتقارب والقبول بالآخر' ومن اللازم لتحقيق هذا الهدف 'نزع القداسة عن التاريخ الاسلامي لانه تاريخ بشر يصيبون ويخطئون. لذلك يجب فصل الدين عن التاريخ في المناهج ليستقيم فهم الناشئة للتاريخ. فليس من الأمانة حشو ادمغة الناشئة بالأمجاد والمآثر مع تجاهل تام للسلبيات فذلك يورث استعلاء وانتفاخا كاذبا'.. لقد توصل د. الأنصاري الي ان النهج الانتقائي الاستعلاني في تدريس التاريخ هو أحد روافد الفكر العدواني الارهابي 'الذي ابتليت به مجتمعاتنا' (صحيفة الراية القطرية، 30/1/2005).
رابعا: يميل أصحاب المشروع لاستعراض القوة والتأكيد علي سلطانهم. يوهمون بأن كل حشود المصلين من أنصارهم. يحاولون الحلول محل الدولة في تقويم مايرونه خروجا. يحركون قضايا حسبة ضد المفكرين والمبدعين حتي لو كانوا مسلمين. حتي بعد أن أعلن المدعي العام بأن اقامة دعوي الحسبة من حق النيابة العامة وحدها، يتحايلون علي التصدي بأنفسهم لما يعتبرونه منكرا. أما وهم في السلطة فالطاعة مطلقة لولي الأمر حتي إن جار.
خامسا: أصحاب المشروع الديني في مركز القوة عددا وتنظيما: مركز يسمح لهم بافتعال الأحداث وتوتير الأمور بدق طبول الحرب لكون الدين في خطر. يبادرون بالتحرش ملقين اللوم علي الجانب الضعيف الذي لايعقل التحرش من جانبه. كل هذا يمكنهم من اثارة العواطف في الاتجاه الخطأ.
سادسا: لم تعد 'الثقية' الشيعية، باعلان غير الحقيقة حماية للنفس، قاصرة علي الشيعة، بل امتدت الي السنة. فقد أعلن المرشد الأول حسن البنا رحمه الله بيان 'ليسوا إخوانا وليس مسلمين' انقاذا للجماعة، وهو واثق ان قتلة النقراشي كانوا إخوانا مسلمين. وليس في أصحاب المشروع المعاصرين من هو أصدق منه. ألم يخرجوا جميعا من عباءته.
سابعا: يؤكد كشف السوابق وتشهد تجربة التاريخ ان المشروع الديني لجأ الي جميع الأساليب المشروعة وغير المشروعة للوصول الي السلطة. كما كان هو المشروع الطائفي الوحيد. لكن تزداد المسئولية ويعظم الخطر، في هذا الزمان، عندما نلقي الضوء علي الأثار السلبية التي تجرها تحركاته علي أمن الوطن ووحدة ابنائه.
أ تزود هذه الأحداث آلة الاعلام المعادية في الخارج بما يخدم أهداف المخطط العدواني، وكل ما يسيء لسماحة الاسلام الحنيف.
ب تدعم هذه الأحداث آلة حرب العدو المتفرد والمتربص للهيمنة علي العالم، باثاره ما يمكن ان يؤخذ علي انه اضطهاد للأقليات.
ت الكلام عن الدولة الدينية يسوع بطريقة ما مبدأ القومية علي أساس ديني الذي يرفضه العلم. كما ان الدعوة لقيام الدولة الدينية يدعم، ارادوا او لم يريدوا، شرعية الدولة العبرية. ويمهد الطريق، في هذا الزمن الرديء، أمام المخطط الجهنمي الهادف لتقسيم العالم العربي لكيانات طائفية: علوية، سنية، درزية، شيعية، و.. مسيحية.. ألخ.
ث مثل هذه الأحداث قد تدفع ضعاف النفوس، وإن كانوا قلة لاتذكر، للاستقواء بالغريب ورديد شعارات بائسة أو الهجرة اليائسة، وقد يصل الأمر الي الانخراط في المخطط الجهنمي من دون وعي.
ج لا أشك لحظة في أنه بين الداعين لهذا المشروع من يؤمنون، أصابوا أم اخطأوا، بأن الاسلام دين ودولة. لكن أقول لهم بكل صدق إن كان في مقدورهم ان يكونوا في عصمة النبي ونقاء الصديق وعدل عمر فهل ضمنوا عدم وجود طلقاء قاتل الطلقاء محمدا ودين محمد حتي حاقت بهم الهزيمة ساحقة، لكنه اطلقهم بسماحة الأنبياء وانسانية الرسالة. أما هم فلم ينسوا ثاراتهم، وحينما تمكنوا انقلبوا علي الخلافة الراشدة وجعلوا من أنفسهم خلفاء للمسلمين وامراء للمؤمنين، في ملك عضوض يتوارثونه هم وأبناؤهم اما طلقاء عصرنا الحاضر فقد سلحهم ودربهم العدو ليقاتلوا معه الخطر الشيوعي دفاعا عن الاسلام. وعندما سقط السور وزال الخطر المهدد للاسلام استعملهم للمرة الثانية، علي انهم الارهاب لتبرير تدخله وفرض سيطرته. لم ينكروا 11/9، حرصا علي الرسالة ان كانت لهم رسالة. لم يصنعوا مثل المرحوم حسن البنا عندما اصدر بيان 'ليسوا اخوانا وليسوا مسلمين' حرصا علي الجماعة، لم ينكروا بل تباهو ليقدموا للقوة المنفردة ما تحتاجه من ذرائع. ليس هذا بيت القصيد، لكنني ألفت نظر الشرفاء حسني النية لما يحدث في السعودية هذه الأيام. لايستطيع أحد ممن يدعون حمل رسالة الاسلام ان ينكر فضل السعودية عليهم. آوتهم وآزرتهم ومولتهم حتي أصبح لهم تنظيما دوليا. ولا يستطيع احد ان ينكر ان سعودية اليوم تقوم علي نفس الأسس الدينية والعشائرية التي قامت عليها منذ عشرات السنين، لا أقل دينا ولا أكثر جورا مما كانت عليه أيام كانت الملاذ الآمن والممول بلا حدود، بل علي العكس قد تكون سمحت اليوم ببضع اصلاحات خجول واذنت بنشاطات مدنية غير منتخبة. لكن ما ان بدا للسعودية هامش ضئيل مخالف للرغبات الامريكية: في قضية فلسطين: في تحويل مدخرات 6 ملايين عامل وافد، في صناديق ائتمان واستثمارات في بلدان لم تدرها الدولة المتفردة. ما أن حدث كل هذا حتي انطلق 'الجهاد' ضد الجور السعودي. ويا لسحر الولايات المتحدة!!
الرئيس.. الدولة.. الحزب!!
أما عن دولتنا الرشيدة حفظها الله حتي تكون دولة لنا لا علينا. فقد رضيت ان تكون دولة حزب طاريء علي حياتنا السياسية وتاريخنا الوطني. مصر تعرفت تاريخيا علي الحزب الشيوعي، ثم حزب الوفد وانشقاقاته واحزاب اخري هامشية.. حتي الإخوان المسلمين ظلوا جمعية دينية وليست حزبا. بعد الثورة رغم اجتياح التيار الناصري للجسور، بقيت هذه الأحزاب جزء لايتحزأ من تاريخ مصر. لم تعرف ولا عرف المصريون 'حزب مصر' الذي تحول الي الحزب الوطني الديمقراطي، لانه حزب ولد في مخيلة رئيس وعاش علي الورق. ادرك الحزب الطازج، قبل غيره، انه فاقد تماما لأي شرعية أو مسوغ وجود. لم يكن في مقدوره ان يمتطي صهوة الوفد العريق لأنه لم يكن منه، ولا جواد الثورة صاحبة تجمع قوي الشعب العامل، لاختلاف المباديء والمصالح. وفرضت الظروف وتطورات الأحداث، كما سبق ان ذكرنا، ان يدخل الحزب بسلاح الدولة مع التيار الاسلامي المسلح في صراع حياة أو موت دموي. هنا وببساطة شديدة وضع الحزب من خلال الرئيس يده علي جهاز الدولة، ونجم عن هذا الواقع ان اصبح النظام والتيار الاسلامي وجهان لعملة واحدة: كل منهما مستفيد من وجود الآخر. النظام يمن علينا بحمايتنا من التيار الديني، والتيار الديني يفيد من اخطاء النظام، ناهيك عن انه اصبح بحكم قانون الطواريء القوة السياسية الوحيدة التي تمارس العمل السياسي خارج مقراتها، في كل انحاء البلاد بمقولة انها ممارسة للشعائر الدينية. النظام سعيد جدا بانه يحكم بحزب اختار اعضاءه وسلطة تشريعية عين نوابها ونوابه الذين عينهم يرشحون الرئيس الذي لا يهدأ لجهاز الدولة بال ولاتغمض له عين قبل ضمان النتيجة المقررة سلفا. لهذا عندما يشتط المتأسلمون او يتسببون في مأساة، تقوم الدولة الوجه الآخر للعملة بالقاء القبض علي الجميع بالتساوي، بغض النظر عن المعتدي والمعتدي عليه فلا يمكن ان يكون النظام اقل اسلاما من التيار.
وقد أبرز د. الأنصاري في حديثه سالف الذكر أن الدولة تقوم بممارسات غير عادلة وأشكال من التمييز سواء من جانبها أو من الأغلبية المسلمة والعربية وحذر من انه 'اذا لم نتدارك لتصحيح تلك الأوضاع وانصاف مواطنينا فقد يكون ذريعة ومدخلا للقوي الأجنبية للتدخل في شئونا!'.
المطلوب دولة مواطنة ومساواة حقة
خطأ النظام كان دائما خطأ، لكنه أصبح اليوم خطيئة كانت حالة الطواريء المزمنة والحزب الواحد قضايا تناقش في اطار ضرورة الديمقراطية حقنا في ان نحكم انفسنا بانفسنا كان هذا محل حوار سياسي واكاديمي في الماضي. اما الان بعد كل ما جري ووسط الظروف الدولية المحيطة، اصبحت الديمقراطية الحقيقية طوق النجاة الوحيد في قادم الأيام. الشعب المصري الواحد الموحد هو وحده القادر علي مصارعة الأنواء.
لن أقول لكم ان الوحش الصهيوني اوشك علي التهام فلسطين والشعب الفلسطيني يقاوم وحده، أو ان الطغيان الامريكي احتل العراق ويمارس تقسيمها اكرادا وسنة وشيعة وشعب الرافدين يقاتل بضراوة لكني أقول لكم ان كل هذا ما كان يمكن ان يحدث لولا غيبة مصر... أي غيبة!؟ هي غيبة الحضور السلبي. لو لم نذهب لحفر الباطن لما ذهبت سوريا ولما جرؤ الامريكان علي الذهاب دون غطاء عربي. لكننا ذهبنا عندما ذهبت ارادتنا. وكفي المتشدقون بسلامة مصر وبعدها عن مشاكل العرب، فقد اكلت يوم أكل الثور الأبيض. مصر قوية بعراق حر، وفلسطين ذات سيادة. وتضرب مصر في عقر دارها في صميم امنها القومي اذا تقوقعت واستكانت. اذكر كلمة قالها ناصر لايدن عندما دعاه لدخول الأحلاف العسكرية حماية لمصر من الخطر السوفييتي. قال ناصر: 'لا أري الآن غير خطر حال هو الاحتلال البريطاني والخطر السوفييتي محتمل. ليس من المعقول ترك الخطر الحال لمواجهة المحتمل. اخرجوا من بلادنا وانا اعدك اذا حدث في المستقبل، بعد الجلاء، إن تخطي السوفييت الحدود العراقية ان ادعو العالم ليصد معنا العدوان' والسكين اليوم ليس بعيدا عن الرقبة وهو يعمل في الجنوب حيث العمق الاستراتيجي وماء الحياة. الديمقراطية الحقة، المساواة الدستورية الكاملة، هي ضمانة وحدتنا الوطنية وسلاحنا الفعال.
اعرف أن أهل النظام سيدفعون بان كل ما نشكو منه يحدث رغم كل ما فرضوه من قيود. يخيفوننا مما سيحدث لو اطلقوا الحريات. لكننا نرفض الوصاية. الشعب المتحرر من قيوده قادر علي حماية حريته ومواجهة التخريب ايا كان مصدره. الوصاية المفروضة علينا منذ ثلاث عقود اوصلتنا الي ما وصلنا اليه الان. الوصاية التي فرضت علينا انبتت المنافقين لكل صاحب صولة المنتهزين لكل بريق فرصة، المتسلقين علي الدوام والمتاجرين بالاديان. في ظل الوصاية عم الفقر. الجنيه قرين الدولار انحط حتي اصبح قرينه يساوي أكثر من ستة أمثاله. عندما يفتقد الناس القرش الأبيض في اليوم الأسود لايجدون غير الله يلجئون اليه وتتلقفهم دوائر التأسلم لتقدم له ماعجز الوصي عن توفيره مالا وعملا، ثم يتسع الطريق لما نسمع ونري. سكتنا عن القطط السمان ونواب القروض وكاسحي المليارات حتي عم الفساد وطم. هذا الفساد هو السبب الأساسي لزوال هيبة الدولة مما اتاح الفرصة لازدهار جميع المشاريع المدمرة التي تستهدف الوطن ووحدة اراضيه. لهذا لايكون النضال في سبيل دستور عصري متقدم ترفا، بل ضرورة حتمية: دستور يضع جميع المواطنين علي قدم المساواة، ينص علي جميع الضمانات التي تضمن هذه المساواة وفي مقدمتها حظر قيام الأحزاب الطائفية والعنصرية ككل الدساتير الديمقراطية في العالم: دستور يعطي السلطة كل السلطة لنواب الأمة المنتخبين وفق الارادة الحرة: دستور يفصل بين السلطات مع ضمانات كافية لاستقلال القضاء: دستور يحدد فترة الرئاسة بما لايزيد عن فترتين: دستور يضمن قيام دولة علمانية. نعم، علمانية. هذا لايعني الحادا بأي حال، فالدولة كمجموعة مؤسسات هي ذات شخصية معنوية تقوم علي خدمة وتنظيم جماعة معينة من الناس وفق القوانين التي وضعوها وتراضوا عليها. الدولة العلمانية في فرنسا وايطاليا واسبانيا لم تؤثر سلبا ابدا في ديانة شعوبها الكاثوليكية، بل ان ايطاليا العلمانية سمحت بقيام دولة الفاتيكان علي أراضيها. بريطانيا دولة علمانية مع ان الملكة هي رأس الكنيسة الانجليكانية. ولم نذهب بعيدا ومصر نفسها في ظل دستور 1923 كانت علمانية في الواقع وعملا، رغم مادة تتحدث عن 'دين الدولة الرسمي' ولم تكن مصر في ظل الشرعية الثورية الا دولة علمانية: 'مصر جمهورية والشعب المصري جزء من الأمة العربية' بل ان دستور الوحدة، ان لم تخني الذاكرة، كان خلوا من الاشارة لدين الدولة. دولة علمانية فوق الجميع. جهاز الدولة ليس له اي انتماء حزبي، يتعامل مع جميع الظواهر بتجرد وفق الدستور، والقانون لايهمه من، بقدر ما يهمه ماذا وكيف. وتشدد القوانين وتغلظ العقوبة لمن يسخر سلطان الدولة لاي كان حتي لو كان رئيس الدولة (أوامر الرؤساء لاتعفي المرؤوسين من المسئولية). الم يلفت نظرنا ولا أثار اهتمامنا ما نسمعه عن رئيس دولة ينتقل ليمثل أمام المحقق، ورئيس وزراء يذهب ليستجوب في مخفر شرطة. تصادف ان كنت في فرنسا أثناء انتخابات محليات اكتسحت المعارضة الاشتراكية 19 مقاطعة وفاز حزب الرئيس شيراك في مقاطعة واحدة، ولم تهتز شعرة في بدن رجل شرطة، ولا سقط محافظ من موقعه. رجل الادارة يعمل للجميع ككل، لا يتصرف كحزبي الا ساعة الادلاء بصوته. هناك تسهر الدولة علي أمن المساجد وعدم تلويث مقابر اليهود. تتصرف بصرامة مع المعتدي وحدة. لكل هذا لم اتعجب عندما كان مسلمو فرنسا محجبات وملتحين يتقدمون الصفوف تضامنا مع واحتجاجا علي اختطاف الصحفيين الفرنسيين. قاموا بهذا والخلاف حول الحجاب في المدارس كان لم يزل ساخنا. لكن حتي هذا القرار كان شاملا لقلنوسة (يارمولك) اليهود وصليب المسيحيين. نريد دولة تصدر قانونا موحدا لدور العبادة، وتحدد الجهات الرسمية أو المحلية المنوط بها تنفيذه، ولا يحتم ضرورة الرجوع الي الجهات الأمنية بالنسبة لدور العبادة المسيحية. باختصار الخلاص من الوصاية والحد من غطرسة الاعتزاز بالكثرة باقامة مجتمع المساواة الديمقراطي.
انني وان كنت اختلف مع الأنبا بسنتي في ارجاعه عصر التمييز الي تأميمات يوليو 1961 التي اصابت الأخوة المسيحيين، فلاشك ان الأنبا نفسه يعلم أن غالبية المسيحيين هم أيضا من العمال والفلاحين والطبقة الوسطي التي أفادت من هذه التأميمات. لكنني أوافق علي توجه نيافته بتحريك اللجنة القومية لحقوق الانسان، متعاونا كما أعلن، مع الزميل المفكر الحقوقي د. احمد كمال ابوالمجد في حصر ظواهر التمييز التي تؤجج الاحساس بالاضطهاد. فلاشك ان الدكتور ابوالمجد، بحكم موقعه في اللجنة القومية، قد اضطلع علي بيان رؤساء الكنائس باسيوط، ورفضهم الأبي 'أن يصنف المواطنون في بلادنا الي مسيحيين ومسلمين' وان من غير المعقول او المقبول ان يكون الدين مانعا لشغل وظائف عامة معينة. كما انه من غير المعقول ان يتوقف عدد اخوتنا عند خمسة ملايين منذ خمسة عقود، ولايفهم من كلامي هذا أي قبول لكوتا. فالمساواة لاتعرف معيارا غير الكفاءة. الا ان حقوق الانسان تصرخ بالامتهان عندما لا نجد مسيحيا واحدا بين 26 محافظا، ولا مديرا لجامعة ولا حتي واحدا من نوابه الثلاثة. لقد ارتضت امم العالم بطرس غالي أمينا عاما للأمم المتحدة، وكان أول من تصدي، في هذا الموقع، لغطرسة القوة بنشر تقرير مذبحة قانا. وفي بلده يعين وزير دولة للشئون الخارجية وليس وزيرا للخارجية... ولله في خلقه شئون!! غير أنها مجرد أعراض لمرض خبيث سبق تشخيصه ووضع له العلاج الجذري الناجع، وقد يستغرق العلاج بعض الوقت حزب عزيمة الأخيار وارادة الأحرار. هذا طرحت بعض السلبيات لعل في تلافيها نوع من المسكنات. فلنبدأ العمل الجاد علي الفور.. فهنالك مشكلة حقيقية ولا داع لإخفاء الرؤوس في الرمال.
لم تعد القضية أبدا قضية سيدة ارادت تغيير عقيدتها ثم عادت، فهذا شأنها: ولاقضية جماعة أرادت بناء كنيسة، فهذا امر تحكمه القوانين واللوائح: ولا قضية ملازم متهور في سمالوط. القضية قضية قلوب يملؤها الغضب إزاء مشكلة حقيقية. بل هي مشاكل حقيقية دفعت بها الي السطح الأحداث الأخيرة، ورب ضارة نافعة. لهذا لا أجد مناصا من أن أهيب بكل القوي الديمقراطية ان تتحرر من اليأس من النضال الذي تقاعسوا عنه طويلا، أن يستلهموا شجاعة الآباء والأجداد أبطال النضال في ثورة 1919 والثلاثينيات والأربعينات ويوليو المجيد.
لايهم من يصل الي السلطة، المهم كيف يختار الشعب من يعهد اليه بالسلطة. لأن من يتولي السلطة بارادتنا سيحرص علي ثقتنا بأن يطرح علينا حقيقة مشاكلنا، حتي نسهم جميعا في حلها.. ولا.. ولاتبقي الحقيقة مغيبة. صحفي مصري يقيم في عمان
|
|
|
|